1.png 2.png
القائمة الرئيسية
bullet.gif الصفحة الرئيسية
bullet.gif مركز المقريزى الاعلامي
bullet.gif مكتبة المقريزي
bullet.gif مــقـــــــــــــــــالات
bullet.gif كــتـــــــــــــــــــــب
bullet.gif أخــبـــــــــــــــــــار
bullet.gif واحـة المنوعـــات
bullet.gif خُــطـــــــــــــــــــب
bullet.gif حـــــــوارات مكتوبة
bullet.gif بــيـــانـــــــــــــــات
bullet.gif شــعــــــــــــــــــــر
bullet.gif المركز
bullet.gif المدير العام د. هاني السباعي
bullet.gif سجل الزوار
bullet.gif مواقع
bullet.gif اتصل بنا
كتاب مجزرة رابعة‎

bullet.gif كتاب مجزرة رابعة‎
المقريزي موبايل

bullet.gif موقع المقريزي على موبايل
صور الاسبوع

مركز المقريزى الاعلامي
ملفات في الموقع
bullet.gif محاضرات البالتوك

bullet.gif هل الموسيقى حرام؟

bullet.gif ملف الشهيد سيد قطب

bullet.gif القوس العذراء.. رائعة العلامة محمود محمد شاكر

bullet.gif اللقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة
مركز التحميل
bullet.gif حمّل المجموعة الكاملة للدكتور هاني السباعي ( مقالات - تحليلات - بحوث - أجوبه )تحديث 03-10-2008

bullet.gif حمّل مجموعة الحوارات التلفزيونيه للدكتور هاني السباعي
مركز المقريزى RSS

