1.png 2.png
**صنداي تليجراف البريطانية تفتري الكذب على الشخ الدكتور هاني السباعي * وإعلام الضلال العربي يصدقها كالببغاء* ولا يكلف نفسه التأكد من مدى مصداقية جريدة صنداي تليجراف المعادية للمسلمين **
القائمة الرئيسية
bullet.gif الصفحة الرئيسية
bullet.gif مركز المقريزى الاعلامي
bullet.gif مكتبة المقريزي
bullet.gif مــقـــــــــــــــــالات
bullet.gif كــتـــــــــــــــــــــب
bullet.gif أخــبـــــــــــــــــــار
bullet.gif واحـة المنوعـــات
bullet.gif خُــطـــــــــــــــــــب
bullet.gif حـــــــوارات مكتوبة
bullet.gif بــيـــانـــــــــــــــات
bullet.gif شــعــــــــــــــــــــر
bullet.gif المركز
bullet.gif المدير العام د. هاني السباعي
bullet.gif سجل الزوار
bullet.gif مواقع
bullet.gif اتصل بنا
كتاب مجزرة رابعة‎

bullet.gif كتاب مجزرة رابعة‎
المقريزي موبايل

bullet.gif موقع المقريزي على موبايل
صور الاسبوع

مركز المقريزى الاعلامي
ملفات في الموقع
bullet.gif محاضرات البالتوك

bullet.gif هل الموسيقى حرام؟

bullet.gif ملف الشهيد سيد قطب

bullet.gif القوس العذراء.. رائعة العلامة محمود محمد شاكر

bullet.gif اللقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة
مركز التحميل
bullet.gif حمّل المجموعة الكاملة للدكتور هاني السباعي ( مقالات - تحليلات - بحوث - أجوبه )تحديث 03-10-2008

bullet.gif حمّل مجموعة الحوارات التلفزيونيه للدكتور هاني السباعي
كتاب ننصح به
هاني السباعي على تويتر
سجل الزوار


مشاركات الزوار


إضافة مشاركة في سجل الزوار

إضغط هنا

الشهيد سيد قطب - خصائص التصور الاسلامي
خصائص التصور الاسلامي
- الجزء الأول

بسم الله الرحمن الرحيم


كَلِمة فى المنْـهج
"إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم "
تحديد "خصائص التصور الإسلامى ومقوماته(1)" ... مسألة ضرورية ، لأسباب كثيرة :
ضرورية لأنه لابد للمسلم من تفسير شامل للوجود ، يتعامل على أساسه مع هذا الوجود.. لابد من تفسير يقرب لإدراكه طبيعة الحقائق الكبرى التى يتعامل معها ، وطبيعة العلاقات والارتباطات بين هذه الحقائق : حقيقة الألوهية ، وحقيقة العبودية (وهذه تشتمل على حقيقة الكون .. وحقيقة الحياة ، وحقيقة الإنسان) .. وما بينها جميعا" من تعامل وارتباط .
وضرورية لأنه لابد للمسلم من معرفة حقيقة مركز الإنسان فى هذا الوجود الكونى ، وغاية وجوده الإنسانى .. فمن هذه المعرفة يتبين دور "الإنسان" فى "الكون" وحدود اختصاصاته كذلك ، وحدود علاقته بخالقه وخالق هذا الكون جميعا".
وضرورية لأنه بناء على ذلك التفسير الشامل ، وعلى معرفة حقيقة مركز الإنسان فى الوجود الكونى وغاية وجوده الإنسانى ، يتحدد منهج حياته ، ونوع النظام الذى يحقق هذا المنهج ، فنوع النظام الذى يحكم الحياة الإنسانية رهين بذلك التفسير الشامل ، ولابد من أن ينبثق منه انبثاقا" ذاتيا"
وإلا كان نظاما" مفتعلا" ، قريب الجذور ، سريع الذبول . والفترة التى يقدر له فيها البقاء ، وهى فترة شقاء "للإنسان" ، كما أنها فترة صدام بين هذا النظام وبين الفطرة البشرية ، وحاجات "الإنسان"الحقيقية ! الأمر الذى ينطبق اليوم على جميع الأنظمة فى الأرض كلها - بلا استثناء - وبخاصة فى الأمم التى تسمى "متقدمة(2) !"
وضرورية لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات طابع خاص متميز متفرد ، وهى فى الوقت ذاته أمة جاءت لقيادة البشرية ، وتحقيق منهج الله فى الأرض ، وإنقاذ البشرية مما كانت تعانيه من القيادات الضالة ، والمناهج الضالة ، والتصورات الضالة - وهو ما تعانى اليوم مثله مع اختلاف فى الصور والأشكال - وإدراك المسلم لطبيعة التصور الإسلامى ، وخصائصه ومقاومته ، هو الذى يكفل له أن يكون عنصرا" صالحا" فى بناء هذه الأمة ، ذات الطابع الخاص المتفرد المتميز ، وعنصرا" قادرا" على القيادة والإنقاذ ، فالتصور الاعتقادى هو أداة التوجيه الكبرى ، إلى جانب النظام الواقعى الذى ينبثق منه ، ويقوم على أساسه ، ويتناول النشاط الفردى كله ، والنشاط الجماعى كله ، فى شتى حقول النشاط الإنسانى .

***
ولقد كان القرآن الكريم قد قدم للناس هذا التفسير الشامل ، فى الصورة الكاملة ، التى تقابل كل عناصر الكينونة الإنسانية ، وتلبى كل جوانبها ، وتتعامل مع كل مقوماتها .. تتعامل مع "الحس" و "الفكر" و "البديهة" و "البصيرة" .. ومع سائر عناصر الإدراك البشرى ،، والكينونة البشرية بوجه عام - كما تتعامل مع الواقع المادى للإنسان ، هذا الواقع الذى ينشئه وضعه الكونى - فى الأسلوب الذى يخاطب ، ويوحى ، وبوجه كل عناصر هذه الكينونة متجمعة ، فى تناسق ، هو تناسق الفطرة كما خرجت من يد بارئها سبحانه ‍‍!
وبهذا التصور المستمد مباشرة من القرآن ، تكيفت الجماعة المسلمة الأولى ، تكيفت ذلك التكيف الفريد .. وتسلمت قيادة البشرية ، وقادتها تلك القياد الفريدة التى لم تعرف لها البشرية من قبل ولا من بعد - نظير . وحققت فى حياة البشرية - سواء فى عالم الضمير والشعور ، أو فى عالم الحركة والواقع - ذلك النموذج الفذ الذى لم يعهده التاريخ ، وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة ، فمنه انبثقت هى ذاتها .. وكانت أعجب ظاهرة فى تاريخ الحياة البشرية : ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص كتاب ‍! وبه عاشت . وعليه اعتمدت فى الدرجة الأولى باعتبار أن "السنة" ليست شيئا" آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآنى .. كما لخصتها عائشة - رضى الله عنها -وهى تسأل عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة : "كان خلقه القرآن" .. (خرجه النسائى) .

***
ولكن الناس بعدوا عن القرآن ، وعن أسلوبه الخاص ، وعن الحياة فى ظلاله ، عن ملابسة الأحداث والمقومات التى يشابه جوها الجو الذى تنزل فيه القرآن .. وملابسة هذه الأحداث والمقومات ، وتنسم جوها الواقعى ، هو وحده الذى يجعل هذا القرآن مدركا" وموحيا" كذلك ، فالقرآن لا يدركه حق إدراكه من يعيش خالى البال من مكان الجهد والجهاد لاستئناف حياة إسلامية حقيقية ، ومن معاناة هذا الأمر العسير الشاق وجرائره وتضحياته وآلامه ، ومعاناة المشاعر المختلفة التى تصاحب تلك المكابدة فى عالم الواقع ، فى مواجهة الجاهلية فى أى زمان !
إن المسألة - فى إدراك مدلولات هذا القرآن وإيحاءاته - ليست هى فهم ألفاظه وعباراته ، ليست هى "تفسير" القرآن - كما اعتدنا أن نقول ! المسألة ليست هذه إنما هى استعداد النفس برصيد من المشاعر والمدركات والتجارب ، تشابه المشاعر والمدركات والتجارب التى صاحبت نزوله، وصحبت حياة الجماعة المسلمة وهى تتلقاه فى خضم المعترك .. معترك الجهاد .. جهاد النفس وجهاد الناس ، جهاد الشهوات وجهات الأعداء . والبذل والتضحية . والخوف والرجاء . والضعف والقوة . والعثرة والنهوض .. جو مكة ، والدعوة الناشئة ، والقلة والضعف ، والغربة بين الناس .. جو الشعب والحصار ، والجوع والخوف ، والاضطهاد والمطاردة والانقطاع إلا عن الله .. ثم جو المدينة : جو النشأة الأولى للمجتمع المسلم ، بين الكيد والنفاق ، والتنظيم والكفاح .. جو "بدر" و "أحد" و "الخندق" و "الحديبية" وجو " الفتح " و "حنين" و "تبوك" .. جو نشأة الأمة المسلمة ونشأة نظامها الاجتماعي والاحتكاك الحي بين المشاعر والمصالح والمبادئ فى ثنايا النشأة وفى خلال التنظيم .
فى هذا الجو الذى تنزلت فيه آيات القرآن حية نابضة واقعية .. كان للكلمات وللعبارات دلالاتها وإيحائاتها .. وفى هذا الجو الذى يصاحب محاولة استئناف الحياة الإسلامية من جديد يفتح القرآن كنوزه للقلوب ، ويمنح أسراره ، ويشيع عطره ، ويكون فيه هدى ونور قد كانوا يومئذ يدركون حقيقة قول الله لهم :
"يمنون عليك أن أسلموا . قل : لا تمنوا على إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين" (الحجرات : 17)
وحقيقة قول الله لهم :
"يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24) وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ(25)وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمْ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ " (الأنفال : 24 : 26)
وحقيقة قول الله لهم :
"ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون" . (آل عمران : 123)
وحقيقة قول الله لهم :
"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمْ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ(139)إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ(140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(141)أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ(142)وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَتَمَنَّوْن الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ"". (آل عمران : 139-143)
وحقيقة قول الله لهم :
"لَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمْ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ(25)ثُمَّ أَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ" . (التوبة : 25 - 26 )
وحقيقة قول الله لهم :
"لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ" . (آل عمران : 186)
كانوا يدركون حقيقة قول الله لهم فى هذا كله ، لأنه كان يحدثهم عن واقعيات فى حياتهم عاشوها ، وعن ذكريات فى نفوسهم لم تغب معالمها ، وعن ملابسات لم يبعد بها الزمن ، فهى تعيش فى ذات الجيل ..
والذين يعانون اليوم وغدا" مثل هذه الملابسات ، هم الذين يدركون معانى القرآن وإيحاءاته ، وهم الذين يتذوقون حقائق التصور الإسلامى كما جاء بها القرآن ، لأن لها رصيدا" حاضرا" فى مشاعرهم وفى تجاربهم ، يتلقونها به ، ويدركونها على ضوئه .. وهم قليل ..
ومن ثم لم يكن بد - وقد بعد الناس عن القرآن ببعدهم عن الحياة الواقعية فى مثل جوه - أن نقدم لهم حقائق : "التصور الإسلامى" عن الله والكون والحياة والإنسان من خلال النصوص القرآنية ، مصحوبة بالشرح والتوجيه ، والتجميع والتبويب ، لا ليغنى هذا غناء القرآن فى مخاطبة القلوب والعقول ، ولكن ليصل الناس بالقرآن - على قدر الإمكان - وليساعدهم على أن يتذوقوه ، ويلتمسوا فيه بأنفسهم حقائق التصور الإسلامى الكبير !
على أننا نحب أن ننبه هنا إلى حقيقة أساسية كبيرة .. إننا لا نبغي بالتماس حقائق التصور الإسلامي ، مجرد المعرفة الثقافية ... لا نبغى إنشاء فصل فى المكتبة الإسلامية، يضاف إلى ما عرف من قبل باسم "الفلسفة الإسلامية" . كلا ! إننا لا نهدف إلى مجرد "المعرفة" الباردة ، التى تتعامل مع الأذهان ، وتحسب فى رصيد "الثقافة" ! إن هذا الهدف فى اعتبارنا لا يستحق عناء الجهد فيه! إنه هدف تافه رخيص ! إنما نحن نبتغى "الحركة" من وراء "المعرفة" . نبتغى أن تستحيل هذه المعرفة قوة دافعة ، لتحقيق مدلولها فى عالم الواقع . نبتغى استجاشة ضمير "الإنسان" لتحقيق غاية وجوده الإنسانى ، كما يرسمها هذا التصور الربانى ، نبتغى أن ترجع البشرية إلى ربها ، وإلى منهجه الذى أراده لها ، وإلى الحياة الكريمة الرفيعة التى تتفق مع الكرامة التى كتبها الله للإنسان ، والتى تحققت فى فترة من فترات التاريخ ، على ضوء هذا التصور ، عندما استحال واقعا" فى الأرض ، يتمثل فى أمة ، تقود البشرية إلى الخير والصلاح والنماء .

