حتى جَعلناهُم حَصيداً خامِدين
نشر من قبل Maqreze في 04:38 مساء - 12 09 1433 هـ (30 07 2012 م)

(حتى جَعلناهُم حَصيداً خامِدين)

رؤية بقلم د. طارق عبد الحليم

سبحان ربي. ما قرأت هذه الآيات إلا اقشعرّ بدني، وانتفَضَت شعيرات جِلدى، وتراءى الدمعُ في عيني. فهي صورة رَسَمَتها تلك السورة المباركة، قديمة جديدة، تتكرر حكايتها من عصر إلى عصر، وتعاد فصولها مرة تلو الأخرى، لا تختصّ بقومٍ دون قوم، أو بملأ دون ملأ، بل الموقف المتشابه بين تلك الأمم هو ما يجمعها ويُجرى عليها حكم تلك الآيات، سنة الله التى لن تجد لها تبديلا.


تفاصيل الخبر

(حتى جَعلناهُم حَصيداً خامِدين)

رؤية بقلم د. طارق عبد الحليم

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم

يقول جل وعلا في سوة الأنبياء "لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴿10﴾ وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍۢ كَانَتْ ظَالِمَةًۭ وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ ﴿11﴾ فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ ﴿12﴾ لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ ﴿13﴾ قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ ﴿14﴾ فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ".

سبحان ربي. ما قرأت هذه الآيات إلا اقشعرّ بدني، وانتفَضَت شعيرات جِلدى، وتراءى الدمعُ في عيني. فهي صورة رَسَمَتها تلك السورة المباركة، قديمة جديدة، تتكرر حكايتها من عصر إلى عصر، وتعاد فصولها مرة تلو الأخرى، لا تختصّ بقومٍ دون قوم، أو بملأ دون ملأ، بل الموقف المتشابه بين تلك الأمم هو ما يجمعها ويُجرى عليها حكم تلك الآيات، سنة الله التى لن تجد لها تبديلا.

انظر إلى قول الله تعالى "لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَـٰبًۭا فِيهِ ذِكْرُكُمْ ۖ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"! ماذا يريد الناس، والغافلون منهم، أكثر من هذا آية؟ لقد أنزل ربّ الناس كتاباً حكى عنهم خاصة، وعن بقية الأمم عامة، كتابٌ فيه ذكرهم. أي عظمة وأيّ شرف هذا، وأي خشوعٍ، وأية هيبة يبعثها هذا النصّ في النفس الحية، أفلا يعقلون؟ إن الله لا يحكى عن كائنات في الفضاء أو تحت البحار، بل هو يذكرنا نحن، يذكر ما عليه أحوالنا، أفيكون هناك عقل لمن غضّ الطرف عن هذا الحديث؟

ثم يقرر المولي سُنّة من سُنن الكون التي لا تُخطئ ولا تَتَخلف، أن الظُلم لا تستقيم معه حياة، لا في حياة الأفراد ولا في حياة الجماعات "وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍۢ كَانَتْ ظَالِمَةًۭ وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ"، و"كم" هنا تدل على الكثرة، كثير إذن تلك القرى التى ظلمت نفسها، تخطت حدود ربها، غفلت عن آياته، وأعرضت عن أحكامه وشرائعه، فوقع الظلم فيها موقع البلاء من الجسد، ينخر فيه، فيفسده على صاحبه، جزءاً جزءاً، يتلصص فيه بالفساد ويتدسس بالعصيان، حتى تأتى كلمة الله التي لا تُراجع، " قَصَمْنَا"، نعم يقصمها الله سبحانه، وانظر إلى كلمة قَصَمْنَا، لتشاهد فيها ذلك الوَقعُ القوى الذي يدل على شدة الأخذ وعنفه، فيالها من نهاية للظالمين.

