|
|
| معالم الطريق |
|
- الجزء الثامن |
استعلاء الإيمان
{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [آل عمران
: 6]
أول ما يتبادر إلى الذهن من هذا التوجيه أنه ينصب على حالة الجهاد
الممثلة في القتال . . ولكن حقيقة هذا التوجيه ومداه أكبر وأبعد من
هذه الحالة المفردة ، بكل ملابساتها الكثيرة .
إنه يمثل الحالة الدائمة التي ينبغي أن يكون عليها شعور المؤمن
وتصوره وتقديره للأشياء والأحداث والقيم والأشخاص سواء .
إنه يمثل حالة الاستعلاء التي يجب أن تستقر عليها نفس المؤمن إزاء
كل شيء ، وكل وضع ، وكل قيمة ، وكل أحد ، الاستعلاء بالإيمان وقيمه
على جميع القيم المنبثقة من أصل غير أصل الإيمان .
الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان . وعلى قيم الأرض
التي لم تنبثق من أصل الإيمان .وعلى تقاليد الأرض التي لم يصغها
الإيمان ، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان ، وعلى أوضاع
الأرض التي لم ينشئها الإيمان .
الاستعلاء . . مع ضعف القوة ، وقلة العدد ، وفقر المال ،
كالاستعلاء مع القوة والكثرة والغنى على السواء .
الاستعلاء الذي لا يتهاوى أمام قوة باغية ، ولا عرف اجتماعي ولا
تشريع باطل ، ولا وضع مقبول عند الناس ولا سند له من الإيمان .
وليست حالة التماسك والثبات في الجهاد إلا حالة واحدة من حالات
الاستعلاء التي يشملها هذا التوجيه الإلهي العظيم .
***
والاستعلاء بالإيمان ليس مجرد عزمة مفردة ، ولا نخوة دافعة ، ولا
حماسة فائرة ، إنما هو الاستعلاء القائم على الحق الثابت المركوز
في طبيعة الوجود . الحق الباقي وراء منطق القوة ، وتصور البيئة ،
واصطلاح المجتمع ، وتعارف الناس ، لأنه موصول بالله الحي الذي لا
يموت .
إن للمجتمع منطقه السائد وعرفه العام وضغطه الساحق ووزنه الثقيل .
. على من ليس يحتمي منه بركن ركين ، وعلى من يواجهه بلا سند متين .
. . وللتصورات السائدة والأفكار الشائعة إيحاؤهما الذي يصعب التخلص
منه بغير الاستقرار على حقيقة تصغر في ظلها تلك التصورات والأفكار
، والاستمداد من مصدر أعلى وأكبر وأقوى .
والذي يقف في وجه المجتمع ، ومنطقه السائد ، وعرفه العام ، وقيمه
واعتباراته ، وأفكاره وتصوراته ، وانحرافاته ونزواته . . يشعر
بالغربة كما يشعر بالوهن ، ما لم يكن يستند إلى سند أقوى من الناس
، وأثبت من الأرض ، وأكرم من الحياة .
والله لا يترك المؤمن وحيدا يواجه الضغط ، وينوء به الثقل ، ويهدها
الوهن والحزن ، ومن ثم يجيء هذا التوجيه :
{ ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين } [ آل عمران
: 139]
يجيء هذا التوجيه . ليواجه الوهن كما يواجه الحزن . هما الشعوران
المباشران اللذان يساوران النفس في هذا المقام . . يواجههما
بالاستعلاء لا بمجرد الصبر والثبات ، والاستعلاء الذي ينظر من عل
إلى القوة الطاغية ، والقيم السائدة ، والتصورات الشائعة ،
والاعتبارات والأوضاع والتقاليد والعادات ، والجماهير المتجمعة على
الضلال .
إن المؤمن هو الأعلى . . الأعلى سندا ومصدرا . . فما تكون الأرض
كلها ؟ وما يكون الناس ؟ وما تكون القيم السائدة في الأرض ؟
والاعتبارات الشائعة عند الناس ؟ وهو من الله يتلقى ، وإلى الله
يرجع ، وعلى منهجه يسير ؟
وهو الأعلى إدراكا وتصورا لحقيقة الوجود . . فالإيمان بالله الواحد
في هذه الصورة التي جاء بها الإسلام هو أكمل صورة للمعرفة بالحقيقة
الكبرى . وحين تقاس هذه الصورة إلى ذلك الركام من التصورات
والعقائد والمذاهب ، سواء ما جاءت به الفلسفات الكبرى قديما ، وما
انتهت إليه العقائد الوثنية والكتابية المحرفة ، وما اعتفسته
المذاهب المادية الكالحة . . حين تقاس هذه الصورة المشرقة الواضحة
الجميلة المتناسقة ، إلى ذلك الركام وهذه التعسفات ، تتجلى عظمة
العقيدة الإسلامية كما لم تتجلى قط . وما من شك ان الذين يعرفون
هذه المعرفة هم الأعلون على كل من هناك ([1]) .
وهو الأعلى تصورا للقيم والموازين التي توزن بها الحياة والأحداث
والأشياء والأشخاص . فالعقيدة المنبثقة عن المعرفة بالله ، بصفاته
كما جاء بها الإسلام ، ومن المعرفة بحقائق القيم في الوجود الكبير
لا في ميدان الأرض الصغير . هذه العقيدة من شانها أن تمنح المؤمن
تصورا للقيم أعلى وأضبط من تلك الموازين المختلفة في أيدي البشر ،
الذين لا يدركون إلا ما تحت أقدامهم . ولا يثبتون على ميزان واحد
في الجيل الواحد . بل في الأمة الواحدة . بل في النفس الواحدة من
حين إلى حين .