***
ولقد وقع - فى طور من أطوار التاريخ الإسلامى - أن احتكت الحياة الإسلامية الأصلية ، المنبثقة من التصور الإسلامى الصحيح ، بألوان الحياة الأخرى التى وجدها الإسلام فى البلاد المفتوحة ، وفيما وراءها كذلك ، ثم بالثقافات السائدة فى تلك البلاد .
واشتغل الناس فى الرقعة الإسلامية - وقد خلت حياتهم من هموم الجهاد ، واستسلموا لموجات الرخاء .. وجدت فى الوقت ذاته من جراء الأحداث السياسية وغيرها مشكلات للتفكير والرأى والمذهبية - كان بعضها فى وقت مبكر منذ الخلاف المشهور بين على ومعاوية - اشتغل الناس بالفلسفة الإغريقية وبالمباحث الللاهوتية التى تجمعت حول المسيحية ، والتى ترجمت إلى اللغة العربية .. ونشأ عن هذا الاشتغال الذى لا يخلو من طابع الترف العقلى فى عهد العباسيين وفى الأندلس أيضا"، انحرافات واتجاهات غريبة على التصور الإسلامى الأصيل ، التصور الذى جاء ابتداء لإنقاذ البشرية من مثل هذه الانحرافات ، ومن مثل هذه الاتجاهات ، وردها إلى التصور الإسلامى الإيجابى الواقعى ، الذى يدفع بالطاقة كلها إلى مجال الحياة ، للبناء والتعمير ، والارتفاع والتطهير ، ويصون الطاقة أن تنفق فى الثرثرة كما يصون الإدراك البشرى أن يطوح به فى التيه بلا دليل .
ووجد جماعة من علماء المسلمين أن لابد من مواجهة آثار هذا الاحتكاك ، وهذا الانحراف ، بردود إيضاحات وجدل حول ذات الله - سبحانه - وصفاته . وحول القضاء والقدر وحول عمل الإنسان وجزائه ، وحول المعصية والتوبة .. إلى آخر المباحث التى ثار حولها الجدل فى تاريخ الفكر الإسلامى ! ووجدت الفرق المختلفة خوارج وشيعة ومرجئة ، قدرية وجبرية ، سنية ومعتزلة .. إلى آخر هذه الأسماء .
كذلك وجد بين المفكرين المسلمين من فتن بالفلسفة الإغريقية - وبخاصة شروح فلسلفة أرسطو - أو المعلم الأول كما كانوا يسمونه - وبالمباحث اللاهوتية- "الميتافيزيقية" - وظنوا أن "الفكر الإسلامى" لا يستكمل مظاهر نضوجه واكتماله ، أو مظاهر أبهته وعظمته ، إلا إذا ارتدى هذا الزى - زى التفلسف والفلسفة - وكانت له فيها مؤلفات ! وكما يفتن منا اليوم ناس بأزياء التفكير الغربية . فكذلك كانت فتنتهم بتلك الأزياء وقتها . فحاولوا إنشاء "فلسفة إسلامية" كالفلسفة الإغريقية . وحاولوا إنشاء "علم الكلام" على نسق المباحث اللاهوتية مبنية على منطق أرسطو !
وبدلا" من صياغة "التصور الإسلامى" فى قالب ذاتى مستقل ، وفق طبيعته الكلية ، التى تخاطب الكينونة البشرية جملة ، بكل مقوماتها طاقتها ولا تخاطب "الفكر البشرى" وحده خطابا" باردا" مصبوبا" فى قالب المنطق الذهنى .. بدلا" من هذا فإنهم استعاروا "القالب" الفلسفى ليصبوا فيه "التصور الإسلامى" ، كما استعاروا بعض التصورات الفلسفية ذاتها ، وحاولوا أن يوفقوا بينها وبين التصور الإسلامى أما المصطلحات فقد كادت تكون كلها مستعارة !
ولما كانت هناك جفوة أصلية بين منهج الفلسفة ومنهج العقيدة ، وبين أسلوب الفلسفة وأسلوب العقيدة ، وبين الحقائق الإيمانية الإسلامية وتلك المحاولات الصغيرة المضطربة المفتعلة التى تتضمنها الفلسفات والمباحث اللاهوتية البشرية.. فقد بدت "الفلسفة الإسلامية" - كما سميت - نشازا" كاملا" فى لحن العقيدة المتناسق ! ونشأ من هذه المحاولات تخليط كثير ، شاب صفاء التصور الإسلامى، وصغر مساحته ، وأصابه بالسطحية .
ذلك مع التعقيد والجفاف والتخليط . مما جعل تلك "الفلسفة الإسلامية" ومعها مباحث علم الكلام غريبة غربة كاملة على الإسلام . وطبيعته وحقيقته ومنهجه ، وأسلوبة !
وأنا أعلم أن هذا الكلام سيقابل بالدهشة - على الأقل ! - سواء من كثير من المشتغلين عندنا بما يسمى "الفلسفة الإسلامية" أو من المشتغلين بالمباحث الفلسفية بصفة عامة .. ولكنى أقرره ، وأنا على يقين جازم بأن "التصور الإسلامى" لن يخلص من التشويه والانحراف والمسخ ، إلا حين نلقى عنه جملة بكل ما أطلق عليه اسم "الفلسفة الإسلامية" وبكل مباحث "علم الكلام" وبكل ما ثار من الجدل بين الفرق الإسلامية المختلفة فى شتى العصور أيضا" ! ثم نعود إلى القرآن الكريم ، نستمد منه مباشرة "مقومات التصور الإسلامى" ، مع بيان "خصائصه" التى تفرده من بين سائر التصورات ، ولا بأس من بعض الموازنات - التى توضح هذه الخصائص - مع التصورات الأخرى - أما مقومات هذا التصور فيجب أن تستقى من القرآن مباشرة ، وتصاغ صياغة مستقلة .. تماما" .
ولعله مما يحتم هذا المنهج الذى أشرنا إليه أن ندرك ثلاث حقائق هامة :
الأولى : أن أول ما وصل إلى العالم الإسلامى من مخلفات الفلسفة الإغريقية واللاهوت المسيحى ، وكان له أثر فى توجيه الجدل بين الفرق المختلفة وتلوينه ، لم يكن سوى شروح متأخرة للفلسفة الإغريقية ، منقولة نقلا" مشوها" مضطربا" فى لغة سقيمة . مما ينشأ عنه اضطراب كثير فى نقل هذه الشروح !
الثانية: أن عملية التوفيق بين شروح الفلسفة الإغريقية والتصور الإسلامى كانت تنم عن سذاجة كبيرة ، وجهل بطبيعة الفلسفة الإغريقية ، وعناصرها الوثنية العميقة ، وعدم استقامتها على نظام فكرى واحد ، وأساس منهجى واحد .. مما يخالف النظرة الإسلامية ومنابعها الأصيلة .. فالفلسفة الإغريقية نشأت فى وسط وثنى مشحون بالأساطير ، واستمدت جذورها من هذه الوثنية ومن هذه الأساطير ، ولم تخل من العناصر الوثنية الأسطورية قط ، فمن السذاجة والعبث - كان - محاولة التوفيق بينها وبين التصور الإسلامى القائم على أساس "التوحيد" المطلق العميق التجريد .. ولكن المشتغلين بالفلسفة والجدل من المسلمين ، فهموا - خطأ - تحت تأثير ما نقل إليهم من الشروح المتأخرة المتأثرة بالمسيحية أن "الحكماء" - وهم فلاسفة الإغريق - لا يمكن أن يكونوا وثنين ، ولا يمكن أن يحيدوا عن التوحيد ! ومن ثم التزموا عمليه توفيق متعسفة بين كلام "الحكماء" وبين العقيدة الإسلامية . ومن هذه المحاولة كان ما يسمى "الفلسفة الإسلامية" !
الثالثة: أن المشكلات الواقعية فى العالم الإسلامى - تلك التى أثارت ذلك الجدل منذ مقتل عثمان - رضى الله عنه - قد انحرفت بتأويلات النصوص القرآنية ، وبالأفهام والمفهومات انحرافا" شديدا" . فلما بدأت المباحث لتأييد وجهات النظر المختلفة ، كانت تبحث عما يؤيدها من الفلسفات والمباحث اللاهوتية ، بحثا" مغرضا" فى الغالب ومن ثم لم تعد تلك المصادر - فى ظل تلك الخلافات - تصلح أساسا" للتفكير الإسلامى الخالص ، الذى ينبغى أن يتلقى مقوماته ومفهوماته من النص القرآنى الثابت ، فى جو خالص من عقابيل تلك الخلافات التاريخية ، ومن ثم يحسن عزل ذلك التراث جملة ! عن مفهومنا الأصيل للإسلام ، ودراسته دراسة تاريخية بحتة ، لبيان زوايا الانحراف فيه ، وأسباب هذا الانحراف ، وتجنب نظائرها فيما نصوغه اليوم من مفهوم التصور الإسلامى ومن أوضاع وأشكال ومقومات النظام الإسلامى أيضا" ..

***
ولقد سارت مناهج الفكر الغربى فى طريقها الخاص ، مستمدة ابتداء من الفكر الإغريقى وما فيه من لوثة الوثنية ، ثم مستمدة أخيرا من عدائها للكنيسة ، وللتفكير الكنسى فى الغالب !
وكان الطابع العام لهذا الفكر منذ عصر النهضة ، وهو معارضة الكنيسة الكاثوليكية وتصوراتها - ثم فيما بعد - معارضة الكنيسة إطلاقا" ، ومعارضة التصور الدينى جملة .. والتصورات الكنسية - بصفة عامة - لم تكن فى يوم من الأيام تمثل النصرانية الحقيقية . فإن الملابسات التى صاحبت نشأة النصرانية فى ظل الدولة الرومانية الوثنية . ثم التى صاحبت دخول الدولة الرومانية فى النصرانية قد جنت على النصرانية الحقة جناية كبرى ، وحرفتها تحريفا" شديدا" ، حرفتها ابتداء بما أدخلت فيها من رواسب الوثنية الرومانية ، ثم بما أضافته الكنيسة والمجامع بعد ذلك من التأويلات والإضافات التى ضمت - مع الأسف - إلى الأصل الإلهى فى النصرانية ، لمجاراة الأحداث السياسية ،والاختلافات المذهبية، ولمحاولة تجميع المذاهب وتجميع القطاعات المتعارضة فى الدولة الرومانية فى مذهب واحد يرضى عنه الجميع (3) ! مما جعل "النصرانية" !مما جعل "النصرانية" تعبيرا" عن "التصور الكنسى" أكثر مما هى تعبير عن الديانة النصرانية المنزلة من عند الله .
ثم كان من جراء احتضان الكنيسة لهذه التصورات المنحرفة ، ومن جراء احتضانها كذلك لكثير من المعلومات الخاطئة أو الناقصة عن الكون - مما هو من شأن البحوث والدراسات والتجارب البشرية - أن وقفت موقفا" عدائيا" خشنا" من العلماء الطبيعين حين قاموا يصححون هذه المعلومات "البشرية" الخاطئة أو الناقصة ، ولم تكتف بالهجوم الفكرى عليهم ، بل استخدمت سلطانهم المادى ببشاعة فى التنكيل بكل المخالفين لتوراتها الدينية والعلمية على السواء !
ومنذ ذلك التاريخ ، وإلى اليوم اتخذ "الفكر الأوربى" موقفا" عدائيا" لا من الأفكار والتصورات الكنسية التى كانت سائدة يومذاك ، بل من الأفكار والتصورات الدينية على الإطلاق ، بل تجاوز العداء الأفكار والتصورات الدينية إلى منهج التفكير الدينى بجملته ! واتجه الفكر الأوربى إلى ابتداع مناهج ومذاهب للتفكير ، الغرض الأساسى منها هو معارضة منهج الفكر الدينى ، والتخلص من سلطان الكنيسة ، بالتخلص من إله الكنيسة ! ومن كل ما يتعلق به من أفكار ومن مناهج للتفكير أيضا" "وكمن العداء للدين وللمنهج الدينى ، لا فى الموضوعات والفلسفات والمذاهب التى أنشأها الفكر الأوربى ، بل فى صميم هذا الفكر ، وفى صميم المناهج التى يتخذها للمعرفة .
ومن ثم لم يعد من نتاج الفكر الأوربى ، ولا مناهج التفكير الأوربية تصلح لأن تتخذ أساسا" للفكر الإسلامى ، ولا لتجديد هذا الفكر - كما يعبر بعض المفكرين المسلمين أنفسهم .. وسيرى قارئ هذا البحث - بعد الفراغ منه - أنه لا سبيل لاستعارة مناهج الفكر الغربى ، ولا استعارة نتاج هذا الفكر الذى قام على أساس هذه المناهج ، للفكر الإسلامى !

