المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
(مشروع الشرق الأوسط الكبير)
[بقلم: أبو محمد المقدسي]
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى المتاجرين بالديمقراطية والحقوق والحريات
ما آتانا الله خير
{بل أنتم بهديتكم تفرحون}

(مشروع الشرق الأوسط الكبير)

لأبي محمد المقدسي
 
تـقـديــم :
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه....
بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الإتحاد السوفيتي واندحاره ، وتفرد أمريكا على إثر ذلك كقوة مهيمنة على المجتمع الدولي وسقوط أفغانستان تحت حكم الأمريكان ، ومن ثم سقوط النظام القمعي الطاغوتي في العراق ، وتعالي صيحات الدمقرطة التي عم صداها بلاد المسلمين اليوم في ظل الدكتاتوريات الحاكمة باسم الغرب في بلادنا ، بدأت أمريكا بفرض ثقافتها بالقوة ومن خلال إقامة نظام ديمقراطي في العراق بالطعم والمقاس الذي يلائم مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل ، وجعله نموذجاً يحتذى به في سائر بلدان الشرق الأوسط كما صرح بذلك دهاقنة وساسة أمريكا ، وأعلنوا عن خطط ومشاريع تدعو إلى فرض إصلاحات ديمقراطية !! على الشرق الأوسط ، وسُرّب ذلك تحت مسمى (مشروع الشرق الأوسط الكبير)
ومن يمعن النظر في هذه الدعوات وتلكم المشاريع الأمريكية يعلم علم اليقين أن هدفها ليس إزالة الدكتاتوريات والطغاة من بلادنا ، كيف وهم من زرعوهم ؟ ولا نشر العدالة والحريات الحقيقية ، كيف وهم رعاة الإجرام الإسرائيلي وحماته؟
بل حقيقتها أنها محاولات يائسة من هذه الدولة الخبيثة وأذنابها لإطفاء جذوة الجهاد والاستشهاد في دين المسلمين والذي يسمونه بالإرهاب من خلال هذه المشاريع بعد أن فشلت فشلا ً ذريعاً من إخماده وإبطاله بجبروتها وقوتها العسكرية وبمساندة أذنابها من طواغيت الحكام في بلادنا على ذلك بكل ما أوتوا من خبث ومكر و غدر وخيانة وإمكانات ...
خصوصاً بعد تفرّد المسلمين في التصدي لهذه الدولة الخبيثة وسياساتها على إثر تحول العالم إلى نظام القطب الواحد و( سقوط الراية الحمراء وارتفاع الراية الخضراء ، العدو الجديد للغرب ) كما صرّح أمين عام حلف الأطلسي مطلع عام 1995 م ، واليوم تعلن أمريكا عن هذا المشروع ...وتزامن ذلك مع إعلانها عن إطلاق قناة الحرة الفضائية التي ستحاول جاهدة إلغاء وإطفاء نار الكراهية والحقد بين الشرق والغرب لا من خلال ترك حرب الغرب للإسلام والمسلمين أو كبح جماح جرائم حليفتهم إسرائيل ورد الحقوق المغتصبة إلى أهلها ، وإنما من خلال بث ثقافة الحرية !! والديمقراطية والمحبة والتسامح ونحو ذلك من المصطلحات التي تفسر وفقا لمصلحة الغرب الكافر وتسخر لتخنيث المسلمين وتدجينهم ، ظناً منهم أنهم قادرون من خلال بعض برامج العهر وأفلام الجنس وثقافة الدعارة أن يمحوا جرائمهم وجرائم حلفائهم في إسرائيل وجرائم أذنابهم من الطواغيت والدكتاتوريات التي زرعوها في بلادنا ولا زالوا يساندونها بدعمهم ويرعونها بحمايتهم ما دامت قائمة بالمصالح الأمريكية والإسرائيلية ...