وهو الأعلى ضميرا وشعورا ، وخلقا وسلوكا . . فإن عقيدته في الله ذي
الأسماء الحسنى والصفات المثلى ، هي بذاتها موحية بالرفعة والنظافة
والطهارة والعفة والتقوى ، والعمل الصالح والخلافة الراشدة . فضلا
على إيحاء العقيدة عن الجزاء في الآخرة . الجزاء الذي تهون أمامه
متاعب الدنيا وآلامها جميعا .
ويطمئن إليه ضمير المؤمن . ولو خرج من الدنيا بغير نصيب .
وهو الأعلى شريعة ونظاما . وحين يراجع المؤمن كل ما عرفته البشرية
قديما وحديثا ، ويقيسه إلى شريعته ونظامه ، فسيراه كله أشبه شيء
بمحاولات الأطفال وخبط العميان ، إلى جانب الشريعة الناضجة والنظام
الكامل . وسينظر إلى البشرية الضالة من عل في عطف وإشفاق على بؤسها
وشقوتها ، ولا يجد في نفسه إلا الاستعلاء على الشقوة والضلال .
***
وهكذا كان المسلمون الأوائل يقفون أمام المظاهر الجوفاء ، والقوى
المنتفخة ، والاعتبارات التي كانت تتعبد الناس في الجاهلية . .
والجاهلية ليست فترة من الزمان ، وإنما هي حالة من الحالات تتكرر
كلما انحرف المجتمع عن نهج الإسلام ، في الماضي والحاضر والمستقبل
على السواء . .
وهكذا وقف المغيرة ابن شعبة أمام صور الجاهلية وأوضاعها وقيمها
وتصوراتها في معسكر رستم قائد الفرس المشهور :
(( عن أبي عثمان النهدي قال : لما جاء المغيرة إلى القنطرة ،
فعبرها إلى أهل فارس أجلسوه ، واستأذنوا رستم في إجازته ، ولم
يغيروا من شارتهم تقوية لتهاونهم ، فأقبل المغيرة ابن شعبة والقوم
في زيهم ، عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب ، وبسطهم على
غلوة - والغلوة مسافة رمية سهم وتقدر بثلاثمائة أو أربعمائة خطوة -
لا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي على غلوة ، وأقبل المغيرة وله أربع
ضفائر يمشي حتى يجلس على سريره ووسادته ، فوثبوا عليه فترتروه
وأنزاوه ومغثوه ([2]) ، فقال : كانت تبلغنا عنكم الأحلام ، ولا أرى
قوما اسفه منكم ، انا معشر العرب سواء لا يستعبد بعضنا بعضا ، إلا
أن يكون محاربا لصاحبه ، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى .
وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني ان بعضكم أرباب بعض ، وان هذا
الأمر لا يستقيم فيكم ، فلا تصنعه ، ولم آتكم ولكن دعوتموني .
اليوم علمت ان أمركم مضمحل ، وأنكم مغلوبون ، وأن ملكا لا يقوم على
هذه السيرة ولا على هذه العقول )) .
كذلك وقف ربعي بن عامر مع رستم هذا وحاشيته قبل وقعة القادسية :
(( أرسل سعد بن أبي وقاص قبل القادسية ربعي بن عامر رسولا إلى رستم
، قائد الجيوش الفارسية وأميرهم ، فدخل عليه وقد زينوا مجلسه
بالنمارق والزرابي والحرير [3] وأظهر اليواقيت واللآلىء الثمينة
العظيمة ، وعليه تاجه ، وغير ذلك من الأمتعة الثمينة ، وقد جلس على
سرير من ذهب ، ودخل ربعي بثياب صفيقة وترس وفرس قصيرة . ولم يزل
راكبها حتى داس بها على طرف البساط ثم نزل وربطها ببعض تلك الوسائد
. وأقبل وعليه سلاحه وبيضته على رأسه . فقالوا له : ضع سلاحك .
فقال : اني لم آتكم ، وإنما جئتكم حين دعوتموني ، فإن تركتموني
هكذا وإلا رجعت . فقال رستم : ائذنوا له . فأقبل يتوكأ على رمحه
فوق النمارق لخرق عامتها . فقال رستم : ما جاء بكم ؟ فقال : الله
ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده ، ومن
ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة ، ومن جور الأديان إلى عدل
الإسلام )) .
وتتبدل الأحوال ويقف المسلم موقف المغلوب المجرد من القوة المادية
، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى . وينظر إلى غالبه من عل ما دام
مؤمنا . ويستيقن أنها فترة وتمضي ، وإن للإيمان كرة لا مفر منها .
وهبها كانت القاضية فإنه لا يحني لها رأسا . إن الناس كلهم يموتون
أما هو فيستشهد . وهو يغادر هذه الأرض إلى الجنة ، وغالبه يغادرها
إلى النار . وشتان شتان . وهو يسمع نداء ربه الكريم :
{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم
وبئس المهاد * لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها
الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار }
… [ آل عمران : 196-198]
وتسود المجتمع عقائد وتصورات وقيم وأوضاع كلها مغاير لعقيدته
وتصوره وقيمه وموازينه ، فلا يفارقه شعوره بأنه الأعلى ، وبأن
هؤلاء كلهم في الموقف الدون . وينظر إليهم من عل في كرامة واعتزاز
، وفي رحمة كذلك وعطف ، ورغبة في هدايتهم إلى الخير الذي معه ،
ورفعهم إلى الأفق الذي يعيش فيه .