***
منهجنا إذن فى هذا البحث عن : "خصائص التصور الإسلامى ومقوماته" أن نستلهم القرآن الكريم مباشرة - بعد الحياة فى ظلال القرآن طويلا" - وأن نستحضر - بقدر الإمكان - الجو الذى تنزلت فيه كلمات الله للبشر ، والملابسات الاعتقادية والاجتماعية والسياسية التى كانت البشرية تتيه فيها وقت أن جاءها هذا الهدى ، ثم التيه الذى ضلت فيه بعد انحرافها عد الهدى الإلهى !
ومنهجنا فى استلهام القرآن الكريم ، ألا نواجهه بمقررات سابقة إطلاقا" ، لا مقررات عقلية ولا مقررات شعورية - من رواسب الثقافات التى لم نستقها من القرآن ذاته - نحاكم إليها نصوصه ، أو نستلهم معانى هذه النصوص وفق تلك المقررات السابقة .
لقد جاء النص القرآنى - ابتداء - لينشئ المقررات الصحيحة التى يريد الله أن تقوم عليها تصورات البشر ، وأن تقوم عليها حياتهم ، وأقل ما يستحقه هذا التفضل من العلى الكبير ، وهذه الرعاية من الله ذى الجلال - وهو الغنى عن العالمين - أن يتلقوها وقد فرغوا لها قلوبهم وعقولهم من كل غبش دخيل ، ليقوم تصورهم الجديد نظيفا" من كل رواسب الجاهليات - قديمها وحديثها على السواء - مستمدا" من تعليم الله وحده ، لا من ظنون البشر ، التى لا تغنى من الحق شيئا"!
ليست هناك إذن مقررات سابقة نحاكم إليها كتاب الله تعالى ، إنما نحن نستمد مقرراتنا من هذا الكتاب ابتداء ، ونقيم على هذه المقررات تصوراتنا ومقرراتنا ! وهذا - وحده - هو المنهج الصحيح ، فى مواجهة القرآن الكريم ، وفى استلهامه خصائص التصور الإسلامى ومقوماته .

***
ثم إننا لا نحاول استعارة "القالب الفلسفى" فى عرض حقائق "التصور الإسلامى" اقتناعا" منا بأن هناك ارتباطا" وثيقا" بين طبيعة "الموضوع" وطبيعة "القالب" وأن الموضوع يتأثر بالقالب ، وقد تتغير طبيعته ويلحقها التشويه ، إذا عرض فى قالب ، فى طبيعته وفى تاريخه عداء وجفوة وغربة عن طبيعته ! الأمر المتحقق فى موضوع التصور الإسلامى والقلب الفلسفى . والذى يدركه من يتذوق حقيقة هذا التصور كما هى فى النص القرآنى !
نحن نخالف "إقبال" فى محاولته صياغة التصور الإسلامى فى قالب فلسفى ، مستعار من القوالب المعروفة عند هيجل من "العقليين المثاليين" وعند أوجست كونت من "الوضعيين الحسيين" .
إن العقيدة - إطلاقا" - والعقيدة الإسلامية - بوجه خاص - تخاطب الكينونة الإنسانية بأسلوبها الخاص ، وهو أسلوب يمتاز بالحيوية والإيقاع واللمسة المباشرة والإيحاء . والإيحاء بالحقائق الكبيرة ، التى لا تتمثل كلها فى العبارة ، ولكن توحى بها العبارة ، كما يمتاز بمخاطبة الكينونة الإنسانية بكل جوانبها وطاقاتها ومنافذ المعرفة فيها . ولا يخاطب "الفكر" وحده فى الكائن البشرى .. أما الفلسفة فلها أسلوب آخر . إذ هى تحاول أن تحصر الحقيقة فى العبارة . ولما كان نوع الحقائق التى تتصدى لها يستحيل أن ينحصر فى منطوق العبارة - فضلا" عن أن جوانب أساسية من هذه الحقائق هى بطبيعتها أكبر من المجال الذى يعمل فيه "الفكر" البشرى (4) - فإن الفلسفة تنتهى حتما" إلى التعقيد والتخليط والجفاف ، كلما حاولت أن تتناول مسائل العقيدة ‍!
ومن ثم لم يكن للفلسفة دور يذكر فى الحياة البشرية العامة ، ولم تدفع بالبشرية إلى الأمام شيئا" مما دفعتها العقيدة ، التى تقدمت البشرية على حدائها فى تيه الزمن ، وظلام الطريق .
لابد أن تعرض العقيدة بأسلوب العقيدة ، إذ أن محاولة عرضها بأسلوب الفلسفة يقتلها ، ويطفئ إشعاعها وإيجاءها ، ويقصرها على جانب واحد من جوانب الكينونة الإنسانية الكثيرة .
ومن هنا يبدو التعقيد والجفاف والنقص والانحراف فى كل المباحث لتى تحاول عرض العقيدة بهذا الأسلوب الغريب على طبيعتها ، وفى هذا القالب الذى يضيق عنها .
ولسنا حريصين على أن تكون هناك "فلسفة الإسلامية"‍ ! لسنا حريصين على أن يوجد هذا الفصل فى الفكر الإسلامى ، ولا أن يوجد هذا القالب فى قوالب الأداء الإسلامية ! فهذا لا ينقص الإسلام شيئا" فى نظرنا ، ولا ينقص "الفكر الإسلامى" بل يدل دلالة قوية على أصالته ونقائه وتميزه !