RSS - Articles

RSS - News
كتاب ننصح به
هاني السباعي على تويتر
سجل الزوار


مشاركات الزوار


إضافة مشاركة في سجل الزوار

إضغط هنا

محامو الشيطان!
محامو الشيطان!
الجزء الاول
[بقلم: د.إبراهيم عوض]
بسم الله الرحمن الرحيم
قبل نحو أسبوعين كنت أبحث فى المكتبة العامة فى الرفّ الخاص بجنوب الوادى عن كتاب "تاريخ الثقافة العربية فى السودان" للدكتور عبد المجيد عابدين، فلفت نظرى فى رف مجاور كتاب آخر بعنوان "مصر والحملة الفرنسبة" للمستشار سعيد عشماوى (سلسلة "تاريخ المصريين"/ العدد 163/ 1999م)، فأخذته واستعرته. ومن الطريف أننى لم أعثر على كتاب الدكتور عابدين مع ذلك، وهى تدبيرة من تدابير القدر! وما إن عدت إلى البيت حتى شرعت أقرأ الكتاب، فهالنى أن أجد المؤلف ينحاز بطريقةٍ سافرةٍ فِجَّةٍ إلى الجانب الفرنسى عاملا بكل قواه على تشويه المقاومة الدينية الوطنية التى مرَّرت حياة الكلاب الفرنسيين فى مصرنا الحبيبة وجعلتهم يعيشون طَوَال وجودهم على صفيح ملتهب حتى جَلَوْا عن أرض الكنانة بعد أن ظلوا يدنسونها بوجودهم النجس ثلاثة أعوام. كما أطلق لمشاعر الكراهية العِنَان فكال الاتهامات البشعة لسليمان الحلبى البطل العربى المسلم الذى شرفه الله سبحانه وتعالى بتحقق قتل الخنزير الحقير المسمَّى: "كليبر" على يديه الطاهرتين. وكنت قد لاحظت فى المقدمة التى مهد بها لكتابه هذا أنه يتيه عُجْبًا وفخرا بمجالسته لبعض المسؤولين الفرنسيين أثناء زيارته التى سبقت تأليفه الكتاب المذكور واهتمامهم بما يكتبه عن الإسلام. كما هالنى ما رأيته من وصفه لنفسه بأنه "مفكر كونى". جاء ذلك ردا على سؤال خبيث وجهه له وزير العدل الفرنسى فى سنة 1988م أثناء زيارته المذكورة لفرنسا، إذ سأله بالإنجليزية: "How did you escape the destruction of your totalitarian culture?"، ومعناه: "كيف استطعت الإفلات من الأثر المدمر لثقافتكم؟". والمقصود بطبيعة الحال هو "الثقافة العربية الإسلامية"، هذه الثقافة التى وصفها الوزير الوقح مرارا بأنها "ثقافة شمولية"، أى جاهلة منغلقة "ذات تأثير مدمر على العقلية والشخصية"، فهى تؤدى إلى "انشطار العقل وانكسار القول".
وبدلاً من أن يحاول "المفكر الكونى" تصحيح الوزير الفرنسى، بل زَجْره وإفهامه أن ما قاله لا ينطبق على ثقافتنا، بل عليهم هم، إذ يريدون منا باسم "العولمة، وما أدراك ما العولمة؟" أن نتخلى عن خصائصنا الثقافية، سواء فيما يتعلق بالعقيدة أو التشريع أو الذوق الفنى والأدبى أو العادات والتقاليد أو المثل العليا، ونتابعهم على ما هم عليه بحجة أن الأرض قد أضحت قرية صغيرة... إلى آخر هذا الهراء! بدلا من ذلك نراه ينخرط فى معزوفة عن منحاه العقلى والفكرى وأنه رجل كونى منذ شبابه الأول يعلو فوق الخصوصيات المحلية فى "الثقافة والمعرفة والفن"، ومن ثم كُتِبَتْ له النجاة من الجهل الذى يدفع إلى التعصب لما عند قومه وأمته، وأن سر نجاته من هذا الأثر المدمر هو "طبيعته الخاصة وثقافته الإنسانية"، وأنه إن كان يُحِسّ (كما لاحظ الوزير الفرنسى السليط اللسان) بــ"الاغتراب" بين أبناء مجتمعه فإنه، وهذا هو المهم، يشعر "بالتوحد مع ذاته" ويحس أنه "فى صميم الكونية وحقيق الإنسانية وجميع الصِّدْقية". ليس ذلك فحسب، بل أضاف قائلا: "فصِرْتُ أُبَشِّر بالإنسان الكونى وأُقَدِّم نفسى مثلا ومثالا عليه"! يا ألله على هذا التواضع الحميد المجيد! لكن سيادته، للأسف الشديد، قد نسى أن يقول لنا ماذا يا ترى كانت نتيجة هذا التبشير بذاته الكونية بين الفرنسيين والغربيين الذين يشنّف آذانهم ويبهج قلوبهم هذا النوع من الألحان الفكرية! وإن كنت أعرف من تلقاء نفسى الرد على هذا السؤال، فمثل هذه الأفكار لا تقال إلا للمتخلفين من أمثالنا نحن العرب والمسلمين، أما هم فسادة أعزة كرام لا يتخلَّوْن أبدا عن ثقافتهم الفرنسية أو الإنجليزية أو الأمريكية... ولا يلتفتون لهذا الهراء الذى لا يجوز إلا على عقول السُّذَّج الأغرار كأَنَا وأمثالى!
مقطع الحق أنه لا يوجد فى الدنيا شىء اسمه "الكونية" بالمعنى الذى يقصده السيد المستشار، وإلا فكيف يمكننى أن أتمسك بدينى إذا وضعت فى دماغى أن كل الأديان متساوية؟ أو كيف يمكننى أن أعتز بالصالح من عاداتى وتقاليدى إذا وضعت فى دماغى أن كل العادات والتقاليد متساوية؟ أو كيف يمكننى أن أدافع عن وطنى وأمتى إذا وضعت فى دماغى أن كل الأوطان والأمم متساوية؟... وهكذا، وهكذا. إن هذا تمييعٌ للأمور مؤذٍ بل مُهْلِك، وهو تمييع تروّجه الدوائر المعادية لنا كى تحطم روحنا المعنوية فتصير مواقفنا بهذه الطريقة مواقف هلامية لا تماسُك فيها ولا تمسُّك بشىء، ومن ثَمّ يسهل انكسارنا وتحطيمنا وتفتيتنا، أما اعتزازنا بأنفسنا وأمتنا وتاريخنا وثقافتنا، وقبل ذلك كله اعتزازنا بديننا وإيماننا بأنه هو وحده الدين الصحيح الذى لم ينله تحريف ولا تبديل، فضلا عن أنه هو وحده الدين العالمى، أما هذا الاعتزاز فهو ضمانتنا الوحيدة للصمود والبقاء والانتصار عاجلا أو آجلا على أعدائنا محترفى الكذب والإجرام والحرب المعنوية التدميرية، وإلا فليس أمامنا إلا الذوبان فى العدو والركوع تحت قدمه وفناء هويتنا فى هويته وامّحاء اسمنا من خريطة الحضارة، بل من خريطة التاريخ ذاته. إننا نحن البشر لا يمكن أن يتحقق لنا وجود إلا فى مكان معين (وزمان معين أيضا)، ومن ثم لا مناص لنا من الانتماء إلى وطن معين وأمة معينة لا إلى الكون كله، وإلا فأين ذلك الإنسان الذى يوجد خارج نطاق كل الأرضين بحيث نستطيع وصفه بـــ"الكونى"؟
والواقع أن الذى يسمع سيادة المستشار وهو يتحدث عن "كونيته" سيظن أن لدى الرجل علما غزيرا عميقا لم تَجُدْ به الأقدار على سواه، مع أن الكتاب الذى بين أيدينا وفيه هذه الدعوى العجيبة مملوء بالأخطاء الفاحشة من كل شكل ولون: بدءًا بالأخطاء الإملائية واللغوية، وانتهاءً بالأخطاء التاريخية والحضارية والسياسية. ونبدأ بالأخطاء الإملائية واللغوية التى هى من الكثرة والشُّنْع بمكان مكين، وكان ينبغى ألا يكون لها موضع فى كتابات مستشار قانونى له كتب متعددة ويوصف من قِبَل من يرافئونه على أفكاره ومواقفه ويفتحون له صدور مجلاتهم وينشرون له كتبه بأنه "مفكر". وكان قد سبق أن تهكم الدكتور محمد عمارة عليه وعلى استعماله كلمة "الفطيرة" بمعنى "الفِطْرَة" شارحا له أن هذا عيب لا يليق، لكن يبدو أن سيادة المستشار ليس لديه وقت يضيعه فى مثل هذه الصغائر التافهة، ولهذا لم يستغل هذه الفرصة "الفطيرية" التاريخية التى أتاحها له القدر وكانت مسجلة فى اللوح المحفوظ منذ قديم الأزل، فرصة تعليم الدكتور عمارة له وتنبيهه إياه إلى الأخطاء اللغوية المخزية التى يجب أن يتحرز منها بمزيد من التعلم والمعرفة، وليس فى ذلك أدنى عيب، بل العيب فى أن يظل الإنسان على ما هو عليه من الجهل بما لا ينبغى له الجهل فيه. وكلنا نجهل هذا الموضوع أو ذاك، لكننا إذا ما نُبِّهْنا تنبهنا وحاولنا أن نستدرك على أنفسنا ما كان قد فاتنا، ولا نستنكف أبدا من أن نتعلم من جديد حتى لا نكون سُخْرَةً للساخرين ولا هدفًا للنقاد المتهكمين وحتى لا يفكر أحد كالمرحوم عباس الأسوانى فى كتابة مقامة عن وكستنا اسمها: "المقامة الفَطِيرِيّة" كــ"المقامة المَضِيرِيّة" التى ألفها بديع الزمان الهمدانى، أو ما دام لا يمكن أن يكتب عنا عباس الأسوانى مقامةً لأنه قد مات رحمه الله فقد يفعلها ابنه علاء ويكتب عنا "قصة قصيرة" اسمها "قصة الفطيرة"، أو بالأحرى: "فطيرة عَشْمَاوْيان" على غرار "عمارة يعقوبيان"، يشرح لنا فيها حكاية الفطيرة، وهل كانت بالسمن أو بالزيت أو بالسكر أو بالسجق أو بالجبن الرومى أو بالبسطرمة؟ ومن الذى يا ترى عجنها؟ ومن الذى خبزها؟ ومن الذى سرقها؟ ومن الذى أكلها هَمّ يا مَمّ؟ لقد دخلت هذه الفطيرة التاريخ ولن تخرج منه أبدا إلا مع نفخة الصور يوم القيامة بإذن الله!
ترى هل يليق بــ"مفكر" أن يقول مثلا: "وعددهم اثْنَىْ وعشرون مستشارا" (ص 10)؟ ولا يمكن أن يكون هذا خطأ مطبعيا، وإلا لكُتِبَتْ "الياء" بنقطتين، على اعتبار أن الطابع قد كتب الياء، وفى ذهنه أن يلحق بها "نونا"، فهى من ثم ياء متوسطة بنقطتين تحتها. أما وقد خلت "الياء" من نقطتيها فمعناه أن سيادة المستشار الكونى قد كتب الكلمة فعلا على أنها "اثْنَىْ"! وعلى كل حال فصواب هذا الخطإ المضحك هو "اثنان وعشرون مستشارا". يعنى أن فى الكلمة غلطتين كلتاهما أشنع من الأخرى! ومثل هذا الكلام لم يصدر قَطُّ ولا يمكن أن يصدر عَوْضُ عن عربى، وهو يذكِّرنى بما سمعتُه من سيدة روسية فى أوائل الثمانينات متزوجة من شاب مصرى قالت لى أنا وزوجتى فى دكان من دكاكين الأثاث قابلناها فيه بحدائق القبة إن عند زوجها مكتبة "فيها تلاتهْ أَلْف كُتُب ونُسّ" (أى "ثلاثة آلاف كتاب ونصف الألف")! إنه كلام خواجاتى! أعاذنا الله من الخواجات وكلام الخواجات! أم هل يليق بمن يوصف بأنه "مفكر" (و"مفكر كونى"، وليس أى مفكر! خذ بالك!) أن يقول: "العاطى والآخذ" (ص 13)؟ إن العامة تقول مثلا: "سبحان العاطى"، يقصدون: "المعطى"، غير دارين (وكيف يدرون، وهم عوامّ؟) أن العاطى هو "المُتَنَاوِل" لا "المُنَاوِل"، أى أنه الآخذ لا المعطى، لكن سيادة المستشار "الكونى" لا يعرف هذا الفرق بين الكلمتين لأنه لا يتنزل لمستوى المحلية، فهو رجل كونى أكبر من الانتماءات القومية والعرقية والبيئية والثقافية واللغوية، ومن باب الأَوْلَى فوق الاهتمام بالفرق بين هاتين الكلمتين اللتين يمكن أن يهتم بالتمييز بين معنييهما رجل مثلى لا هو كونى ولا دْيَاوْلُو، بل رجل على قد حاله، رجل لا فى العير ولا فى النفير، رجل لا يجد من ينخدع فيه فيصفه بأنه "مفكر"، رجل ليس عنده ما يشغله عن الاهتمام بالتفاهات والصغائر، وبالتالى يستطيع أن يوجه جهوده إلى مسألة تافهة كهذه لا يليق الالتفات لها بــ"مفكر كونى" كسيادة المستشار عشماوى!
بيد أن سيادة المستشار ينظر من عَلٍ إلى لغة الجَبَرْتِىّ ومعاصريه قائلا إن "لغة الكتابة فى ذلك العصر كانت قد انحطت شأن كل شىء فى مصر آنذاك" (ص 29)، وهذا هو الذى دفعنى إلى أن أفتح هذا الملف فيما كتبه جنابه فى الكتاب الذى بين أيدينا، ولولا ذلك فلربما كنت قد ألصقت "سيلوتيبًا" على فمى وسكتّ. لكن انتقاده لأسلوب الجبرتى الذى، رغم ما فيه من الهنات، هو أفضل مائة مرة من أسلوب المستشار عشماوى، على الأقل بما فيه من حيوية فى الوصف وحرارة فى التعبير ومرونة فى تأدية كل المعانى والأفكار التى كان كثير منها جديدا على الرجل رحمه الله، فضلا عن أنه لم يكن مصريا صميما كعشماوى، بل يرجع بنسبه إلى "جَبَرْت" الصومالية، ولا كان يتمطَّق بالحديث عن مجد الفراعنة فى مواجهة الإسلام كما يفعل بعض المتحذلقين ممن توقعهم حذلقاتهم فى المعايب والمعاطب، وفوق ذلك كانت العربية، ثقافةً ولغةً، قد وصلت إلى أدنى دركات انحطاطها على مدى تاريخها الطويل! وبالمناسبة فــ"يتمطَّق" كلمة فصيحة صحيحة فى هذا المعنى. قال حُرَيْثُ بن عَتَّاب يهجو بني ثُعَل:
دِيَافِيّةٌ قُلُفٌ كأَنَّ خَطِيبَهُمْ، ** سَرَاةَ الضُّحَى، في سَلْحِهِ، يتَمَطَّقُ

أقول: إن انتقاد عشماوى لأسلوب الجبرتى ومعاصريه قد ذكّرنى ببيت الشعر الذى يقول:
يا أيها الرجل المعلِّم غَيْرَه ** هَلاَّ لنفسك كان ذا التعليمُ؟
ودفعنى بالتالى إلى تنبيهه لتلك التفاهات التى ما كان يصح ولا يليق ولا يحق أن أشغله بها عن مهامه الكونية التى لا يصلح إلا لها ولا تصلح إلا له كما كانت الحال بين الخلافة وهارون الرشيد على حد قول الشاعر:
أتته الخلافة منقـادةً ** إليه تجـــرِّر أذيالها
فلم تَكُ تَصْلُح إلا له ** ولم يَكُ يَصْلُح إلا لها!