ويضج الباطل ويصخب ، ويرفع صوته وينفش ريشه ، وتحيط به الهالات
المصطنعة التي تغشي على الأبصار والبصائر ، فلا ترى ما وراء
الهالات من قبح شائه دميم ، وفجر كالح لئيم . . وينظر المؤمن من عل
إلى الباطل المنتفش ، وإلى الجموع المخدوعة ، فلا يهن ولا يحزن ،
ولا ينقص إصراره على الحق الذي معه ، وثباته على المنهج الذي يتبعه
، ولا تضعف رغبته كذلك في هداية الضالين والمخدوعين .
ويغرق المجتمع في شهواته الهابطة ، ويمضي مع نزواته الخليعة ويلصق
بالوحل والطين ، حاسبا انه يستمتع وينطلق من الأغلال والقيود .
وتعز في مثل هذا المجتمع كل متعة بريئة وكل طيبة حلال ، ولا يبقى
إلا المشروع الآسن ، وإلا الوحل والطين . . وينظر المؤمن من عل إلى
الغارقين في الوحل اللاصقين بالطين . . وهو مفرد وحيد ، فلا يهن
ولا يحزن ، ولا تراوده نفسه أن يخلع رداءه النظيف الطاهر ، وينغمس
في الحمأة ، وهو الأعلى بمتعة الإيمان ولذة اليقين .
ويقف المؤمن قابضا على دينه كالقابض على الجمر في المجتمع الشارد
عن الدين ، وعن الفضيلة ، وعن القيم العليا ، وعن الاهتمامات
النبيلة ، وعن كل ما هو طاهر نظيف جميل . . ويقف الآخرون هازئين
بوقفته ، ساخرين من تصوراته ، ضاحكين من قيمه . . فما يهن المؤمن
وهو ينظر من عل إلى الساخرين والهازئين والضاحكين ، وهو يقول كما
قال واحد من الرهط الكرام الذين سبقوه في موكب الإيمان العريق
الوضئ ، في الطريق اللاحب الطويل . . نوح عليه السلام . .
{ إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون } … [ هود : 38]
وهو يرى نهاية الموكب الوضئ . ونهاية القافلة البائسة في قوله
تعالى :
{ الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون . . وإذا مروا بهم
يتغامزون وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين . . وإذا رأوهم
قالوا : إن هؤلاء لضالون وما أرسلوا عليهم حافظين . . فاليوم الذين
آمنوا من الكفار يضحكون . . على الأرائك ينظرون هل ثوب الكفار ما
كانوا يفعلون ! } … [ المطففين : 29-36 ]
وقديما قص القرآن الكريم قول الكافرين للمؤمنين :
{ وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا : أي
الفريقين خير مقاما وأحسن نديا ؟} .. [ مريم : 73]
أي الفريقين ؟ الكبراء الذين لا يؤمنون بمحمد - صلى الله عليه وسلم
- ؟ أم الفقراء الذين يلتفون حوله ؟ أي الفريقين ؟ النضر بن الحارث
وعمرو بن هشام والوليد بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب ؟ أم بلال
وعمار وصهيب وخباب ؟ أفلوا كان ما يدعو إليه محمد - صلى الله عليه
وسلم - خيرا أفكان أتباعه يكونون هم هؤلاء النفر ، الذين لا سلطان
لهم في قريش ولا خطر ، وهم يجتمعون في بيت متواضع كذار الأرقم ،
ويكون معارضوه هم أولئك أصحاب الندوة الفخمة الضخمة ، والمجد
والجاه والسلطان ؟!
إنه منطق الأرض ، منطق المحجوبين عن الآفاق العليا في كل زمان
ومكان . وإنها لحكمة الله أن تقف العقيدة مجردة من الزينة والطلاء
عاطلة من عوامل الإغراء ، لا قربى من حاكم ، ولا اعتزاز بسلطان ،
ولا هتاف بلذة ، ولا دغدغة لغريزة ، وإنما هو الجهد والمشقة
والجهاد والاستشهاد . . ليقبل عليها من يقبل ، وهو على يقين من
نفسه أنه يريدها لذاتها خالصة لله من دون الناس ، ومن دون ما
تواضعوا عليه من قيم ومغريات ، ولينصرف عنها من يبتغي المطامع
والمنافع ، ومن يشتهي الزينة والابهة ، ومن يطلب المال والمتاع ،
ومن يقيم لاعتبارات الناس وزنا حين تخف في ميزان الله .
إن المؤمن لا يستمد قيمه وتصوراته وموازينه من الناس حتى يأسى على
تقدير الناس ، إنما يستمدها من رب الناس وهو حسبه وكافيه . .
إنه لا يستمدها من شهوات الخلق حتى يتأرجح مع شهوات الخلق ، وإنما
يستمدها من ميزان الحق الثابت الذي لا يتأرجح ولا يميل . . إنه لا
يتلقاها من هذا العالم الفاني المحدود ، وإنما تنبثق في ضميره من
ينابيع الوجود . . فأنى يجد في نفسه وهنا أو يجد في قلبه حزنا .