***
وكلمة أخرى فى المنهج الذى نتوخاه فى هذا البحث أيضا" ..
إننا لا نستحضر أمامنا انحرافا" معينا" من انحرافات الفكر الإسلامى ، أو الواقع الإسلامى ، ثم ندعه يستغرق اهتمامنا كله . بحيث يصبح الرد عليه وتصحيحه هو المحرك الكلى لنا فيما نبذله من جهد فى تقرير
( خصائص التصور الإسلامي ومقوماته ) .. إنما نحن نحاول تقرير حقائق هذا التصور- فى ذاتها - كما جاء بها القرآن الكريم ، كاملة شاملة ، متوازنة متناسقة تناسق هذا الكون وتوازنه ، وتناسق هذه الفطرة وتوازنها .
ذلك أن استحضار انحراف معين ، أو نقص معين ، والاستغراق فى دفعه ، وصياغة حقائق التصور الإسلامى للرد عليه .. منهج شديد الخطر ، وله معقباته فى إنشاء انحراف جديد فى التصور الإسلام لدفع انحراف قديم .. والانحراف انحراف على كل حال ! ! !
ونحن نجد نماذج من هذا الخطر فى البحوث التى تكتب بقصد "الدفاع" عن الإسلام فى وجه المهاجمين له ، الطاعنين فيه ، من المستشرقين والملحدين قديما" وحديثا" ، كما نجد نماذج منه في البحوث التي تكتب للرد على انحراف معين ، فى بيئة معينة ، فى زمان معين !
يتعمد بعض الصليبيين والصهيونيين مثلا" أن يتهم الإسلام بأنه دين السيف ، وأنه انتشر بحد السيف .. فيقوم منا مدافعون عن الإسلام يدفعون عنه هذا "الاتهام"! وبينما هم مشتطون فى حماسة "الدفاع" يسقطون قيمة "الجهاد" فى الإسلام، ويضيقون نطاقه ويعتذرون عن كل حركة من حركاته، بأنها كانت لمجرد "الدفاع" ! - بمعناه الاصطلاحي الحاضر الضيق ! - وينسون أن للإسلام- بوصفه المنهج الإلهى الأخير للبشرية - حقه الأصيل فى أن يقيم "نظامه" الخاص فى الأرض ، لتستمتع البشرية كلها بخيرات هذا "النظام" .. ويستمتع كل فرد - فى داخل هذا النظام - بحرية العقيدة التى يختارها ، حيث "لا إكراه فى الدين" من ناحية العقيدة .. أما إقامة "النظام الإسلامى" ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها ، فتقتضى الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته ، وترك الناس أحرارا" فى عقائدهم الخاصة فى نطاقه . ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر فى الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد فى الأرض !
وليس هذا إلا نموذجا" واحدا" من التشويه للتصور الإسلامى ، فى حماسه الدفاع عنه ضد هجوم ماكر ، على جانب من جوانبه !
أما البحوث التى كتبت للرد على انحراف معين ، فأنشأت هى بدورها انحرافا" ، فأقرب ما نتمثل به فى هذا الخصوص ، توجيهات الأستاذ الإمام الشيخ "محمد عبده" ومحاضرات "إقبال" فى موضوع "تحديد الفكر الدينى فى الإسلام"(5) .
لقد واجه الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده ، بيئة فكرية جامدة ، أغلقت باب "الاجتهاد" وأنكرت على "العقل" دوره فى فهم شريعة الله واستنباط الأحكام منها ، واكتفت بالكتب التى ألفها المتأخرون فى عصور الجمود العقلى وهى - فى الوقت ذاته - تعتمد على الخرافات والتصورات الدينية العامية! كما واجه فترة كان " العقل" فيها يعبد فى أوربا ويتخذه أهلها إلها" ، وخاصة بعد الفتوحات العلمية التى حصل فيها العلم على انتصارات عظيمة ، وبعد فترة كذلك من سيادة الفلسفة العقلية التى تؤله العقل ! وذلك مع هجوم من المستشرقين على التصور الإسلامى ، وعقيدة القضاء والقدر فيه ، وتعطيل العقل البشرى والجهد البشرى عن الإيجابية فى الحياة بسبب هذه العقيدة .. الخ . فلما أراد أن يواجه هذه البيئة الخاصة ، بإثبات قيمة "العقل" تجاه "النص" . وإحياء فكرة "الاجتهاد" ومحاربة الخرافة والجهل والعامية فى "الفكر الإسلامى" . . ثم إثبات أن الإسلام جعل للعقل قيمته وعمله فى الدين والحياة ، وليس - كما يزعم "الإفرنج" أنه قضى على المسلمين "بالجبر" المطلق وفقدان "الاختيار" .. لما أراد أن يواجه الجمود العقلى فى الشرق ، والفتنة بالعقل فى الغرب ، جعل "العقل" البشرى ندا" للوحى فى هداية الإنسان ، ولم يقف به عند أن يكون جهازا" - من أجهزة - فى الكائن البشرى ، يتلقى الوحى ، ومنع أن يقع خلاف ما بين مفهوم العقل وما يجئ به الوحى . ولم يقف بالعقل عند أن يدرك ما يدركه ، ويسلم بما هو فوق إدراكه ، بما أنه - هو والكينونة الإنسانية بجملتها - غير كلى ولا مطلق ، ومحدود بحدود الزمان والمكان ، بينما الوحى يتناول حقائق مطلقة فى بعض الأحيان كحقيقة الألوهية ، وكيفية تعلق الإرادة الإلهية بخلق الحوادث .. وليس على العقل إلا التسليم بهذه الكليات المطلقة، التى لا سبيل له إلى إدراكها (6) !…وساق حجة تبدو منطقية ، ولكنها من فعل الرغبة فى تقويم ذلك الانحراف البيئى الخاص الذى يحتقر العقل ويهمل دوره .. قال رحمه الله فى رسالة التوحيد:
"فالوحى بالرسالة الإلهية أثر من أثار الله .. والعقل الإنسانى أثر أيضا" من أثار الله فى الوجود ، وأثار الله يجب أن ينسجم بعضها مع بعض ، ولا يعارض بعضها بعضا" " .
وهذا صحيح فى عمومه .. ولكن يبقى أن الوحى والعقل ليسا ندين . فأحدهما أكبر من الآخر وأشمل . وأحدهما جاء ليكون هو الأصل الذى يرجع إليها الآخر .
والميزان الذى يختبر الآخر عنده مقرراته ومفهوماته وتصوراته ، ويصحح به اختلالاته وانحرافاته . فبينهما - ولا شك - توافق وانسجام ، ولكن على هذا الأساس . لا على أساس أنهما ندان متعادلان ، وكفو أحدهما تماما" للآخر ! فضلا" على أن العقل المبرأ من النقص والهوى لا وجود له فى دنيا الواقع، وإنما هو "مثال" !
وقد تأثر تفسير الأستاذ الإمام لجزء "عم" بهذه النظرة تأثرا" واضحا" . وتفسير تلميذه المرحوم الشيخ رشيد رضا وتفسير تلميذه الشيخ المغربى لجزء "تبارك" حتى صرح مرات بوجوب تأويل النص ليوافق مفهوم العقل ! وهو مبدأ خطر . فإطلاق كلمة "العقل" يرد الأمر إلى شئ غير واقعى ! - كما قلنا - فهناك عقلى وعقلك وعقل فلان وعقل علان .. وليس هنالك عقل مطلق لا يتناوبه النقص والهوى والشهوة والجهل يحاكم النص القرآن إلى "مقرراته" . وإذا أوجبنا التأويل ليوافق النص هذه العقول الكثيرة ، فإننا ننتهى إلى فوضى !
وقد نشأ هذا كله من الاستغراق فى مواجهة انحراف معين .. ولو أخذ الأمر - فى ذاته - لعرف للعقل مكانه ومجال عمله بدون غلو ولا إفراط ، وبدون تقصير ولا تفريط كذلك وعرف للوحي مجاله . وحفظت النسبة بينهما فى مكانها الصحيح ..
إن "العقل" ليس منفيا" ولا مطرودا" ولا مهملا" فى مجال التلقى عن الوحى ، وفهم ما يتلقى وإدراك ما من شأنه أن يدركه ، مع التسليم بما هو خارج عن مجاله ، ولكنه كذلك ليس هو "الحكم" الأخير . وما دام النص محكما" ، فالمدلول الصريح للنص من غير تأويل هو الحكم ، وعلى العقل أن يتلقى مقرراته هو من مدلول هذا النص الصريح . ويقيم منهجه على أساسه (وفى صلب هذا البحث تفصيل واف للحد المأمون والمنهج الإسلامى المستقيم) .
ولقد واجه "إقبال" فى العالم الشرقى بيئة فكرية "تائهة" ! فى غيبوبة "إشراقات" التصوف "العجمى" كما يسميه ! .. فراعه هذا "الفناء" الذى لا وجود فيه للذاتية الإنسانية . كما راعته "السلبية" التى لا عمل معها للإنسان ولا أثر فى هذه الأرض - وليس هذا هو الإسلام بطبيعة الحال - كما واجه من ناحية التفكير الحسى فى المذهب الوضعى ، ومذهب التجريبيين فى العالم الغربى ، كذلك واجه ما أعلنه نيتشه فى "هكذا قال زرادشت" عن مولد الإنسان الأعلى "السوبرمتان" وموت الإله ! وذلك فى تخبطات الصرع التى كتبها نيتشه وسماها بعضهم "فلسفة" !
وأراد أن ينفض عن "الفكر الإسلامى" وعن "الحياة الإسلامية" ذلك الضياع والفناء والسلبية ، كما أراد أن يثبت للفكر الإسلام واقعية "التجربة" التى يعتمد عليها المذهب التجريبى ثم المذهب الوضعى !
ولكن النتيجة كانت جموحا" فى إبراز الذاتية الإنسانية ، اضطر معه إلى تأويل بعض النصوص القرآنية تأويلا" تأباه طبيعتها ، كما تأباه طبيعة التصور الإسلامى . لإثبات أن الموت ليس نهاية للتجربة ولا حتى القيامة ، فالتجربة والنمو فى الذات الإنسانية مستمران أيضا" - عند إقبال - بعد الجنة والنار . مع أن التصور الإسلامى حاسم فى أن الدنيا دار ابتلاء وعمل ، وأن الآخرة دار حساب وجزاء ، وليست هنالك فرصة للنفس البشرية للعمل إلا فى هذه الدار ، كما أنه لا مجال لعمل جديد فى الدار الآخرة بعد الحساب والجزاء .. لكن هذا الغلو إنما جاء من الرغبة الجارفة فى إثبات "وجود" الذاتية ، واستمرارها ، أو الـ"أنا" كما استعار إقبال اصطلاحات هيجل الفلسفية .
ومن ناحية أخرى اضطر إلى إعطاء اصطلاح "التجربة" مدلولا" أوسع مما هو فى "الفكر الغربى"وفى تاريخ هذا الفكر . لكى يمد مجاله إلى "التجربة الروحية" التى يزاولها المسلم ويتذوق بها الحقيقة الكبرى "فالتجربة" بمعناها الاصطلاحى الفلسفى الغربى ، لا يمكن أن تشمل الجانب الروحى أصلا" ! لأنها نشأت ابتداء لنبذ كل وسائل المعرفة التى لا تعتمد على التجربة الحسية .
ومحاولة استعارة الاصطلاح الغربى ، هى التى قادت إلى هذه المحاولة . التى يتضح فيها الشد والجذب والجفاف أيضا" ، حتى مع شاعرية إقبال الحية المتحركة الرفافة !
ولست أبتغى أن أنقص من قدر تلك الجهود العظيمة المثمرة فى إحياء الفكر الإسلامى وإنهاضه التى بذلها الأستاذ الإمام وتلاميذه ، والتى بذلها إقبال .. رحمهم الله رحمة واسعة .. وإنما فقط التنبيه إلى أن دفعة الحماسة لمقاومة انحراف معين ، قد تنشئ هى انحرافا" آخر ، وأن الأولى فى منهج البحث الإسلامى ، هو عرض حقائق التصور الإسلامى فى تكاملها الشامل ، وفى تناسقها الهادئ ، ووفق طبيعتها الخاصة وأسلوبها الخاص .

***
وأخيرا" فإن هذا البحث ليس كتابا" فى "الفلسفة" ولا كتابا" فى "اللاهوت" ولا كتابا" فى "الميتافيزيقا" .. إنه عمل يمليه الواقع . وهو يخاطب الواقع أيضا" ..
لقد جاء الإسلام لينقذ البشرية كلها من الركام الذى كان ينوء بأفكارها وحياتها ويثقلها . ومن التيه الذى كانت أفكارها وحياتها شاردة فيه .. ولينشئ لها تصورا" خاصا" متميزا" متفردا" . . وحياة أخرى تسير وفق منهج الله القويم .. فإذا بالبشرية كلها اليوم ترتكس إلى التيه وإلى الركام الكريه !
ولقد جاء الإسلام لينشئ أمة ، يسلمها قيادة البشرية ، لتنأى بها عن التيه وعن الركام .. فإذا هذه الأمة اليوم تترك مكان القيادة ، وتترك منهج القيادة ، وتلهث وراء الأمم الضاربة فى التيه ، وفى الركام الكريه !
هذا الكتاب محاولة لتحديد خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ، التى ينبثق منها منهج الحياة الواقعى - كما أراده الله - ودستور النشاط الفكرى والعلمى والفنى ، الذى لابد أن يستمد من التفسير الشامل الذى يقدمه ذلك التصور الأصيل . وكل بحث فى جانب من جوانب الفكرة الإسلامية أو النظام الإسلامى ، لابد له من أن يرتكن أولا" إلى فكرة الإسلام .
والحاجة إلى جلاء تلك الفكرة هى حاجة العقل والقلب . وحاجة الحياة والواقع . وحاجة الأمة المسلمة والبشرية كلها على السواء .
وهذا القسم الأول من البحث يتناول "خصائص التصور الإسلامى" وسيتناول القسم الثانى : "مقومات التصور الإسلامى" {والله الموفق والهادى والمعين}

تِيْـه وَركَـام
"أفمن يمشى مكبا" على وجهه أهدى أم من يمشى سويا" على صراط مستقيم؟ "
جاء الإسلام ، وفى العالم ركام هائل ، من العقائد والتصورات ، والفلسفات ، والأساطير والأفكار والأوهام والشعائر والتقاليد والأوضاع والأحوال ..
يختلط فيها الحق بالباطل ، والصحيح بالزائف ، والدين بالخرافة والفلسفة بالأسطورة .. والضمير البشرى - تحت هذا الركام الهائل – يتخبط في ظلمات وظنون لا يستقر منها على يقين والحياة الإنسانية بتأثير هذا الركام الهائل تتخبط في فساد وانحلال وفى ظلم وذل وفى شقاء وتعاسة ، لا تليق بالإنسان ، بل لا تليق بقطيع من الحيوان !
وكان التيه الذى لا دليل فيه ، ولا هدى ولا نور ولا قرار ولا يقين .. هو ذلك التيه الذى يحيط بتصور البشرية لإلهها وصفاته ، وعلاقته بالكون وعلاقة الكون به ، وحقيقة الإنسان ، ومركزه في هذا الكون وغاية وجوده الإنسانى ، ومنهج تحقيقه لهذه الغاية .. ونوع الصلة بين الله والإنسان على وجه الخصوص .. ومن هذا التيه ومن ذلك الركام كان ينبعث الشر كله فى الحياة الإنسانية ، وفى الأنظمة التى تقوم عليها .
ولم يكن مستطاعا" أن يستقر الضمير البشرى على قرار فى أمر هذا الكون ، وفى أمر نفسه ، وفى غاية وجوده وفى منهج حياته ، وفى الارتباطات التى تقوم بين الإنسان والكون ن والتى تقوم بين أفراده هو وتجمعاته .. لم يكن مستطاعا" أن يستقر الضمير البشرى على قرار فى شئ من هذا كله ، قبل أن يستقر على قرار فى أمر عقيدته ، وفى أمر تصوره لإلهه ، وقبل أن ينتهى إلى يقين واضح ، فى وسط هذا العماء الطاخى ، وهذا التيه المضل ، وهذا الركام الثقيل .
ولم يكن الأمر كذلك لأن التفكير الدينى كان هو طابع القرون الوسطى - كما يقول مفكروا الغرب ، فيتلقف قولتهم هذه ببغاوات الشرق ! - كلا .. إنما كان الأمر كذلك لأن هناك حقيقتين أساسيتين ، ملازمتين للحياة البشرية ، وللنفس البشرية ، على كل حال ، وفى كل زمان :
الحقيقة الأولى : أن هذا الإنسان - بفطرته - لا يملك أن يستقر فى هذا الكون الهائل ذرة تائهة مفلتة ضائعة . فلابد له من رباط معين بهذا الكون ، يضمن له الاستقرار فيه ، ومعرفة مكانه فى هذا الكون الذى يستقر فيه . فلابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله ، وتفسر له مكانه فيما حوله ، فهى ضرورة فطرية شعورية ، لا علاقة لها بملابسات العصر والبيئة .. وسنرى حين يتقدم بنا هذا البحث كم كان شقاء الإنسان وحيرته وضلاله حين أخطأ حقيقة هذا الارتباط ، وحقيقة هذا التفسير.
والحقيقة الأخرى : هى أن هناك تلازما" وثيقا" بين طبيعة التصور الاعتقادى ، وطبيعة النظام الاجتماعى .. تلازما" لا ينفصل ، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة .. بل إن هناك ما هو أكثر من التلازم .. هناك الانبثاق الذاتى .. فالنظام الاجتماعى هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود ، ولمركز الإنسان فيه ووظيفته ، وغاية وجوده الإنسانى . وكل نظام اجتماعى لا يقوم على أساس هذا التفسير ، هو نظام مصطنع ، لا يعيش .. وإذا عاش فترة شقى به "الإنسان" ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتما" .. فهى ضرورة تنظيمية ، كما أنها ضرورة شعورية.
ولقد كان الرسل - عليهم الصلاة والسلام - من لدن نوح إلى عيسى .. قد بينوا للناس هذه الحقيقة ، وعرفوهم بإلههم تعريفا" صحيحا" ، وأوضحوا لهم مركز "الإنسان" فى الكون ، وغاية وجوده .. ولكن الانجرافات الدائمة عن هذه "الحقيقة" تحت ضغط الظروف السياسية والشهوات البشرية ، والضعف الإنسانى ، كانت قد غشت تلك الحقيقة ، وأضلت البشرية عنها ، وأهالت عليها ركاما" ثقيلا" يصعب رفعة بغير رسالة جديدة كاملة شاملة ، ترفع هذا الركام ، وتبدد هذا الظلام ، وتنير هذا التيه ، وتقر التصور الإعتقادى على أساس من الحق الخالص ، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح ، وما كان يمكن أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة فى الأرض كلها ، وأن ينفكوا عما هم فيه ، إلا بهذه الرسالة ، وإلا بهذا الرسول .. وصدق الله العظيم :
"لم يكن الذين كفروا - من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفا" مطهرة" . (البينة : 1-2)
ولا يدرك الإنسان ضرورة هذه الرسالة ، وضرورة هذا الانفكاك عن الضلالات التى كانت البشرية تائهة فى ظلماتها وضرورة الاستقرار على يقين واضح فى أمر العقيدة .. حتى يطلع على ضخامة ذلك الركام ، وحتى يرتاد ذلك التيه ، من العقائد والتصورات ، والفلسفات والأساطير ، والأفكار والأوهام ، والشعائر والتقاليد والأوضاع والأحوال التي جاء الإسلام فوجدها ترين على الضمير البشري في كل مكان ، وحتى يدرك حقيقة البلبلة والتخليط والتعقيد.. التى كانت تتخبط فيها بقايا العقائد السماوية ، التى دخلها التحريف والتأويل ، والإضافات البشرية إلى المصادر الإلهية ، والتى التبست بالفلسفات والوثنيات والأساطير سواء !
ولما لم يكن قصدنا - فى هذا البحث - هو عرض هذه التصورات ، إنما هو عرض التصور الإسلامى ، وخصائصه ومقوماته .. فإننا نكتفى بعرض بعض النماذج من التصورات الدينية فى اليهودية والمسيحية - كما وصلت إلى عرب الجزيرة - وبعض النماذج من التصورات الجاهلية العربية التى جاء الإسلام فواجهها هناك .