ومُضِيًّا مع سياسة تنبيه الكائنات "الكونية" للتفاهات "المحلية" أقول إن سيادة المستشار قد وقع فى أخطاء كثيرة أخرى تافهة مثل هذه أرى أنه لا بد من التنبيه إليها. صحيح أنه فوق الاهتمام بأمثالها، لكنْ على القراء الكرام ألا يَنْسَوْا أننى إن لم أشغل نفسى بمثل هذه الأمور فماذا أفعل؟ ومن أين آكل أنا وأولادى؟ إن وظيفتى هى فى رصد هذه التفاهات والكتابة عنها حتى يقال إننى أستاذ كاتب، وحتى تفرح أم عيالى التى لا أدرى أىّ شيطان سوَّل لها أن تختار رجلها على أساس أنه أديب! منها لله! هى التى أوقعتنى فى هذا الشر!
ومن هذه التفاهات التى لا يليق أن أشغل الرجل "الكونى" بها لولا أننى ليس عندى شغلة ولا مشغلة تشعلنى عن رصد هذه التفاهات كما قلت، كتابته ألف جماعة فى "سيئوا الخلق، قليلوا الخبرة" (ص 72، وهذه لا يقع فيها إلا الكتاب من فئة "الكَوْنِيّين" الذين عندهم من الاهتمامات والمشاغل ما يصرفهم عن الانتباه لمثلها ومعرفة أن هذه الألف لا تضاف إلا للفعل المضارع المسند لواو الجماعة فى حالة النصب والجزم فحسب)، وكذلك قوله: "فكأن العثمانيون هم الذين أثاروا النعرة الطائفية" (ص 83، برفع اسم "كأن"، وصحته "العثمانيين")، وكتابته: "يجترءون" بهمزة على السطر لا على نبرة (ص 98)، وقوله: "يسميها (الجبرتى) ديوان" (ص 102، بدلا من "ديوانا" بالنصب لأنها مفعول ثان كما يعرفها كل من له أدنى إلمام بعلم النحو "المحلى" الذى لا وشيجة بينه وبين "الكونيات" العشماوية)، وقوله: "إنها فكرة الجبرية... التى تدعوا الناس إلى.." بزيادة ألف جماعة فى غير محلّها (ص 115)، وقوله: "وكان كل فرد غارق فى الجهل والأنانية" (ص 150، وصوابها "غارقا" حسبما يعلم ذلك صغار التلاميذ منذ المرحلة الابتدائية لأنها خبر "كان" كما هو بين واضح حتى للأعمى)، وقوله: "وإذا بهم يفرّوا من المعركة ويتخلَّوْا عن المصريين" (ص 151، بحذف "نون" الرفع من آخر المضارع مرتين متتابعتين دون ناصب أو جازم)، وقوله: "كان يعين القضاة بعد أن يحصل منهم على الرشاوى فيظلموا هم كما يشاءون" (ص 154- 155، وهى نفس الغلطة السابقة)، وقوله: "وهل خلَّدَ أحد منهم تخاذلُه وجبنُه؟" (ص 159، برفع "أحد" رغم أنه مفعول به)، وقوله: "ألم يعى أحدهم المعانى الحقيقية للكفاح...؟" (ص 159، بإثبات حرف العلة فى نهاية المضارع المجزوم)، وكتابته كَلِمتَىْ "رءاءا ورياءا" (ص 162، على خلاف ما كما نفعل ونحن عيال صغار فى الكتّاب، إذ كنا وما زلنا نكتبها هكذا:"رئاءً ورياءً"، وهو ما لا تصح كتابتهما بخلافه، علاوة على أن "رئاء" هى ذاتها "رياء" دون أى فرق إلا فى تحقيق الهمزة أو تسهيلها، فــ"أحمد" هو "الحاج أحمد")، وقوله: "أما المصريين فما إن بدرت لهم البادرة..." (ص 173)، "أما المصريين... فقد كانت لديهم... حالة من الانكفاء على الذات" (ص 189، بنصب "المصريين" فى الجملتين رغم كونها مبتدأً)، وقوله: "فما بين هزيمة المماليك... وبين سنة 1823 خمسة وعشرين عاما" (ص 173، بنصب المبتدإ مرة أخرى، وهو "خمسة وعشرين"، وصحته "خمسة وعشرون")، وكتابته كلمة "ملء" بهمزة على ألف فى الجملة التالية: "صار ... ملأ السمع والبصر" (ص 182، بدلا من "مِلْءَ السمع والبصر")، وقوله: "كان الفرنسيون مستعمرون" (ص 184، برفع خبر "كان")، وقوله عن أمر من الأمور إنه "مجاز وليس واقع" (ص 191، برَفْع خبر "ليس" أو ربما خَفْضه)، وقوله: "فضلا عن أنهم ورؤساؤهم كانوا يشاركون التجار والحرفيين فى أعمالهم" (ص 201، برفع المعطوف على اسم "إن" كما هو واضح لكل ذى عينين وكل غير ذى عينين أيضا، وجميع التلاميذ يدركون أن المعطوف يأخذ الحكم الإعرابى للمعطوف عليه، ومن ثم كان حقه أن يُنْصَب كما هو واضح أيضا لكل ذى... وكل غير ذى... إلخ)!
وأحب أن أنبه الأذهان إلى أن هذه الأخطاء ما هى إلا عينة من أخطاء أكثر، كما أننى أخمن أن الكتاب قد خضع فوق ذلك للتصحيح، فضلا عن أن معظم صفحات الكتاب إنما هى نقولٌ من الجبرتى، ومعنى هذا أن نسبة الأخطاء فيما خَطّتْه يد السيد المستشار هى نسبة فاحشة، لكن لا بد مع ذلك من المسارعة إلى القول بأنها إنما توصف بكونها "فاحشة" بالنسبة إلى الكتاب "المحليين" لا غير، أما الكتاب "الكونيون" فلا تُعَدّ فى حقهم شيئا لأنهم أكبر من أن يشغلوا أنفسهم بمثل هذه التُّرَّهات!
على أن هذه الأخطاء ليست كل شىء فى الكتاب على صغر ما خطته فيه يد الكاتب كما قلنا، بل هناك أخطاء من نوع آخر، إذ هو لا يجرى على وتيرة واحدة فى إعراب الكلمات التى يكتبها بين قوسين شرحا لما يكتبه الجبرتى مما يرى سيادته أنه يحتاج إلى شرح، ومن ثم يجعلها "بدلا" من الكلمة التى تفسرها أو "نعتا" لها حسب السياق، بل نراه يكتبها مرة مرفوعة، ومرة منصوبة، ومرة مجرورة كيفما اتفق، وهو ما يدل على أن المسألة غير واضحة فى ذهنه بتاتا، كما أنه كثيرا ما يفسر عبارة الجبرتى تفسيرا خاطئا. لنأخذ مثلا الشواهد التالية: إنه يفسر"الإيراد والإصدار" فى قول الجبرتى عن مراد بك إنه كان يشارك إبراهيم بك "فى الأحكام والنقض والإبرام، والإيراد والإصدار" بأنهما "المصروفات" (ص 31، مع أن الكلام، حسبما يقول السياق، هو عما كان يَرِدُ عليه من أمور وما كان يصدر عنه من تصرفات لا عن الأموال والمصروفات). كذلك نجده يفسر "البُمْبات" بــ"البُمْب"، (ص 31- 32، وكأننا إزاء ما يلعب به الأولاد فى العيد من بُمْب يفرقعونه فى الشوارع وعلى سلالم البيوت، ولسنا بصدد الحديث عن القنابل التى كان يضرب بها الفرنسيون المساكن والمساجد فيدكّونها دكًّا، والتى كثيرا ما عبر عنها الجبرتى بــ"القنبر" و"القنابر"، وهى الكلمة التى تطورت بعد ذلك إلى "القنابل"). وبالمثل يشرح كلمة "البَوّ" فى قول الجبرتى عن رجل أبله سمين غاية السمن إنه "صار مثل البَوّ العظيم" بأنه "الشىء" (ص 40، وهو شرح لا معنى له لأنه يصدق على كل شىء وعلى أى شىء، إذ ما من شىء إلا ويوصف بأنه شىء، فهو كمن يفسر الماء بعد الجهد بالماء، أو كالشاعر الذى يقول عابثا هازلا:
الأرضُ أرضٌ، والسماءُ سماءُ ** والماءُ ماءٌ، والفضاءُ فضاءُ