وهو موصول برب الناس وميزان الحق وينابيع الوجود ؟
إنه على الحق . . فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟ وليكن للضلال سلطانه
، وليكن له هيله وهيلمانه ، ولتكن معه جموعه وجماهيره . . إن هذا
لا يغير من الحق شيئا ، إنه على الحق وليس بعد الحق إلا الضلال ،
ولن يختار مؤمن الضلال على الحق - وهو مؤمن - ولم يعدل بالحق
الضلال كائنة ما كانت الملابسات والأحوال . .
{ ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت
الوهاب * ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه إن الله لا يخلف
الميعاد }. [ آل عمران : 8-9]
***
هذا هو الطريق
{ والسماء ذات البروج * واليوم المشهود * وشاهد ومشهود * قتل أصحاب
الأخدود * النار ذات الوقود * إذ هم عليها قعود * وهم على ما
يفعلون بالمؤمنين شهود * وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله
العزيز الحميد * الذي له ملك السموات والأرض والله على كل شئ شهيد
* إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم
ولهم عذاب الحريق * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات تجري
من تحتها الأنهار ذلك الفوز الكبير * إن بطش ربك لشديد * إنه هو
يبدئ ويعيد * وهو الغفور الودود * ذو العرش المجيد * فعال لما يريد
. . . }
إن قصة أصحاب الأخدود - كما وردت في سورة البروج - حقيقة بأن
يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي كل جيل . فالقرآن
بإيرادها في هذا الأسلوب مع مقدمتها والتعقيبات عليها ، والتقريرات
والتوجيهات المصاحبة لها . . كان يخط بها خطوطاً عميقة في تصور
طبيعة الدعوة إلى الله ، ودور البشر فيها ، واحتمالاتها المتوقعة
في مجالها الواسع - وهو أوسع رقعة من الأرض ، وأبعد مدى من الحياة
- وكان يرسم للمؤمنين معالم الطريق ، ويعدُّ نفوسهم لتلقي أي من
هذه الاحتمالات التي يجري بها القدر المرسوم ، وفق الحكمة المكنونة
في غيب الله المستور .
إنها قصة فئة آمنت بربها ، واستعلنت حقيقة إيمانها . ثم تعرضت
للفتنة من أعداء جبارين بطاشين مستهترين بحق " الإنسان " في حرية
الاعتقاد بالحق والإيمان بالله العزيز الحميد ، وبكرامة الإنسان
عند الله عن أن يكون لعبة يتسلى بها الطغاة بآلام تعذيبها ،
ويتلهون بمنظرها في أثناء التعذيب بالحريق .
وقد ارتفع الإيمان بهذه القلوب على الفتنة ، وانتصرت فيها العقيدة
على الحياة ، فلم ترضخ لتهديد الجبارين الطغاة ، ولم تفتن عن دينها
، وهي تحرق بالنار حتى تموت .
لقد تحررت هذه القلوب من عبوديتها للحياة ، فلم يستذلها حب البقاء
وهي تعاين الموت بهذه الطريقة البشعة ، وانطلقت من قيود الأرض
وجواذبها جميعاً ، وارتفعت على ذواتها بانتصار العقيدة على الحياة
فيها .
وفي مقابل هذه القلوب المؤمنة الخّيرة الرفيقة الكريمة هناك جبلات
جاحدة شريرة مجرمة لئيمة ، وجلس أصحاب هذه الجبلات على النار ،
يشهدون كيف يتعذب المؤمنون ويتألمون ، جلسوا يتلهون بمنظر الحياة
تأكلها النار ، والأناسي الكرام يتحولون وقوداً وتراباً . وكلما
ألقي فتى أو فتاة ، صبية أو عجوز ، طفل أو شيخ ، من المؤمنين
الخيرين الكرام في النار ، ارتفعت النشوة الخسيسة في نفوس الطغاة ،
وعربد السعار المجنون بالدماء والأشلاء !
ذا هو الحادث البشع الذي انتكست فيه جبلات الطغاة وارتكست في هذه
الحمأة ، فراحت تلتذ مشهد التعذيب المروع العنيف ، بهذه الخساسة
التي لم يرتكس فيها وحش قط ، فالوحش يفترس ليقتات ، لا ليلتذ آلام
الفريسة في لؤم وخسة !
وهو ذاته الحادث الذي ارتفعت فيه أرواح المؤمنين وتحررت وانطلقت
إلى ذلك الأوج السامي الرفيع ، الذي تشرف به البشرية في جميع
الأجيال والعصور .
في حساب الأرض يبدو أن الطغيان قد انتصر على الإيمان ، وإن هذا
الإيمان الذي بلغ الذروة العالية ، في نفوس الفئة الخيرة الكريمة
الثابتة المستعلية . . لم يكن له وزن ولا حساب في المعركة التي
دارت بين الإيمان والطغيان !
ولا تذكر الروايات التي وردت في هذا الحادث ، كما لا تذكر النصوص
القرآنية ، أن الله قد أخذ أولئك الطغاة في الأرض بجريمتهم البشعة
، كما أخذ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وقوم شعيب وقوم لوط أو كما
أخذ فرعون وجنوده أخذ عزيز مقتدر .
ففي حساب الأرض تبدوا هذه الخاتمة اسيفة أليمة !
أفهكذا ينتهي الأمر ، وتذهب الفئة المؤمنة التي ارتفعت إلى ذروة
الإيمان ؟ تذهب مع آلامها الفاجعة في الأخدود ؟ بينما تذهب الفئة
الباغية ، التي ارتكست إلى هذه الحمأة ، ناجية ؟
حساب الأرض يحيك في الصدر شئ أمام هذه الخاتمة الأسيفة !