ظناً منهم أنهم قادرون بمثل هذه المخططات الخبيثة على إخماد جذوة الجهاد في صدور المسلمين وإيجاد إسلام (مودرن) مدجن منزوع النكهة والدسم بلا مخالب ولا أنياب ، مجرداً من السيوف والعتاد..
{يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون }
يريدونه إسلام ينام في أحضان واشنطن ويقبل أحذية لندن وينسحق تحت بساطير تل أبيب ويرعى مصالحها ويحمي حدودها ، فخابوا وخسروا فإنهم لن يجدوا مثل هذا الإسلام في يوم من الأيام ، وما عثروا عليه وحالفوه ويحاولون جاهدين تلطيخ وجهه وتزينه بمساحيق تجميلهم وجعله نموذجاً إسلامياً معتدلاً ؛ أقول ما عثروا عليه من هذا الصنف في قصور كابل وأنقرة والرياض والرباط وليبيا والخليج والقاهرة وعمان وغيرها وفي المؤسسات والجمعيات والأحزاب والمنظمات والصالونات التي صنعها أذنابهم في بلادنا ليس إسلاماً بل هو ردة وكفراً وإشراكاً..
ولقد بدأت تسريبات معالم هذا المشروع الأمريكي مع زيارة رئيس وزراء تركيا رجب أردوغان إلى واشنطن في 28/1/2004م ونشرت صحيفة (يني شفق) التركية (معناها : الفجر) في 30/1/2004م عرض الرئيس الأمريكي بوش على رجب معالم هذا المشروع الذي يمتد من المغرب حتى أندونيسيا مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز ، وقد ابتدأ العرض على تركيا لتتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني !! ( بحسب خبر الصحيفة ، والمقصود انبطاحها لأمريكا وأخوّتها لإسرائيل ) لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي ليتولوا التبشير!! بنموذج الاعتدال !! التركي المطبق في تركيا .
هذه الأخبار ذكرها المحرر الرئيس للصحيفة المذكورة والذي كان ضمن الوفد الصحفي المرافق لأردوغان ..
ومعلوم أن تركيا حليف مخلص ووفي لأمريكا في المنطقة ، وان الإدارة الأمريكية مقتنعة بأن النموذج التركي هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي والأجدر بالتعميم في الشرق الأوسط ، كون هذا النموذج ذو مسحة أو قل مسخة دينية لا تؤثر على علمانية الدولة وولائها للغرب وإسرائيل ..
والحاصل اليوم في أفغانستان والعراق والباكستان والأنظمة العربية جمعاء من بعض التقلبات والمناورات والمؤامرات تحت مسمى الإصلاحات في مجالات السياسة والإعلام والتعليم ومناهجه وحقوق المرأة وحرياتها كل ذلك يسير ضمن آفاق هذا المشروع.
وكون هذا المشروع موجّه كما قلنا إلى نحر الإسلام لإخماد جذوة الجهاد والعزة والكبرياء ، والتآمر على الصحوة الإسلامية ؛ أمر لا يخفى على كل من له أذنان أو عينان .
وقد ذكر مسئول كبير في الخارجية الأمريكية أن واشنطن تأمل بتعاون أوروبا معها لفرض مشروعها ، وأنها تسعى لأن تجعل هذا المشروع على غرار معاهدة هلسنكي لعام 1975م التي وضعت لأجل نشر الحريات في الإتحاد السوفيتي وأوروبا الشرقية ، وأضاف المسئول الأمريكي : (هناك اعتقاد بأن هلسنكي ساهمت في تجميع أوروبا معاً ولعبت دوراً مهماً في تمزيق الإتحاد السوفيتي ، وبنفس الطريقة فإن هذه الفكرة ستمزق جاذبية ما أسماه التطرف الإسلامي) أهـ. (الدستور 10/2/2004م) خابوا وخسروا .
{إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون}.
