المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
مذبحة المنشية2
[بقلم: د. محمد عباس (www.mohamadabbas.net)]
بسم الله الرحمن الرحيم
إذا كان الإخوان إرهابيين فما بال الوفد وباقي الضباط
مذبحة المنشية2

محمد نجيب كان رمز الشرعية وكان الإخوان معه..
عبد الناصر خرج من البيعة مرتين: مرة للسندي ومرة لنجيب..
فكر القومية لم يحم العروبة.. لقد حمى فقط قصر العروبة!!
لا تصدقوا حرفا مما أكتب.. ولا تستمعوا لكلمة مما أقول..
نعم..
لا تصدقوني.. ولا تستمعوا إلي..
لكن :
اقرءوا أنتم.. واعرفوا..
من أي مصدر شئتم اقرءوا.. ولكن ضعوا في اعتباركم أن القراءة ليست لمكافحة سآمة أو للقضاء على ملالة.. بل هي بحث محاط بالشوك واللظى.. بحث عن سبيل يبتعد بنا عن خراب الدنيا وخزي الآخرة.. قراءة من يدرك أنني دفعته إلى شفا جرف هار فيكاد ينهار به في نار جهنم.. وليحذر .. فالله لا يهدي القوم الظالمين..
جرف لم يعد بعده أي واحد منكم يملك رفاهية الاعتذار بالجهل..
لم تعد جاهلا..
فإما أن تثبت أن ما أقوله صواب فتتبع الحق أو أن تثبت أنه خطأ فتثبت على ما رأيته حقا..
لم تعد جاهلا .. فاقرأ..
نعم .. إنني أضع الاختيار أمامكم واضحا لا لبس فيه.. فالصراع الذي يحيطنا على مستوى العالم - ويكاد يلتهمنا- إنما هو صراع بين الإسلام والكفر.. وليس ثمة من سبيل غير الإسلام.. ففيه النجاة وبه النجاة..
صراعنا في فلسطين و العراق وأفغانستان والشيشان والفليبين .. بل وصراعنا في الأمة التي تمزقت إلى أوطان هو الصراع بين الإسلام والكفر..و أن أي رايات زائفة تحمل أسماء كالديموقراطية أو تحرير المرأة أو الاشتراكية – سابقا – أو السلام – الذي لا يعني إلا الاستسلام.. كل هذه الرايات لن توصلنا إلى غاياتنا ولو كانت صادقة فما بالكم بها إن كانت مزيفة.
لقد سمعتم جميعا أن من ينادون بها هم أول من يكذبها.. ولعلكم قرأتم ما كتبه د . مأمون فندي ( لاحظوا أن حرف الدال هو الأول من كلمة دكتور، وهو الحرف الأول أيضا من كلمات كداعر وديوث).. أقول لعلكم قرأتم تحذير"د." مأمون فندي للغرب من تطبيق الديموقراطية في بلادنا و إلا اختار معظم الناس الإسلام.. ووقفوا موقفا معاديا لأمريكا..
د. مأمون فندي نصح الغرب بأننا نحتاج إلى فترة طويلة نتدرب فيها على الديموقراطية كي لا تؤدي ممارستها إلى ظهور أنظمة حكم معادية للغرب..
كشف "د ." فندي الأمر..
نفس الموقف تتخذه شخصيات كثيرة هزيلة على فضائياتنا..
الأمر كله ترويض كترويض العبيد وفتيات الرقيق الأبيض..

***
هذا الترويض يكشف لنا أن الخيانة لها ألف وجه وللنفاق ألف طريق..
ويظل ما يقوله سيد قطب حكما وعلامة وحكمة:
"كل من يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فانما هو من عملاء يهود، سواء عرف ام لم يعرف، أراد ام لم يرد، وان اليهود سيظلون في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها… حقيقة العقيدة الايمانية والشريعة الايمانية، فهذا هو الطريق، وهذه هي معالم الطريق".
نعم..
حكما وعلامة وحكمة:
"كل من يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فانما هو من عملاء يهود، سواء عرف ام لم يعرف، أراد ام لم يرد، وان اليهود سيظلون في مأمن من هذه الأمة ما دامت مصروفة عن الحقيقة الواحدة المفردة التي تستمد منها وجودها وقوتها وغلبتها… حقيقة العقيدة الايمانية والشريعة الايمانية، فهذا هو الطريق، وهذه هي معالم الطريق".
ولولا أن أشق عليكم أو أصيبكم بالملالة لأخذت أكرر الفقرة السابقة للشهيد العظيم حتي نهاية المقال ولما كتبت سواها..
كل من يصرف هذه الأمة عن دينها وعن قرآنها فإنما هو من عملاء يهود.. وهو موظف لذلك.. حتى لو بدا في الظاهر أبعد ما يكون..
الاشتراكية جزء من ذلك.. والرأسمالية جزء من ذلك والعلمانية والقومية وتطوير المناهج والحداثة و..و..و..
الفتن التي لا يكف صلاح عيسى عن إشعالها جزء من ذلك..
والفرعونية التي لا يكف جمال الغيطاني عن محاولة إحيائها جزء من ذلك..
والفلوكلور جزء من ذلك..
وفاروق حسني بمسرحه وعبثه وشذوذه جزء من ذلك..
والشعر النبطي والمناداة بالعامية جزء من ذلك..

***
اقرءوا يا ناس..
يقول "غوته" شاعر ألمانيا الأشهر، أن من لم يعرف تاريخ الثلاثة آلاف عام الأخيرة سيعيش في العتمة..
و أنا أيها القارئ لا أطلب منك أن تقرأ تاريخ ثلاثة آلاف عام.. ولا حتى ثلاثة أعوام..
ما أطلبه منك فيما نحن فيه .. هو أن تقرأ تاريخ عامين ونيف.. من يوليو 1952 إلى أكتوبر 1954.
اقرأ تاريخ هذين العامين فقط.. فبدون قراءته لن تفهم أبدا ما حدث وما يحدث وما يمكن أن يحدث.. وبدون قراءته نسقط في تمجيد الطواغيت بل وتأليههم.. نسقط في الحرام قبل أن نسقط في الخطأ.. ونسقط في الدنيا قبل أن نسقط في الآخرة.

***
اقرءوا يا ناس..
لكنني ألفت نظركم إلى تعديل هين في طريقة قراءتكم.. تعديل هين لكن أثره خطير خطير.. ولست أدعي أنني أعلمكم.. ولا أنني – حاشا الله – أعلم منكم .. لكنها أخطاء وقعت فيها و أشفق عليكم – بالحب – أن تقعوا فيها مثلي.. أخطاء يمنّ الله علي أن هداني إلى اكتشافها كي أستغفر عنها قبل أن أموت.. وجزء من استغفاري أن أقول لكم..
ولست بمدع أنني أملك ناصية الحقيقة.. إنما أتعلق بأهدابها راجيا الله أن يهديني إليها.. ومدركا طيلة الوقت أن أفكاري مهما كانت إنما هي أفكار بشر.. وأن كل ابن آدم خطاء.. و أن أول الناس دخولا للنار يوم القيامة عالم ومتصدق وشهيد.. لم يصدقوا الله فحبط عملهم..
نعم.. لست بمدع أنني أملك ناصية الحقيقة..
إن القارئ الذي يتابعني يعلم كم شغف قلبي محبة بالشهيد سيد قطب.. لكن هل أستطيع أن أزكيه على الله؟.. هل أستطيع أن أقسم أنه في الجنة؟؟.. ثم أن القارئ الذي يتابعني يعلم كيف تحولت مشاعري تجاه عبد الناصر من الحب إلى البغض.. كان الحب في الحالين لله.. وكان الكره في الحالة الأخيرة أيضا لله.. لكن.. هل أستطيع برغم كرهي أن أقسم أنه في النار؟..
لا أدعي أنني أملك ناصية الحقيقة إذن..
ولست أدعوكم – بطريقتي التي أنصحكم بها - في القراءة أن تفعلوا مثل العلمانيين الأشرار والحداثيين الأقذار حين يكتبون النص المراوغ وهم يقصدون عكسه..
لا أقصد ذلك
إنما أقصد أننا شعب بلغ فرط تقديسه للكلمة المطبوعة أنه يتلقاها في معظم الأحيان تلقيا سلبيا.. ولا أقول أنه يفترض فيها الصواب المطلق.. لكن ما أزعمه هو أن القارئ إذ يقرأ لا يتخيل أن كاتبه المفضل يكذب عليه.. يكذب عامدا متعمدا..
ما أطلبه هو أبسط درجات التدقيق في المادة المقروءة.. أن يسأل القارئ نفسه: هل هذا الكاتب مؤهل للكتابة في هذا الموضوع؟ وهل هذا المنشور معقول؟ وهل هناك سند لما يقوله هذا الكاتب..و..و..
طبقوا هذه الطريقة يا قراء وستكتشفون كم أن النتيجة مذهلة.. وبعد قليل سوف أعطي بعض النماذج على كتاب من الصف الأول مثل محمد حسنين هيكل ومحمد عودة..