ولكن القرآن يعلَّم المؤمنين شيئاً آخر ، ويكشف لهم عن حقيقة أخرى
، ويبصرهم بطبيعة القيم التي يزنون بها ، وبمجال المعركة التي
يخوضونها .
إن الحياة وسائر ما يلابسها من لذائذ وآلام ، ومن متاع وحرمان . .
ليست هي الغاية القيمة الكبرى في الميزان . . وليست هي السلعة التي
تقرر حساب الربح والخسارة ، والنصر ليس مقصوراً على الغلبة الظاهرة
، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة .
إن القيمة الكبرى في ميزان الله هي قيمة العقيدة ، وإن السلعة
الرائجة في سوق الله سلعة الإيمان ، وإن النصر في أرفع صورة هو
انتصار الروح على المادة ، وانتصار العقيدة على الألم ، وانتصار
الإيمان على الفتنة . . وفي هذا الحادث انتصرت أرواح المؤمنين على
الخوف والألم ، وانتصرت على جواذب الأرض والحياة ، وانتصرت على
الفتنة انتصاراً يشرف الجنس البشري كله في جميع الأعصار . . وهذا
هو الانتصار ..
إن الناس جميعاً يموتون ، وتختلف الأسباب ، ولكن الناس جميعاً لا
ينتصرون هذا الانتصار ، ولا يرتفعون هذا الارتفاع ، ولا يتحررون
هذا التحرر ، ولا ينطلقون هذا الانطلاق إلى هذه الآفاق . . إنما هو
اختيار الله وتكريمه لفئة كريمة من عباده لتشارك الناس في الموت ،
وتنفرد دون الناس في المجد ، المجد في الملأ الأعلى ، وفي دنيا
الناس أيضاً . إذا نحن وضعنا في الحساب نظرة الأجيال بعد الأجيال !
لقد كان في استطاعة المؤمنين أن ينجوا بحياتهم في مقابل الهزيمة
لإيمانهم ، ولكن كم كانوا يخسرون هم أنفسهم ؟ وكم كانت البشرية
كلها تخسر ؟ كم كانوا يخسرون وهم يقتلون هذا المعنى الكبير ، معنى
زهادة الحياة بلا عقيدة ، وبشاعتها بلا حرية ، وانحطاطها حين يسيطر
الطغاة على الأرواح بعد سيطرتهم على الأجساد ؟
إنه معنى كريم جداً ، ومعنى كبير جداً ، هذا الذي ربحوه وهم بعد في
الأرض ، ربحوه هم يجدون مس النار ، فتحرق أجسادهم الفانية ، وينتصر
هذا المعنى الكريم الذي تزكيه النار !
ثم إن مجال المعركة ليس هو الأرض وحدها ، وليس الحياة الدنيا وحدها
، وشهود المعركة ليسوا هم الناس في جيل من الأجيال . إن الملأ
الأعلى يشارك في أحداث الأرض ويشهدها ويشهد عليها ، ويزنها بميزان
غير ميزان الأرض في جيل من أجيالها ، وغير ميزان الأرض في أجيالها
جميعاً . والملأ الأعلى يضم من الأرواح الكريمة أضعاف أضعاف ما تضم
الأرض من الناس . . وما من شك أن ثناء الملأ الأعلى وتكريمه أكبر
وأرجح في أي ميزان من رأي أهل الأرض وتقديرهم على الإطلاق !
وبعد ذلك كله هناك الآخرة ، وهي المجال الأصيل الذي يلحق به مجال
الأرض ، ولا ينفصل عنه ، لا في الحقيقة الواقعة ، ولا في حس المؤمن
بهذه الحقيقة .
فالمعركة إذن لم تنته ، وخاتمتها الحقيقية لم تجيء بعد ، والحكم
عليها بالجزء الذي عرض منها على الأرض حكم غير صحيح ، لأنه حكم على
الشطر الصغير منها والشطر الزهيد .
***
النظرة الأولى : هي النظرة القصيرة الضيقة المجال التي تعنّ
للإنسان العجول . والنظرة الثانية : الشاملة البعيدة المدى هي التي
يروض القرآن المؤمنين عليها ، لأنها تمثل الحقيقة التي يقوم عليها
التصور الإيماني الصحيح .
ومن ثم وعد الله للمؤمنين جزاء على الإيمان والطاعة ، والصبر على
الابتلاء ، والانتصار على فتن الحياة . . هو طمأنينة القلب :
{ الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله * ألا بذكر الله تطمئن
القلوب } ... [ الرعد : 28 ] .
وهو الرضوان والود من الرحمن :
{ إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن وداً } [ مريم
: 96 ] .
وهو الذكر في الملأ الأعلى :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مات ولد العبد قال الله
لملائكته : قبضتم ولد عبدي ؟ فيقولون : نعم . فيقول : قبضتم ثمرة
فؤاده ؟ فيقولون : نعم . فيقول : ماذا قال عبدي ؟ فيقولون : حمدك
واسترجع . فيقول : ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسمّوه بين الحمد "
. . . [ أخرجه الترمذي ] .
وقال صلى الله عليه وسلم : يقول الله عز وجل : أنا عند ظن عبدي بي
، وأنا معه حين يذكرني ، فإذا ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ، وإن
ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه . فإن اقترب إلى شبراً اقتربت
إليه ذراعاً ، وإن اقترب إليّ ذرعاً اقتربت منه باعاً ، وإن أتاني
يمشي أتيته هرولة " . [ أخرجه الشيخان ] .
