المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
رسالة في ليلة النصر !
[بقلم: محمد القوصي]
بسم الله الرحمن الرحيم
شاعرنا .. صاحب هذه الرسالة ، هو الشهيد " شكري مصطفى " أحد أبناء الحركة الإسلامية بمصر في النصف الثاني من القرن العشرين ، وبعيداً عن مدى صواب أو خطأ هذه الحركة ، وما كان من أمرها ، والتقلبات الفكرية والسياسية التي مرتْ بها أو اعترتْ أصحابها ، فليس هذا موضوع هذه الدراسة ، إنما نحن بصدد لونٍ معين من الشعر ، اختلفت أهداف وغايات أصحابه ، وتباينت مشاربهم - أو كما أوضحنا في مقدمة الكتاب – بأننا لسنا طرفاً في هذه الصراعات الكلامية والمذهبية التي دارتْ رحاها بين الشعراء والحكّام ، فربما أختلفُ مع كثير من هؤلاء الشعراء في آرائهم وفلسفاتهم ، كما لا أوافقهم في بعض سِيَر حياتهم وسلوكياتهم ... خاصة إذا علمنا أنهم غير راضين عن أنفسهم ، ولا عن بعض أشعارهم وقصائدهم . فكثيراً ما كانوا ينتقدون أنفسهم ، ويعيدون كتابة أشعارهم أو يتخلصوا من بعضها إذا لزم الأمر .
إذن ، فلا جناح عليَّ عندما أنقل أشعارهم أو أستشهد بقصائدهم ، وحسبي القاعدة التي تقول : ( ناقل " الشعر " ليس بكافر ) !.
فنحن لا نستطيع أن نكمِّم أفواه الشعراء ، ولا نملك أن ننْتزع منهم مواهبهم وملكاتهم الخلاّقة ، فالشاعر كائن غريب أو غير طبيعي ، غالباً ما تدفعه نفسه الأمّارة بالشعر دفعاً إلى التهلكة ، وتسوقه رغماً عنه إلى مصيره المحتوم !.
نعود إلى قصيدة ( رسالة في ليلة النصر ) لشكري مصطفى ، التي بمجرد سماع القارئ لعنوانها ، سرعان ما تستحضر ذاكرته قصيدة ( رسالة في ليلة التنفيذ ) للشاعر هاشم الرفاعي ، الذي أسلفنا الحديث عنه وعن شاعريته ، وهذه القصيدة ما هي إلا معارضة لقصيدة هاشم الرفاعي ، ليس في الوزن والقافية وعدد الأبيات فحسب ، بل حتى في الغرض والمضمون والرسالة التي حملتها إلى القارئ ، ومع أن صاحب قصيدة ( رسالة في ليلة النصر ) كان شاعراً متميزاً ، وله ديوان شعر رائع ، لكن ظاهر الأمر أنه كان ولهاناً بشاعرية هاشم الرفاعي ومتأثراُ جداً بقصائده ، لدرجة أنه استلهم منه كثيراً من الألفاظ والمصطلحات والصور والمعاني في قصيدته هذه .
لكن هناك فوارق كثيرة بين الشاعرين ، سواء في شخصية كل منهما وطبيعته النفسية ، أو في ثقافة كل منهما وقدرته على التعبير ، أو على المستوى الفني في القصيدتين ، أو في مدى التأثير والانتشار لكل من القصيدتين ... ومن ثم النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه القصيدة أو تلك !.
- فهاشم الرفاعي كتب قصيدته من خارج السجن ، تضامناً مع أحد أصدقائه المعتقلين – أو كما قيل – أي أنه تقمّص الشخصية ببراعة فائقة . أما شكري مصطفى فكتبها وهو رهين زنزانته ، أي نقل إلينا مشاعر ذاته وأحاسيس نفسه .