أما "البَوّ" فهو الجلد المحشوّ المنتفخ! وكنا ونحن صغار نلعب فى القرية أحيانا بنوع بدائى ضخم من الكرة المحشوة خِرَقًا يسمّونه: "البَوّ". وأصل الكلمة هو "ولد الناقة"، ثم تطورت وأصبح معناها أيضا: جلد ولد الناقة إذا حُشِىَ تبنا وقُرِّب من أمه لتحنّ فيسهل إدرارها اللبن... وهكذا).
أما فى قول الجبرتى عن شناعة ما فعله الفرنسيون فى أول ليلة لهم بالقاهرة وعَجْزه عن وصف ذلك: "وكانت ليلة وصباحها فى غاية الشناعة. جرى فيها ما لم يتفق مثله فى مصر ولا سمعنا بما شَابَهَ بعضه فى تواريخ المتقدمين، فما راءٍ كمن سَمِعَ" (ص 45)، فإن سيادة المستشار "الكونى" يشرح كلمة "شَابَهَ" بمعنى "حَدَث"، فاعجب أيها القارئ الكريم كما يحلو لك من تلك العبقرية الكونية، فلن تجد من يلومك. أما عبارة: "فما راءٍ كمن سَمِعَ" فإنها تتحول بقدرة قادر بفضل عبقرية سيادته التى ليس لها شبيه إلى: "فما (فمن) رأى (ليس) كمن سمع"، مع أن الجملة مثلٌ مشهور عند العرب! وهو ما يصدق عليه المثل البلدى: "جاء يكحّلها فأعماها"! وفى العبارة التالية: "تبين أن الإفرنج (الفرنسيون) لم يعدّوا إلى البرّ الشرقى" (ص 46) يكتب فى شرح كلمة "الإفرنج" كلمة "الفرنسيون" بالرفع، مع أنها بدل من "الإفرنج" المنصوبة! ومثلها: "بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العسكر... وتَجَاريهم (اجتراءهم) على هدم البنية الإنسانية" (ص 49، بنصب الكلمة المفسِّرة بدلا من "اجترائهم" بالجر إتباعا لجرّ "تجاريهم"). ومثلها أيضا: "وفَتَحَ بعض الإفرنج البلديين (المقيمون فى مصر) بيوتا" (ص 51)، "التفّت عليه طائفة من المغاربة البلدية (المقيمون فى مصر)" (ص 78، بدلا من "المقيمين" فى الحالتين). ومثلها: "هذا من فعل ناصف باشا وكتخدا الدولة وإبراهيم بك (العثمانيون)" (ص 80، بدلا من "العثمانيين"). أما فى المثالين التاليين: "وكانت العساكر (العثمانيون) يخطفون ما يجدونه بأيدى الناس" (ص 80)، "بخلاف ما رأيناه بعد ذلك من أفعال أوباش العسكر... وتَجَارِيهم (اجترائهم) على هدم البنية الإنسانية" (ص 86) فقد كتب الكلمة الشارحة صحيحة، لكن على سبيل المصادفة والاعتباط بطبيعة الحال، فهو كما قال الشاعر:
يُعْطِى ويَمْنَعُ لا بخلاً ولا كرمًا ** وإنما خطراتٌ من وساوسهِ