***
وتلك نقطة هامة جدا يا قراء..
فهناك من يكتب وهو يبحث عن الحقيقة.. أو يكتب ليوصل إلى الناس ما اكتشفه من حقيقة.. ومثل هؤلاء الناس تهون عليهم الدنيا وما فيها مقابل كلمة صدق..
لكن هناك في الجانب الآخر من يكتب ليخفي الحقيقة.. وهذا النوع بالغ الخطر.. لأن القارئ يأتمنه فلا يظن السم مدسوسا فيما يقدمه له..
والأمثلة كثيرة.. أكثر بكثير مما ينبغي ويجب.. أمثلة لا يعد ولا تحصى حتى لقد أصبحت هي القاعدة ودونها استثناء..
هذا النوع الأخير لا يأبه للحقيقة أبدا.. إنه يضع أمامه مهمة – يأخذ بالطبع ثمنها- ثم يحاول طول الوقت أن يزيف المنطق ويطمس الحقيقة حتى يزين الباطل الذي يدعو إليه.
إنه يشبه من تستأجره ليصبغ لك جدارا بلون معين.. فإذا صبغه باللون الذي تريده نقدته الثمن و إلا فلا ثمن..
أمثال هؤلاء يحدد لهم الطاغوت أو ال CIA– مباشرة أو متخفية في صحف كالأهرام والشرق الأوسط.. يحدد لهم على سبيل المثال – أنهم يريدون أن يبدو فلانا هذا شخصية مهيبة مقدسة لا يجرؤ أحد على الاعتراض على ما تقول : على سبيل المثال طه حسين الذي اعتذر بجهله عن كفر كتاباته.. و أحمد لطفي السيد القطري اللا إسلامي محدود الأفق صاحب فكرة الحرس الجامعي والذي لم ينجز أي إنجاز في حياته سوى أنه عمّر طويلا.. ثم يسمونه أستاذ الجيل.. فإذا سألت: أستاذه لماذا أو في ماذا أو في أي فترة انهارت الفرية على الفور.. مثل تلك الأسئلة البسيطة هي ما أطلبه منكم يا إخوتي في الله.. لا تأخذوا الكلمة المكتوبة كبديهية أو مسلمة..
بنفس الطريقة يحدد صاحب العمل – على سبيل المثال- : نريد أن نجعل من سيد قطب شخصا إرهابيا يتبرأ الناس منه فإذا ما اضطروا للاعتراف بعبقرية عمل من أعماله فلابد أن يحاط ذلك بسباب وادعاءات لا أول لها ولا آخر تقوم بوظيفتها في التنفير والتحذير..
في هذا الإطار يسند إلى كاتب جنسي الكتابة عن عالم دين أو مجاهد..
وهذا يشبه أن آتي بملحد كي يقيم حركاتك في الصلاة.. إنه لا يفهم..
ولا يمكن أن يفهم..
هل يصلح أن يكلف وحيد حامد – علي سبيل المثال بكتابة تستعرض أفراح الروح ومباهجها بدلا من مباذل الجسد وعوراته..
لا يستطيع ولا يفهم..
كاتب كعادل حمودة أيضا.. يستطيع الكتابة عن عبد الناصر ومحمد نجيب .. كما يستطيع الكتابة عن بنات العجمي.. لكنه لا يستطيع الكتابة عن سيد قطب.. فسيد قطب يتكلم لغة أخرى و إن تشابهت حروفها مع لغة عادل حمودة!!..
نعم.. عادل حمودة – بالمفهوم الصحافي- بارز وناجح.. لكنه لا يصلح للكتابة عن الشهيد.. على أننا في نفس الوقت لا نطالب بمنعه أو منع غيره من الكتابة.. لكننا نطالب المايسترو الشيطان الذي يكرس حالة الانهيار والابتذال في الأمة ألا ييسر كل السبل لمن يكتب في صالح الطاغوت الفاجر ويضع كل العراقيل لمن يكتب للحق.. وللحقيقة .. ولله..
هل لاحظتم – على سبيل المثال ذلك الفاجر الكافر بوش وهو يغمض عينية عن ترسانة إسرائيل النووية ويعتم وهو و أجهزة إعلامه عن أي خبر عنها.. وفي نفس الوقت تضخم الشائعات حول إيران..
نفس المنطق ..
والطاغوت في بلادنا يفعل نفس الشيء.. أحيانا بشكل فج مباشر.. و في أحيان أخري بأشكال خفية بالغة التعقيد..
ومن الطرق أيضا أن نأتي بشخصية بالغة الجدية فنتجاهل جدها كله ونحوّلها إلى مثار سخرية.. فالسخرية سوف تسقط هيبة الشخصية ومصداقية ما تقول.. والشيوعيون يملكون مهارة خاصة في هذا الصدد.. وهذه المهارة لا تحتاج إلى أي خبرة.. إنك تستطيع أن تأتي بحثالة المجتمع، وبأكثر من فيه سفالة ووقاحة، تستطيع أن تأتي بهم .. وتدعهم يقفون على مفترق الطرق.. يسخرون ويهينون أكثر الناس احتراما في المجتمع..

***
لقد ذكرت لكم في المقال الماضي كيف أن صلاح عيسى يستكتب الآن واحدا ينكر الإسراء والمعراج..
ومصائب صلاح عيسى كثيرة جدا.. أكثر مما يجب.. وهي لا تعد ولا تحصى..
واحدة منها كانت مؤلمة لي بشكل خاص.. فقد كانت متعلقة بعلامة شغفت به حبا هو العلامة الضخم الهائل محمود شاكر..
ولست أدعي أن محمود شاكر معصوم أو مبرأ من الخطأ.. و لكن.. إن جاز لمن ينسب إليه عيوبا فإن هذه العيوب كلها تأتي في إطار بالغ الجدية.. قد يقول من يقول أنه شديد الصعوبة.. و أنه شديد الاهتمام بالتراث.. أو أنه شديد الاعتداد بنفسه.. أو.. أو.. أو..
لا يرى صلاح عيسى هذا كله..
و إنما يؤلف واقعة سوقية مبتذلة في مقال له بعنوان: تفاحة اللواء حمزة البسيوني.. وهي مقالة تحتاج إلى مناهج التحليل النفسي لتحليل كمّ هائل من الفضلات تجمع داخل فضاءات صلاح عيسى حتى ملأها.. ولمن لا يتذكر محمود شاكر أقول أنه كان كعبة للمفكرين العرب.. ومزارا لكبار المثقفين الحقيقيين في مصر.. وأنه كان السبب في خروج الباقوري من الوزارة.. فقد كان يحضر ندوة في بيته.. وكان العلامة محمود شاكر يهاتف الكاتب يحيى حقي ويلعن عبد الناصر.. وكانت المباحث تسجل .. و أخذ على الباقوري أنه لم يرد.. فعُزل.. و أُمر أن يلزم بيته.. فسجن نفسه فيه.. خمسة أعوام.. والواقعة تتلخص في أن الشيخ محمد شاكر كان مع صلاح عيسي في السجن الحربي.. وكان يحتفظ بحذائه معه بعد أن رفض تسليمه في الأمانات.. أما السبب فهو أنه يريد – عند الإفراج عنه – ألا يتعطل ولو ثوان يقضيها في ارتداء الحذاء..
لا شئ أكثر من ذلك عن الهائل الضخم محمود شاكر..
لا شئ سوى أن المايسترو الشيطان يريد أن يجعل محمود شاكر نموذجا للتنفير والتحذير..
ولعل القارئ لاحظ أنني كتبت أكذوبة صلاح عيسى حول محمد شاكر..
نعم.. قلت محمد وليس محمود.. فهكذا كتبها صلاح عيسي..وذلك يدل فيما يدل أن الرجل ينفذ أمرا لم يأبه حتى بدراسة تفاصيله فلم يعلم أن الذي سجن هو العلامة الأشهر محمود شاكر.. أما محمد شاكر فكان أبوه.. وكان شهيرا جدا.. وكان وكيلا للأزهر.. وكان الملك فؤاد قد استقبل طه حسين صبيحة يوم جمعة – بمناسبة سفر طه حسين إلى بعثة في باريس- وحانت صلاة الجمعة.. وأراد خطيب مسجد القصر الإشادة بالملك فقال: لقد جاءه الأعمى فما عبس وما تولي.. وأخذت مشاعر الشيخ محمد شاكر ( والد العلامة محمود والعلامة أحمد) .. وبعد أن أكمل الصلاة صرخ في المصلين: " أيها الناس: صلوا خلفي فصلاتكم باطلة" واضطر الملك لإعادة الصلاة مما يعتبر اعترافا ضمنيا بخطأ خطيب مسجده .. وكان من المقربين.. ثم نشبت أزمة سياسية كبرى استغرقت أكثر من عام حين أصر الشيخ محمد شاكر على استتابة خطيب مسجد القصر أو إقامة حد الكفر عليه.. وقد توفي الشيخ محمد شاكر منذ زمان طويل..
ذرية بعضها من بعض.. فابناه هما العلامة الشهير محمود شكر و أحمد شاكر المحدث الأشهر..
كل ذلك لا يهم.. المهم فقط هو دس كلمة سخرية تنفر من الرجل..