- قصيدة الرفاعي تتغلغل فيها الجوانب الإنسانية في أدق معانيها ، فهي لسان حال أي سجين ، في أي زمان وأي مكان . أما قصيدة شكري مصطفى فتتدفق في جنباتها النزعة الدينية في أسمى درجاتها ، - أو بمعنى آخر - يطغى عليها الجانب " الأيديولوجي " ، كما رأينا من قبل في أشعار الخوارج والشيعة وذوي الانتماءات الدينية والعقدية الصرفة .
- يُشتمُّ من نفسية الرفاعي أنه كان أكثر تسامحاً وغفراناً مع خصمه وسجّانه ، بل ويتلمس لهم الأعذار ، رغم الصورة القاتمة والموحشة التي رسمها لزنزانته وكأنها في قعر الجحيم ، بينما شكري أكثر حنقا وغيظا من خصومه ، مما جعله يرميهم بأقذع الألفاظ وأشنع الصفات ، رغم الصورة الوردية التي رسمها لزنزانته وتغنيّه بها وعشقه لها ، أو كما وصفها بأنها روضة !.
- " نونية " الرفاعي بمثابة صورة من صور الصراع الاجتماعي المحتدم بين الظالم والمظلوم ، والقاتل والمقتول ، بينما تحوّل الصراع في " نونية " صاحبه إلى صراع مذهبي ، بين الضلال والهدى ، أو الكفر والإيمان .
- " سجين " الرفاعي مذعور جداً ومرتعدة فرائصه من لحظة التنفيذ ، خاصة أنه كثير التذكُّر للصبا والشباب ونداء أمه والأماني العِذاب ، أمّا شكري فتملؤه الطمأنينة وتتنزّل عليه السكينة ، وفي غاية الشوق والترقب للحظة الخلاص ، لأنه سيصل إلى بر الأمان ، ومرفأ السلامة !.
- قصيدة الرفاعي ألقتْ الرعب في نفس قارئها ، وأصابت الجماهير بالذعر ، والهزيمة النفسية ، وهذا من شأنه يقلل من فرص الجهاد أو الالتحام أو المواجهة مع الطغاة ، أما قصيدة شكري فهي بمثابة دعوة للجهاد والمضي قُدُماً نحو غاية تحرير الإنسان من الخنوع والوهن والاستعباد .
- نجح الرفاعي بامتياز في الوصف ورسم الصور البيانية ، لكن شكري جانبه الصواب عندما حمّل قصيدته بالفكر والمضامين العقائدية على حساب الفن .
- أثر البيئة الذي يتمثل في " الريف المصري " يتجلى واضحاً في " نونية " الرفاعي مثل : بائع اللبن الذي يترنّم بالألحان ، وصورة الأم اللاهثة في طلب " بنت الحلال " لفلذة كبدها ، على حين تختفي هذه الملامح في " نونية " شكري ، فمن السهل أن تكون قصيدته لسان حال أحد المعتقلين في سجون العراق أو سوريا أو غير ذلك .
- إحساس " سجين " الرفاعي بشدة الفزع والرعب والقلق الشديد والتوجس والوحشة والآلام التي تحاصره وذكريات الماضي .. كل تلك الرؤى حبستْ أنفاس القارئ مما جعله يتعاطف معه مهما كانت جنايته ، في حين نجد مبالغة شكري في مناوأته لخصومه ، وإسرافه في الصمود والتحدي ، ورباطة الجأش ، أفقد جانباً كبيراً من تعاطف القارئ معه ، لأن التعاطف غالباً ما يكون مع الضعيف أكثر منه مع القوي ، حتى وإن كانا الاثنان في نفس المحنة .
- تسلسل المواقف والأحداث في قصيدة الرفاعي كان تسلسلاً درامياً ، يصل بالقارئ إلى غايته دون عناء ذهني وإعمال فكر ، رغم كل المشاهد والرؤى التي تخللت هذه " النونية " ، بينما انفرط عقد نونية صاحبه ، سواء في تقديم المشاهد و تأخيرها ، أو في الحوارية التي بينه وبين أبيه .
