رسالة مواساة لنساء أهل الجزيرة
نشر من قبل Maqreze في 08:25 صباحا - 12 09 1433 هـ (30 07 2012 م)

رسالة مواساة لنساء أهل الجزيرة

من معتقل مغربي سابق

إن والله رسالة الأخوات لجد مؤثرة وإنها لتفوح بآلامهن ومعاناتهن, فكلما قرأتها ضاقت نفسي وفاضت عيني .. ولاحول ولاقوة إلا بالله. أنا معتقل سابق فيما اصطلح عليه بملف السلفية الجهادية بالمغرب وقضيت ما يقرب العقد من الزمن ما بين الإختطاف والترحيل السري (ما يسمى بالرحلات السرية (extraordinary rendition) التابعة لوكالة سي أي إي) والإعتقال السري والسجن تحت ما يسمى بمكافحة الإرهاب المزعومة.أكتب رسالتي هذه وأدعو الله أن يعينني ويوفقني فى مواساة الأخوات ببلاد الحرمين.


تفاصيل الخبر

رسالة مواساة لنساء أهل الجزيرة

من معتقل مغربي سابق

بسم الله والحمد الله والصلاة والسلام على رسول الله ومن والاه, وبعد

إن والله رسالة الأخوات لجد مؤثرة وإنها لتفوح بآلامهن ومعاناتهن, فكلما قرأتها ضاقت نفسي وفاضت عيني .. ولاحول ولاقوة إلا بالله.

أنا معتقل سابق فيما اصطلح عليه بملف السلفية الجهادية بالمغرب وقضيت ما يقرب العقد من الزمن ما بين الإختطاف والترحيل السري (ما يسمى بالرحلات السرية (extraordinary rendition) التابعة لوكالة سي أي إي) والإعتقال السري والسجن تحت ما يسمى بمكافحة الإرهاب المزعومة.

أكتب رسالتي هذه وأدعو الله أن يعينني ويوفقني فى مواساة الأخوات ببلاد الحرمين.

فأبدأ بقول الله تعالى حيث قال: (لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم).

طبعا أنا لا أتمنى لمسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله الأسر لما يتعرض له من الفتنة في الدين, لكن إن قدر الله ذلك فأقول إذا كان الأسر محنة -وما حكته الأخوات أغنى عن التكرار- فهو كذلك منحة, وحول هذه المنحة أريد أن أتكلم قليلا لعلي أن أخفف عليهن ما نزل بهن.

إن من نعم الله على الأخ في السجن ما يلي:

حفظ القرآن: السجن من أعظم الفرص وأنفسها لحفظ كتاب الله, هذا العلم الذي تهاون عليه كثيرمن المسلمين, كذلك يشغل وقتك ويملأ فراغك ومن كان وقته فراغ ضاقت نفسه واشتد قلقه وضعفت همته وتدهورت حاله .. وربما ساء خلقه.

الإنضباط: حيث المسلم يستطيع أن يضبط أوقاته ومواعيده من خلال أوقات النوم والإستيقاظ, الدخول والخروج إلى الفسحة وغيرها من الأوقات التي تفرض عليه في الأسر- وبالتالي يقل إن شاء الله تهاونه ويقل عدم اهتمامه وتقل عدم مسؤوليته ويقل تسويفه في الأمور وتفريطه في الواجبات.

العائلة: السجن من أهم المحطات التي تجعل الإنسان يعرف قدرعائلته وأقاربه .. أهميتهم في الحياة .. والفرق بينهم وبين الغريب, الكل يخذلك إلا هؤلاء, يبذلون الغالي والنفيس من أجل زيارة أسيرهم والإعتناء به وتحمل المشاق من أجله والقلق عليه والحزن لما أصابه, وهم لا يبالون ولو طال بهم الأمد دون غيرهم, ففضل هؤلاء ليس له مثيل ولا أن نتخلى عنهم من سبيل, فالسجن يعلمك حقا أن هؤلاء هم الكل في الكل, هم رأس مالك وغناك وثروتك, فهم أولى بالحب والإحترام والتقديروالإهتمام وأن يكون تعبهم راحة عندك. هم أهل الخير ويستحقون كل الخير.