***
لقد حفلت ديانة بنى إسرائيل - اليهودية - بالتصورات الوثنية ، وباللوثة القومية على السواء ، فبنو إسرائيل - وهو يعقوب بن اسحاق بن إبراهيم عليهم السلام - جاءتهم رسلهم - وفى أولهم أبوهم إسرائيل - بالتوحيد الخالص ، الذى علمهم إياه أبوهم إبراهيم ، ثم جاءهم نبيهم الأكبر موسى - عليه السلام - بدعوة التوحيد أيضا" مع الشريعة الموسوية المبنية على أساسه . ولكنهم انحرفوا على مدى الزمن ، وهبطوا فى تصوراتهم إلى الوثنيات ، وأثبتوا فى كتبهم "المقدسة!" وفى صلب "العهد القديم" أساطير وتصورات عن الله - سبحانه - لا ترتفع عن أحط التصورات الوثنية للإغريق وغيرهم من الوثنيين ، الذين لم يتلقوا رسالة سماوية ، ولا كان لهم من عند الله كتاب ..
ولقد كانت عقيدة التوحيد التى أسسها جدهم إبراهيم - عليه السلام - عقيدة خالصة ناصعة شاملة متكاملة واجه بها الوثنية مواجهة حاسمة كما صورها القرآن الكريم ، ووصى بها إبراهيم بنيه كما وصى بها يعقوب بنيه قبل أن يموت :
"وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ(69)إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ(70)قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ(71)قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ(72)أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ(73)قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ(74)قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77)الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِي(78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي(79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِي(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ(83)وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ(84)وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ(85)وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنْ الضَّالِّينَ(86) وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ(87)يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ(88)إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ" . (الشعراء 69-89)
"وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130)إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132)أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ" . (البقرة 130-133)
ومن هذا التوحيد الخالص ، وهذه العقيدة الناصعة ، وهذا الاعتقاد فى الآخرة انتكس الأحفاد. وظلوا فى انتكاسهم حتى جاءهم موسى عليه السلام بعقيدة التوحيد والتنزية من جديد .. والقرآن الكريم يذكر أصول هذه العقيدة التى جاء بها موسى - عليه السلام - لبنى إسرائيل ، ويذكر تراجعهم عنها :
"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ(83)وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ(84)ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَتَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ …" (البقرة : 83-85)
"وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ(92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمْ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ" . (البقرة : 92-93)
ولقد بدأ انحرافهم ، وموسى عليه السلام بين أظهرهم .. من ذلك عبادتهم للعجل الذى صنعه لهم السامرى ، من الذهب الذى حملوه معهم من حلى نساء المصريين . وهو العجل الذى أشير إليه فى الآيات السابقة .. وقبل ذلك كانوا مروا عقب خروجهم من مصر ، على قوم يعبدون الأصنام ، فطلبوا إلى موسى عليه السلام أن يقيم لهم صنما" يعبدونه!
"وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَل لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ(138)إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ" . (الأعراف : 138-139)
وكذلك حكى القرآن الكثير عن انحرافهم وسوء تصورهم لله سبحانه وشركهم ووثنيتهم :
"وقالت اليهود عزيز ابن الله" (التوبة 30)
"وقالت اليهود : يد الله مغلولة : غُلت أيديهم ولُعنوا بما قالوا : بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء" .. (المائدة : 64)
"لقد سمع الله قول الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء . سنكتب ما قالوا وقتلهم الأنبياء بغير حق . ويقول ذوقوا عذاب الحريق" .. (آل عمران : 181)
"وإذ قلتم : يا موسى : لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة ، فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون " . (البقرة : 55)
ومن لوثة القومية واعتقادهم أن إلههم إله قومى ! لا يحاسبهم بقانون الأخلاق إلا فى سلوكهم مع بعضهم البعض . أما الغرباء - غير اليهود - فهو لا يحاسبهم معهم على سلوك معيب ! .. من هذه اللوثة كان قولهم الذى حكاه القرآن الكريم :
"ومنهم من تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما" . ذلك بأنهم قالوا ليس علينا فى الأميين سبيل . ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون" . (آل عمران : 75)
وقد تضمنت كتبهم المحرفة أوصافا لإلههم لا ترتفع كثيرا" على أوصاف الإغريق فى وثنيتهم لألهتهم :
جاء فى الإصحاح الثالث من سفر التكوين : (بعد ارتكاب آدم لخطيئة الأكل من الشجرة . وهى كما يقول كاتب الإصحاح : شجرة معرفة الخير والشر)
"وسمعنا صوت الرب الإله ماشيا" فى الجنة عند هبوب ريح النهار . فاختبأ آدم وامرأته من وجه الرب الإله ، فى وسط شجر الجنة . فنادى الرب الإله آدم . وقال له : أين أنت ؟ فقال : سمعت صوتك فى الجنة ،فخشيت لأنى عريان ، فاختبأت . فقال من أعلمك أنك عريان ؟ هل أكلت من الشجرة التى أوصيتك ألا تأكل منها ؟ …
"وقال الرب الإله : هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا ، عارفا" الخير والشر ، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضا" ! ويأكل ويحيا إلى الأبد .. فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ، ليعمل فى الأرض التى أخذ منها . فطرد الإنسان . وأقام شرقى جنة عدن الكروبيم ولهيب سيف متقلب ، لحراسة شجرة الحياة!" .
وعن سبب الطوفان جاء فى هذا السفر نفسه :
وحدث لما ابتدأ الناس يكثرون على الأرض ، وولد لهم بنات ، أن أبناء الله رأوا بنات الناس أنهن حسنات . فاتخذوا لأنفسهم نساء" من كل ما اختاروا .. فقال الرب : لا يدين روحى فى الإنسان إلى الأبد . لزيغانه . هو بشر . وتكون أيامه مئة وعشرين سنة .. كان فى الأرض طغاة فى تلك الأيام .. وبعد ذلك أيضا" . إذ دخل بنو الله على بنات الناس وولدن أولادا" . هؤلاء هم الجبابرة ، الذين منذ الدهر ذوو اسم !!!
"ورأى الرب أن شر الإنسان قد كثر فى الأرض . وأن كل تصور أفكار قلبه إنما هو شرير كل يوم . فحزن الرب أنه عمل الإنسان فى الأرض . ونأسف فى قلبه . فقال الرب أمحو عن وجه الأرض الإنسان الذى خلفته . الإنسان مع بهائم ودبابات وطيور السماء . لأنى حزنت أنى عملتهم. وأما نوح فوجد نعمة فى عينى الرب" .
وجاء فى الإصحاح الحادى عشر من سفر التكوين (بعد ما عمرت الأرض بذرية نوح) :
"وكانت الأرض كلها لسانا" واحدا" ولغة واحدة . وحدث فى ارتحالهم شرقا" أنهم وجدوا نعمة فى أرض شنعار ، وسكنوا هناك . وقال بعضهم لبعض . هلم نصنع لبنا" ونشويه شيا" ، فكان لهم اللبن مكان الحجر . وكان لهم الحمر مكان الطين . وقالوا : هلم نبن لأنفسنا مدينة وبرجا" رأسه بالسماء . ونصنع لأنفسنا اسما" لئلا نتبدد على وجه كل الأرض .. فنزل الرب المدينة والبرج اللذين كان بنو آدم يبنونهما . وقال الرب : هو ذا شعب واحد ولسان واحد لجميعهم ، وهذا ابتلاؤهم بالعمل. والآن لا يمتنع عليهم كل ما ينوون أن يعملوه . هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم ، حتى لا يسمع بعضهم لسان بعض ، فبددهم الرب من هناك على وجه كل الأرض ، فكفوا عن بنيان المدينة . لذلك دعى اسمها (بابل) لأن الرب هناك بلبل لسان كل الأرض ومن هناك بددهم الرب على وجه كل الأرض" !!!
وجاء فى سفر صموئيل الثانى : الإصحاح الرابع والعشرين : "فجعل الرب وباء فى إسرائيل من الصباح إلى الميعاد ، فمات من الشعب - من دان إلى بئر سبع - سبعون ألف رجل . وبسط الملاك يده على أورشليم ليهلكها . فندم الرب عن الشر . فقال للملاك المهلك الشعب : كفى الآن رويدك!" ..