***
هل تريدون يا قراء معرفة بعض من أصل الوباء؟..
أصل الوباء هو سوقية وابتذال الضباط الأحرار..
أصل الوباء هو جنون و إجرام جمال سالم..

***
ولكن لنعد إلى صلاح عيسى..
فقد قلت لنفسي لولا هوان الدنيا على الله لما حمل رأس نبي هدية إلى بغي ولما كتب صلاح عيسى عن محمود شاكر بهذه السخرية..

***
في نفس المقال يتحدث صلاح عيسى بمشاعر مشبوبة عن اللواء حمزة البسيوني زاعما أنه يشبه أباه – وما أبعد الشبه – لكن أسلوب التحليل النفسي يكشف لنا أن صلاح عيسى ظل أحد عشر عاما يعمل في وظيفة متوسطة بقسم شرطة السيدة زينب.. وكان فيما يبدو يعاني كثيرا من امتهان الضباط له.. معاناة جعلته يتمنى – في العقل الباطن لو أن أباه لم يكن من البسطاء.. و إنما لواء.. حتى لو كان هذا اللواء حمزة البسيوني..

***
لا تأخذوا المكتوب على علاته إذن ولا تصدقوه ولا تصدقوه.. فإن معظمه اليوم مسموم..!!

***
نعم.. لا تصدقوا حتى ما أكتبه لكم.. ولا تسمعوا ما أقوله..
ودعوني أستعير فقرة تأتي في نهاية رائعة دستويفسكي : " الإخوة كرامازوف" حين يقف وكيل النيابة ايبوليت كيريلوفيتش يلقى مرافعته متجاوزا قضية كرامازوف كقضية قتل مروعة قتل فيها الابن أباه.. تجاوز ايبوليت كيريلوفيتش الجريمة في نطاق الأسرة رغم فظاعتها إلى الجريمة الأكبر في نطاق المجتمع فتلك هي التي تدمر الأمة.. وفي مرافعته تلك قال:
" قد تقولون عنى أننى متشائم تشاؤما مرضيا، و أشهر بالناس تشهيرا خبيثا، وأغالى في وصف الشر الذي ألاحظه ملاحظة هاذية.. كم أتمنى يا رب السماء أن تكونوا محقين، إذن لكنت أول من يسعد، لكم ألا تصدقوني إذا شئتم، ولكم أن تعدوا قلقي هذا وخوفي هذا مرضا، ولكن تذكروا مع ذلك ما أقوله لكم اليوم: إذا لم يكن في أقوالي إلا عشر أو عشر معشار من صدق، فذلك وحده رهيب.. "..

***
نعم يا قراء..
هبوا أن معظم ما أكتبه وما أقوله لكم غير صحيح..
هبوا أن عشره فقط هو الصحيح..
هبوا أن عشر معشاره هو الصحيح..
عشر معشاره..
1% منه..
فهذا الـ1% رهيب جدا وفظيع جدا..
لقد قلب الشيوعيون الدنيا بسبب قتيلين لهما ماتا من التعذيب..
قتلى المسلمين من التعذيب لا يقلون عن مائتين وخمسين في عهد جمال عبد الناصر وحده.. مائتين وخمسين حالة لا نحسب فيها من اغتيلوا ومن خطفوا ومن أخفيت أجسادهم ولا شهود على قتلهم..
مائتان وخمسون قتلوا داخل السجون.. و أخفيت أجسادهم.. ودفنت دون غسل – وهذا صحيح لأنهم شهداء – ودون صلاة عليهم..
وبلغت الفظاعة بالنظام أنه كان يبلغ أهل الشهيد أنه هرب.. وكان الهروب كارثة أخرى.. فهو يعني تجميد الميراث وعدم استحقاق المعاش وترك الزوجة كالمعلقة..
بلغت الفظاعة أنهم كانوا بعد إبلاغ أسرة الشهيد بهروبه، يأخذون بعض آله رهائن حتى يسلم نفسه..

***
وثمة سؤال لن نحرص الآن على الإجابة عليه..
هل كان هذا الإبداع الشيطاني المجرم صناعة محلية أم كان مستوردا..
نفس السؤال نسأله عن من تحكم المحاكم غير الشرعية بإعدامهم..
ففي عهد الطاغية مبارك وحده أعدم خمسة وسبعون بأحكام المحاكم العسكرية.. وهو عدد يفوق كل أحكام الإعدام في تاريخ مصر منذ بداية التاريخ المكتوب إلى عصر مبارك.

***
مائتان وخمسون قتلوا من التعذيب في عهد بطل القومية العربية..
مائتان وخمسون..
من الشيوعيين قتل اثنان..
وقلب الشيوعيون الدنيا فتداعى الشرق والغرب تعضيدا لهم وفضحا للنظام حتى لقد توقف التعذيب تماما..
قلب الشيوعيون الدنيا أيضا لأسباب أقل من هذا بكثير ..
قلبوها ذات مرة – على سبيل المثال- لأن إدارة السجن القاسية ترغمهم على إنشاد نشيد الله أكبر..!!
اسماعيل صبري عبدالله .. واحد من أكثر الشيوعيين احتراما – و معذرة للجمع المجازي بين الشيوعي والاحترام .. فهما لا يجتمعان – رأي أن الهتاف قهر لإرادتهم.. وعاضده زملاؤه وحدثت مشكلة في السجن فرفعوا الأمر إلى قيادة الحزب الشيوعي، فناقشت القيادة البدائل المختلفة:فأفتت أن يهتف من في الصفوف الأمامية من المعتقلين ولا يهتف من في الصفوف الخلفية، وبديل آخر أن يحرك الجميع شفاههم دون صوت، وبديل ثالث أن يرضخوا.. وبديل رابع أن يترك الأمر لكل معتقل يتخذ فيه قراره على مسئوليته..
أنا لا أمزح أيها القارئ ومعك العذر إن ظننتني أمزح..
لكن الحكاية كلها وردت في كتاب أصدرته دار نشر حكومية..
والكتاب يفضح تعذيب المعتقلين..
ويذكر أسماء الجلادين المجرمين.. واحدا واحدا.. مجرما مجرما..
زكريا محيي الدين وشمس بدران وصلاح نصر وحسن عليش و أحمد صالح وحسن طلعت والفريق الدجوي والفريق هلال وحمزة البسيوني وحسن المصيلحي و إسماعيل همت وحسن منير وعبد اللطيف رشدي ومرجان إسحاق ويونس مرعي والسيد منصور والصول مطاوع وصفوت الروبي وعبد السلام المتربس وعبد الصادق المجنون وعابد عبدالله و أبو الوفا دنجل ودومة وعبد الحليم عوكل والأومباشي عبد اللطيف والأومباشي حسن عليوة..
و.. و.. و..
وكل هذا في كتاب نشرته دار نشر حكومية..
أنا لا أكذب أيها القارئ ومعك العذر إن ظننتني أكذب..
فكيف تنشر دار نشر حكومية كتابا عن التعذيب وتفضح فيه الجلادين..
و أين؟..
في مصر!!..
نعم.. قلت لك الحقيقة كلها و أخفيت عنصرا واحدا..
فالكتاب يتحدث عن المعتقلين الشيوعيين .. وعنوانه " مذكرات معتقل سياسي" " صفحات من تاريخ مصر""السيد يوسف""الهيئة العامة للكتاب..