وهو اشتغال الملأ الأعلى بأمر المؤمنين في الأرض :
{ الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به
ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شئ رحمة وعلماً فاغفر للذين
تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم . . . } [ غافر : 7 ] .
وهو الحياة عند الله للشهداء :
{ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أموتاً بل أحياء عند ربهم
يرزقون * فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا
بهم من خلفهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يستبشرون بنعمة من
الله وفضل وان الله لا يضيع أجر المؤمنين . . . } [ آل عمران : 169
- 171 ] .
كما كان وعده المتكرر بأخذ المكذبين والطغاة والمجرمين في الآخرة
والإملاء لهم في الأرض والإمهال إلى حين . . وان كان أحياناً قد
أخذ بعضهم في الدنيا . . ولكن التركيز كله على الآخرة في الجزء
الأخير :
{ لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل ثم مأواهم جهنم
وبئس المهاد . . . } [ آل عمران : 169 - 197 ] .
{ ولا تحسبن الله غافلاً عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص
في الأبصار مهطعين مقنعي رؤوسهم لا يرتد إليهم طرفهم وأفئدتهم هواء
. . } [ إبراهيم : 42 - 43 ] .
{ فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون * يوم يخرجون
من الأجداث سراعاً كأنهم إلى نصب يوفضون * خاشعة أبصارهم ترهقهم
ذلة ذلك اليوم الذي كانوا يوعدون . . } [ المعارج : 42 - 43 ] .
وهكذا اتصلت حياة الناس بحياة الملأ الأعلى ، واتصلت الدنيا
بالآخرة ، ولم تعد الأرض وحدها هي مجال المعركة بين الخير والشر ،
والحق والباطل ، والإيمان والطغيان . ولم تعد الحياة الدنيا هي
خاتمة المطاف ، ولا موعد الفصل في هذا الصراع . . كما أن الحياة
الدنيا وكل ما يتعلق بها من لذائد وآلام ومتاع وحرمان ، لم تعد هي
القيمة العليا في الميزان .
انفسح المجال في المكان ، وانفسح المجال في الزمان ، وانفسح المجال
في القيم والموازين ، واتسعت آفاق النفس المؤمنة ، وكبرت
اهتماماتها ، فصغرت الأرض وما عليها ، والحياة الدنيا وما يتعلق
بها ، وكبر المؤمن بمقدار ما رأى وما عرف من الآفاق والحيوات ،
وكانت قصة أصحاب الأخدود في القمة في إنشاء هذا التصور الإيماني
الواسع الشامل الكبير الكريم .
***
هناك إشعاع آخر تطلقه قصة أصحاب الأخدود وسورة البروج حول طبيعة
الدعوة إلى الله ، وموقف الداعية أمام كل احتمال .
لقد شهد تاريخ الدعوة إلى الله نماذج منوعة من نهايات في الأرض
مختلفة للدعوات . .
شهد مصارع قوم نوح ، وقوم هود ، وقوم شعيب ، وقوم لوط ، ونجاة
الفئة القلية العدد ، مجرد النجاة . ولم يذكر القرآن للناجين دوراً
بعد ذلك في الأرض والحياة . وهذه النماذج تقرر أن الله سبحانه
وتعالى يريد أحياناً أن يعجَّل للمكذبين الطغاة بقسط من العذاب في
الدنيا ، أما الجزاء الأوفى فهو مرصود لهم هناك .
وشهد تاريخ الدعوة مصرع فرعون وجنوده ، ونجاة موسى وقومه ، مع
التمكين للقوم في الأرض فترة كانوا فيها أصلح ما كانوا في تاريخهم
، وإن لم يرتقوا قط إلى الاستقامة الكاملة ، وإلى إقامة دين الله
في الأرض منهجاً للحياة شاملاً . . وهذا نموذج غير النماذج الأولى
.
وشهد تاريخ الدعوة كذلك مصرع المشركين الذين استعصوا على الهدى
والإيمان بمحمد - صلى الله عليه وسلم - وانتصار المؤمنين انتصاراً
كاملاً . مع انتصار العقيدة في نفوسهم انتصاراً عجيباً . وتم للمرة
الوحيدة في تاريخ البشرية أن أقيم منهج الله مهيمناً على الحياة في
صورة لم تعرفها البشرية قط ، من قبل ولا من بعد .
وشهد - كما رأينا - نموذج أصحاب الأخدود . .
وشهد نماذج أخرى أقل ظهوراً في سجل التاريخ الإيماني في القديم
والحديث . وما يزال يشهد نماذج تتراوح بين هذه النهايات التي حفظها
على مدار القرون .
ولم يكن بدّ من النموذج الذي يمثله حادث الأخدود ، إلى جانب
النماذج الأخرى ، القريب منها والبعيد . .
لم يكن بد من هذا النموذج الذي لا ينجو فيه المؤمنون ، ولا يؤخذ
الكافرون ! ذلك ليستقر في حس المؤمن - أصحاب دعوة الله - أنهم قد
يدعون إلى النهاية كهذه النهاية في طريقهم إلى الله ، وأن ليس لهم
من الأمر شيء ، إنما أمرهم وأمر العقيدة إلى الله !
إن عليهم أن يؤدوا واجبهم ، ثم يذهبوا ، وواجبهم أن يختاروا الله ،
وأن يؤثروا العقيدة على الحياة ، وأن يستعلوا بالإيمان على الفتنة
وأن يصدقوا الله في العمل والنية . ثم يفعل الله بهم وبأعدائهم ،
كما يفعل بدعوته ودينه ما يشاء . وينتهي بهم إلى نهاية من تلك
النهايات التي عرفها تاريخ الإيمان ، أو إلى غيرها مما يعلمه هو
ويراه .
