ضِل رَيّس ولا ضِل حيطة
نشر من قبل Maqreze في 12:26 مساء - 07 09 1433 هـ (25 07 2012 م)

ضِل رَيّس ولا ضِل حيطة .." !

بقلم د. طارق عبد الحليم

لا أدرى ما الذي يشعر به محمد مرسى كل صباحٍ حين يستيقظ من نومِه على تلك الحقيقة المُفزعة، إنه خَيالُ ظلِّ لا صلاحية له على أرض الواقع؟ لا شك إنه إحساسٌ مرير، يصيب الرجل، إن كان من ذوى الحِسّ، بالبرودة والقَشعريرة تسرى في جسده كله. وكيف لا، والمرء قد جُبل على بعض الكرامة، ولو أقلها، يعيش بها، وتحميه من انهيارٍ نفسيّ داخليّ كامل، يستوى في ذلك الحُر والعَبد، والشّريف والخسيس.


تفاصيل الخبر

"ضِل رَيّس ولا ضِل حيطة .." !

بقلم د. طارق عبد الحليم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

لا أدرى ما الذي يشعر به محمد مرسى كل صباحٍ حين يستيقظ من نومِه على تلك الحقيقة المُفزعة، إنه خَيالُ ظلِّ لا صلاحية له على أرض الواقع؟ لا شك إنه إحساسٌ مرير، يصيب الرجل، إن كان من ذوى الحِسّ، بالبرودة والقَشعريرة تسرى في جسده كله. وكيف لا، والمرء قد جُبل على بعض الكرامة، ولو أقلها، يعيش بها، وتحميه من انهيارٍ نفسيّ داخليّ كامل، يستوى في ذلك الحُر والعَبد، والشّريف والخسيس.

لكن، الرجل يستيقظ كلّ صباح، هذه حقيقة لا جدال فيها. ويخرُج على الكاميرات مُبتسماً! ويتوجّه إلى مكتبه يجلس هناك ساعات وساعات، يعلم الله ما يفعل فيها، إذ إن الرجل ليس له صلاحيات تشريعية، ولا حكومة تنفيذية اختارها، ثم القضاء يعاديه ويقف له بالمرصاد جهاراً نهاراً. فالسلطات الثلاثة خارجة عن مجال صلاحيتاه التي منحها له العسكر.

الحقيقة المُرّة أنّ مرسى قد وضع نفسه، أو على الأصحّ، وضعته جماعته، الإخوان، في موضعٍ أسوأ ما يجد فيه مسؤول نفسه. رجل بلا صلاحيات، إمعة، خيال ظلٍ، أقوم ما يمكن أن يكونه أنه سكرتير لوزير دفاعه، الطنطاوى.

الرجل لا يستطيع إقالة أي مسؤول من منصبه، لا في الإعلام، ولا في أي مؤسسة أخرى، وهذا ما رأيناه منه في حواره مع عمال المحلة مؤخراً، حيث عجز عن إقالة رأس الحية هناك.

الرجل لا يتحدث إلا في رفع القمامة، وتأمين عدد جديد من المخابز، ثم يطوف على حفلات التَخرج، بشتى أنواعها، يحيّ الحاضرين، كأنه رئيسٌ حقيقيّ. وهو لا يتحرج أن يعلن ذلك تحت صورة عريضة له أن :" الرئيس: إزالة القمامة من أولوياتى الخمس" الوفد، يعنى "ولامؤاخذه" رئيس للزبالة! ويشهد الله ما نشرت الوفد هذا الخبر إلا استهزاءاً مُقنّعاً.

إنّ هذا الوضع، ليس فيه إذدراء بالرجل وإهدار لكرامته ورجولته فقط، فإن ذلك أمرٌ يخصه ويخص كرامته ورجولته، لكنه إذدراء بالشعب المصري كله، وبالهوية المصرية، وبالوطنية المصرية والكرامة المصرية، دع عنك الإسلامية، فهذا أمر آخر البتة. وليتخيل القارئ هذا الرئيس يجلس مع رؤساء دول أخرى، يعلمون أنه لا ناقة له ولا جمل، وهو يعلم أنهم يعلمون، وهم يعلمون أنه يعلم أنهم يعلمون! كيف ينظر في وجوههم؟ كيف تلتقى أعينهم؟ والله ما بعد هذا التحقير من تحقير.