***
تراجعت إدارة السجن عن إرغام الشيوعيين على الإنشاد فانتهت المشكلة..

***
مع الإخوان المسلمين لم يكن هناك حل وسط أبدا..
وتحت جلد السياط وضرب الشوم والجهد المميت كان لابد أن يغنوا: " يا جمال يا مثال الوطنية............. بنجاتك يوم المنشية"..
وكانوا يلبسون المستشار الجليل حسن الهضيبي ملابس مميزة كي يكون المايسترو للإخوان الهاتفين..
ولم تصدر أي دار نشر حكومية أي كتاب عن تعذيب الإخوان وعن ضحاياهم الذين يفوقون ضحايا الشيوعيين مئات المرات..
ولا أي مؤسسة عالمية احتجت على ما يحدث لهم..
كانوا كسيد شهداء الجنة.. الحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه وعنهم.. كانوا لا بواكي لهم..
في كتابه القيم "ذكريات لا مذكرات" يقول عمر التلمساني
" قد لقى الإخوان أوقاتا عصيبة على يد أعوان فاروق وعبد الناصر والسادات بصور ما كان يتصور إنسان أنها تقع من آدمي في مشاعره وقلبه ذرة من يقين أو إيمان . لقد آذى هؤلاء الناس الإخوان إيذاء الذي يثأر لعرضه ممن انتهكه أو لأبيه أو أبنه أو أخيه ممن قتله حقا لقد كان إيذاء دونه شراسة الضباع ودموية النمور وفتك الذئاب والأسود في أشد الغابات ظلمة وحلوكة لماذا ؟ لا يمكن التعليل .أهم غير مسلمين ؟ لم نفهمهم بذلك أهم أوفياء لأسيادهم ؟ إن الوفاء والوحشية لا يلتقيان في قلب واحد !! أهم مأجورون من خصوم المسلمين ويزداد أجرهم كلما أفحشوا في تعذيبهم ؟؟ لم نرمهم بهذه الجريمة المنحطة الخسيسة . إذن لماذا يفعلون ذلك ؟ علمه عند ربى وقد تكشف الأيام من الأسرار ما كان خافيا" .
ويواصل الشيخ الجليل:
"كانت المحكمة التي عقدت برئاسة جمال سالم وعضوية حسين الشافعي وأنور السادات أعجوبة الأعاجيب في دنيا المحاكم لم تكن محاكمة لأن الأحكام كانت مقررة ومعروفة قبل صدورها . ولم تكن مناقشات واستيضاحات ولكن مساخر وإهانات فقد طلب من الأخ يوسف طلعت رحمه الله أن يقرأ الفاتحة بالمقلوب . بربك هل سمعت بمثل هذه ا لمساخر المضحكة المبكية . وكان أي متهم ينكر ما ذكر على لسانه لأنه صدر تحت إكراه التعذيب يرفع المرحوم جمال سالم الجلسة ويحيل المتهم إلى رجال السجن الحربي ليروا رأيهم فيه فيعودون به بعد قليل عادلا عن إنكاره معترفا بما جاء في أوراق التحقيق . ذلك لأن المتهم المسكين ظن أنه أمام محكمة حقيقية وأنه ليس أمام محكمة هزلية مأساوية فإذا به والمحكمة نفسها تعيده إلى الزبانية الذين يعودون به معترفا بكل ما لم تجترمه يداه . وكان جمال سالم يسأل عن بض الآيات في سورة " العمران " وهو يقصد " آل عمران " ظنا منه بأن " آل " هنا أداة تعريف !".

***
المستشار عبد الله عقيل يضيف إلى الصورة مذكرا بما لحق بالأستاذ يوسف طلعت من تعذيب: حيث كسروا عموده الفقري وذراعه وجمجمته ولم يبق مكان في جسمه إلا وأصيب بكسر أو جرح أو رضّ، حتى إن الأستاذ المرشد حسن الهضيبي حين حاكمه جمال سالم تحدث الهضيبي عن التعذيب الذي أصاب الإخوان، ونفي جمال سالم، فردَّ عليه الأستاذ الهضيبي: اكشفوا على يوسف طلعت لتروا مقدار التعذيب الذي أصيب به وغيره من الإخوان في سجونكم.
كان هو يوسف طلعت وإخوانه هم الذي قادوا قافلة الإمدادات للجيش المحاصر في "الفالوجة"، والذي اخترق خطوط اليهود بكل جرأة وشجاعة ، وكان جمال عبد الناصر وجماعته من المحاصرين في الفالوجا.
يقول الأستاذ كامل الشريف في كتابه القيِّم "المقاومة السرية في قناة السويس": "إن من أقوى تشكيلاتنا السرية لمقاومة الإنجليز كانت في منطقة الإسماعيلية التي يرأسها داعية مُحنّك، عظيم الخبرة هو الشيخ محمد فرغلي، كما يساعده مغامر جسور هو يوسف طلعت، وعدد من الشباب المسلم الواعي. إن يوسف طلعت جندي بالفطرة، ومحارب بالسليقة، وعصامي بمعنى الكلمة، كان ذا عقلية مُبتكرة خلاقة لا تعجز عن إيجاد حلٍ لأي قضية، أذكر حين كنا في فلسطين أننا غنمنا بعض قنابل المورتر من العدو، ولم نكن نملك المدفع اللازم لها في ذلك الوقت المبكر من الحرب، فوقفنا عاجزين، ولكن يوسف طلعت طلب منا أن نُمهله، فتركناه ونحن لا ندري ماذا ينوي، وبعد أيام قدَّم لنا إسطوانة فولاذية مُثبتَّة على حامل أرضي، ولم تكن لامعة دقيقة الصنع كالمدفع الأصلي، ولكننا استخدمناها في ضرب مراكز اليهود القريبة بقنابل المورتر وأحدثت أثرها الفعال.
ومرة وقفنا عاجزين أمام مشكلة مستعصية هي: كيف نستطيع أن نُلقي المفرقعات على استحكامات اليهود من مكان بعيد؟ فكان يوسف طلعت هو أول من فكَّر في صنع "راجمة ألغام" مبتكرة ساعدتنا كثيراً على قذف ألغامنا دون أن نتعرض للإصابات.
وقف هذا البطل، هذا المجاهد، هذا الغضنفر والأسد الهصور أمام الجاهل المغامر البلطجي المجنون جمال سالم صاحب أشهر : "هأااااااو" في تاريخ مصر حيث قيلت للمرة الأولى في التاريخ على منصة قضائها الذي دنسه هذا المعتوه (سوف يبكي الدموع دما بعد أقل من عامين حين لفظوه).. وكان عبد الشيطان يحاكم عبد الله..
كان البطل الشهيد يعلم أنه ماثل أمام المحاكمة الهزلية، التي عقدتها الحكومة العسكرية له لتحكم عليه بالإعدام، و قال له جمال سالم ـ رئيس المحكمة ـ: هل تعرف تقرأ الفاتحة بالمقلوب؟ قال يوسف طلعت: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وأشار بيده إلى جمال سالم رئيس المحكمة عند قوله "الشيطان الرجيم"، ثم قرأ الفاتحة على الوجه الصحيح، فَكُبِتَ الرئيس.
وحين سأله المهرج المجنون : إنت بتشتغل إيه؟ وأجاب البطل الشهيد: نجار، فقال الرئيس: كيف تكون رئيس جهاز فيه أساتذة الجامعة وأنت نجار؟ فأجاب: لقد كان سيدنا نوح عليه السلام نجاراً وهو نبي، فكُبِتَ مرة أخرى وسكت، وحين سأله: لماذا لا تستطيع الوقوف؟ قال له يوسف: اسأل نفسك.
يقول المستشار العقيل:
"تأزَّم الموقف بين الإخوان والحكومة العسكرية في يناير، وتتابعت الأزمات، واشتدت في أكتوبر عام 1954م بعد افتعال حادث المنشية الذي دبَّره عبد الناصر بتخطيط المخابرات الأمريكية واقتراحها للتخلص من الإخوان، كما ذكر ذلك حسن التهامي في مذكراته، وهو من أعوان عبد الناصر ومسئولي المخابرات عنده، وسمع يوسف طلعت بالحادث من إخوانه فقال على الفور: "عملها عبد الناصر"، لأنه لو كان للإخوان صلة بالحادث، لكان يوسف طلعت أوَّل من يعرف به، باعتباره رئيس النظام الخاص في الجماعة".