- امتازت " نونية " الرفاعي بتنوع المشاهد ، واختلاف المناظر ، وتباين الرؤى ، والقفز عبر الزمان والمكان ، واستحضار الشخصيات ، بينما امتازت " نونية " شكري بشحذ الهمم ، وتجديد الإيمان ، وعدم الاكتراث بالعواقب ، والتحريض على مقاومة جيش البغي ، وكأن صاحبنا يلقي خطاباً لجنوده قبل بدء المعركة .
- كان الرفاعي مستلهماً جيدا للفلسفة الحياتية والقصص والحكايات الشعبية ، بينما كان صاحبه متكئاً بقوة على التراث الإسلامي بتاريخه وتشريعه وثقافته الخصبة .
- أيضاً ، نلاحظ أن " نونية " الرفاعي قد خلتْ من التكرار والغموض ، فلا يوجد فيها السجع المتكلّف أو الألفاظ الغريبة ، بينما تلعثم صاحبه في التعبير عن بعض المعاني التي كان يبحث عنها ، كما أجبرته القافية على الإتيان بغريب الألفاظ أو ما يمكن أن نسميه " الألفاظ غير الشاعرية " ، لأن كلام الشاعر يُوزن عند النقاد والمتلقين بميزان الذهب .
ولعلي أستطيع أن أوجز الفارق بين الشاعرين – إن جاز لي – مستعيراً تشبيهاً قديماً ، فأقول : كان هاشم الرفاعي ينحت في صخر ، بينما كان شكري مصطفى يغرف من بحر !.
- وكما هو الحال في جميع " المعارضات الشعرية " فالأفضلية دائماً تكون في صالح الأسبق أو الأقدم زمناً ، فقد فاق ابن زيدون شوقي في " النونية " ، وفاق البوصيري كل من جاءوا من بعده ، كذلك تفوق الرفاعي على صاحبه بصفة عامة ، لكن هذا لا ينفي أن الشاعر " الثاني " أي الذي عارض مَنْ قبله ، قد يأتي ببعض الصور والمعاني والرؤى التي تكاد تذهب بالأبصار ، وتتفوّق على ما جاء به " أستاذه الأول " .... وهذا الذي سوف نراه في قصيدة " رسالة في ليلة النصر " ، والتي كنت أتمنى أن يكون عنوانها " رسالة في ليلة الشهادة " ، لأن الشاعر استُشهد بالفعل ، وكما هو دارج أو متعارف عليه أن لقب النصر لمن عاش على قيد الحياة ، وأن لقب الشهادة لمن مات أو قُتل .
وجدير بالذكر أن الشاعر شكري مصطفى له ديوان شعر فيه قصائد كعقود الجمان ، فقبل أن نقرأ قصيدته التي نحن بصددها ، نحاول الاقتراب من فنه أكثر ، ليتسنّى لمن شاء الحكم على منزلته الأدبية ، ومكانته الشعرية ، ورؤاه الفكرية وخواطره وثقافته الحياتية ، فنلتقط بعض الأبيات من قصيدته ( من قبل الطوفان ) التي يقول فيها :
من قبل الطُّوفان اسمعني يا عبد الله
واخرج من أرضك واتبعْني
في أرض فلاه
أرض في قلبي لم يُعبد فيها الشيطان
.............................
صدِّقني ، في الأرض الواسعة أمان
فتعالَ الله تعالى يا عبد الله
ماذا يعنيكَ من الدنيا بعد الإسلام ؟
........................
أنا لن أستسلم ، سأحارب جيش الأصنام
سأكرُّ على جيش الطاغي أهدمه
في غير كلام
سأموتُ شهيداً منصوراً ، ديني الإسلام
.......................
سأنوّرُ بالحق الدنيا
لن أشكو ، لن أذرف دمعات الثكلى
خلف القضبان
الناس ستشهد جندياً للحق يداه
ضمّت كفاه على التقوى ، رسختْ قدماه
....................