وفى قول الجبرتى إن الفرنسيين قد استحدثوا بمصر نظام تسجيل العقود "وأن يُقَيَّد... من يتصدى لذلك ويرتبه ويدبره" (ص 62) نجد سيادة مفكرنا الكونى يفسر كلمة "يُقَيَّد" بـــ"يُُقَيَّض"، مع أن معناها بمنتهى البساطة هو "يُعَيَّن" كما هو ظاهر لا يحتاج لأى تفلسف، أما "يُُقَيَّض" فمعناها "يتاح"، وأين هذا من ذاك؟ أما فى الشاهد التالى فهو يفسد الأمر إفسادا شنيعا، وإن ظن أنه يصحح خطأ وقع فيه الجبرتى: "لم يُجِزْهم (يجيزهم) على عوائدهم" (ص 134)، أى أنه للمرة الثانية "جاء يكحّلها فأعماها"، إذ عندنا هنا حرف جَزْم هو "لم"، وعلى هذا فلا بد من حذف ياء الفعل المضارع الأجوف تبعا لتسكين الحرف التالى لها (وهو حرف "الزاى") فنقول: "لم يُجِزْ"، لكن جناب السيد المستشار (جنابه الكونى العظيم الذى لا يليق به الالتفات إلى الصغائر والسخافات التى لا تقدم ولا تؤخر) قد أثبت هذه الياء برغم أنف النحو واللغة وعلمائها وأصحابها! ولم لا، والنحو مسألة قومية، و"القومىّ" لا يناسب "الكَوْنىّ" ولا يرتفع لموطئ قدميه كما هو معروف؟ تُرَى: أقَوْمِىٌّ وكَوْنِىّ؟ طبعا لا يجوز!
وفى قول الجبرتى يصف أول معركة بين الفرنسيين والمماليك: "ودقَّ (يقصد الجيش الفرنسى) طبوله وأرسل بنادقه المتتالية والمدافع" (ص42، 172) نرى مفكرنا الكونى الذى لا نملك غيره يفسر عبارة "بنادقه المتتالية" بأنها "البنادق الآلية" رغم أن ذلك السلاح لم يظهر إلى الوجود إلا فى منتصف القرن التاسع عشر، أى بعد ذلك بعشرات السنين، وكذلك رغم أنه رجل قانون ويعرف الأسلحة، إذ هى جزء أصيل من تخصص القانون الجنائى. جاء فى "الويكيبديا" المشباكية (Wikipedia, the free encyclopedia) تحت عنوان "Machine gun": "It would not be until the mid-1800s that successful machine-gun designs came into existence". لكن أصول الكَوْنِيّة تقتضى من جَنَاب المتصفين بها التعالى عن المبالاة بمثل تلك التفاهات العلمية أيضا قياسًا على التفاهات النحوية. فكله، كما ترى، تفاهات فى تفاهات! إن البنادق هنا ليست هى الآلات التى نعرفها، بل الطلقات التى كانت تشبه هذا اللون من المكسّرات، ولهذا كانت تسمَّى: "البُنْدُق" وتُجْمَع على "بنادق"، ومن هنا جاءت تسمية "البندقية". جاء فى "لسان العرب" ضمن معانى "البندق": "والبُنْدُقُ: الذي يُرْمَى به، والواحدة بُنْدُقة، والجمع البنَادِق". وفى "تاج العروس" للزبيدى: "البُنْدُقُ...: الَّذِي يُرْمَى بِه. الواحدَةُ بــ"هَاء"، والجمع "البَنادِق" كما في "الصِّحاح"...". وفى معجم "لاروس" (العربى- العربى): "البندق: رصاص كروىّ الشكل صغير يُسْتَعْمَل فى بعض القاذفات للقتال أو للصيد. واحدته "بندقة"...". ويزيد "المعجم الوسيط" الأمر وضوحا فيقول: "والبندق: كرة فى حجم البندقة يُرْمَى بها فى القتال والصيد... والبندقية: قناة جوفاء كانوا يرمون بها البندق فى صيد الطيور، والبندقية: آلة حديد يُقْذَف بها الرصاص على التشبيه بالأولى". أى أن هذا المعنى هو مما ينبغى أن يعرفه كل طالب عادى، إذ لا يقتصر وجوده على المعاجم القديمة بل يوجد فى الحديث منها أيضا. ثم إنه لا يصح أن يقال إن الفرنسيين قد "أرسلوا" على المماليك البنادق (بهذا المعنى)، فالبنادق (الآلات) لا تُرْسَل على الأعداء، بل البنادق (الطلقات)، وذلك من الوضوح بحيث لا يمكن الخطأ فيه، ولكن ماذا نقول فى الكَوْنِيّة العشْمَلّيّة؟ أكاد أخرج فى هذا العيد إلى الشوارع وفى يدى بَيْرَق وأصيح: "يا رب يا متجلِّى، عليك بالعَشْمَلِّى"! لكنى أخشى أن يظن الناس بى الظنون وينتهى أمرى إلى العباسية! كما أننى أخاف أن نفقد "المفكر الكونى" الوحيد الذى نملكه، ونحن لم نكد نصدّق أن عندنا مفكرا كونيا! مسكين يا جبرتى مع سيادة المستشار الألمعى الذى لا يعجبه أسلوبك وينظر إليه بتَعَالٍ "كَوْنِىّ"! على رأى المثل: "أين تروح يا صعلوك، بين الملوك؟".
إن المفكرين الصغار المحليين من أشباه محمد عبده وإبراهيم اليازجى وسليمان البستانى والشدياق وحفنى ناصف وباحثة البادية والرافعى وشكيب أرسلان والعقاد والمازنى وأحمد أمين ومحمد كرد على وشفيق جبرى وخليل سكاكينى وعبد الحميد بن باديس ومحمد عزة دَرْوَزَة وعادل زعيتر وأمين الخولى وعبد الوهاب عزام ومحمد حسين هيكل والزيات وسيد قطب ومحمد عبد الله دراز ومحمود شلتوت ومحمد مفيد الشوباشى وعبد المتعال الصعيدى ومحمد الطاهر بن عاشور والبشير الإبراهيمى ومحمود قاسم وأحمد الحوفى وبنت الشاطئ ومحمود شاكر وشوقى ضيف ومحمد عبد الغنى حسن وغيرهم من فئة "العشرة بملِّيم" الذين كان الواحد منهم يمشى بجوار الحائط داعيا الله أن يعدّيها على خير، ولا يطمع فى عالمية ولا كونية ولا مهلِّبية، وكانوا يُخْلِدون إلى سُرُرهم من لدن المغرب، وإذا شربوا ماءً قَرَاحًا أخذهم السُّعَال وكادت نفوسهم أن تَزْهَق ولم يتخلصوا منه إلا باللَّتَيّا والَّتِى، وإذا ركبوا إلى ميدان التحرير حسبوا أنفسهم قد وصلوا إلى القطب الشمالى، ولا تتطالّ آمالهم إلى مجالسة الوزراء الفرنسيس، هؤلاء المفكرون الصغار المحليون لم يكونوا يخطئون فى اللغة لأن هذا كان منتهى الأمل عندهم، أما مفكرنا الكونى الفريد الوحيد فإن عينيه العبقريتين تتطلعان إلى الأعالى، وليس لديه من الوقت ما ينفقه فى مراعاة نحو أو صرف! وصدق الله العظيم إذ يقول: "قل: كُلٌّ يعمل على شاكلته"، وشاكلة المفكر المحلى هى الاهتمام بالأشياء الصغيرة، أما المفكر الكونى فشاكلته القضايا الكبرى! وأين المحلىُّ من الكونىّ؟
والكتاب مقسم إلى فصول: الفصلان الأولان بعنوان "مصر قبل الحملة الفرنسية" و"الوضع العام فى مصر"، وفيهما يعرض المؤلف لقطاتٍ مما نعرف جميعا أنه كان سائدا فى مصر آنذاك من استبداد وجهل وفوضى وفقر وقذارة وتخلف فى كل مناحى الحياة تقريبا وابتعاد عن الفهم والمِرَاس الصحيح للدين، وإنْ ظن هو بكونيته أنه قد أتى فيهما بشىء جديد، فأصوات المصلحين قد بُحَّت، وحناجرهم وقلوبهم وعقولهم تعبت من كثرة ما نادَوْا بدعوات الإصلاح وكثرة ما عادوا بخُفَّىْ حُنَيْن من هذه الدعوات لبطء استجابة الأمة وفتور اهتمامها بالخروج مما هى فيه، والشرخ بل الفَلْق الواسع الذى يفصل بين الحكام والشعوب ويمنع الطرفين من التعاون رجاء التخلص من هذه الأزمة الجبارة التى تهدد الأمة فى وجودها ذاته، فضلا عن التآمر المستمر من جانب الدول الاستعمارية والمعارك التى يستدرجوننا إليها كل عدة سنوات ويحطمون فيها كل ما نكون قد بنيناه قبلها، والفُرْقة بل العداوة التى تشتت الدول العربية والإسلامية وانحياز كل دولة منها إلى سيد أجنبى يسومها الخسف والهوان ويمتص خيراتها ويمنعها من مد يدها لأخواتها، وزرع الدولة الصهيونية زرعًا فى قلب الوطن العربى... إلى آخر العوامل التى تعرقل مسيرة نهضتنا وتدمر إنجازاتنا من أول محمد على منذ قرنين فنازلا إلى صدام حسين فى مفتتح القرن الحادى والعشرين. وليس فى هذين الفصلين تقريبا شىء مما يمكن أن يكون مثار خلاف بيننا وبين مفكرنا الكونى.
أما فى الفصل الثالث، وعنوانه "الفرنسيون فى مصر" فيبدأ التدليس على أصوله، وإن لم يمنع هذا من وجود بعض النقاط التى نلتقى نحن وهو فيها كالقول بأن المصريين، حكومةً وشعبًا، لم يكونوا مستعدين لمواجهة الحملة الفرنسية بل لم يكونوا على علم بقدومها... إلى أن رَأَوُا الأسطول الفرنسى بغتة قبالة السواحل المصرية، وأنهم لهذا قد انهزموا سريعا أمام الجيش الفرنسى الذى كان مسلحا ومدربا على أصول الحرب الحديثة، على حين كان المماليك يحاربونه بأساليب عفا عليها الزمن وأكل عليها الدهر وشرب، ولذلك لم يثبتوا فى الميدان إلا قليلا كما هو معروف، وإِنْ أدت المقاومة الوطنية دورها الذى عوّض عن هذا الخزى وجعل حياة الفرنسيين جحيما رغم التفوق الذى كانوا يتمتعون به عسكريا وإداريا وعلميا، وكان للمماليك مساهمتهم فيها هم أيضا.
ومن التدليس قَوْلُ الكاتب (قَوْلَ من يريد أن يقنعنا بصدق ما قيل) إن الفرنسيين قد عبّروا عن أهدافهم من احتلال مصر "فى أنها إزالة المماليك وترتيب ديوان منتخب لحكم البلاد وتطبيق الشريعة" (ص 52). فأى شريعة تلك التى جاء الفرنسيون لتطبيقها؟ وأى حكم كانوا يريدون أن يعيدوه لأبناء مصر؟ هل سمع أحد أن الحدأة ترمى كتاكيت؟ إن المستشار الكونى، بطيبته وصفاء نيته ورهافة قلبه التى لا يشك فيها إلا جاحد معاند، يظن أن بمستطاعه تربيع الدائرة! وهو هنا ينتقد المصريين انتقادا شديدا، وأنا معه، لأنهم لم يقفوا فى وجه الاستبداد المملوكى الذى أوصلهم إلى هذه الهزيمة وذلك الهوان الذى لم يتوقف تقريبا منذ ذلك الحين. لكن سيادة المستشار الكونى قد انتقد المصريين أيضا لعكس هذا السبب، ألا وهو أنهم هبوا ثائرين فى وجه المجرمين الفرنسيين، فاندفع فى فاصل من السخرية والتبكيت والتعنيف لأنهم فعلوا ذلك. والسبب هو أن الفرنسيين، كما يصورهم، لم يصنعوا شيئا يمكن أن يتعلل به عليهم المصريون الظلمة الكفرة الذين اعْتَدَوْا على أملاكهم واستهزأوا بهم حين شاموا أنهم فى طريقهم إلى الانكساح من مصر تحت وقع ضربات المقاومة وانحياز الإنجليز إلى جانب العثمانيين لضربهم وحصارهم ليخلو لهم وجه مصر خالصا بعد رحيل منافسيهم عنها.