***
في تلك الفترة أذهل الرعب الناس و عقل ألسنتهم..
" الناس صامتون.. وإذا تحدثوا كان حديثهم همسا أو أقرب إلى الهمس.. لا يجرؤ أحد أن يجهر بالقول إلا إذا كان تشنجا في مدح العهد ونظامه، بالخطب التي تلقى في هيئة التحرير وفروعها، أو بالمقالات التي تنشرها الصحف الخاضعة للرقابة الصارمة.. وهؤلاء الخطباء والكتاب، ليس لهم أى تأثير إلا في محيطهم الخاص.. هيئة المنتفعين بالثورة."
"انطوى الناس على أنفسهم وتقوقعوا في جحورهم، وكأنهم نمل دخلوا مساكنهم، حتى لا تسحقهم الثورة وجنودها. لقد نجحت محكمة الثورة في أداء رسالتها بما أصدرته من أحكام في تخويف الناس و إلقاء الرعب في قلويهم.. ليس بسبب الأحكام التي أصدرتها ضد السياسيين القدامى، فقد كان واضحا أن محاكمة هؤلاء كانت محاكمة سياسية.. فقد كان قضاة المحكمة، ثلاثتهم، أعضاء بمجلس قيادة الثورة، والمجلس هو الذي يقدم المتهمين للمحاكمة، وممثلوه هم الذين يصدرون الأحكام، ثم يشتركون في التصديق عليها، ولهم أن يوقفوا تنفيذ الحكم ولو كان بالسجن خمسة عشر عاما ( وتلك مهزلة أخرى.. فالقانون لا يعرف سجن 15 سنة مع إيقاف التنفيذ.. فإيقاف التنفيذ يشمل أحكام الحبس وليس أحكام السجن!! م ع ) .. فالثورة هنا هى الخصم والحكم معا.. لقد كان ذلك إجراء وقائيا تحمى به الثورة نفسها من أية ثورة مضادة قد تجد من هؤلاء السياسيين العون المادي أو الأدبي أو كليهما. ولكن الذي أرهب الناس، هي الأحكام التي صدرت ضد بعض الصعاليك الذين اتهمتهم النيابة بالخيانة والتجسس، وصدور الحكم بإعدامهم شنقا.. والتصديق على هذه الأحكام فورا.. وتنفيذها في نفس اليوم."
لقد ظن بعض الناس وقتئذ أن هؤلاء الجواسيس كانوا ضحايا قدمتهم الثورة قريانا على مذبحها لإرهاب الناس حتى يعلموا أن الثورة قادرة على الاتهام والحكم والتنفيذ، وأن قولهم هو قول فصل، وما هو بالهزل.."

***
لعل القارئ قد لاحظ أن الفقرة السابقة كلها محاطة بعلامات التنصيص..
ولعله لاحظ أيضا أنني لم أذكر من القائل..
نعم..
هذه ليست أقوالي و إن بدت كذلك..
كما أنها ليست أقوال واحد من الإخوان المسلمين و إن تصورتم ذلك..
ليست هذا ولا ذاك..
إنها أقوال الأستاذ إبراهيم طلعت .. الوفدي الشهير..
وربما لا يكون هناك من هو أجدر منه بالكتابة عن العهدين.. فقد كان نجما في كليهما.. وكان صديقا حميما لجمال عبد الناصر.. وكان محل ثقته.. بنفس القدر الذي كان محلا لثقة مصطفي النحاس وأحمد أبو الفتح وفؤاد سراج الدين..(راجع مذكرات إبراهيم طلعت- أيام الوفد الأخيرة – مكتبة الأسرة.).
و إنني أورد أقواله هنا كي أنقل إلى القارئ الإحساس العام الذي كان يسري في الأمة كلها.. فلربما يوجد من ضعاف العقول والنفوس.. أو من ذوي الأرواح المعتمة .. من يستطيع أن يصر على مكابرته رغم كل ما أذكره من أسانيد وما أقدمه من حجج..

***
يتحدث إبراهيم طلعت عن محاكم الشيطان:
" .. حوكم ثلاثة آخرون. ثلاثة من الصعاليك هم (الفريد عوض ميخائيل، محمد عزت راغب و بولس مكسيموس سويحة).. التهمة خيانة عظمي لأنهم في غضون شهر سبتمبر 1953 وما قبله قاموا بالتجسس لحساب دولة أجنبية بأن أمدوها بتقارير ومستندات رسمية.
نظرت قضية هؤلاء الصعاليك الثلاثة في جلسة علنية استغرقت عشرين دقيقة فقط، تلي فيها الادعاء الموجه إلي كل منهم وإجابتهم عليه بالإجابة التقليدية: (غير مذنب) ليس لأحد من المتهمين محام يترافع عنه إلا المتهم الثاني محمد عزت. يترافع الادعاء مرافعة قصيرة خلاصتها أن الخيانة تتمثل في التجسس لحساب دولة أجنبية وإمداد هذه الدولة بالبيانات والتقارير والوثائق الرسمية . وثائق لها صفة السرية المطلقة، وأن اثنين من هؤلاء من الموظفين الذين ائتمنتهم الدولة على هذه الوثائق وكانت تحت أيديهم بحكم وظيفتهم، فخانوا الأمانة، وسلموا هذه المستندات، يوافق محامي المتهم الثاني على نظر القضية في جلسة سرية على أن تكون السرية نسبية يصرح له بالحضور فيها. ترفض المحكمة بطبيعة الحال، وتأمر بنظر الادعاءات المقامة علي المتهمين في جلسة سرية لا يحضرها أحد إلا المتهمون وسكرتارية الجلسة. وتنتهي المحاكمة السرية بأن يصدر الحكم غدا في جلسة علنية. وتنطق المحكمة بإعدام المتهمين الثلاثة شنقا في اليوم التالي، وتبدأ في نفس اليوم في محاكمة كريم ثابت.. المستشار الصحفي للملك فاروق.
في نفس اليوم الذي أصدرت فيه المحكمة الحكم على موكلي، تنفذ حكم الإعدام في المتهم الذي حوكم قبل موكلي بيومين، وكان قد صدر عليه الحكم بالإعدام قبل محاكمة موكلي بيوم واحد.. كما تنفذ حكم الإعدام علي هؤلاء الثلاثة الذين نظرت قضيتهم يوم النطق بالحكم على موكلي بعد يومين فقط من تاريخ الحكم عليهم.
وكانت الصحف تنشر صور هؤلاء المتهمين وهم يساقون إلي المشنقة في الغرفة السوداء (غرفة الإعدام بالسجن) لحظة تنفيذ الحكم.