فأحببت بين يدي هذه الأحداث وتلكم المشاريع أن أكشف زيوف أشهر مبادئ القوم الهدامة ومناهجهم المنحرفة وحرياتهم الكاذبة ومشاريعهم وأفكارهم المنحلة ، وسأتكلم ضمن ذلك على أشهر المسائل التي يطنطن حولها أعداء ديننا في محاولات يائسة للنيل من بعض شرائع ديننا العظيم ..{حسداً من عند أنفسهم }
كناطح صخرة يوماً ليوهنها ***** فما ضرها وأوهى قرنه الوعل

الديمقراطية بدعة العصر :
الديمقراطية هي بدعة العصر التي انبهر بها كثير من أبناء جلدتنا الجهال المتعامين عن محاسن شريعتنا الغراء ، المندحرين أمام بهرج الحياة الغربية الزائفة المتلقفين لقشور تلكم الحضارة بعجرها وبجرها ، يريد أسيادهم اليوم فرضها على بلاد المسلمين فرضاً بمقاس خاص ومواصفات محددة ستعرف معالمها فيما يأتي ، ومعلوم عند كل من يعرف حقيقة الديمقراطية ويفهم دين الإسلام وملة التوحيد أن الديمقراطية دين كفري لا يمت إلى الإسلام بصلة بل يناقضه ويعارضه ويضاده ، وقد بينت ذلك وفصلته في رسالتي (الديمقراطية دين ...ومن يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ) ، وعندما كتبت هذه الرسالة واخترت لها هذا العنوان كنت أقصد تحديداً حقيقة الديمقراطية وأصلها الذي يقوم على رد سلطة التشريع المطلقة للناس لا لرب الناس ، وبينت أن هذا كفر بواح وشرك صراح لا يحل لمن شم رائحة التوحيد أن ينتهجه وكشفت شبه المموهين المجادلين عن الديمقراطية الملبسين الحق بالباطل والشورى بالديمقراطية ، الساعين إلى تطهير الخلق والبلاد بالنجاسة ، الحالمين بتحكيم شرع الله من خلال الكفر وبواسطة الإشراك ، المستفتحين وظيفتهم الكفرية ونيابتهم الشركية بالقسم بالله العظيم على احترام الكفر البواح والإخلاص في الولاء لأعداء الله !! ويزيد بعضهم على ذلك سفهاً (وذلك في طاعة الله ورسوله!!) .

الإسلام .. والديكتاتورية ومصادرة الحقوق وقمع الحريات:
لم أتناول في رسالتي المذكورة يوم أغرت فيها على الديمقراطية ولم أشمر في حربي عليها لأجل ما يقصده بعض من ينادي بها أو يطالب بتحقيقها على أنها الشيء المقابل للديكتاتورية أو التسلط والقمع وتكميم الأفواه والحريات وإهدار حقوق الإنسان وامتهان كرامته ، كما هو المعنى الدارج اليوم للديمقراطية والمستعمل عند كثير من العامة بل والمثقفين ...ولذلك سأتناول في هذه الأوراق بيان زيف الديمقراطية وكذب دعاتها المروجين لها على هذا المعنى الدارج ، وذلك استكمالاً لما كنت قد كتبته من قبل حول حقيقتها وأصلها ، وسأبين مع ذلك استغناء المسلمين بإسلامهم عنها ، واستعلاء دينهم عليها ...
وإن من نافلة القول بين يدي أوراقي هذه أن أوضح أنه لا يوجد إنسان عاقل يقدم القمع والكبت وتكميم الأفواه وإهدار كرامة الإنسان وحقوقه أو يختار ذلك على العدل والحرية والكرامة ونحوها من المبادئ المستحسنة عند جميع العقلاء ؛ فكيف إذا كان هذا الإنسان يدين بدين عظيم كالإسلام الذي يأمر بالعدل والإحسان ، والذي بعث رسوله رحمة للعالمين ونورا ًوهداية للناس أجمعين ، وليس من دين علّم أبناءه البراءة من الظلم والظالمين والكفر بالطواغيت المتجبرين والأرباب المعبودة من دون الله كدين الإسلام الذي جعل ذلك من أصل التوحيد وشطر شهادة لا إله إلا الله ومن أوثق عراه الوثقى ..