لقد كان سيادة المستشار يريد من الثائرين أن ينتظروا حتى تكون لديهم لجان ومنظمات تخطط لنشاط المقاومة ومحاربة الفرنسيس، وهو ما يعنى أن الانتظار كان سيطول عقودا وعقودا، إذ أين لمصر آنئذ الفكر والتخطيط اللازم لتلك العملية؟ لقد هب الناس بباعث من دينهم (على تشوُّش صورة الدين قليلا أو كثيرا فى نفوسهم وعقولهم) فأذاقوا المجرمين الغزاة من المصائب والبلايا على قدر ما استطاعوا دون حذلقات إنتليجنسية ماسخة لا تقدم ولا تؤخر، حذلقات تنظيرية من تلك التى يبرع فيها نفر منا من أحلاس المكاتب والقهوات والتى ينتقد فريق من المنتسبين إلينا هذه الأيام على أساسها أبطال المقاومة فى أفغانستان والعراق وفلسطين لأنهم ارتكبوا هذا الخطأ أو ذاك مما لا تبرأ منه أية مقاومة فى الأرض، ناسين بل متناسين ومتجاهلين ويلات الجحيم التى يصبها العدو الصهيونى والأمريكى والبريطانى صَبًّا على رؤوس أهلينا فى تلك البلاد من تدميرٍ للبيوت والمدارس والمساجد وتقتيلٍ للأطفال والنساء والرجال بعشرات الألوف، وأحيانا بمئاتها، واعتداءٍ على الأعراض وبَقْرٍ للبطون وسَجْنٍ للأحرار الشرفاء فى معتقلات فظيعة مرعبة وقذرة مفحشة كالذين أقاموها لم يعرف التاريخ لها نظيرا، فلا يفتحون أفواههم النجسة القبيحة أبدا بكلمة حق ينتقدون فيها المستعمر، وكأننا بإزاء معركة بين شياطين (هم بطبيعة الحال رجالنا وأبطالنا الميامين) وملائكة (يمثلهم المجرمون الملعونون فى كل كتاب من أمريكان وصهاينة وبريطان وغيرهم).
ولقد نَسِىَ المفكر الكونىّ أنه هو نفسه بعظمة لسانه قد ذكر فى الفصل المسمَّى: "الخطاب الفرنسى للمصريين" أن الفرنسيين كانوا يغيرون من خطابهم تبعا لتغير الوقت والظروف، ومَدَحَهم لهذا السبب على أساس أنهم كانوا واعين لقواعد اللعبة وحافظين لأصولها (وكأن احتلال مصر العظيمة لعبة من اللعب! بئست كلمةً تخرج من أفواه القائلين بها!)، فقد قالوا مثلا فى البداية إنهم جاءوا لتخليص مصر من المماليك الخارجين على السلطان ولتطبيق الشريعة والانتقام للإسلام من فرسان المعبد النصارى، لكنهم بدلوا هذا الكلام بعد ذلك فهاجموا العثمانيين وسلطانهم واتهموهم بالغباوة والجهل والاستبداد بالمصريين وظلمهم لهم، ودخلوا الأزهر بخيولهم النجسة مثلهم ودمروا المساجد. كما أنهم قد عزفوا أولاً على وتر الجبرية لتيئيس المصريين من الوقوف فى وجه مخططاتهم وأطماعهم باعتبار أن احتلالهم لمصر هو من الأمور المقدورة منذ الأزل فلا معنى لمقاومته ولا جدوى من الثورة عليه، لينقلبوا فيما بعد على هذه العقيدة داعين المصريين أنفسهم إلى أن يأخذوا زمام المبادرة فى أيديهم ويهبوا ويتخلصوا من العثمانيين والمماليك... إلخ.
ومعنى ذلك أنهم حين قالوا إنهم يريدون تطبيق الشريعة إنما كانوا يكذبون ويخادعون وينافقون نفاقا خبيثا نجسا مثلهم، وأن المصريين حين لم يصدقوهم وثاروا عليهم وكبّدوهم ما استطاعوه من الخسائر، وهو ليس بالقليل، إنما كانوا يتبعون عين العقل والحكمة، ولو كانوا فعلوا غير هذا لكانوا من الضالين الخاسرين. ومهما يُؤْخَذْ عليهم من أخطاء فلا ريب أن ظُفْر أحقر حشرة فيهم، كما يحب عشماوى أن يسمى أبطال المقاومة الوطنية، هو أشرف من رقبة أى وغد لئيم يبيع نفسه لأعداء الدين والوطن ويجعل وُكْدَه الحظوة برضاهم القذر الحقير!
وفى الفصل المعنون باسم "الترتيبات الإدارية والإنشاءات المادية" يمنّ علينا كاتبنا الكونىّ بأن المجرمين الفرنسيس قد أقاموا فى مصر لأول مرة ديوانا منتخبا لحكم البلاد دون أن يبذل المصريون أى جهد فى هذا السبيل. يعنى: "حاجة ببلاش كده!" مثل "تُوبْس: Tops" (هل تذكرون إعلاناته التى كانت شائعة فى ثمانينات القرن البائد؟). وكأن المجرمين القتلة مصاصى دماء الشعوب كانوا يعملون فعلا على أن يحكم المصريون أنفسهم بأنفسهم فجاءوا من بلادهم البعيدة وأنفقوا الأموال الطائلة لهذا الغرض الإنسانى الكريم! لقد دخل الفرنسيون الجزائر وبَقُوا فيها مائة وثلاثين عاما، فماذا فعلوا أثناءها يا ترى؟ لقد ارتكبوا من الفظائع والشنائع والتقتيل والتدمير ما لم نسمع به من قبل، وعندما خرجوا من الجزائر فى منتصف القرن العشرين بعد أن فشلوا فى إلحاقها بفرنسا بناءً على زعمهم الوقح أنها جزء من التراب الفرنسى (شوفوا الفجور والعهر!) كانت تلك البلاد فى حال تُبَكِّى القلب بل تُدْمِيه من التخلف والفقر والجهل والقذارة والمرض والهوان!
وهذا دِينُهم فى كل بلد احتلوه هم أو غيرهم من قوى الاستعمار الغربى، لعنة الله عليهم أجمعين وعلى كل من ينحاز إليهم ويحاول أن يجمّل صورتهم ويحبّبنا فيهم تحت أية ذريعة! إن المجرمين القتلة إنما كانوا يريدون أن يحكموا البلاد من وراء ستار كى يوفروا على أنفسهم المتاعب ويجنوا الثمرات وهم مرتاحون، فإذا ما قامت ثورة اتجهت إلى أبناء البلاد الذين لا كلمة لهم فى الحقيقة، بل هم مجرد أداة فى يد المستعمر أو بالأحرى حذاء فى قدمه، وهذا هو الذى يحدث الآن فى العراق، وهذا أيضا هو الذى يدعيه الأمريكان الفجرة هناك! إن المؤلف يبيع لنا الوهم ملفوفا فى ورق سيلوفان، غير دار أنها لعبة مكشوفة وممجوجة، أو فلنقل: "مفقوسة" بلغة الحرافيش والحشرات المصريين!
لقد كان نابليون من أكبر المستبدين فى التاريخ، وكان يعمل دائما على تأليه نفسه والعصف بخصومه، ولم يكن يطيق أن يسمع صوتا سوى صوته حتى فى فرنسا. ومن أقواله التى تكشف عن المدى الذى بلغته كراهيته للرأى الآخر واحتقاره للشعوب التى كتبت عليها الأقدار أن تقع تحت سلطانه هذه الكلمة التى قالها عن هولندا حين كانت جزءا من الإمبراطورية التى أقامها بعد هروبه من مصر مُجَلَّلاً بالعار: "أنا لم أستول على حكومة هولندا لآخذ رأى سكان أمستردام بعد ذلك وأعمل ما يريده الآخرون" (د. ليلى عنان/ الحملة الفرنسية: تنوير أم تزوير؟/ كتب الهلال/ العدد 567/ مارس 1998م/ 148). فإذا كان هذا هو رأيه فى شعب هولندا الأوربى النصرانى مثل الشعب الفرنسى وجاره القريب، فكيف يظن بعضٌ من عباقرة آخر زمن أن بمستطاعهم إقناعنا بأن ذلك الأفاق كان يريد للمصريين حياةً شُورِيّةً تكفل لهم حكم بلادهم وإدارة شؤونها بحرية تامة؟ ومن تأله ذلك الأفاق وتجبره أن القساوسة ورجال السياسة فى فرنسا كانوا يتملقونه تملقا كافرا قميئا وضيعا مثلهم كقول أحد القسس إن نابليون ممثل الله على الأرض، وإنه واثق أن الرب يأسف لأنه سبق أن أرسل المسيح لمعرفته أن نابليون كان أجدر بأن يكون ابنه، وكقول قس آخر: "إنه لشرف عظيم للرب أن عبقرية خارقة (مثل عبقرية نابليون) تسبّح له"، وقول أحد جنرالاته: "خلق الرب بونابرت ثم استراح". أما المجرم الأفاق فقد قال فى تواضع زائف إزاء نفاق هؤلاء الشياطين: "أنا أعفيكم من مقارنتى بالرب"! (المرجع السابق/ 2/ 138). ثم يقول بعض العباقرة إن نابليون قد عمل على أن يحكم المصريون بلدهم بأنفسهم! عجبى!
ومن التدليس أيضا التركيز، لدى الكلام عن غزو الفرنسيس لمصر، على أنهم قد انتشروا فى الأحياء بدون سلاح وتبسطوا مع الناس وضاحكوهم واشْتَرَوُا البضائع بأسعار أغلى من قيمتها الحقيقية (يا للكرم ونبل النفس!)، فيما كان المصريون يستغلون هذا الوضع فأخذوا يغشونهم فى الشراء والبيع (طبعا لأنهم لصوص أولاد لصوص!)، بل ويعتدون على أموالهم (وكأنه كان للفرنسيين أموال فى مصر غير ما سرقوه من أهلها!). ويصل الأمر إلى مدى لا يمكن السكوت عليه حين يقول المفكر الكونىّ: "قامت بين المصريين والفرنسيين محبة ومودة فصاروا كأنهم شعب واحد أو جماعة واحدة". فلماذا انتقاد الحملة الفرنسية إذن يا من لا يعجبكم العجب؟ بل لماذا كانت الحركات العدوانية الظالمة التى قام بها الطَّغَام والحشرات ضد هؤلاء الملائكة الأطهار ردًّا على هذه الأيادى الكريمة البيضاء؟ إن هذا، وَايْمِ الحق، لَضلال مبين وعقوق ونكران للجميل رهيب! إننا مع الكاتب فى أن المماليك والعثمانيين فى أواخر حكمهم كانوا قد بلغوا فى الفساد والظلم مدى بعيدا، لكننا لا نرتب على ذلك ما يرتبه هو من أن الحكم الفرنسى كان يريد بالبلاد خيرا، ومن ثم ما كان يجدر بالمصريين الانتقاض على الاحتلال الفرنسى، فهذا تدليسٌ أبلقُ.
وإذا كان المماليك والعثمانيون ظلمة مستبدين إن الفرنسيين لأظلم منهم وأشنع استبدادا. كل ما فى الأمر أن فساد الأولين كان فساد الفوضى، أما فساد الفرنسيس وظلمهم فهو من النوع المنظم الذى يعمل على نهب ثروة البلاد تماما، فالأمر إذن كما قال حافظ إبراهيم فى كرومر وبَغْيه وجبروته، ذلك "الكرومر" الذى لم يكن يفتأ يذكّر المصريين بما كان الخديو إسماعيل يجترحه فى حقهم من بغى واعتداء على حياتهم وحريتهم وأموالهم:
لَقَدْ كانَ فينا الظُلْمُ فَوْضَى فَهُذِّبَتْ ** حَوَاشِيهِ حَتّى باتَ ظُلْمًا مُنَظَّما