إنهم أجراء عند الله ، أينما وحيثما وكيفما أرادهم أن يعملوا عملوا
وقبضوا الأجر المعلوم ! وليس لهم ولا عليهم أن تتجه الدعوة إلى أي
مصير ، فذلك شأن صاحب الأمر لا شأن الأجير !
وهم يقبضون الدفعة الأولى طمأنينة في القلب ، ورفعة في الشعور ،
وجمالاً في التصور ، وانطلاقاً من الأوهاق والجواذب ، وتحرراً من
الخوف والقلق ، في كل حال من الأحوال .
وهم يقبضون الدفعة الثانية في الملأ الأعلى وذكراً وكرامة ، وهم
بعد في هذه الأرض الصغيرة .
ثم هم يقبضون الدفعة الكبرى في الآخرة حساباً يسيراً ونعيماً
كبيراً .
ومع كل دفعة ما هو أكبر منها جميعاً ، رضوان الله ، وانهم مختارون
ليكونوا أداة لقدره وستاراً لقدرته ، يفعل بهم في الأرض ما يشاء .
***
وهكذا انتهت التربية القرآنية بالفئة المختارة من المسلمين في
الصدر الأول إلى هذا التطور ، الذي أطلقهم من أمر ذواتهم وشخوصهم .
فاخرجوا أنفسهم من الأمر البتة ، وعملوا أجراء عند صاحب الأمر
ورضوا خيرة الله على أي وضع وعلى أي حال .
وكانت التربية النبوية تتمشى مع التوجيهات القرآنية ، وتوجه القلوب
والأنظار إلى الجنة ، وإلى الصبر على الدور المختار حتى يأذن الله
بما يشاء في الدنيا والآخرة سواء .
كان - صلى الله عليه وسلم - يرى عماراً وأمه وأباه - رضي الله عنهم
- يعذبون العذاب الشديد في مكة ، فما يزيد على أن يقول : " صيراً
آل ياسر ، موعدكم الجنة " . .
وعن خباب بن الارتّ - رضي الله عنه - قال : شكونا إلى رسول الله -
صلى الله عليه وسلم - وهو متوسد برده في ظل الكعبة ، فقلنا : ألا
تستنصر لما ؟ أو تدعو لنا ؟ فقال : " قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل
فيحفر له في الأرض فيجعل فيها ، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه
فيجعل نصفين ، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ، ما يبعده
ذلك عن دينه ، والله ليتمن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب
من صنعاء إلى حضر موت ، فلا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه ،
ولكنكم تستعجلون " . . [ أخرجه البخاري ] .
***
إن لله حكمة وراء كل وضع ووراء كل حال ، ومدبر هذا الكون كله ،
المطلع على أوله وآخره ، المنسق لأحداثه وروابطه ، هو الذي يعرف
الحكمة المكونة في غيبه المستور ، الحكمة التي تتفق مع مشيئته في
خط السير الطويل .
وفي بعض الأحيان يكشف لنا - بعد أجيال وقرون - عن حكمة حادث لم يكن
معاصروه يدركون حكمته ، ولعلهم كانوا يسألون لماذا ؟ لماذا يا رب
يقع هذا ؟ وهذا السؤال نفسه هو الجهل الذي يتوقاه المؤمن ، لأنه
يعرف ابتداء أن هناك حكمة وراء كل قدر ، ولأن سعة المجال في تصوره
، وبعد المدى في الزمان والمكان والقيم والموازين تغنيه عن التفكير
ابتداء في مثل هذا السؤال ، فيسير مع دورة القدر في استسلام
واطمئنان . .
لقد كان القرآن ينشئ قلوباً يعدها لحمل الأمانة ، وهذه القلوب كان
يجب أن تكون من الصلابة والقوة والتجرد بحيث لا تتطلع - وهي تبذل
كل شيء ، وتحتمل كل شيء - إلى شيء في هذه الأرض ، ولا تنظر إلا إلى
الآخرة ، ولا ترجو إلا رضوان الله ، قلوباً مستعدة لقطع رحلة الأرض
كلها نصب وشقاء وحرمان وعذاب وتضحية حتى الموت . بلا جزاء في هذه
الأرض قريب ، ولو كان هذا الجزاء هو انتصار الدعوة ، وغلبة الإسلام
وظهور المسلمين ، بل لو كانوا هذا الجزاء هو هلاك الظالمين بأخذهم
أخذ عزيز مقتدر كما فعل بالمكذبين الأولين !
حتى إذا وجدت هذه القلوب ، التي تعلم أن ليس أمامها في رحلة الأرض
إلا أن تعطى بلا مقابل - أي مقابل - وأن تنتظر الآخرة وحدها موعداً
للفصل بين الحق والباطل . حتى إذا وجدت هذه القلوب ، وعلم الله
منها صدق نيّتها على ما بايعت وعاهدت ، آتاها النصر في الأرض ،
وائتمنها عليه ، لا لنفسها ، ولكن لتقوم بأمانة المنهج الإلهي وهي
أهل لأداء الأمانة منذ كانت لم توعد بشيء من المغنم في الدنيا
تتقاضاه ، ولم تتطلع إلى شئ من الغنم في الأرض تعطاه ، وقد تجردت
لله حقاً يوم كانت لا تعلم لها جزاء إلا رضاه .