وإذا كانت ثقافة النصارى الدينية تقول: ( أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله )( مرقس 12/17 ) إقراراً ومداهنة للطغيان ! وتقول (باركوا لاعنيكم .. من ضربك على خدك فأعرض له الآخر أيضاً ، ومن أخذ رداءك فلا تمنعه ثوبك أيضاً.. ومن أخذ الذي لك فلا تطالبه )(لوقا 6 مختصراً من 27-31) كل ذلك استسلاماً للظلم وللاستبداد . ولذلك وقفت كنيستهم مع الطغيان ، واحتاجوا أن يخرجوا على دينهم المحرّف قبل أن يخرجوا على الدكتاتورية والطغيان . أما في الإسلام ؛ فليس من كتاب كالقرآن العظيم في محاربته للظلم وهدمه للطغيان بل ومساواته للظالم وأنصاره في الخطيئة والعقوبة والمصير...
إقرأ معي إن شئت: {إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين } واقرأ قوله تعالى :{فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين} وقوله :{وما أمر فرعون برشيد*يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود}.
ولم يكتف بذم الطغاة وأنصارهم بل قد ذم الشعوب التي تصفق للطغيان وتتابعه فقال: {فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوماً فاسقين} . وما من قصة تكررت في القرآن كقصة الطاغية فرعون واستضعافه لقوم موسى بعبرها من أولها إلى إغراق فرعون وجنوده ووراثة القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها..
أما الآيات القرآنية الحاثة على قتال أئمة الكفر والصادين عن سبيل الله المستضعفين لعباد الله فكثيرة ..
إقرأ منها {فإن نكثوا أيمانكم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون} وقوله تعالى :{وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك ولياً واجعل لنا من لدنك نصيراً}وغير ذلك..
أما الأحاديث النبوية الصحيحة في إنكار المنكر وعدم الطاعة في المعصية أو الظلم ، والتحذير من الدخول على الظلمة وإعانتهم على ظلمهم أو تصديقهم بكذبهم ، وأحاديث منازعتهم والخروج عليهم وقتالهم إن هم أظهروا الكفر البواح فكثيرة معلومة لا يتسع المقام لسردها ولست هنا في صدد استقصائها ..
ومن ثم فإن حرب الإسلام ؛ التي هي حربنا على الديمقراطية لم تكن ولن تكون في يوم من الأيام أو في حال من الأحوال تكريساً للدكتاتورية أو اختياراً للقمع أو كبتاً للحريات أو مصادرة لحقوق الإنسان كما يحسب كثير من الأغرار أو كما يدعي كثير من المغرضين ..
ويظهر ذلك ويتضح بجلاء من النظر في مبادئ الإسلام العظيمة وما سطره أبناؤه من صفحات مشرقة وضاءة تطبيقاً لتلك المبادئ العظيمة والمثل السامية عبر التاريخ ..
ابتداء من الأمثلة العظيمة المعلومة لكل أحد في العصور الراشدة والأيام الذهبية لحكم الإسلام والتي يتمثل ويستدل ويستضيء بها العدو قبل الصديق..
ففي الوقت الذي كانت فيه أوروبا تسبح في ظلام دامس وقهر وإقطاع ظالم ومصادرة للحريات وسحق للنساء واستعباد للفقراء..
كان الرجل يطلب القصاص من خير البشر من وكزةٍ وكزها له في بطنه ليعدّل موقفه في صف الجيش الإسلامي ، وما يكون من نبي الله إلا أن يكشف له عن بطنه ليقتص منه ، فينهال الجندي على بطنه تقبيلاً وإجلالاً لهذه العدالة النبوية العظيمة.. وكان الرجل يراجع نبيه في منزل نزله في الحرب وفي خطة وضعها وكان نبيهم يشاورهم في الأمر كما أمره ربه بل كان يشاور نساءه كما فعل في صلح الحديبية مع أم سلمة ..