***
و الآن..
لنترك إبراهيم طلعت والمحكمة المهزلة..
لنتركهم إلى محكمة مهزلة أخري..
ولندع صافيناز كاظم تروي لنا على صفحات مجلة الهلال – عدد يوليو 2002- بعضا مما جرى .. وصافيناز كاظم أيضا ليست من الإخوان المسلمين بل كانت أقرب ما يكون إلى الشيوعيين والصعاليك حتى أنها اقترنت في شبابها بالشاعر أحمد فؤاد نجم.. ثم هداها الله بعد ذلك..
وليدرك القارئ أنني أحاصر الثورة بجرائمها مع غير الإخوان المسلمين..
تصرخ صافيناز أن الثورة ضحكت على الذقون ولم تزح الملكية بالشكل الكامل، ورفعت شعارات العدالة الاجتماعية ولم تحققها، ونادت بضرب الإقطاع وأعطته المبررات ليبدو مظلوما، وأصدرت القوانين الاشتراكية وخالفتها، ودعت إلى القومية العربية ونسفتها، وقامت أساسا لتحرير فلسطين ودحر الكيان الصهيوني، الذي لم يكن قد مر عليه سوى أربع سنوات حين قامت 23/ 7/ 1952، وتصحيح أخطاء وخيانات هزيمة العرب عام 1948، فلم تفعل شيئا سوى تدعيم ذلك الكيان بالانهزام أمامه في الحرب وفي اتفاقيات السلام معه، وضربت الهوية المصرية والعربية في مقتل حين سارت مع تيار العلمانية، فلم تبلغ بها شرقا ولا غربا، وإن خلخلت دعائم الروح الإيمانية وشجعت السفهاء على التقافز فوق أكتاف المؤمنين، والاهم أنها انتقدت تجاوزات " العسكري الأسود " و " البوليس السياسي" في العهد الملكي وابتكرت آليات في القهر والتنكيل بالمواطنين بدا معها ذلك العسكري الأسود وذلك البوليس السياسي ملائكة من نفحات الجنان !!..
وتواصل صافيناز كاظم الصراخ فبعد أقل من ثلاثة أسابيع على قيام الثورة يكشر الوحش عن أنيابه.. كان الناس يظنونه ملاكا.. فإذا به الشيطان الرجيم ذاته..
تصرخ صافيناز:
مع التصعيد بزوال الغمة والبغي والقهر والفساد يقوم عمال مصانع كفر الدوار للغزل والنسيج بمظاهرات ضد الإدارة التابعة ل "العهد البائد " يوم الثلاثاء 13/8/1952 بظن تأييد "العهد الجديد، ورئيسه الطيب البشوش (...) وتدق الفجيعة قلبي الصبي يوم عيد ميلادي 17/8/1952 بصدور أحكام بإعدام العاملين الشابين الفقيرين المعدمين، كحال معظم الشعب الحالم بالخلاص، القمرين خميس-18 سنة- والبقري 5، 19 سنة- وأبكى بانتحاب ولا أصدق ما يقال عن "خيانتهما"ل"الثورة".
وتنعى صافيناز الثورة :
التف حولها الشعب مسقطا عليها كل أحلامه الثورية التي تشوق إليها طويلا خاصة بعد مرارة الهزيمة في فلسطين عام 1948. وفي غمرة الحماس الشعبي الذي تبنى حركة الضباط ولقبها ب "الثورة"- لأنه كان يريدها كذلك- لم يكن بوسع أحد أن يقف ليراقب بدقة مواقف هذه الحركة الجديدة، بل على العكس وافق الحماس الشعبي على أن يقوم- بوعي منه أو بلا وعى- بدور "المبرر" لكل الأخطاء التي ارتكبتها هذه الحركة منذ الشهر الأول لإمساكها الزمام في مصر، هذه الأخطاء التي وصلت في حالات إلى درجة الخطأ الفادح وفي حالات أخرى إلى درجة الجريمة النكراء. لم يقف الشعب "الفرحان " ليناقش مفهومات ومدلولات شعار " الثورة البيضاء" الذي أطلقه الضباط على حركتهم ليتساءل ويقارن "بيضاء" على من و حمراء" على من و سوداء" على من فقد (...) تم رحيل الملك فاروق عن مصر في يخته المحروسة مودعا بكامل الاحترام والحقوق الملكية الواجبة له، ولم يمس كادر ملكي من أتباعه بشعرة أذى واحدة (...) وبعد أسبوعين فقط من تطبيق هذا السلوك المهذب "الحضاري" مع ملك مدان هو ونظامه بعديد من الجرائم ضد شعب مصر ومصالحه، قامت مظاهرات عمال مصانع كفر الدوار للغزل والنسيج- ضد الإدارة الرجعية التي لم يكن قد تم تغييرها بعد من قبل حركة الجيش. رفعت مظاهرات العمال شعارات " الحركة الجديدة" ضد الفساد والاستغلال، وهتف العمال بحياة القائد العام- محمد نجيب- وفتيته الثوار، وكان التصور أن هذا العهد الجديد" لابد وأن يتبنى مطالب العمال ويساندهم ضد الإدارة الرجعية، ولكن العجيب هو الذي حدث، إذ كشرت الحركة الجديدة صاحبة شعار الثورة البيضاء عن أنيابها وتحالفت مع الإدارة الرجعية وصدقت كل ادعاءاتها ضد العمال، وتم قمع المظاهرة- أو الهبة العمالية- من دون أي محاولة لتفهمها ودراسة بواعثها، وأقيمت فورا المحكمة العسكرية لمحاكمة العصاة، وتم تقديم ما يربو على 60 متهما للمحكمة وتم تحديد زعمائهم بشهود الزور والبهتان- باتهام العامل "محمد مصطفي خميس "- 18 سنة- والخفير محمد حسن البقرى- 3، 19 سنة (وهو يعول خمسة أطفال وأم معدمة تبيع الفجل وتكسب مليمين في اليوم)، وكان من بين المقدمين للمحاكمة أطفال في سن العاشرة والحادية عشرة "شاءت إنسانية المحكمة وعدالتها أن تحكم ببراءتهم رغم ثبوت جريمة سرقة بعض أثواب القماش عليهم "... (كما جاء في تقرير أحكام قضية عمال كفر الدوار الذي صدر عن إدارة القوات المسلحة 1952/8 برجاء الرجوع إليه لمن لا يصدقني لأنه وثيقة كاملة دامغة تساعدنا في فهم الطبيعة الفاشستية لهذه الحركة التي عبرت عن سياستها ضد الشعب المصري منذ الشهر ا لأول لقيامها). في أقل من أربعة أيام تمت محاكمة هذا العدد الكبير من المتهمين، (من صميم الشعب الفقير صاحب المصلحة الحقيقية لقيام الثورة كما زعمت الشعارات)، وصدرت الأحكام بإعدام خميس والبقري والأشغال الشاقة المؤبدة وسنوات سجن أخرى على بقية المتهمين، وجُمع عمال المصنع كلهم في النادي الرياضي وأجلسوا حلقة كبيرة على الأرض حيث أذيعت فيهم الأحكام المرعبة من خلال مكبرات الصوت وسط طقس من الذهول الكامل تذكر فيه الوعي الوطني محاكمات دنشواى وشنق الفلاحين لصالح خاطر المحتل الإنجليزي وجنوده.

***
في الفترة نفسها حدث تمرد حقيقي بالصعيد معاد "للعهد الجديد" ومعاد لمصالح الشعب. قام بهذا التمرد "المسلح " إقطاعي اسمه عدلي لملوم، لم يكف هو وأمه عن كيل السباب أثناء محاكمته، ضد "الثورة" وضد الفلاحين، وحكمت عليه المحكمة بالمؤبد ثم خففته فيما بعد حتى تفسح له مكانا من رحمة شعارها "الثورة البيضاء"، ، (وتجدر الإشارة هنا إلى الإفراج الصحي الذي : حصل عليه عدلي لملوم بعد ذلك، كما تجدر ، الإشارة إلى أن محاكمته كانت حافلة بأقطاب المحامين، بينما كانت صرخات خميس والبقرى تذهب أدراج الرياح؟ هاتوا لنا محامى.. هاتوا لنا محامى.. يا ناس). وهكذا لم نر شعار"الثورة البيضاء"يشمل أحدا سوى الملك وأسرته وشقيقاته، ولم يتسع سوى لكل الفاسدين والمفسدين من سفاحي الشعب المصري حقا، من وزراء ورجالات وإقطاعيي العهد البائد والذي ظل يضيق ويعجز تماما عن رحمة كل أبناء مصر المخلصين من العمال والفلاحين والعلماء والقضاة وأصحاب الرأي. (أمثال الشهداء سيد قطب، عبد القادر عودة،(...) ..

***
وتواصل صافيناز كاظم:
هذه البداية لحركه 23 يوليو ننظر لها الآن ونستطيع أن نستشف فورا خلوها الكامل من أي فكر ووعى والتزام إيماني يعطى لها منطلقا ثوريا يحدد لخطواتها الطريق الذي تصعده متدرجة نحو غاية محددة آو رؤية تقدمية شرعية أو فلسفة إنسانية تحسم لا المواقف وتحلل لها الظواهر بحيث بمكن لها آن تفهم الفوارق الواضحة بين تمرد إيجابي للعمال وتمرد سلبي لإقطاعي متجبر، فلا تصل إلى قرارات تقتل بها أبناء الشعب المخلصين وتحافظ على حياة أعدائه..

***
وتصرخ صافيناز كاظم ويصرخ معها الكثيرون:
.. تستمر – الثورة- في ذلك على الدوام... منذ هذا الخلط الأول- (خميس وبقرى/ عدلى لملوم)- الواضح في مبدئية حركة الضباط، استمرت تلك (الحركة" في اتخاذ سياسة ذبح كل الاحتمالات الواعدة التي كان يمكن أن تشرئب مرة بين صفوف الشعب المصري لتحاسبها أو تناقشها أو تفضحها وتقول لها مكانك لقد خدعنا فيك ولست آنت آمل مصر ولا صيغة خلاصها ، حين بدأت الخلافات تقع بين أعضائها لم يكن بينهم، بطل أو شهيد، فالظاهر البادي أمامنا الآن أنهم جميعا كانوا سواء. (...) ولا أرى نفسي تأسف على محمد نجيب أو تفرح بانتصار جمال عبد الناصر عليه، فلا يوجد لدينا مبرر واحد يؤكد لنا أنه لو انتصر محمد نجيب وحاز السلطة بين يديه لما فعل الأفعال الديكتاتورية التي كانت النهج الذي اختاره عبد الناصر وبلوره وأجاده منذ انفراده بالسلطة عام 1954 معتمدا معه سياسة سرابية تغذي الأحلام وتداعب المشاعر، دون أن يجد أي حلم سبيله للتحقق على أرض الواقع..