فالأرض الواسعة بلادي
وسأخرج من تلك الدنيا
رَغْمَ الدُّنيا ..
وبعد هذه المداخلة النقاشية السريعة مع الشاعر / شكري مصطفى ، نترك - القارئ – أمام قصيدته " رسالة في ليلة النصر " لعله يلتقط منها بعض الرؤى والمعاني والأفكار الجديدة التي استبطنها الشاعر في هذه النونية المطولة :
 
أبتَاهُ لاحَ الشطُّ للرُّبَّانِ ودنا الأمانُ لقلِبهِ الحيران
وتلأْلأَتْ بين النّجومِ رسالةٌ للفجرِ.. من نورٍ ومن تحنان
وبدَتْ تباشيرُ الصَّباحِ تزفُّ لي بشرى لحوقِ الركبِ بالركبان
ياتائهاً بين البلادِ مِغُرَّباً أبشرْ فساعاتُ اللّقاءِ دواني
دارُ السلامِ كما علمتَ ازَّيَّنَتْ من يومها للشائقِ الولهان
لم يبقُ فيه الشَّوقُ إلاّ ومضةً عذريةً جادت بها العينان
وبقيَّةً من أدمعٍ لم تُمتَهن أبدا.. ولم يُشرِقْ بها خدَّان
محبوسةً في القلب فاضت دفعةً كدمِ الشهيدِ هناك أحمرَ قاني
مهما أطالَ الظالمون عذابَه فعذابُ حُرِّ النفسِ غير جبان
لا موتَ في موتِ الشهيدِ.. وقتلهُ نصرُ الحياةِ.. وعمرهُ عمران
هذا الكتابُ إليك سُطِّرَ يا أبي من خاضعٍ للواحدِ الديَّان
أُمْليه أثْبَتُ ما تكون جوارحي وأبُثُّ أرْبطُ ما يكون جناني
في وقفةٍ للحق يسري في دمي رَيْعَانُها ويمورُ في وجداني
ما قام غيرُ المسلمين لمثْلِها أبداً ولا اشتدَّتْ بها كفَّان
ولربما أطَّ الزمانُ مخافةً من ثِقلِهَا.. وتأوَّه المَلَوان
أبتَاه ما أحلى السكينةَ كلما زاد العذابُ تزيدُ في الإسكان
وأقولُ مات الَّليلُ!! إلاّ ليلةً بقيت كليلِ الحرِّ في الليمان
ما بينها والصُّبحُ ـ غير الصُّبحِ ـ وا شوقاهُ للصُّبحَ الرفيقِ الداني
بنقائهِ وبهائهِ وضيائهِ وجلالهِ وجمالهِ النوراني
روحي وما كانت إليه مُشوقَّةً آن الأوان .. غداً سيلتقيان
فرَّ الأسيرُ إلى أمانِ بلادهِ ومشى على أرضٍ بغيرِ هوان
فاليوم لا استضعافَ لا حذرَ من الدنيا ..ولا خوفَ من الخذلان
طهَّرتُ أثوابي من الدَّنسِ الذي ألصقتُه في صُحبةِ الشيطان
ونفضتُ عنََّي الأرضَ لا أحبابُها رحبي ولا خلانُها خلاني
في مسجدٍ شيَّدتُهُ في مهجتي عطّرتُهُ بالمسكِ والريحان
وحلفتُ حين بنيتُه ..فأبرَّني ربَّي ولم تحنثْ إذاً أَيْمَاني
ألا يمرَّ عليه إلا طاهرٌ مما يُحبُّ وخالصُ الإيمان
وقفٌ على الإسلامِ طُهرُ ترابِهِ وأساسُهُ وبناؤهُ ..والباني
 
أبتَاهُ في قلبي مشاهدُ من رؤى بدرٍ ترفُّ وبيْعةُ الرضوان
وأعيشُ ساعاتٍ كعمرٍ كاملٍ ليست ككلِ دقائقٍ وثواني