وما تعلّموه من نبيهم صلى الله عليه وسلم ، طبقوه بعد وفاته مع خلفائه وولاته بأروع الصور.. فهذا الصديق الخليفة الأول يقول عند توليه الخلافة: (أعينوني ما أطعت الله فيكم فإذا عصيته فقوموني) . وذاك رجل يقول للخليفة الثاني: ) والله يا ابن الخطاب لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بسيوفنا) . وتلك امرأة تعترض على خطاب أمير المؤمنين الذي تدك جحافل جيوشه مشارق الأرض ومغاربها ، وما دامت تستدل في اعتراضها بآية من القرآن فكلامها دون أدنى شك سيقدم على كلام الخليفة وغيره وسيقول الخليفة : سمعاً وطاعة لأمر الله ، أصابت امرأة وأخطأ عمر .
وذاك قاضي يُجلس الخليفة مجلساً قضائياً واحداً مع يهودي ليحكم بينهما بالعدل . ويأتي رسول كسرى يسأل عن الخليفة فيجده متوسداً نعليه تحت نخلة بلا حرس فيقول مقالته التي ذهبت مثلاً : (عدلت فأمنت فنمت) .
إلى غير ذلك من الأمثلة المشرقة الوضاءة الكثيرة في عصور الخلافة الأولى ، ولن أسترسل في تتبعها فهي معلومة لكل أحد وهي لعظمتها أقرب عند أعدائنا إلى المثالية والخيال الذي لا يمكن تطبيقه .. وإذا طأطئوا رؤوسهم أمام هذه الأمثلة واستصعبوا تطبيقها وعجزوا عن تصورها .. أحلناهم على أمثلة أخرى ابتعدنا بها عن عصور الخلافة الذهبية ..
خذ على سبيل المثال قائد مسلم من قادة القرن السادس الهجري عنده من الترف والتقصير والأخطاء ما عنده ومع ذلك ولأنه يصدر عن ذات المشكاة النبوية التي كان يصدر عنها من قبله حين كانوا يستحضرون وصايا الرسول وخلفائه للمقاتلين بأن يوفوا بالعهود ولا يغدروا ولا يمثلوا بالأعداء ولا يقتلوا راهباً أو شيخاً أو امرأة أو طفلاً أو أجيراً من غير المقاتلين ، أقول : لأنه يصدر عن هذه المشكاة لقن الدنيا كلها دروساً لا تنسى في العدالة والرحمة وآداب المنتصر المسلم وسياسته مع أعدائه المحاربين حين يندحرون أمام جحافله ..فبينما خاضت خيول الصليبيين في دماء وجثث الرجال والنساء والأطفال الملتجئين إلى ساحات المسجد الأقصى الذي قتل فيه أكثر من سبعين ألفاً من السكان كما يذكر ابن الأثير وغيره من المؤرخين وتسعين ألفاً بحسب (تاريخ القدس لعارف العارف) ولم يسلم من مجازرهم حتى الكهنة النصارى الأرثوذكس الذين احتموا بالمسجد الأقصى مع المسلمين فذبحوا معهم ، هذه المجازر الفظيعة تمت في يوم واحد في عام 492 هجرية حتى أن المؤرخين النصارى أمثال (وليم الصوري) اشمأزوا من تصوير ما حدث من مجازر فظيعة في ذلك اليوم الرهيب .. ثم تراهم يقفون منبهرين أمام موقف القائد صلاح الدين عندما دحر جيوش الصليبيين ودخل القدس فاتحاً ظافراً سنة 583 هجرية ووقف خطيباً يحمد الله على ذلك الفتح العظيم ويذكر الصليبيين المحصورين والمستسلمين بما فعله آباءهم بالمسلمين قبل قرابة التسعين سنة ، الشيء الذي جعل الكثير منهم يفكرون بالانتحار الجماعي خوفاً من الانتقام المريع الذي يتوقعونه تجاه سلوك آبائهم الدموي الفظيع الذي لم ينسوه بعد...