***
نفس الواقعة يتناولها جمال حماد في بحث مستفيض على الشبكة العنكبوتية بعنوان : ثورة 23 يوليو فيقول:
تصرفت حركة الجيش إزاء هذا الموقف ( يقصد مظاهرات كفر الدوار ومحاكمة خميس والبقري) برعونة شديدة، تحت وهم أن هذه المظاهرات هي بداية أعمال مضادة ضد الجيش، وتشكل مجلس عسكري، برئاسة عبد المنعم أمين، عضو مجلس القيادة، في ذلك الوقت، في موقع الحادث ( عبد المنعم أمين وثيق الصلة بالمخابرات الأمريكية . م ع ) . وقد تشكل من حسن إبراهيم، عضو المجلس. والبكباشي محمد عبد العظيم شحاتة، والبكباشي أحمد وحيد الدين حلمي، والصاغ محمد بدوي الخولي، واليوزباشي فتح الله رفعت، واليوزباشي جمال القاضي .
( إنني حريص على إيراد الأسماء كي يحلق العار فوق الرؤوس والوجوه.. شاهت الوجوه.. م ع ).. كانت المحاكمة سافرة العدوان على حقوق المتهمين، فلم تتح لهم فرصة الاعتماد على المحامين، إلى الدرجة التي دفعت عبد المنعم أمين إلى مطالبة الصحفي، موسى صبري، الذي كان يمثل جريدة الأخبار، للدفاع عن العامل محمد مصطفي خميس، باعتباره حاصلاً على شهادة الحقوق . ويقول عبدالمنعم أمين إن مصطفي خميس قد ترافع عن نفسه مرافعة عظيمة، لمدة نصف ساعة ولكنهم أصدروا، مع ذلك، الحكم عليه بالإعدام هو ومحمد حسن البقري. وصدرت أحكام بالسجن على بقية المتهمين، الذين كان، من بينهم، صبي في الثامنة عشرة من عمره .
يؤكد جمال حماد أن خميس والبقري لم يكونا أعضاء في التجمع الديموقراطي أو الحزب الشيوعي.. وقد أثبت التحقيق، كما أشارت جريدة "الأهرام"، أن البوليس قد أطلق النار، قبل الشغب، مما استفز العمال، وإنه بذلك ينهار ركن أساسي في الجريمة؛ ولكن ذلك لم يغير من الأمر شيئاً. أمَّا صيحة مصطفي خميس، التي أطلقها، قبل إعدامه: "أنا برئ ومظلوم، أريد إعادة محاكمتي، إن محامي لم يطلب شهوداً وكان هناك اثنان شاهداني، وأنا ماشي". فقد ذهبت أدراج الرياح. وتؤكد هذه الصيحة قسوة المجلس العسكري، في معاملة المتهمين، وحرمانهم من حق أساسي، من حقوق الإنسان، هو توكيل المحامين.

***
عند مقارنة هذه الحادثة المجرمة بحادثة كفر الدوار بحادثة دنشواي نجد الفرق شاسعا: إن تلك الحادثة الثانية كانت بمناسبة مصرع جنود إنجليز، أما صاحبينا من الأبرياء فلم يمسوا أحدا بسوء، مهما بدر منهم خلال اعتصامهم. ومن جهة أخرى فإن حادثة دنشواي لم تمر مر الكرام، بل هزت الدنيا بأسرها على يد مصطفي كامل، حتى انتهى الأمر بإقالة اللورد كرومر الذي كان حاكما بأمره على البلاد. أما جريمة كفر الدوار فقد دفنت في مقبرة النسيان وراح دم الأبرياء هدرا.

***
أي كارثة دهياء كانت قد ألمت بالأمة فألجمتها بلجام من نار و أخرستها..
أي كارثة دهياء..
بعد ذلك بأعوام.. سوف يحاول كل مجرم اشترك في هذه الجريمة الشنعاء التنصل منها، الأمر الذي يؤكد بكل جلاء أنها كانت وصمة عار افتتحت بها الثورة المباركة مسيرتها. فقائد الثورة آنذاك، محمد نجيب، يقول في كتابه "شهادتي للتاريخ" إنه اضطر للتصديق على حكم الإعدام رغم اقتناعه ببراءتهما، بل وإعجابه بشجاعتهما، وذلك نزولا على الديموقراطية في مجلس قيادة الثورة، حيث إن البقية أجمعوا على إعدامهما. ونحن نقول من جهتنا أن لعنة الله على ديموقراطية تتسبب في إعدام الأبرياء.
محمد نجيب سيشرب بعد ذلك من نفس الكأس على يد من خضع لديموقراطيتهم كمصداق لقول الرسول الكريم: "من أعان ظالما سلطه الله عليه."

***
بعد ما يقرب من خمسين عاما نجد جريدة الأهالي تواصل نفس طريقة اليسار في تزوير الوقائع بطريقة تفترض أنها تخاطب قوما لا عقل لهم.. فتذكر في عددها الصادر في 12/4/ 2000 أن إعدام خميس والبقري كان ضد إرادة جمال عبد الناصر وأغلبية مجلس قيادة الثورة، خاصة يوسف صديق وخالد محيي الدين !! ولم تكلف الصحيفة نفسها عناء بيان من هم تلك الأقلية التي استطاعت أن تفرض إرادتها على الأغلبية، ومن بينهم جمال عبد الناصر رئيس الوزراء.. بل و أيضا محمد نجيب: رئيس الجمهورية، وكيف استطاعوا - وهم الأقلية - أن يفرضوا إرادتهم؟‍‍‍‍! .

***
لم يكن الأمر أمر الإخوان أو مذبحة المنشية ولا السجن الحربي ..
كان الأمر أمر وحش أسطوري ييتلع كل من يجده في طريقه يلتهم لحمه ويسحق عظامه..
وحش أسطوري جائع للسلطة لا يردعه رادع وليس هناك حد ولا سقف لما يمكن أن يفعله للوصول إليها..
وسبحان الله..
لقد سلط على أمته قوة باطشة أخرستها فإذا بالجبار المذل المنتقم يسلط عليه ظالما جبارا يسحقه..
لم يكن الأمر أمر الإخوان..
كان الوفد في البداية..

***
ولنتأمل ما كتبه محمد عودة عن الأزمة بين الوفد والثورة..
محمد عودة..
كاتب اشتهر بالاحترام.. بل إن الشيوعيين والقوميين يحاولن إحاطته بهالة من القداسة.. ولقد قرأت له أعمالا كثيرة.. لكنني لم أكن قد اكتشفت طريقة القراءة الحذرة التي حدثتكم عنها في بداية هذا المقال..
كنت أقرأ لمحمد عودة و أنا واثق في صدقه ( لماذا.. لست أدري..!!).. ثم توقفت عن القراءة له منذ فترة حتى فاجأني موضوعه المنشور في مجلة الهلال منذ عام ونيف.. وفوجئت أن الرجل يكذب كذبا بواحا و أنه بكل هالاته المقدسة لا يختلف أبدا عن الآخرين إلا اختلاف جندي يكذب عن لواء يكذب.. لكن الكذب واحد..
وهاهو ذا محمد عودة يحلل العلاقة بين الثورة والوفد في مجلة الهلال عدد يوليو 2002 قائلا :
" قرر قائد الثورة ( لم يصارحنا أي قائد: محمد نجيب أم جمال عبد الناصر) أن يحتفظ بالجيش سليما ونقيا للمهمة التاريخية وأن يسلم السلطة إلى أصحابها الشرعيين والذين أبعدوا ظلما، وذهب إلى سكرتير عام الوفد فؤاد سراج الدين وعرض عليه أن يسترد الوفد اعتباره وهيبته وأن يعود معززا مكرما إلى السلطة في حراسة الجيش الوطني وباسم الشعب الذي خرج عن بكرة أبيه يحتفل بالثورة التي حملت إليه الخلاص. سوف يعود حزب الأغلبية لينفذ كل برامجه التي أجهضها القصر والاحتلال وسوف لا يجرؤ أحد على إقالته أو عزله بخطاب من بضعة سطور. وعزز قائد الثورة، عرضه بالشعار الذي رفعته ا الثورة وحفلت به جدران العاصمة نحن نحمى الدستور. ولم يشترط أي شئ سوى قبول الإصلاح الزراعي " المعتدل " والذي ترك للملاك ثلاثين ضعف الأرض التي تركها القانون المماثل الذي صدر يومئذ في اليابان وعقد الاثنان أربعة اجتماعات طويلة، ثم طلب سراج الدين عرض الأمر على سلطات الحزب وهيئاته العليا ثم عاد في النهاية ليعلن اعتذاره عن قبول العرض وأن الحزب.."..