مستصحباً للمسلمين وواقفاً معهم أُكلَّمُهم بكلِ لسان
من أول الإسلامِ لا أرضٌ تُفرََّقُنا ولا زمنٌ من الأزمان
زنزانتي روضٌ إذا ما زارهَا غيثُ الهدى أو زارَها إخواني
أبتَاهُ حتَّام التنقّلُ والسُّرَى في موحشٍ قفرٍ من العمران
أبتَاهُ ما تلك الحياةُ نعيشُها عيشَ الأسيرِ ومرتعَ العُبدان
غاياتهم ملءُ البطونِ وقولُهم في الحلقِ في سجنٍ من الكتمان
أرأيتَ كيف يسوقُنا جلادُنا سوقَ الرعاءِ غرائبَ القطعان
ويسيرُ جيش ُ البغي فوق جماجمٍ منَّا وفوق كرامِة الإنسان
أنا لا أرى عيشَ الذَّليلِ بأرضِهم إلا اليدَ اليُمنى من الطغيان
يبقى مع الباقين في استضعافِهم ويَعُضُّ في غيظٍ على الأسنان
أنا يا أبي أعلنتُ أولَ هجرتي فرفعتُ للطاغي يدَ العصيان
قلباً صبوراً زال عن أدرانهِ متيمماً أرضاً بلا أدران
ومضى يَغُذُّ السيرَ يبلغُ شَعْفَةً أو وادياً من تلكم الوديان
إن كان سيفي اليوم ليس بقاطعٍ أو كنتُ صفرَ الكفِّ من أعواني
فلقد دفعتُ بكل ما ملكت يدي وتركتُ للجبَّار ما أعياني
وحفظتُ محضَ الحقِ بين جوانحي وأحطُتهُ بشغاف قلبي الحاني
وأبحتُهم جسماً نهايةُ أمرِه عندي غداً واليوم يستويان
ظهراً كعُرجُون النخيلِ وأضلعاً ويداً مقَّرنةً بها الساقان
فليستبيحوا ما استباحوا من فتى جَلدٍ وصبَّارٍ على الأقران
متقلِّبٍ في الجمرِ مكويٍّ ومطبوعٍ على الجنباتِ بالنيران
ماذا جنوا إلا دماً سفكُوه لا.. أما الفؤادُ فليس في الإمكان
 
أرأيتَ يا أبتاهُ لو أن الذي ألقاهُ من إيذائهم.. أرواني؟
بعصِيِّهم بسياطِهم بكلابِهم أفنوا على الإسلام جسمي الفاني
أو حرَّروا ذاك النحيلَ يحوطُهُ صفَّان من جندٍ ومن سجَّان
كبقيةٍ للنسر أفضى جِسمَه كسرُ الجناحِ وعابثُ الغلمان
ورأيتني في ساعةٍ يا والدي بين الْتقاءِ الحبلِ بالعيدان
وتأرجحَ الجسمُ النحيلُ كهزةٍ ليدين من إلفيْن يفترقان
ولقد شهدتُ بما شهدتُ مُصدِّقاً ورجعتُ للربِّ الذي ربَّاني
وبخفةٍ في الليلِ واروه الثَّرى كم في الثرى جرمٌ جناه الجاني
وأتتْ مجلاتُ الصباحِ عليمةً بمحادثاتِ الصُّمِّ والعميان
لتزُفَّ للمتمدينين مصارعَ الجُهَّال بين مقابضِ الشجعان
لتزُفَّ للغيلانِ صَلبَ الحقِّ ما صَلبُوه بين أئمةٍ الغيلان
ورأيتَهم قد صوَّروني يا أبي يوم القضاءِ مزعزعَ الأركان
أو صوَّروني يا أبي متهيِّباً للموتِ يا للإفكِ والبُهتان
لو لم يكن إذ ذاك إلا رفعتي في الصَّلبِ في ميدانهِم لكفاني