التوازن: الإحتكاك الملازم والطويل بالإخوة في الزنزانة وداخل الجناح يجعل المسلم يلمس عن قرب معادن الناس, بل حتى الصادق من الكاذب, وكذلك طباعهم وأمزجتهم حتى أنه يستطيع أن يدرك من خلال كلمات بسيطة حقيقة الشخص, بل أحيانا من خلال النظر إليه, وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ يعطي مهمة ما لأحد أصحابه بحسب حاله لما يعلم من حاله, فبالتالي تستطيع أن تخاطب كل واحد بحسبه وتأخذ بيد هذا وتداري ذاك.

الظلم: إن هذا الذي يتعرض له الأخ من الظلم والحيف والجور, من التعذيب والتنكيل, من الحرمان والقهر كل هذا يجعل الأخ يكسب ويعطى خصلة من أعظم الخصال النبيلة؛ أن الذي لم يجرب الظلم صعب أن لا يظلم الناس, وذكرت هذا الأمر هنا لما له صلة بالتوازن.

الصبر: لا تأتي عاقبة الصبر إلا بالخير العظيم والعميم؛ قبل أن أخرج من السجن بوقت يسير حصلت لي مضايقة شديدة, فما كان لي إلا أن تحليت بالصبر, فسبحان الله كنت أشعر والله بالفرح في قلبي, والله ما كنت أصدق وكلما تذكرت صبري ذاك ما أجد له من تعليق, فالصبر مفتاح يعتمد عليه.

كذلك الصبر على البلاء أهون من الصبر على النصر, وفعلا كانوا الصحابة الكرام يخافون أن تفتح عليهم الدنيا, بل كان أخوف ما يخاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمته الدنيا, وليس ما فعله ملوك الطوائف في الأندلس علينا ببعيد .. وأضرب لكم مثال من السجن نفسه: عندما يحصل الإخوة على بعض المكاسب, يبدأ شيء من الإنشغال بها فيبدأ الإهمال في حفظ القرآن والإهمال في الإنضباط وعدم الصبر وفقدان التوازن وإهمال خدمة الإخوة .. تغير من حال إلى حال! هذا فقط بمجرد مكاسب سجنية بسيطة, فما بالكم لو فتحت علينا الدنيا بما فيها وما عليها ؟

العزلة: أنا قرأت في بعض الكتب حول الصبر والعزلة والأنس بالله (سيأتي إن شاء الله), والله ما أدركت حقيقة ما قرأت حتى دخلت السجن وخصوصا الفترة التي قضيت في المعتقل السري بالتمارة في عزلة تامة لأكثر من 8 أشهر, إن من فوائد العزلة فقدان كلام الناس المتداول في الشارع –لا أقصد الكلام الفاحش معاذ الله, هذا تركه واجب ولا تتم الإستقامة إلا به- أقصد الكلام من حيث جودته ومطابقته للشرع أوعدمه, من المصطلحات الغربية الداخلة على لغتنا, والسلام بين المسلمين بصيغ غربية (مثل تشاو بالإيطالية), في حين السلام الشرعي هو سبب من أسباب دخول الجنة, يقول صلى الله عليه وسلم: "أفشوا السلام وأطعموا الطعام وقوموا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام", والحلف بالله في كل شيء والكذبة البيضة وإنشاد الفاسق في الخصومات ب (وجه الله) في حين تجده لا يصلي وربما يسب الدين وغير ذلك, ووجه الله أجل وأكبر من أن تتداوله الألسن في المتاهات, فيجب أن نعي ما نقوله للناس من الكلام بحسب حالهم: ما يناسب الفاسق من الكلام وما يناسب المؤمن من الكلام.