ثم تأتي الحلقة الثانية، التي تكررت كثيراً من قبل، أنشأ الله محل الظالمين قوماُ آخرين، فهل تغيرت سمتهم وتبدّلت أحوالهم؟ لا والله، فإن العبرة لا تكون إلا لمن يعتبر، "فَلَمَّآ أَحَسُّوا۟ بَأْسَنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَرْكُضُونَ"، ظلوا إذن في غيهم الجديد سادرين، بنوا وشيدوا وعمّروا وظنوا أنهم باقون أبد الدهر، غير متحوّلين. لكن ليست هذه سُنة الله في خلقه كما أجملها سبحانه في الآيات السابقة، بل سنته أن يقصم المعتدى الظالم، فيأخذه أخذ عزيز مقتدر. والظاهر أنّ هؤلاء القوم قد فُتنوا بالدنيا، حتى جاء موعد عذابهم، وبدأت بشائر العذاب تلوح، من أزماتٍ ونقمات، وضياع عزٍ وجاه، جعلتهم يحسّون بالقدر المتربص بهم. والإحساس هنا ليس تخميناً، بل هو رؤية لوقائع تحدث من حولهم تنبئهم عن القادم المشؤوم. فما كان منهم إلا أن بدؤوا في النزوح من القرية، مسرعين راكضين، كأنهم حيوانات تُسرع في قطيعها بعيداً عن مصدر الخطر.

لكن الأمل الكاذب مهلك لصاحبه، فإذا بهم يتصايحون "لَا تَرْكُضُوا۟ وَٱرْجِعُوٓا۟ إِلَىٰ مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَـٰكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْـَٔلُونَ"، أن اصبروا، وعودوا لعلكم تجدون مخرجاً مما أنتم فيه. وهذا هو دين الظالمين وديدنهم. يعتقدون أنّ لهم كرة يستعيدون فيها مجدهم ويستمر ظلمهم. انظر إلى هؤلاء الحكام الكفرة الذين لم يعتبروا بما حدث لغيرهم، أمام أعينهم، فظلوا يحاولون المستحيل، قتلاً وتشريداً في قومهم، لعلهم يجدون حلاً لمشاكلهم، لكن هيهات هيهات، إذا حلت ساعة العذاب، فلا مهرب منها.

وتصل الأمور إلى غايتها، وينتهى الأمل إلى سرابٍ، ويظهر أنّ لا مَهرب من العذاب، فإذا هم يعترفون بذبنهم، ويقرون بظلمهم، ولات حين مناص "قَالُوا۟ يَـٰوَيْلَنَآ إِنَّا كُنَّا ظَـٰلِمِينَ". لا ينفع نفس يومها اعترافٌ بذنبٍ ولا رجوع إلى حق "هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأْتِيَهُمُ ٱلْمَلَـٰٓئِكَةُ أَوْ يَأْتِىَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِىَ بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِى بَعْضُ ءَايَـٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَـٰنُهَا لَمْ تَكُنْ ءَامَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِىٓ إِيمَـٰنِهَا خَيْرًۭا"الأنعام 158. تلك هي القاعدة الذهبية. فرصة واحدة أمهلها الله لكل قومٍ، بعد أنْ بيّن لهم الحق، وأرسل لهم رسالته "وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ"الرعد7، من حاد عنها فإنه لابد ملاقٍ للعذاب.

ثم ينتهى هذا المشهد الكونيّ الأليم المكرور، بصورة حزينة، ترى فيها القوم، يتصايحون بالإعتراف بالذنب، وبالظلم، وبالفسق، ظانين أنّ في هذا رفعٌ للعذاب عنهم " فَمَا زَالَت تِّلْكَ دَعْوَىٰهُمْ حَتَّىٰ جَعَلْنَـٰهُمْ حَصِيدًا خَـٰمِدِينَ"، لكن، هيهات، يستمر الصياح، ويستمر العذاب، فلا يفترُ عنهم حتى يصبحوا حَصيداً، كأنهم زرع محصود اقتلع من جذوره ومصدر حياته، فلم يعد له بقاء، خامدين، كأنّ الحياة كانت جذوة في أجسادهم، خمدت كما تخمد النار بعد إضرام.

ياللحسرة، درس وقع في تاريخ البشرية آلاف المرات، بل ودونته أيدى المؤرخين، حدثاً بعد حدث، تنهار حضارة وتقوم حضارة، ينهار نظامٌ ويقوم نظام، يختفى قومٌ ويظهر قوم، وكلهم كالأعمى لا يبصر، وكالأصم لا يسمع.

اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

* 31 يوليو 2012