***
ولم تكن الحال مع النصرانية خيرا" مما كانت مع اليهودية . بل كان الأمر أدهى وأمر .. عبرت النصرانية إلى الدولة الرومانية الوثنية فى أشد عصور الوثنية والانحلال فى هذه الدولة . ثم أخذت تنتشر حتى استطاعت أن تولى قسطنطين إمبراطورا" فى سنة 305 ميلادية . ومن ثم دخل الإمبراطورية الرومانية فى النصرانية . لا لتخضع للنصرانية . ولكن لتخضع النصرانية لوثنيتها العريقة . وفى هذا يقول الكاتب الأمريكى : درابر فى كتابه : "الصراع بين الدين والعلم" .
دخلت الوثنية والشرك فى النصرانية بتأثير المنافقين ، الذين تقلدوا وظائف خطيرة ، ومناصب عالية فى الدولة الرومانية ، بتظاهرهم بالنصرانية . ولم يكونوا يحفلون بأمر الدين . ولم يخلصوا له يوما" من الأيام . وكذلك كان قسطنطين .. فقد قضى عمره فى الظلم والفجور ، ولم يتقيد بأوامر الكنيسة الدينية إلا قليلا" فى آخر عمره سنة 337 ميلادية .
إن الجماعة النصرانية ، وإن كانت قد بلغت من القوة بحيث ولت قسطنطين المُلك ولكنها لم تتمكن من أن تقطع دابر الوثنية ، وتقتلع جرثومتها . وكان نتيجة كفاحها أن اختلطت مبادئها ، ونشأ من ذلك دين جديد ، تتجلى فيه النصرانية والوثنية سواء بسواء .. هنالك يختلف الإسلام عن النصرانية ، إذ قضى على منافسه (الوثنية) قضاء باتا" ، ونشر عقائده خالصة بغير غبش .
"وإن هذا الإمبراطور الذى كان عبدا" للدنيا ، والذى لم تكن عقائده الدينية تساوى شيئا" ، رأى لمصلحته الشخصية ، ولمصلحة الحزبين المتنافسين - النصرانى والوثنى - أن يوحدهما ويؤلف بينهما . حتى أن النصارى الراسخين أيضا" لم ينكروا عليه هذه الخطة . ولعلهم كانوا يعتقدون أن الديانة الجديدة ستزدهر إذا طمعت ونقحت بالعقائد الوثنية القديمة ، وسيخلص الدين النصرانى عاقبة الأمر من أدناس الوثنية وأرجاسها(7)" .
ولكن الديانة الجديدة لم تتخلص قط من أدناس الوثنية وأرجاسها ، وتصوراتها الأسطورية - كما أمل النصارى الراسخون - فقد ظلت تتلبس بالخلافات السياسية والعنصرية والطائفية ، تلبسها بالأساطير الوثنية والتصورات الفلسفية . ووقع الانقسام فى التصور بغير حق :
قالت فرقة :إن المسيح إنسان محض ، وقالت فرقة : إن الأب والابن والروح القدس إن هى إلا صور مختلفة أعلن الله بها نفسه للناس . فالله - بزعمهم - مركب من أقانيم ثلاثة : الأب والابن وروح القدس ؟ (والابن هو المسيح) فانحدر الله ، الذى هو الأب ، فى صورة روح القدس وتجسد فى مريم إنسانا" ، وولد منها فى صورة يسوع . وفرقة قالت : إن الابن ليس أزليا كالأب بل هو مخلوق من قبل العالم ، ولذلك هو دون الأب وخاضع له . وفرقة أنكرت كون روح القدس أقنوما" .. وقرر مجمع نيقية سنة 325 ، ومجمع القسطنطينية سنة 381 أن الابن وروح القدس مساويان للأب فى وحدة اللاهوت ، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب ، وأن روح القدس منبثق من الأب .. وقرر مجمع طليطلة سنة 589 بأن روح القدس منبثق من الابن أيضا" . فاختلفت الكنيسة الشرقية والكنيسة الغربية عند هذه النقطة وظلتا مختلفتين .. كذلك ألهت جماعة منهم مريم كما ألهو المسيح عليه السلام..
ويقول الدكتور ألفرد بتلر فى كتابه : "فتح العرب لمصر . ترجمة الأستاذ محمد فريد أبو حديد" :
"إن ذينك القرنين - الخامس والسادس - كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين .نضال يذكيه اختلاف فى الجنس ، واختلاف فى الدين ، وكان اختلاف الدين أشد من اختلاف الجنس . إذ كانت علة العلل فى ذلك الوقت تلك العداوة بين الملكانية والمنوفيسية . وكانت الطائفة الأولى - كم يدل عليه اسمها - حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاد وكانت تعتقد العقيدة السية الموروثة - وهى ازدواج طبيعة المسيح - على حين أن الطائفة الأخرى - وهى حزب القبط المنوفيسيين - أهل مصر - كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها ، وتحاربها حربا" عنيفة فى حماسة هوجاء ، يصعب علينا أن نتصورها ، أو نعرف كنهها في قوم يعقلون ، بله يؤمنون بالإنجيل!" .
ويقول "سيرت . و . أرنولد" فى كتابه : "الدعوة إلى الإسلام" عن هذا الخلاف ، ومحاولة هرقل لتسويته بمذهب وسط :
"ولقد أفلح جستنيان Justinian قبل الفتح الإسلامى بمئة عام فى أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا" من مظاهر الوحدة . ولكنها سرعان ما تصدعت بعد موته ، وأصبحت فى حاجة ماسة إلى شعور قومى مشترك ، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة ، أما هرقل فقد بذل جهودا" لم تصادف نجاحا" كاملا" فى إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية ، ولكن ما اتتخذه من وسائل عامة فى سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا" من القضاء عليه . ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية . فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا" يستعين به على تهدئه النفوس ، أن يقف كل ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات ، وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية ، وبينهم وبين الحكومة المركزية .
وكان مجمع خلقيدونة قد أعلن فى سنة 451م " أن المسيح ينبغى أ، يعترف بأنه يتمثل فى طبيعتين ، لا اختلاط بينهما ، ولا تغير ولا تجزؤ ، ولا انفصال . ولا يمكن أن ينتفى اختلافهما بسبب اتحادهما . بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها ، وتجتمع فى أقنوم واحد ، وجسد : هو ذلك الابن الواحد والله والكلمة .
وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع . وكانوا لا يعترفون فى المسيح إلا بطبيعة واحدة ، وقالوا : إنه مركب الأقاليم ، له كل الصفات الإلهية والبشرية . ولكن المادة التى تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية، بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم .
وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص فى مصر والشام ، والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية ، فى الوقت الذى سعى فيه هرقل فى إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحد : Monotheletism : ففى الوقت الذى نجد هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين ، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم فى حياة المسيح البشرية . وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة فى أقنوم واحد . فالمسيح الواحد ، الذى هو ابن الله ، يحقق الجانب الإنسانى ، والجانب الإلهى ، بقوة إلهية إنسانية واحدة . ومعنى ذلك أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة فى الكلمة المتجسدة .
"لكن هرقل قد لقى المصير الذى انتهى إليه كثيرون جدا" ، ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام ، ذلك أن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون الاحتدام فحسب . بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد ، وجر على نفسه سخط الطائفتين سواء" (8)!
وقد ورد فى القرآن الكريم بعض الإشارات إلى هذه الانحرافات ، ونهى لأهل الكتاب عنها ، وتصحيح حاسم لها ، وبيان لأصل العقيدة النصرانية كما جاءت من عند الله ، قبل التحريف والتأويل:
" َقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ(72)لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(73)أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(74)مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ انظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمْ الْآيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ(75)قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(76)قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ " … (المائدة : 72-77)
"وَقَالَتْ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ " … (التوبة : 30)
" وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ(116)مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117)إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " … (المائدة : 116-118)
وهكذا نرى مدى الانحراف الذى دخل على النصرانية ، من جراء تلك الملابسات التاريخية ، حتى انتهت إلى تلك التصورات الوثنية الأسطورية ، التى دارت عليها الخلافات والمذابح عدة قرون!