كذلك العزلة تعلم الكلام القليل والسكوت الطويل, ومن قل كلامه قل كذبه وتجنب الغيبة والنميمة ونجا من البغضاء والشحناء والقيل والقال, فالسكوت أعظم وسيلة وأقرب حيلة لإدراك حسن الخلق, يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا", وقال: "من ضمن لي ما بين لحييه وفخذين ضمنت له الجنة".

إن الكلام هو (أبوالمشاكل) هو الذي يورد الإنسان الموارد: بسببه يقع الشقاق والفراق, والخصام والفصام. إن الإساءة بالكلمة الواحدة ممكن أن تفرق بين الحبيب وحبيبه, كما أن بالكلمة الواحدة ممكن أن ترد الناس من الضلال إلى الهدى كما حصل في فتنة خلق القرآن .. ولو نستمر بالكلام في فضل قلة الكلام ما انتهينا ..

الأنس بالله: فالعزلة التي ظاهرها الحرمان من الكلام, هي في الحقيقة فترة يكون القلب فيها فارغ بالكلية من كلام الناس ومن الإنشغالات والإهتمامات, حينها يتطلع بالدعاء إلى خالقه يرجو رحمته ويخاف عذابه, يكون خاشعا متذللا منيبا مخبتا فيستشعر سبحان الله الأنس بالله ,ووالله لو تعطى جبال الدنيا ذهبا مقابل تنازلك على ذلك شعور ما تقبل, لما تلك النعمة تفوق كل النعم.

خدمة الإخوة: من أجل ألا تنتشرالدعوة بين سجناء الحق العام أو نقل أخبارالإخوة إلى الخارج, يتطوع بعض الأخوة لخدمة إخوانهم داخل الجناح, فعلى الإخوة أن يتنافسوا ويتسابقوا إلى هذا الفضل العظيم لما فيه من الأجر الكريم الذي لا يعلمه إلا الله العليم, إنها تزكي القلب وتطهره وتصلحه وتنبته نباتا حسنا وتحببك إلى إخوانك وتملأ وقتك بالخير وكل من قمت بخدمته يدعو لك بالخير.

فقه الواقع: النضال داخل السجن -لا أقول على المستوى الفردي إنما على المستوى الجماعي- هو صعب المنال لكثرة الخلافات المنهجية والفقهية وربما بسبب الجهل وشيء من حظ النفس - ولا أبرأ نفسي- من إضراب عن الطعام وإحتجاج واعتصام للمطالبة بالإفراج وبالمكاسب السجنية إلى حين الإفراج, فالصبرعلى الإخوة ومع الإخوة وإرضاء الجميع وضبط النفس والحرص على توحيد الكلمة -إذ توحيد الكلمة نصر في حد ذاته- فبفعل الإحتكاك تكون مضطر للأخذ بالأسباب والإجتهاد والحسم في القضايا مما يجعلك تفوز بحظ وافر من فقه الواقع الذي لا يحسن استعماله وإنزاله على الواقع إلا القليل.

معرفة قدراتك: مع الأسف معظم المسلمين لا يعرفون حقا قدراتهم فتجد المسلم متخوف من الخطر, أو بمجرد التفكيرفيه, متخوف من المساندة والدفاع مثلا عن المعتقلين الإسلاميين وغيرها, هذا الضعف صدقوني ناتج عن عدم معرفة الشخص قدراته. لو نأخذ مثلا الجندي, تجده مقبل على الحرب وعلى كل أشكال المحن والأخطار والمغامرات, بفضل ماذا؟ بفضل تلك التدريبات التي تلقاها والتي من خلالها وضع تحت المحك الذي مكنه من معرفة قدراته حقا, كذلك الأسير عبرالأسر والإضراب عن الطعام مثلا أو التعذيب النفسي بالسهر لليال طوال أو الحرمان أو الخوف وغير ذلك, كل هذا يمكن المسلم من معرفة قدراته, ولا نستهين بهذا الأمر. إن معرفة قدراتنا تلعب دورا كبيرا في إثبات الشخصية, في قوة العزيمة والإرادة, في رفع المعنويات, بالثبات عند حلول الشدائد والمصائب, بالسيطرة على الوضع وامتلاك النفس, يملك المسلم نفسه في الوقت الذي يكون الناس فيه حيارى, كذلك يتساوى عندك مدح الناس أو ذمهم لك, وكذلك عندما يخذلنا الغيرتجد المسلم ولله الحمد والمنة ثابت على الحق, صابر ومحتسب مهما الثمن.