علاوة على أن ظلم الفرنسيس يزيد على ظلم المماليك والعثمانيين بأنه ظلمٌ من غير المسلم للمسلم، فهو يقترن بإهانة الكرامة الدينية والوطنية، وهذا ما يجعل الظلم أضعافا مضاعفة! وقد تنبه كليبر الكلب إلى هذا، إذ قال فى خطاب له إلى حكومته فى فرنسا: "التعصب الإسلامى ضدنا لا يُرَوَّض بأية وسيلة، فهذا الشعب لا يرى مسيحيين يحكمونه إلا بصبر نافد، ولا تمنع أقسى العقوبات سكان القرى من الثورة عند سماع أى خبر فى غير صالحنا أو أى فرمان ضدنا يُنْشَر بينهم" (السابق/ 2/ 128). ومع ذلك كله لم يكن لدى الفرنسيس مانع من اقتسام الحكم مع المماليك، إذ عرض كليبر تلك الخطة على مراد بك على أن يترك له الحكم كله بعد ذلك حين يرحل هو وجنوده عن مصر! (السابق/ 2/ 136- 137). أما إن كان هناك من لا يَرَوْنَ رأينا هذا ولا يبالون بالاعتبار الدينى أو يهتمون بالإسلام فهؤلاء سبيلهم غير سبيلنا، ولا يمكن أن تلتقى السبيلان! ومن خطابات كليبر قائد الحملة الفرنسية بعد فرار نابليون بليلٍ نقتطف هذه الجملة التى تبرهن بأجلى برهان على مدى المحبة التى كان الفرنسيون يكنونها لنا: "عزيزى الجنرال، علينا الآن أن نعصر مصر كما يعصر الشربتلى الليمونة. وبعد أن نقوم باستخلاص كل شىء من نقود إلى عينيات فإننا بالكاد نكون قد حصلنا على ما نحتاج إليه فى هذه الظروف" (السابق/ 2/ 124).
وأما الزعم بأن المصريين كانوا يعيشون هم والفرنسيون فى محبة ومودة كأنهم شعب واحد أو جماعة واحدة فهو استبلاه لا يجوز على من يتمتع بأدنى درجات الذكاء. ذلك أنه إذا كان بين المصريين من يتداخل مع الفرنسيين ويتوسع فى التعامل معهم فمرجع ذلك إما العجز بالنسبة للمضطرين أو الخيانة فى حالة الخائنين، فكيف يحاججنا المؤلف بهذا الوضع الشاذ؟ إن كل الأمم الحرة لا تعرف فى التفاهم مع المستعمر إلا لغة واحدة، ألا وهى لغة الجهاد، وإلا ضاعت وأكلها الوحش! وهو ما صنعه المصريون أكثر من مرة أثناء الحملة الفرنسية ومرَّروا به عيشة الفرنسيين فى بلادنا فظهر هؤلاء الكلاب على حقيقتهم، إذ دمروا وأحرقوا كثيرا من القرى والمدن وأحياء القاهرة وجعلوا عاليها سافلها وقتلوا الألوف من أجدادنا الذين لم يجدوا من المستشار عشماوى كلمة إنصاف، فضلا عن كلمة مدح وثناء! ذلك أن الرجل مفكر كونىّ، والمفكرون الكونيون لا تشغلهم، كما رأينا ونبّهنا مرارا، هذه المسائل المحلية، مسائل الكرامة الوطنية والعزة الدينية وضريبة الدم التى لا بد من دفعها فى سبيل الاستقلال! هذه، فى نظر الفكر الكونى، تفاهات وضلالات وسخافات لا تساوى شَرْوَى نَقِير أو قيمةَ قِطْمِير!
وأيا ما يكن الأمر فها هو ذا أحد المسؤولين الفرنسيين فى مصر يقول فى رسالة منه لحكومته فى باريس إن "شعب مصر الذى كان علينا أن نَعُدّه صديقا أصبح فجأة عدوا لنا". كما يتكلم مسؤول آخر (هو تاليان السياسى الفرنسى الذى كان مصاحبا للحملة) عن "ثورات القاهرة والمنصورة ودمنهور التى ذُبِح فيها كل الفرنسيين (الذين كانوا فى هذه المدن)، بالإضافة إلى العديد من حركات التمرد التى كلفنا إخمادها حياة كثير من الشجعان". وبعد الحديث عن الملايين التى نهبها الفرنسيون من أجدادنا بقوة السلاح والعسف والإكراه يؤكد هذا "التاليان" أن السيطرة على مصر أمر فى غاية الصعوبة لتعارض عادات البلد وتقاليده ودينه مع ما لدى الفرنسيين من عادات وتقاليد ودين، و"أننا لم نجد حتى الآن إلا بضعة رجال يتحالفون معنا تحالفا مؤقتا وغير مضمون، بضعة رجال يَرَوْنَ أن مصالحهم تتماشى مع مصالحنا. ومن المؤكد أنهم سيتركوننا عند أولى هزائمنا لأننا فى بلد شعبه كثير، ودائما على أهبة الاستعداد للثورة". كما يطالعنا، فى تقرير لكليبر وقواده عن الأوضاع فى مصر بعد هرب نابليون، التساؤل التالى: "كيف نستطيع فى حالة الهزيمة الحربية إنقاذ حياة عشرين ألف جندى من موت محقق على أيدى جند جامحين وشعب من المتعصبين الذين يجهلون كل حقوق الحروب والشعوب المتمدينة؟". وبالمثل يقول مسؤول فرنسى آخر فى تقريره عن الحالة فى مصر: "لنا فى كل مكان عشرة آلاف عدو خفى، وصديق واحد ظاهرى" (د. ليلى عنان/ الحملة الفرنسية فى محكمة التاريخ/ كتاب الهلال/ العدد 574/ أكتوبر 1998م/ 113- 117، 131).
وفى الفصل المسمَّى: "ثورة المصريين على الفرنسيين" يبدأ المؤلف كلامه بتلخيص ما أراد أن يغرسه فى نفوسنا وعقولنا وضمائرنا فى الفصل السابق من أن "العلاقة بين المصريين والفرنسيين لم تكن مضطربة متعكرة، بل على العكس فإن فيما ذكره الجبرتى ما يفيد أن هذه العلاقة كانت حسنة طيبة. ساعد على ذلك أن الفرنسيين... لم يقتلوا اعتباطا، ولم يصادروا بغشومة، ولم يعتدوا بالعنف، وإنما تعاملوا مع الناس بالحسنى ودفعوا أثمان ما كانوا يشترون وضبطوا تصرفاتهم وسكنوا بين المصريين ولم يشوشوا عليهم أو يسيئوا إليهم". ثم يعقب على ذلك متسائلا: "ما دام الحال كذلك، فما الذى عكّر صفو العلاقة بين الجانبين؟". ثم يستعرض رأى من قال بأن المصريين قد قاوموا الاحتلال الفرنسى منذ البداية وأنهم قاموا بثورتين، مؤكدا أن ذلك ضلال فى ضلال وأن الانتفاضتين اللتين قام بهما المصريون لم تزيدا على أن تكونا حركتين غاشمتين من صنع الأوباش والحرافيش والحشرات، ومركِّزا على التجاوزات التى وقعت أثناءهما مادحا الفرنسيين فى كل فقرة، فى الوقت الذى خسف فيه الأرض بالثوار عازيا إليهم كل وحشية ومَثْلَبَة حتى لقد اتهمهم بالتعدى على أموال الفرنسيين! إى والله: "أموال الفرنسيين"، وكأن أولاد الكلب الأوغاد (نعم: أولاد الكلب الأوغاد، وإن رَغِمَتْ أنوف!) قد ورثوا هذه الأموال عن أمهاتهم وآبائهم ولم يسرقوها من بلادنا وكانوا يخططون لسرقة الباقى وكَسْحه إلى فرنسا كما فعلوا بعد ذلك بقليل فى الجزائر ثم تونس والمغرب، كسحهم الله إلى نار جهنم هم وكل من يظاهرهم ويتخذ جانبهم!
وقد تناسى كاتبنا النحرير أن سكوت الفرنسيين (إن كانوا قد سكتوا فى بداية الغزو فلم يؤذوا المصريين) إنما سببه أن أحدا لم يكن قد وقف فى طريقهم من المواطنين بعد فظنوا أنهم نعاج يسهل ذبحها حين يجىء أوان الذبح والسلخ والالتهام، لكنهم حين تحققوا أنهم ليسوا بإزاء نعاج مستأنَسة بل كباش تنطح بقرونها وتحطّم بأظلافها فقد انقلبوا عليهم تقتيلا وضربا بالقنابل، وعلى بيوتهم تدميرا وتحطيما! وهكذا تكون الإنسانية الفرنسية التى صدَّع بها كاتبنا الكونىّ دماغنا وكأننا أمام ملائكة أطهار لا يعرفون الدنس! وهو ما يكذّبه كلام القادة الفرنسيين الذى قرأناه آنفا كل التكذيب، ولسوف أسوق بعد قليل نصوصا من الجبرتى ذاته تزيد ذلك تكذيبا!
المنوعـــات: محامو الشيطان!
bullet.gif نشر من قبل Maqreze في 09/28/2009 10:19 · طباعة · ·
تعليق مدير الموقع
خبر عاجل القاعدة تحاصر القصر الجمهوري_بصنعا! تخيل لو كان الخبر صحيحا لدكت أمريكا صنعا بالصواريخ ولطالب آل سعود بغزو #اليمن فورا
المطلوبين للمحكمة الشرعية