***
أما الجزيرة العربية التى نزل فيها القرآن ، فقد كانت تعج بركام العقائد والتصورات . ومن بينها ما نقلته من الفرس وما تسرب إليها من اليهودية والمسيحية فى صورتهما المنحرفة .. مضافا" إلى وثنيتها الخاصة المتخلفة من الانحرافات فى ملة إبراهيم التى ورثها العرب صحيحة ثم حرفوها ذلك التحريف . والقرآن يشير إلى ذلك الركام بوضوح :
زعموا أن الملائكة بنات الله - مع كراهيتهم هم للبنات ‍ - ثم عبدوا الملائكة - أو تماثيلها الأصنام - معتقدين أن لها عند الله شفاعة لا ترد ، وأنهم يتقربون بها إليه سبحانه :
"وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا إِنَّ الْإِنسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ(15)أَمْ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ(16)وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَانِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ(17)أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ(18)وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَانِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ(19)وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَانُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ " … (الزخرف : 15-20)
"أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ(3)لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ " .. (الزمر : 3-4)
"وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " .. (يونس : 18)
وزعموا أن بين الله - سبحانه - وبين الجنة نسبا" . وأن له - سبحانه - منهم صاحبة . ولدت له الملائكة ! وعبدوا الجن أيضا" .. قال الكلبى فى كتاب الأصنام : "كانت بنو مليح من خزاعة يعبدون الجن" (9).
وجاء فى القرآن الكريم عن هذه الأسطورة :
"فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمْ الْبَنُونَ(149)أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ(150)أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ(151)وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(152)أَاصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ(153)مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ(154)أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(155)أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ(156)فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(157)وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا وَلَقَدْ عَلِمَتْ الْجِنَّةُ إِنَّهُمْ لَمُحْضَرُونَ(158) سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ " .. (الصافات : 149-159)
"وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ(40)قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ "… (سبأ : 40-41)
وشاعت بينهم عبادة الأصنام إما بوصفها تماثيل للملائكة ، وإما بوصفها تماثيل للأجداد ، وإما لذاتها ، وكانت الكعبة التى بنيت لعباده الله الواحد ، تعج بالأصنام ، إذ كانت تحتوى على ثلاثمائة وستين صنما" . غير الأصنام الكبرى فى جهات متفرقة . ومنها ما ذكر فى القرآن بالاسم كاللات والعزى ومناة . ومنها هبل الذى نادى أبوسفيان باسمه يوم "أحد" قائلا" : اعلُ هبل ‍.
ومما يدل على أن اللات والعزى ومناة كانت تماثيل للملائكة ما جاء فى القرآن فى سورة النجم :
"أَفَرَأَيْتُمْ اللَّاتَ وَالْعُزَّى(19)وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى(20)أَلَكُمْ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنثَى(21)تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى(22)إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمْ الْهُدَى(23) أَمْ لِلْإِنسَانِ مَا تَمَنَّى(24)فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى(25)وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى(26)إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى(27)وَمَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا " .. (النجم : 19-28)
وانحطت عبادة الأصنام فيهم حتى كانوا يعبدون جنس الحجر ‍.
روى البخارى عن أبى رجاء العطاردى قال : (كنا نعبد الحجر . فإذا وجدنا حجرا" هوخير منه ألقيناه وأخذنا بالأخر ‍‍‍. فإذا لم نجد جمعنا حثوة من تراب ، ثم جئنا بالشاة فحلبنا عليه ، ثم طفنا به)(10) .
وقال الكلبى فى كتاب الأصنام : كان الرجل إذا سافر فنزل منزلا" أخذ أربعة أحجار فنظر إلى أحسنها ، فجعله ربا" ، وجعل ثلاث أثافى لقدره . وإذا ارتحل تركه" (11) . وعرفوا عبادة الكواكب - كما عرفها الفرس من بين عباداتهم - قال صاعد : كانت حمير تعبد الشمس . وكنانة القمر . وتميم الدبران . ولخم وجذام المشترى وطيئ سهيلا" . وقيس الشعرى العبور . وأسد عطارد" (12) .
وقد جاء عن هذا فى سورة فصلت :
"لا تسجدوا لشمس ولا للقمر ، واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون" . (فصلت : 37)
وجاء فى سورة النجم :
"وأنه هو رب الشعرى" … (النجم : 49)
وكثرت الإشارات إلى خلق النجوم والكواكب وربوبية الله سبحانه لها كبقية خلائقه . وذلك لنفى ألوهية الكواكب وعبادتها …
وعلى العموم فقد تغلغلت عقائد الشرك فى حياتهم . فقامت على أساسها الشعائر الفاسدة ، التى أشار إليها القرآن الكريم فى مواضع كثيرة .. من ذلك جعلهم بعض ثمار الزروع ، وبعض نتاج الأنعام خاصا بهذه الالهة المدعاة ، لا نصيب فيه لله – سبحانه – وأحيانا يحرمونها على أنفسهم . أو يحرمون بعضها على إناثهم دون ذكورهم . أو يمنعون بعض الأنعام على الركوب أو الذبح وأحيانا" يقدمون أبناءهم ذبائح لهذه الآلهة فى نذر . كالذى روى عن نذر عبد المطلب أن يذبح ابنه العاشر ، إن وهب عشرة أبناء يحمونه ، فكان العاشر عبد الله .. ثم افتداه من الآلهة بمئة ناقة ، .. وكان أمر الفتوى فى هذه الشعائر كلها للكواهن والكهان ‍.
وفى هذا يقول القرآن الكريم :
"وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ(136)وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(137)وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ(138)وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(139)قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ " .. (الأنعام : 136-140)
وكانت فكرة التوحيد الخالص هى أشد الأفكار غرابة عندهم ، هى وفكرة البعث سواء . ذلك مع اعترافهم بوجود الله - سبحانه وتعالى - وأنه الخالق للسماوات والأرض وما بينهما . ولكنهم ما كانوا يريدون أن يعترفوا بمقتضى الوحدانية هذه وهو أن يكون الحكم لله وحده فى حياتهم وشؤونهم ، وأن يتلقوا منه وحده الحلال والحرام ، وأن يكون إليه وحده مرد أمرهم كله فى الدنيا والآخرة . وأن يتحاكموا فى كل شئ إلى شريعته ومنهجه وحده .. الأمر الذى لا يكون بغيره دين ولا إيمان . يدل على ذلك ما حكاه القرآن الكريم من معارضتهم الشديدة لهاتين الحقيقتين :
"وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(4)أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ(5)وَانطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنْ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ(6) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ " . (ص:4-7)
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ(7)أَافْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ " .. (سبأ : 7-8)
هذه هى الصورة الشائهة للتصورات فى الجزيرة العربية نضيفها الى ذلك الركام من بقايا العقائد السماوية المنحرفة ، التى كانت سائدة فى الشرق والغرب ، يوم جاء الإسلام ، فتتجمع منها صورة مكتملة لذلك الركام الثقيل ، الذى ان يجثم على ضمير البشرية فى كل مكان ، والذى كانت تنبثق منه أنظمتهم وأوضاعهم وآدابهم وأخلاقهم كذلك (13) .
ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة ، وتحديد الصورة الصحيحة التى يستقر عيها الضمير البشرى فى حقيقة الألوهية ، وعلاقتها بالخلق وعلاقة الخلق بها ، .. فتستقر عليها نظمهم وأوضاعهم ، وعلاقاتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، وآدابهم وأخلاقهم كذلك، فما يمكن أن تستقر هذه الأمور كلها ، إلا أن تستقر حقيقة الألوهية ، وتتبين خصائصها واختصاصاتها. وعنى الإسلام عناية خاصة بإيضاح طبيعة الخصائص والصفات والإلهية المتعلقة بالخلق والإرادة والهيمنة والتدبير .. ثم بحقيقة الصلة بين الله والإنسان .. فلقد كان معظم الركام فى ذلك التيه الذى تخبط فيه العقائد والفلسفات ، مما يتعلق بها الأمر الخطير الأثر فى الضمير البشرى وفى الحياة الإنسانية كلها .
ولقد جاء الإسلام - وهذا ما يستحق الانتباه والتأمل - بما يعد تصحيحا" لجميع أنواع البلبلة، التى وقعت فيها الديانات المحرفة ، والفلسفات الخابطة فى الظلام . وما يعد ردا" على جميع الانحرافات والأخطاء التى وقعت فيها تلك الديانات والفلسفات . سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جد بعده كذلك .. فكانت هذه الظاهرة العجيبة إحدى الدلائل على مصدر هذا الدين .. المصدر الذى يحيط بكل ما هجس فى خاطر البشرية وكل ما يهجس ، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح !
والذى يراجع ذلك الجهد المتطاول الذى بذله الإسلام لتقرير كلمة الفصل فى ذات الله - سبحانه - وفى صفاته . وفى علاقته بالخلق وعلاقة الخلق به .. ذلك الجهد الذى تمثله النصوص الكثيرة - كثرة ملحوظة - فى القرآن المكى بصفة خاصة ، وفى القرآن كله على وجه العموم ..
الذى يراجع ذلك الجهد المتطاول ، دون أن يراجع ذلك الركام الثقيل فى ذلك التيه الشامل ، الذى كانت البشرية كلها تخبط فيه ، والذى ظلت تخبط فيه أيضا" كلما انحرفت عن منهج الله أو صدت عنه ، واتبعت السبل ، فتفرقت بها عن سبيله الواحد المستقيم .
الذى يراجع ذلك الجهد ، دون أن يراجع ذلك الركام ، قد لا يدرك مدى الحاجة إلى كل هذا البيان المؤكد المكرر فى القرآن ، وإلى هذا التدقيق الذى يتتبع كل مسالك الضمير وكل مسالك الحياة .
ولكن مراجعة ذلك الركام تكشف عن ضرورة ذلك الجهد ، كما تكشف عن عظمة الدور الذى جاءت هذه العقيدة لتؤدية فى تحرير الضمير البشرى واعتاقه ، وفى تحرير الفكر البشرى وإطلاقه، وفى تحرير الحياة ، والحياة تقوم على أساس التصور الاعتقادى كيفما كان .
عندئذ ندرك قيمة هذا التحرر فى إقامة الحياة على منهج سليم قويم ، يستقيم به أمر الحياة البشرية ، وتنجو به الفساد والتخبط ومن الظلم أو الاستذلال .. وندرك قيمة قول عمر - رضى الله عنه - "ينقض الإسلام عروة عروة من نشأ فى الإسلام ولم يعرف الجاهلية" .. فالذى يعرف الجاهلية هو الذى يدرك قيمة الإسلام ، ويعرف كيف يحرص على رحمة الله المتمثلة فيه، ونعمة الله المتحققة به.
إن جمال هذه العقيدة وكمالها وتناسقها ، وبساطة الحقيقة الكبيرة التى تمثلها .. إن هذا كلة لا يتجلى للقلب والعقل ، كما يتجلى من مراجعة ركام الجاهلية - السابقة للإسلام واللاحقة - عندئذ تبدو هذه العقيدة رحمة .. رحمة حقيقية .. رحمة للقلب والعقل . ورحمة بالحياة والأحياء . رحمة بما فيها من جمال وبساطة ، ووضوح وتناسق ، وقرب وأنس ، وتجاوب مع الفطرة مباشرة عميق ..
وصدق الله العظيم :
"أفمن يمشى مكبا" على وجهه أهدى ؟ أم من يمشى سويا" على صراط مستقيم؟" .
خصائص التصور الإسلامىالقسم الأول
"صبغة الله ومن أحسن الله صبغة؟"
للتصور الإسلامى خصائصه المميزة ، التى تفرده من سائر التصورات ، وتجع له شخصيته المستقلة ، وطبيعته الخاصة ، التى لا تتلبس بتصور آخر ، ولا تستمد من تصور آخر .
هذه الخصائص تتعدد وتتوزع ، ولكنها تتضام وتتجمع عند خاصية واحدة ، هى التى تنبثق منها وترجع إليه سائر الخصائص .. خاصية الربانية ..
إنه تصور ربانى . جاء من عند الله بكل خصائصه ، وبكل مقوماته ، وتلقاه "الإنسان" كاملا" بخصائصه هذه ومقوماته ، لا ليزيد عليه من عنده شيئا" ، ولا لينقص كذلك منه شيئا" ، ولكن ليتكيف هو به وليطبق مقتضياته فى حياته ..
وهو - من ثم - تصور غير متطور فى ذاته ، إنما تتطور البشرية فى إطاره ، وترتقى فى إدراكه وفى الاستجابة له . وتظل تتطور وتترقى ، وتنمو وتتقدم ، وهذا الإطار يسعها دائما" ، وهذا التصور يقودها دائما" . لأن المصدر الذى أنشأ هذا التصور ، هو نفسه المصدر الذى خلق الإنسان ، هو الخالق المدبر ، الذى يعلم طبيعة هذا الإنسان ، وحاجات حياته المتطورة على مدى الزمان . وهو الذى جعل فى هذا التصور من الخصائص ما يلبى هذه الحاجات المتطورة فى داخل هذا الإطار .
وإذا كانت التصورات والمذاهب والأنظمة التى يضعها البشر لأنفسهم - فى معزل عن هدى الله - تحتاج دائما" إلى التطور فى أصولها ، والتحور فى قواعدها ، والانقلاب أحيانا" عليها كلها حين تضيق عن البشرية فى حجمها المتطور ! وفى حاجاتها المتطورة .. إذا كانت تلك التصورات والمذاهب والأنظمة التى هى من صنع البشر ، تتعرض لهذا وتحتاج إلي ، فذلك لأنها من صنع البشر ! البشر القصار النظر ! الذين لا يرون إلا ما هو مكشوف لهم من الأحوال والأوضاع والحاجات فى فترة محدودة من الزمان ، وفى قطاع خاص من الأرض .. رؤية فيها - مع هذا - قصور الإنسان وجهل الإنسان ، وشهوات الإنسان ، وتأثرات الإنسان .. فأما التصور الإسلامى - بربانيته - فهو يخالف فى أصل تكوينه وفى خصائصه ، تلك التصورات البشرية ، ومن ثم لا يحتاج - فى ذاته - إلى التطور والتغير .. الذى وضعه يرى بلا حدود من الزمان والمكان . ويعلم بلا عوائق من الجهل والقصور . ويختار بلا تأثر من الشهوات والانفعالات . ومن ثم يضع للكينونة البشرية كلها ، فى جميع أزمانها وأطوارها .. أصلا" ثابتا" تتطور هى فى حدوده وترتقى ، وتنمو وتتقدم دون أن تحتك بجدران هذا الإطار !
إن الحركة قانون من قوانين هذا الكون - فيما يبدو - وهى كذلك قانون الحياة البشرية - بوصفها قطاعا" من الحياة الكونية - ولكنها ليست حركة مطلقة من كل قيد ، وليست حركة بغير ضابط ولا نظام . فلكل نجم ولكل كوكب فلكه ومداره ، وله كذلك محوره الذى يدور عليه فى هذا المدار . وكذلك الحياة البشرية لابد لها من محور ثابت ، ولا بد من فلك تدور فيه ، وإلا انتهت إلى الفوضى وإلى الدمار ، كما لو انفلت نجم من مداره ، أو ظل يغير محوره بلا ضابط ولا نظام ومن ثم كان هذا التصور الربانى ثابتا" ، لتدور الحياة البشرية حوله ، وتتحرك فى إطاره . وهو مصنوع بحيث يسعها دائما" ويشدها دائما" . وهى تنمو وترتقى . وهى تتطور وتتحرك إلى الأمام .
وهو - من ثم - كامل متكامل . لا يقبل تنمية ولا تكميلا" ، كما لا يقبل "قطع غير" من خارجه ، فهو من صنعة اله ، فلا يتناسق معه ما هو من صنعة غيره . والإنسان لا يملك أن يضيف إليه شيئا" ، ولا يملك أن يعدل فيه شيئا" . إنما هو جاء لضيف إلى الإنسان . لينميه ويعدله ويطوره ويدفع به دائماً إلى الأمام .. جاء ليضيف إلى قلبه وعقله ، وإلى حياته وواقعه . جاء ليوقظ كل طاقات الإنسان واستعداداته ، ويطلقها تعمل فى إيجابية كاملة ، وفى ضبط كذلك وهداية ، وتؤتى أقصى ثمراتها الطيبة، مصونة من التبدد فى غير ميدانها ، ومن التعطل عن إبراز مكنونها ، ومن الانحراف عن طبيعتها ووجهتها ، ومن الفساد بأى من عوامل الفساد .. وهو لا يحتاج - فى هذا كله - إلى استعارة من خارجه ، ولا إلى دم غير دمه ! ولا إلى منهج غير منهجه . بل إنه ليحتم أن يتفرد هو فى حياة البشر ، بمفهوماته وإيحاءاته ومنهجه ووسائله وأدواته . كى تتناسق حياة البشر مع حياة الكون - الذى تعيش فى إطاره - ولا تصطدم حركتها بحركة الكون فيصيبها العطب والدمار !
وهو - من ثم - شامل متوازن منظور فيه إلى كل جوانب الكينونة البشرية أولا" .
ومنظور فيه إلى توازن هذه الجوانب وتناسقها أخيرا" . ومنظور فيه كذلك إلى جميع أطوار الجنس البشرى ، وإلى توازن هذه الأطوار جميعا" . بما أن صانعه هو صانع هذا الإنسان .. الذى خلق ، والذى يعلم من خلق ، وهو اللطيف الخبير . فليس أمامه - سبحانه - مجهول بعيد عن آفاق النظر من حياة هذا الجنس ، ومن كل الملابسات التى تحيط بهذه الحياة .. ومن ثم فقد وضع له التصور الصحيح الشامل لكل جوانب كينونته ، ولكل أطوار حياته .. المتوازن مع كل جوانب كينونته ومع كل أطوار حياته . الواقعى المتناسق مع كينونته ومع كل ظروف حياته .
وهو - من ثم - الميزان الوحيد الذى يرجع إليه الإنسان فى كل مكان وفى كل زمان ، بتصوراته وقيمه ، ومناهجه ونظمه ، وأوضاعه وأحواله ، وأخلاقه وأعماله .. ليعلم أين هو من الحق. وأين هو من الله ، وليس هنالك ميزان آخر يرجع إليه ، وليس هنالك مقررات سابقة ولا مقررات لاحقة يرجع إليها فى هذا الشأن .. إنما هو يتلقى قيمة وموازينه من هذا التصور ، ويكيف بها عقله وقلبه ، ويطبع بها شعوره وسلوكه ، ويرجع فى كل أمر يعرض له إلى ذلك الميزان
"فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا " . (النساء : 59)
وفى خاصية التصور الإسلامى الأساسية - التى تحدد طبيعته - وفى سائر الخصائص التى تنبثق منها .. يرى بوضوح تفرد هذا التصور ، وتميز ملامحه ، ووضوح شخصيته بحيث يصبح من الخطأ المنهجى الأصيل محاولة استعارة أى ميزان ، أو أى منهج من مناهج التفكير المتداولة فى الأرض - فى عالم البشر - للتعامل بها مع هذا التصور الخاص المستقل الأصيل . أو الاقتباس منها والإضافة إلى ذلك التصور الربانى الشامل .
وسنرى هذا بوضوح كلما تقدمنا فى هذا البحث . فنكتفى الآن بتقرير هذه القاعدة التى لابد من مراعاتها جيدا" فى كل بحث إسلامى ، فى أى قطاع من قطاعات الفكر الإسلامية أو المنهج الإسلامى .. فهذا هو مفرق الطريق ..
والآن فلننظر فى هذه الخاصية الأساسية ، وفى الخصائص التى تنبثق منها ، بشئ من البيان والتفصيل ..