العزة لله: عندما يتحلى الأخ بما سبق ذكره, تجده هين لين, رشيق الطبع, منبسط النفس, نشيط الجسم, متمسك بدينه, ملتزم في أموره, أتعلمون ما معنى هذا؟ فوالذي رفع السماء بلا عمد إن أولئك الظالمين من السجانين وغيرهم ليعلمون أن هذا الملتزم على الحق ووالله ليتمنوا لو يكونوا مثله ولو في السجن وأنى لهم ذلك ووالله ليحسون في قرارأنفسهم أنهم ذليلين وأن ذلك الملتزم هو العزيزالشريف, المؤمن العفيف, وما ذاك إلا أنه آمن بالله واتبع الرسول فالتزم واستقم .. وهذا قليل من كثير..

عن ذكر السجانين, بل وكل أصحاب الزي العسكري وغيرهم .. في مرة كنت في عقوبة لمدة 25 يوما وقد وضعت في زنزانة انفرادية, وأمام هذه الزنزانة مكان واسع يجتمع فيه السجانين (وغيرهم من المندسين بالزي العسكري!) عادة يوم السبت والأحد حيث تكون حركة السجن هادئة, فكنت أسمع نقاشاتهم .. باختصار معظمهم غير متزوج ويعيش في بيت أمه وأبيه لضيق العيش .. سبحان الله! ماذا عساي أن أقول في هؤلاء؟ هؤلاء (المساكين) اللذين تطاولوت أيديهم وألسنتهم بالسوء على المؤمنين من أجل دريهمات .. دريهمات لا تكفيهم لقوت شهرهم إلا بشق الأنفس, أقول فيهم ما قد قيل: هؤلاء والعياذ بالله يخربون أخراهم بتحصيل دنيا لغيرهم !!! فالحمد لله الذي عفانا والحمد لله الذي هدانا.

خاتمة: أرجع إلى أول الكلام فأقول: السجن محنة ومنحة, فالمحنة حاصلة والآلام والمعاناة موجودة, وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على أنكم على الحق والله, ألم يقل ربنا سبحانه وتعالى في كتابه العزيز: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل اللذين خلوا من قبلكم) ماذا حصل لهم يا ربنا؟ (مستهم البأساء والضراء.. الآية), يقول ابن كثير: "(أم حسبتم أن تدخلوا الجنة) قبل أن تبتلوا وتختبروا وتمتحنوا كما فعل باللذين من قبلكم من الأمم, ولهذا قال: (ولما يأتكم مثل اللذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء) وهي الأمراض والأسقام والآلام والمصائب والنوائب .. (وزلزلوا) خوفا من الأعداء زلزالا شديدا, وامتحنوا امتحانا عظيما ..", و(أم) استفهام استنكاري؛ أي أتظنون أن تدخلوا الجنة من دون هذا؟ من يظن ذلك فليعلم أن إبليس قد بال هي أذنيه !!!

هذا وبالله التوفيق, إن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي ومن الشيطان, أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

السلام عليكم الأخ الدكتورهاني السباعي

تقبل الله صيامكم وبارك في أعمالكم

أبعث لكم هذه الرسالة وهي متضمنة رسالة لمواساة الأخوات ببلاد الحرمين.. كما سبق الذكرهي رسالة مواساة وليست بتعليق, فأسألكم إن كان ممكنا وضعها في (البيانات) وجزاكم الله كل خير. انتهت الرسالة.

* 11 رمضان 1433 هـ

www.almaqreze.net