وقد اتفق ممثلا الإتجاهين العلمانيّ والإسلاميّ على هذه الصورة التي رسمها مرسى لنفسه، وأقرتها له جماعته المتخاذلة عن المواجهة، فقال بذلك الشيخ حازم أبو اسماعيل، ناقداً الإخوان ومحمد مرسى، وقال بذلك علاء الأسواني، الذي وجه لمرسى النصائح في الأيام السابقة، وكان فيها محقاً صادقاً.

لكن، كما شرحنا من قبل، مراراً وتكراراً، تلك هي أخلاقيات الإخوان. التخاذل والتسليم يسرى في دمائهم، ثم يصورون لجمع الغافلين من أتباعهم أنّ هذه سياسة، وأنها حِنكة، وأنها مُلاءمة للواقع، وأن الدعوى غير السياسي، ومثل هذا القَئِ من النفاق، أضاعوا به جيلاً كاملاً، كان من الممكن أن يثور لكرامته، وأن يثور لدينه، لولا جبن هذه القيادات، وخوفها على أنفسها مما يمكن أن يفعل بها العسكر.

إن هذه الجماعة، ما اتخذت في حياتها قراراً تُنشأ به وضعاً، بل كل قراراتها تالية لأحداث أوجدها غيرهم على الأرض، ثم انطلقوا يتصايحون بعدها بما لهم فيها من فضل. لم تكن قراراتهم أبداً في صالح هذا الشعب، لكن في صالح ذلك التجمع، الذي يشبه الحزب الوطني، مصبوغاً بصبغة إسلامية واهية عارية عن العقيدة الصحيحة، أو المواقف الصريحة.

وانظر ما انتهوا اليه من واقع. مجلس شعب حصلوا على أغلبيته، ثم انحلّ بجرة قلم من فاروق سلطان، ورئيسٌ أقصى صلاحياته القمامة، لا يستطيع أن يشكل حكومة من حزبه، ولا من أيّ إتجاه آخر، ولو علمانيّ، ثم تمخض اليوم عن اسم هشام قنديل، يعلم الله من هو هذا الرجل، وما حكومته إلا ما سيريد لها العسكر دون تدخل في الداخلية أو الخارجية أو الدفاع أو المالية! ومجلس شورى على كفّ الرحمن، يهددونه بالحَلّ كل لحظة.

لا أدرى أليس في أتباع هؤلاء رجلٌ رشيدٌ عاقل واحد، يرى هذه الصورة على ما هي عليه، ويرفع ذلك المنظار الإخوانيّ الذي ضَللوه به عقوداً بعد عقود.

لا أدرى ماذا ينتظر محمد مرسى؟ أن يخلعوه لفشله الذريع كما حلوا مجلس الشعب من قبل؟ أينتظر أن ينتهى العسكر من كتابة الدستور، كما يريدون، وإلا حَلوا اللجنة وكونوا غيرها، مما جَعلوه حقاً لهم؟ وفي كل الحالات، سيستقيل مرسى بعد الدستور، فهو زائلٌ زائل، لكن "بعد ما تخرب مالطة" كما يقال. هي فرصة للعسكر يشغلوا الشعب برئيس الخبز والقمامة، ثم ينتهوا من الدستور، الذي سيكرس السلطة والثروة في أيديهم، ثم يطيحوا بالإخوان كلهم، وبكل إسلاميّ حقّ مما عداهم، إلى السجون.

محمد مرسى لا تزال أمامه الفرصة ليُسقِط ذلك السيف المُسلط على رقاب المصريين، وعلى مستقبلهم، المسمى الإعلان الدستورى العسكريّ، فإن لم يأخذها فسيكتب في التاريخ كرئيس أضاع على مصر حريتها وكرامتها لأجل الحفاظ على مكاسب وهمية محلية لا حقيقة لها.

لقد كان تعيين محمد مرسى في الرئاسة، بالنسبة للعسكر، ضرورة وقتية، يُحمّلونه الفشل، ويظهرون عوار الإخوان وتهربهم من مسؤلياتهم أمام الشعب، ويملؤون به محلاً شاغراً، من قبيل "ضِل رَيّس ولا ضِل حيطة .."!

* 25 يوليو 2012