فما كان من ذلك القائد المسلم إلا أن قام بإصدار عفو عام عنهم مستهدياً في ذلك بما فعله رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة وقال للمشركين الذين آذوه وقاتلوه (اذهبوا فأنتم الطلقاء ) هذه هي الحضارة الحقيقية والمبادئ العظيمة والقيم في أسمى صورها تقر عين كل منصف وتعمي بل تفقأ عين كل معاند بوهجها ونورها الذي لا يقدر على رده أو مقاومته أحد .
ولا مانع عندي من أن أتنـزل في ضرب الأمثلة مع أعدائنا أكثر من ذلك ، فأردهم إلى أمثلة من أيام شيخوخة الحكم الإسلامي وتهلهل أوضاع الدولة وضعف دين سلاطينها ، ومع ذلك وما دام المقاتل أو القائد أو العالم أو الحاكم يستضيء بمبادئ الإسلام العظيمة فسيضرب على الدوام وفي أي العصور أروع أمثلة العدالة.

حقوق الأقليات بين الإسلام والغرب :
فإذا تكلمنا عن الأقليات واضطهادها ، فإنه في مقابل غدر الأوروبيين ونقضهم السريع لعهودهم وعقودهم التي كانوا يبرمونها مع الأقليات المسلمة الذين سقطت ولاياتهم تحت أيدي الاسبان بين يدي سقوط الأندلس ، وفي مقابل إبادة أولئك المسلمين وإكراههم على تغيير دينهم أو تخييرهم بين ذلك أو الموت في محاكم التفتيش في غرناطة وغيرها ...
في مقابل ذلك فإن المسلمين- دعنا من فترات تاريخهم الذهبية التي لم تشهد صورة من صور إكراه غير المسلمين على الإسلام بل كانت الدولة تتكفل بحمايتهم ورعايتهم وحفظ حقوقهم ، عملاً بالنصوص الشرعية الكثيرة التي تأمر بأداء الأمانات والوفاء بالعهود والعقود والأحاديث التي تتوعد من آذى ذمياً أو مستأمناً ؛ وحين تعجز الدولة في بعض أطرافها وولاياتها عن حمايتهم ترد عليهم جزيتهم.. أقول دعك من تلك العصور وتعال معي إلى الخلافة في شيخوختها حيث كانت الأقليات غير المسلمة من الأرمن والروم واليهود في اسطنبول إبان الحكم العثماني تتصل مع أعداء الدولة المسلمة وتكيد لها المكائد وتثير القلاقل والمشاكل مما أغضب السلطان سليم الأول فأصدر قراراً بإجبار هذه الأقليات على اعتناق الدين الإسلامي ، فهل رضي بذلك المسلمون وهل أقره عليه العلماء .. إن التاريخ يخبرنا أن العلماء أنكروا عليه ذلك أشد الإنكار ومنهم شيخ الإسلام (زمبيلي علي جمال) الذي ساءه ذلك جداً وواجه السلطان بقوله: (أيها السلطان إن هذا مخالف للشّرع إذ لا إكراه في الدين ، وإن جدكم محمد الفاتح عندما فتح اسطنبول اتبع الشرع الإسلامي فلم يكره أحداً على اعتناق الإسلام بل أمن الجميع على عقيدتهم فعليك بإتباع الشرع الحنيف واتباع عهد جدكم محمد الفاتح) وهدد بخلع السلطان إن هو أصر على قراره .. ولكن السلطان الذي كان يحترم العلماء استجاب له وترك للأقليات غير المسلمة دينها وعقيدتها ..