***
الحقيقة غير ذلك.. الحقيقة عكس ذلك.. فلماذا يكذب محمد عودة..
الكاتب الكبير الشهير لماذا يكذب؟..
هل هي الطبيعة الشريرة الخائنة التي فقدت الإيمان بالمطلق ولم تعد تؤمن إلا بالنسبي..
وفي النسبي لا توجد حقيقة..
يوجد فقط ما يفيدك وينفعك مهما كان الكذب الخسيس..
والآن.. لنعد إلى الأستاذ إبراهيم طلعت لنعرف موقف الوفد الحقيقي..
وليسمح لي القراء باستشهاد طويل من الأستاذ إبراهيم طلعت.. ليس دفاعا عن الوفد.. و إنما كشفا لكاتب من أكبر الكتاب القوميين.. وكشفا للكذب.. فقد كان إبراهيم طلعت وفديا صميما وكان في نفس الوقت صديقا حميما لجمال عبد الناصر..

***
يقول إبراهيم طلعت:
اتصل بي جمال عبدا لناصر تليفونيا وطلب حضوري فورا إلى القاهرة لأمر هام فاضطررت للسفر يوم 10 أغسطس بعد الظهر وقابلت جمال عبد الناصر في منزله بالقبة وكان معه عبد الحكيم عامر وسألني عن البحثين اللذين طلبهما منى (تحديد ملكية الأراضي الزراعية، ومشروع استصلاح أراضى الواحات)، فقدمت له دراسة عن المشروع الأخير كنت قد حضرتها بمعاونة المرحوم المهندس الزراعي سيد عبد المنعم وهو صهر الأستاذ أحمد فؤاد فتناولها منى واطلع عليها بسرعة ثم قال لي: " المهم موضوع تحديد الملكية الزراعية" فقلت له إن هذا الموضوع ليس في حاجة إلى تحضير لأن جميع الذين نادوا به سواء بتقديم مشروعات بقوانين أو باقتراحات تضمنتها أبحاث أو كتب اقتصادية اتفقوا على الهيكل العام له وكل الاختلاف بينهم كان حول الحد الأدنى لما يمتلكه الفرد والأسرة وكيفية الاستيلاء على الزائد عن القدر المسموح به وهل يتم ذلك فور صدور القانون أو بعد مدة تحدد بنص في هذا القانون.
فأجابني.. المهم أنا عاوز القانون ده بكره (...) "..
ويسأل جمال عبد الناصر إبراهيم طلعت – متشككا- عن موقف الوفد من القانون..
يقول إبراهيم طلعت:
أجبته بحدة:
- سيبك من الكلام اللى بتسمعوه من المنافقين اللى بيجولكم كل يوم .. الناس بتوع كل عهد.. والوفد يمثل الأمة بكل طبقاتها! الفلاحين وأصحاب الأرض،. والعمال وأصحاب المصانع.. وإذا عارض الوفد في أي مشروع لصالح هذا الشعب فقد انتهى دوره السياسي وفقد نفوذه الروحي خصوصا بعد أن زالت السراي ونفوذها.. اضمن لي أنت على ماهر ومحمد نجيب وأنا أضمن لك موافقة الوفد!
وسألني بهدوء:
- طيب وفؤاد سراج الدين؟
وعندئذ انتفضت واقفا وقلت بحدة أكثر (كانت تسمح بها علاقتي بعبد الناصر قبل أن يعرفه الناس) .
- اسمع يا جمال ، أنا مستعد أجيب لك موافقة فؤاد سراج الدين كتابة وأنا دلوقت بأتحدث باسم الوفد..

***
ويقوم الأستاذ إبراهيم طلعت و الاستاذ أحمد فؤاد ومعه الدكتور راشد البراوى بإعداد مشروع قانون بتحديد ملكية الأراضى الزراعية (...) وفي هذه الأثناء وافانا أحمد أبو الفتح ولم يمكث إلا بضع دقائق استأذن بعدها للانصراف وسرت معه قليلا حتى استقل سيارته وقال لي:
- يا إبراهيم أنا خايف؟ وقلت له.. خايف من إيه؟
وأجابنى: ما أعرفش، إحساس عندى كل (اللغوصة) اللى بتحصل في البلد دى!
وبعد الغروب بقليل كان مشروع القانون قد أعد بصورة نهائية، وأخذت صورة حرفية منه وتوجه أحمد فؤاد لتسليم الأصل إلى جمال عبد الناصر.
واتصلت تليفونيا بجريدة المصري وطلبت التحدث إلى أحد المسئولين، وحدثني الأستاذ مرسى الشافعي وكان مديرا للتحرير وقلت له:
" أوقف الطباعة" وهو تعبير صحفي عن حجز الصفحة الأولى لأنباء هامة، ولما سألني عن السبب قلت له أنا قادم في الطريق ومعي أكبر سبق صحفي شهدته الصحافة في كل عهودها إ!
وبعد قليل كنت في جريدة المصري ومعي نص مشروع القانون.
واتصل مرسى الشافعي بأحمد أبو الفتح وأيقظه من النوم وطلب منه الحضور، وحضر واطلع على نص المشروع وسألني: هل وزعت نسخ أخرى على باقي الصحف؟ وأجبته:
- القانون من نسختين: الأصل عند جمال عبد الناصر، والصورة معك
وهنا أمسك أحمد أبو الفتح بالقلم وكتب العنوان:
(نص مشروع قانون تحديد الملكية الزراعية الذي قدمه مجلس الثورة للوزارة لإصداره).
وسار مشروع القانون إلى المطبعة، ومكثت بنفسي إلى ما بعد منتصف الليل أقوم بتصحيح البروفات، وسهرنا جميعا إلى الساعات الأولى من الصباح حتى صدرت جريدة المصري يوم 12 أغسطس منفردة بأهم سبق في تاريخ الصحافة..
وفي الساعة الخامسة صباحا انصرف المحررون إلى منازلهم وعدت إلى فندق الجراند أوتيل. ولم أنم إلا الساعة الثامنة صباحا بعد أن قرأت مشروع القانون كما نشر حرفيا.
وحوالي الساعة الحادية عشرة صباحا، فوجئت بأحمد أبو الفتح يحدثني، وعلمت أنه موجود ببهو الفندق وطلب منى النزول فورا.
وارتديت ملابسي ونزلت على عجل، لأرى أحمد أبو الفتح واقفا في انتظاري ولم ينتظر أن أسأله عن سبب حضوره بل قال :
- رحنا في داهية!!
- ليه؟
قال:
- محمد نجيب كان يضع حجر الأساس لمبنى الإذاعة الجديد، وكان قد سبقه إلى مكان الاحتفال على ماهر رئيس الحكومة وكان في حالة عصبية وانفعال وأخبر محمد نجيب أن جريدة المصري تحاول الدس بين الوزارة ومجلس القيادة، وتساءل هل قدم مجلس القيادة للحكومة مشروع القانون المنشور في جريدة المصري؟ وأجاب محمد نجيب بالنفي القاطع.
وقد صرح في الميكروفون للصحفيين الموجودين أن ما نشر بجريدة المصري صباح اليوم عن مشروع قانون بتحديد ملكية الأراضي الزراعية غير صحيح، وأنه من خيال هذه الجريدة وأن مجلس القيادة لم يقدم أى مشروع للوزارة بهذا الخصوص وطلب تكذيب الخبر رسميا.
واهتزت الدنيا..
واستطرد أحمد أبو الفتح قائلا:
- والمصيبة أن جريدة الزمان التي ستصدر بعد ساعتين ستنشر هذا التكذيب في الصفحة الأولى بعناوين مثيرة..
وشعرت بجسدي كله ينتفض وتصبب منى العرق وكاد يغمى على من هول المفاجأة.
ولكن أحمد أبو الفتح سألني بهدوء:
- أين جمال عبد الناصر؟
وحاولنا الاتصال به تليفونيا من الفندق بمجلس القيادة فلم نستطع واتصلت به في منزله فلم أجده بالمنزل، وعندئذ جذبني أحمد أبو الفتح من ذراعي وقال:
- الوقت ضيق ! فلنبحث عنه.
وتوجهنا إلى مقر إدارة الجيش.