وكل الآيات التي ذكر فيها النصر ، وذكر فيها المغانم ، وذكر فيها
أخذ المشركين في الأرض بأيدي المؤمنين نزلت في المدينة . . بعد ذلك
. . وبعد أن أصبحت هذه الأمور خارج برنامج المؤمن وانتظاره وتطلعه
. وجاء النصر ذاته لأن مشيئة الله اقتضت أن تكون لهذا المنهج
واقعية في الحياة الإنسانية ، تقرره في صورة عملية محددة تراها
الأجيال . . فلم يكن جزاء التعب والنصب والتضحية والآلام ، إنما
كان قدراً من قدر الله تكمن وراءه حكمة نحاول رؤيتها الآن !
وهذه اللفتة جديرة بأن يتدبرها الدعاة إلى الله ، في كل أرض وفي كل
جيل ، فهي كفيلة بأن تريهم معالم الطريق واضحة بلا غبش ، وأن تثبت
خطى الذين يريدون أن يقطعوا الطريق إلى نهايته ، كيفما كانت هذه
النهاية . ثم يكون قدر الله بدعوته وبهم ما يكون ، فلا يلتفتون في
أثناء الطريق الدامي المفروش بالجماجم والأشلاء ، وبالعرق والدماء
، إلى نصر أو غلبة ، أو فصل بين الحق والباطل في هذه الأرض . .
ولكن إذا كان الله يريد أن يصنع بهم شيئاً من هذا لدعوته ولدينه
فسيتم ما يريده الله . . لا جزاء على الآلام والتضحيات . . لا ،
فالأرض ليست دار جزاء . . وإنما تحقيقاً لقدر الله في أمر دعوته
ومنهجه على أيدي ناس من عباده يختارهم ليمضي بهم من الأمر ما يشاء
، وحسبهم هذا الاختيار الكريم ، الذي تهون إلى جانبه وتصغر هذه
الحياة ، وكل ما يقع في رحلة الأرض من سراء أو ضراء
***
هنالك حقيقة أخرى يشير إليها أحد التعقيبات القرآنية على قصة
الأخدود في قوله تعالى :
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } . .
حقيقة ينبغي أن يتأملها المؤمنون الداعون إلى الله في كل أرض وفي
كل جيل .
إن المعركة بين المؤمنين وخصومهم هي في صميمها معركة عقيدة وليست
شيئاً آخر على الإطلاق . وإن خصومهم لا ينقمون منهم إلا الإيمان ،
ولا يسخطون منهم إلا العقيدة . .
إنها ليست معركة سياسية ولا معركة اقتصادية ، ولا معركة عنصرية . .
ولو كانت شيئاً من هذا لسهل وقفها ، وسهل حل إشكالها ، ولكنها في
صميمها معركة عقيدة - إما كفر وإما إيمان . . إما جاهلية وإما
إسلام !
ولقد كان كبار المشركين يعرضون على رسول الله - صلى الله عليه وسلم
- المال والحكم والمتاع في مقابل شيء واحد ؛ أن يدع معركة العقدية
وأن يدهن في هذا الأمر ! ولو أجابهم - حاشاه - إلى شيء مما أراده
ما بقيت بينهم وبينه معركة على الإطلاق !
إنها قضية عقيدة ومعركة عقيدة . . وهذا ما يجب أن يستيقنه المؤمنون
حيثما واجهوا عدواً لهم . فإنه لا يعاديهم لشيء إلا لهذه العقيدة "
إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد " ويخلصوا له وحده الطاعة
والخضوع !
وقد يحاول أعداء المؤمنين أن يرفعوا للمعركة راية غير راية العقيدة
، راية اقتصادية أو سياسية أو عنصرية ، كي يموَّهوا على المؤمنين
حقيقة المعركة ، ويطفئوا في أرواحهم شعلة العقيدة . فمن واجب
المؤمنين ألا يُخدعوا ، ومن واجبهم أن يدركوا أن هذا تمويه لغرض
مبيت ، وأن الذي يغير راية المعركة إنما يريد أن يخدعهم عن سلاح
النصر الحقيقي فيها ، النصر في أية صورة من الصور ، سواء جاء في
صورة الانطلاق الروحي كما وقع للمؤمنين في حادث الأخدود ، أو في
صورة الهيمنة - الناشئة من الانطلاق الروحي - كما حدث للجيل الأول
من المسلمين .
ونحن نشهد نموذجاً من تمويه الراية في محاولة الصليبية العالمية
اليوم أن تخدعنا عن حقيقة المعركة ، وأن تزور التاريخ ، فتزعم لنا
أن الحروب الصليبية كانت ستاراً للاستعمار . . كلا . . إنما كان
الاستعمار الذي جاء متأخراً هو الستار للروح الصليبية التي لم تعد
قادرة على السفور كما كانت في القرون الوسطى ! والتي تحطمت على
صخرة العقيدة بقيادة مسلمين من شتى العناصر ، وفيهم صلاح الدين
الكردي ، وتوران شاه المملوكي ، العناصر التي نسيت قوميتها وذكرت
عقيدتها فانتصرت تحت راية العقيدة !
{ وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد } .
وصدق الله العظيم ، وكذب المموهون الخادعون !
[1] - يراجع فصل " تيه وركام " في كتاب : خصائص
التصور الإسلامي ومقوماته .
[2] - مغثوه : صرعوه .
[3] - النمارق : الوسائد والحشايا للاتكاء . والزرابي : البسط
المحملة . |
| |
| <<< الجزء السابق |
الفهرس |
|
|