bullet.gif المطلوبين للمحكمة الشرعية
الدورات الشرعية

bullet.gif الدورات الشرعية للشيخ د هاني السباعي
المقريزي على اليوتيوب

bullet.gif موقع المقريزي على اليوتيوب
جديد المقالات
bullet.gif الحصاد المر لشيخ الأزهر طنطاوي
bullet.gif عينة من أقوال وأفعال الإخوان المسلمين في نضالهم...
bullet.gif فتوى توحيد الأذان - من كتشنر الإنجليزي إلى وو...
bullet.gif تعليق على البديل الثالث لآل الزمر
bullet.gif الحصاد المر لشيخ الأزهر طنطاوي
bullet.gif إعلان الحرب العالمية على هاني السباعي
bullet.gif الفساد في عالمنا العربي الإسلامي !!
bullet.gif النصارى يحكمون مصر!
bullet.gif القراصنة..
bullet.gif محامو الشيطان!
bullet.gif عودة البلدوزر السفاح محمد فهيم على الساحة الأفغ...
bullet.gif هل يقال لمبتدع .. علّامة!
bullet.gif السيرة الذاتية والدعوية لفضيلة الشيخ الدكتور ها...
bullet.gif التجلية في الرد على التعرية
bullet.gif شهادتي في الشيخ أبي محمد المقدسي
bullet.gif رد الأستاذ منتصر الزيات
bullet.gif بأي ذنب قتلوا...قوات الاحتلال الأمريكي والناتو ...
bullet.gif التعليق على خبر استشهاد أبي خباب المصري ورفاقه
bullet.gif حقيقة كتائب النساء الاستشهاديات التابعة لتنظيم ...
bullet.gif هل تغض القاعدة الطرف عن دولة الإمارات لاتفاق مس...
جديد الصوتيات
(696) خطبة الجمعة 03 ربيع الثاني 1436 خطبة ...
[01/23/2015 14:14]
(695) خطبة الجمعة 25 ربيع الاول 1436 هــ - ...
[01/16/2015 14:10]
(694) خطبة الجمعة 18 ربيع الاول 1436 هــ ...
[01/09/2015 14:17]
(693) خطبة الجمعة 11 ربيع الاول 1436 هــ ...
[01/02/2015 14:35]
(692) خطبة الجمعة 04 ربيع الاول 1436 هـ هــ ...
[12/26/2014 13:31]
ابحث في الموقع



 
اخترنا لكم
bullet.gif ثلاثون تغريدة للدكتور هاني السباعي
bullet.gif تذكرة بشأن الوضع السياسيّ الحاليّ في المنطقة ال...
bullet.gif لماذا نشرنا ثناء وتأييد قذاف الدم لتنظيم الدولة
bullet.gif بين الحكومات والشعوب - نظرة شرعية واقعية
bullet.gif لماذا دعوت خليفتكم للمناظرة
bullet.gif دعوة لمناظرة الخليفة البغدادي أو من يعينه
bullet.gif اللهم إن أنصار دولة البغدادي قد افتروا علينا
bullet.gif الفصام النكد ... وقضية التكفير
bullet.gif أبو حمزة المصري دين شهامة رجولة صبر
bullet.gif الحجة القائمة ... والعقول المتورمة!
bullet.gif Statement on the reality of Islamic State
bullet.gif A declaration of Disownment and Divergence
bullet.gif الترجمة الإنجليزية لبيان (البراءة والمفاصلة) A ...
bullet.gif الصمود تحاور المتحدث الرسمي للإمارة الإسلام
bullet.gif سلسلة هذا جدك يا ولدي: الخليفة المفترى عليه! لف...
الدخول
الاسم

كلمة السر



لست عضواً بعد؟
إضغط هنا للتسجيل.

نسيت أو فقدت كلمة السر؟
يمكنك الحصول على كلمة جديدة من هنا.
هاني السباعي في الفيسبوك
برامج مهمة






Copyright
2003-2015 Almaqreze Center For Historical Studies

Disclaimers
The postings in the Website do not undergo monitoring, and do not necessarily reflect Almaqreze Center views
Almaqreze Center claims no responsibility or liability to third party links or Articles or Books contained within Writers
Send mail to almaqreze2007@almaqreze.net with questions or comments about this website

site developed by www.wsdbrasil.com.br

SQL Injection Blocker. Copyright © 2009-2015 NetTrix. All rights reserved

Powered by PHP-Fusion copyright © 2002 - 2015 by Nick Jones
Released as free software without warranties under GNU Affero GPL v3

 Protected by : ZB BLOCK  &  StopForumSpam