ومشى بذمِّي من تقدَّمَ مَدْحُهُ متمسحاً في عسكرِ السلطان
وارتدَّ عنك الأقربون وشيجةً وتلوَّن الأصحابُ بالألوان
وتنكَّروا حتى الدموعُ تنكَّرت حتى عزاءاتٌ من الجيران
ولوَّوا عليك لسانَهم ولربَّما قُدِّمْتَ قُرباناً مع القربان
ولقد ألحَّ علي يوم الصَّلبِ إشفاقي على أمي من الأحزان
ولقد عجبتُ بأي قلبٍ تتقي ذكري.. وكيف لمثْلهاِ نسياني
وحواك بيتُ قد تغّير عهدُهُ إلا من الذكرى مع البنيان
في مستهلِ الدارِ في الشُرفُاتِ في الكواَّتِ في الراسي من العمدان
فيما عهدتَ هناك منذ صِبَاي من جِدَّي ومن لَعِبي مع الصبيان
وبما غزلتَ من المُنى ونسجتَ من حُلمٍ عليَّ وحُكتَ حُلوَ أماني
في كلِّ ركنٍ كنتَ تلقاني به أو آيةٍ حُفِرَتْ على الجدران
في طَرقةٍ بالبابِ تجري نحوها وتهبُّ ملهوفاً فلا تلقاني
في الصُّبحِ حين ترى ابتسامَ الزهرِ في سنِّي وفي عودي وفي رِيعاني
في الفجرِ في الأسحارِ في وهَجِ الضُحى في رنَّةِ العصفورِ في الأغصان
في الليلِ كم يا ليلُ فيك لواعجٌ للثَّاكلين وللأسيرِ العاني
عفواً أبي أنا ما أردتُ إثارةً للحُزنِ أو بحثاً عن الأشجان
لكنها بعضُ الخواطرِ زاحمت فكري وبعضُ توقعِ الحَدَثان
فلقد ترى ما كنتَ تنكرُ أنْ ترى ويجدُّ أمرٌ ليس في الحُسبان
إن الذين ـ أبي ـ رموني مفرداً بين السياطِ وضيِّقِ القضبان
لا تسألنِّي عن عذابٍ زائلٍ واسأل عن الإسلام في البلدان
هم من رمى بالأمسِ قلبَ عقيدتي ومشى برجْلَيْه على القرآن
قد ساوموني عن حياةٍ غضّةٍ كحياةِ ديوثٍ ببيت غواني
لأخونَ عهداً أو أبيعَ أُخوةً لا كنتُ ساعتَها وقُدَّ لساني
اخترْ لٍحبكِّ يا أبي ماذا ترى إني قد اخترتُ الذي أحياني
وغداً قُبيل الفجرِ يأتي حاملاً للحبلِ والتنفيذِ جلادان
ستُردُّ عاريةٌ ويبلو سَيِّدي - سبحانهُ - ديني وما استرعاني
فارْفَعْ جْبينك لا تهُنْ لا تنثني لا تنحني أَسِفاً على جثماني
لا ألفَيَنَّكَ واجماً في ساحِهم أو هاتفاً " قتلوه غير مُدان"
أنا باسم هذا الحقِّ قد حاربتُهم وشُفيتُ في حربٍ بغير سنان
واليوم باسمِ الحقِّ أرفعُ هامَتي منصورةً في ذلك الميدان
أنا في دمي نصري.. وفي طُغيانِهم أكفانهُم فلينسجوا أكفاني
أنا لم أمُتْ أبتَاهُ ليس بميِّتٍ من باع تك الروحَ للرحمان
وغداً ترى النصرَ الكبيرَ ورايتي ( اللهُ أكبرُ) يومها ستراني
إذْ ذاك يا أبتَاهُ تُرفَعُ رايةٌ للهِ لا للجٍبْتِ.. والأوثان
واحملْ إلى أمي البشارةَ ( لم يمت) واستعصما باللهِ واحتسباني