الربانية القسم الأول
"قل : إننى هدانى ربى إلى صراط مستقيم"
الربانية أولى خصائص التصور الإسلامى ، ومصدر هذه الخصائص كذلك .. فهو تصور اعتقادى موحى به من الله - سبحانه - ومحصور فى هذا المصدر لا يستمد من غيره .. وذلك تمييزا" من التصورات الفلسفية التى ينشئها الفكر البشرى حول الحقيقة الإلهية ، أو الحقيقة الكونية ، أو الحقيقة الإنسانية ، والارتباطات القائمة بين هذه الحقائق ، وتمييزا" له كذلك من المعتقدات الوثنية ، التى تنشئها المشاعر والأخيلة والأوهام والتصورات البشرية .
ويستطيع الإنسان أن يقول - وهو مطمئن - : إن التصور الإسلامى هو التصور الاعتقادى الوحيد الباقى بأصله "الربانى" وحقيقته "الربانية" . فالتصورات الاعتقادية السماوية ، التى جاءت بها الديانات قبله ، قد دخلها التحريف - فى صورة من الصور - كما رأينا . وقد أضيفت إلى أصول الكتب المنزلة ، شروح وتصورات وتأويلات وزيادات ، ومعلومات بشرية ، أدمجت فى صلبها ، فبدلت طبيعتها "الربانية" . وبقى الإسلام - وحده - محفوظ الأصول ، لم يشب نبعه الأصيل كدر ، ولم يلبس فيه الحق بالباطل . وصدق وعد الله فى شأنه :
"إنا نحن نزلنا الذكر ، وإنا له لحافظون" (الحجر : 9)
وهذه الحقيقة المسلمة ، التى تجعل لهذا التصور قيمتة الفريدة .
ومفرق الطريق بين التصور الفلسفى والتصور الاعتقادى - بصفة عامة - أن التصور الفلسفى ينشأ فى الفكر البشرى - من صنع هذا الفكر - لمحاولة تفسير الوجود وعلاقة الإنسان به . ولكنه يبقى فى حدود المعرفة الفكرية الباردة . أما التصور الاعتقادى - فى عمومه - فهو تصور ينبثق فى الضمير ، ويتفاعل مع المشاعر ، ويتلبس بالحياة . فهو وشيجة حية بين الإنسان والوجود . أو بين الإنسان وخالق الوجود.
ثم يتميز التصور الإسلامى بعد ذلك عن التصور الاعتقادى - فى عمومه - بأنه - كما أسلفنا - تصور ربانى ، صادر من الله للإنسان . وليس من صنع الإنسان . تتلقاه الكينونة الإنسانية بجملتها من بارئها . وليست الكينونة الإنسانية هى التى تنشئه ، كما تنشئ التصور الوثنى ، أو التصور الفلسفى - على اختلاف ما بينهما -وعمل الإنسان فيه هو تلقيه وإدراكه والتكيف به ، وتطبيق مقتضياته فى الحياة البشرية .
وينص المصدر الإلهى الذى جاءنا بهذا التصور - وهو القرآن الكريم - على أنه كله من عند الله ، هبه للإنسان من لدنه ، ورحمة له من عنده . وأن الفكر البشرى - ممثلا" ابتداءً فى فكر الرسول - صلى الله عليه وسلم - أو فكر الرسل كلهم - باعتبار أنهم جميعا" أرسلوا بهذا التصور فى أصله - لم يشارك في إنشائه ، وإنما تلقاه تلقيا" ، ليهتدى به ويهدى . وأن هذه الهداية عطية من الله كذلك ، يشرح لها الصدور . وأن وظيفة الرسول - أى رسول - فى شأن هذا التصور ، هى مجرد النقل الدقيق ، والتبليغ الأمين ، وعدم خلط الوحى الذى يوحى إليه من عند الله بأى تفكير بشرى - أو كما يسميه الله سبحانه بالهوى ! أما هداية القلوب به ، وشرح الصدور له ، فأمر خارج عن اختصاص الرسول ، ومرده إلى الله وحده فى النهاية :
"وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ(52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ " … (الشورى : 52-53)
"وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى(1)مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى(2)وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى(3)إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى" … . (النجم : 1-4)
"وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ(44)لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ(45)ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ(46)فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ " … (الحاقة : 44-47)
"يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ " … (المائدة : 67)
"إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" … (القصص : 56)
"فَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ " …. (الأنعام : 125)



(1) هذا البحث هو الذى سبق الوعد بإخراجه تحت عنوان "فكرة الإسلام عن الله والكون والحياة والإنسان" .
(2) راجع كتاب "الإنسان ذلك المجهول" تأليف دكتور ألكسيس كاريل ، وكتاب : "الإسلام ومشكلات الحضارة" لصاحب هذا البحث .
(3) يراجع كتاب "الدعوة إلى الإسلام"تأليف "ت . و . أرنولد" الترجمة العربية ص 52 .
(4) يراجع فى هذا الكتاب فصل : "الربانية" .
(5) ترجمه الأستاذ عباس محمود .
(6) يراجع فى هذا البحث فصل : الربانية .
(7) ترجمة الأستاذ السيد أبو الحسن الندوى فى كتابه : "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" .
(8) ص 52 من الترجمة العربية للدكتور حسن إبراهيم حسن وزميليه .
(9) كتاب الأصنام : ص34 .
(10) الجامع الصحيح كتاب المغازى .
(11)الأصنام للكلبى ص34 .
(12) طبقات الأمم لصاعد ص 430 (نقلا" عن كتاب : ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) .
(13) أما التصورات والفلسفات والمذاهب التى وجدت بعد الإسلام ، وبخاصة التى قام عليها الفكر الغربى والحياة الغربية ، والتى تعيش بها البشرية اليوم فى غرب أوروبا وفى شرقها كذلك .. فلم تجئ بخير من هذا الركام … وسنتناول بعضها بالبيان فى مواضعه المناسبة فى فصول الكتاب .
المنوعـــات: الشهيد سيد قطب » الشهيد سيد قطب - خصائص التصور الاسلامي
bullet.gif نشر من قبل Maqreze في 09/24/2009 08:40 · bullet.gif Edited by Maqreze في 09/24/2009 13:54 · طباعة · ·
تعليق مدير الموقع
دويلات الموز العربي! تضرب أخماسا في أسداس! جراء نفوذ إيران في بلاد السنة! لم يبق أمام مليشيات الشيعة إلا اقتحام قصور حكام الخليج
المطلوبين للمحكمة الشرعية

bullet.gif المطلوبين للمحكمة الشرعية
الدورات الشرعية

bullet.gif الدورات الشرعية للشيخ د هاني السباعي
المقريزي على اليوتيوب

bullet.gif موقع المقريزي على اليوتيوب
جديد المقالات
bullet.gif الحصاد المر لشيخ الأزهر طنطاوي
bullet.gif عينة من أقوال وأفعال الإخوان المسلمين في نضالهم...
bullet.gif فتوى توحيد الأذان - من كتشنر الإنجليزي إلى وو...
bullet.gif تعليق على البديل الثالث لآل الزمر
bullet.gif الحصاد المر لشيخ الأزهر طنطاوي
bullet.gif إعلان الحرب العالمية على هاني السباعي
bullet.gif الفساد في عالمنا العربي الإسلامي !!
bullet.gif النصارى يحكمون مصر!
bullet.gif القراصنة..
bullet.gif محامو الشيطان!
bullet.gif عودة البلدوزر السفاح محمد فهيم على الساحة الأفغ...
bullet.gif هل يقال لمبتدع .. علّامة!
bullet.gif السيرة الذاتية والدعوية لفضيلة الشيخ الدكتور ها...
bullet.gif التجلية في الرد على التعرية
bullet.gif شهادتي في الشيخ أبي محمد المقدسي
bullet.gif رد الأستاذ منتصر الزيات
bullet.gif بأي ذنب قتلوا...قوات الاحتلال الأمريكي والناتو ...
bullet.gif التعليق على خبر استشهاد أبي خباب المصري ورفاقه
bullet.gif حقيقة كتائب النساء الاستشهاديات التابعة لتنظيم ...
bullet.gif هل تغض القاعدة الطرف عن دولة الإمارات لاتفاق مس...
جديد الصوتيات
(709) خطبة الجمعة 06 رجب 1436 هـ - ااستشهاد الش...
[04/26/2015 14:47]
(708) خطبة الجمعة 28 جمادى الاخرى 1436 هـ - اس...
[04/26/2015 14:45]
(707) خطبة الجمعة 21 جمادى الاخرى 1436 هـ - أي ...
[04/26/2015 14:21]
(706) خطبة الجمعة 14 جمادى الاخرى 1436 هـ - تفس...
[04/03/2015 10:28]
(705) خطبة الجمعة 06 جمادى الاخره 1436 هـ - خطب...
[03/27/2015 07:58]
ابحث في الموقع



 
اخترنا لكم
bullet.gif شهادة نجاح
bullet.gif الجامع في مسائل الخلاف والاختلاف في الساحة الشامية
bullet.gif إعادة إنتاج الأخطاء – الترباني وقصة العميل الروسي
bullet.gif خطبة خاصة عن استشهاد إبراهيم الربيش
bullet.gif خطبة الجمعة أي الفريقين أحق بالجاسوسية يا ترباني
bullet.gif السيرة الذاتية للملا محمد عمر
bullet.gif الفن الحديث وغسيل الأموال
bullet.gif التعليقات عقب الدرس الأول من شرح الطرق الحكمية
bullet.gif الدرس الأول من شرح كتاب العلامة ابن قيم الجوزي...
bullet.gif خبايا لعبة الفن الحديث
bullet.gif فضيلة الشيخ الدكتور هاني السباعي يشرح كتاب الع...
bullet.gif بيان من الصحفي المغربي الأسير مصطفى الحسناوي
bullet.gif مقالات عن السرورية
bullet.gif A clarification regarding the incident on Al-J...
bullet.gif العدناني وغزوة الأحزاب!! شبهة وردنا عليها
الدخول
الاسم

كلمة السر



نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
هاني السباعي في الفيسبوك
برامج مهمة






Copyright
2003-2015 Almaqreze Center For Historical Studies

Disclaimers
The postings in the Website do not undergo monitoring, and do not necessarily reflect Almaqreze Center views
Almaqreze Center claims no responsibility or liability to third party links or Articles or Books contained within Writers
Send mail to almaqreze2007@almaqreze.net with questions or comments about this website



SQL Injection Blocker. Copyright © 2009-2015 NetTrix. All rights reserved

Powered by PHP-Fusion copyright © 2002 - 2015 by Nick Jones
Released as free software without warranties under GNU Affero GPL v3

 Protected by : ZB BLOCK  &  StopForumSpam