وقصة السلطان سليمان القانوني مع يهودي أبى أن يبيع كوخاً له في أرض أراد السلطان إقامة مسجد جامع عليها ، صورة مشرقة من ذلك ، فمع إصرار اليهودي على رفضه البيع ذهب السلطان إلى كوخ اليهودي يرجوه ويسترضيه ويعرض عليه أضعافاً مضاعفة لثمن كوخه ، وذهل اليهودي لمشهد السلطان يرجوه ويسترضيه لأجل بيع الكوخ .. وهو القادر على طرده من الدولة كلها ، فوافق على البيع وقام مسجد السلطان سليمان القانوني على تلك البقعة بعد استرضاء وموافقة ذلك اليهودي!!
أقول هذا حدث في شيخوخة الدولة الإسلامية وهرمها وتهلهلها ، وأمثاله والله كثير ولست هنا في صدد تتبعه واستقصائه . ومنه تعرف أن وتر الأقليات في الدولة المسلمة والذي يطنطن أحياناً عليه أعداء الإسلام إنما يعزف عليه ويطرب لها أصحاب المآرب الخبيثة الذين يسعون في الحقيقة إلى سيطرة تلك الأقليات التي توافقهم وتقاربهم في الدين على مقاليد الحكم في بلاد المسلمين ..
فأنت ترى أن اليهود والنصارى كانوا ينعمون بالأمن والأمان على ممتلكاتهم وعباداتهم وكنائسهم وأنفسهم وذراريهم في ظل دولة الإسلام ، ولم يكونوا يكلفون الدفاع عن الدولة أو يجندون تجنيداً إجبارياً بل تتحمل الدولة حمايتهم مقابل جزية زهيدة تدفع بالسنة مرة وكان كثير من الخلفاء والولاة يسقطونها عمن كبر وعجز منهم.. ويردونها عليهم في حال عجز الدولة عن حمايتهم وتأمينهم.. كل ذلك عملاً بقوله تعالى:{لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}.. وعملاً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم في أهل الذمة والمعاهدين الذين يحفظون عهودهم ويلزمون حدودهم فلا يعتدون على الإسلام وأهله.. أليست غضبة عمر ومقالته التي ذهبت مثلاً:(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً) قيلت انتصاراً لقبطي من مصر ضربه ابن للوالي هناك؟
لن أتكلف هنا إثبات أن الأقليات غير المسلمة كانت تحظى في ظل الدولة الإسلامية بالصون والأمان ما داموا كذلك؛ وأنهم ذاقوا من الأمن والأمان في ظل عدل الإسلام مالم يذوقوه تحت حكم أبناء جلدتهم وأهل ملتهم ؛ لأنني سأذهب إلى أبعد من ذلك فأقرر أنهم كانوا يعاملون بالعدل والمعروف والإحسان حتى في حال غدرهم بالمسلمين وتعديهم على الإسلام وأهله..
وليس أدل على ذلك من مؤامرة قتل الخليفة الفاروق وتعامله رضي الله عنه وهو مطعون على فراش الموت معها ، وتعاطي المسلمين بعد موته معها.. إذ يكاد المؤرخون يجمعون على أن القاتل أبا لؤلؤة المجوسي ما هو إلا منفذ لهذه المؤامرة ، بينما كان يقف خلفه ويشاركه كل من الهرمزان -الذي كان حاكماً فارسياً على الأهواز وأسر ثم أمنه الفاروق فعاش في المدينة وأظهراً الإسلام- وجفينة النصراني ، وقد رأى عبد الرحمن بن عوف السكين ذا الرأسين الذي قتل به عمر قبيل يوم واحد مع الهرمزان وجفينة فسألهما عنها فقالا: نقطع بها اللحم فإنا لا نمس اللحم ، ورأى عبد الرحمن بن أبي بكر الثلاثة يتحدثون خفية قبل مقتل عمر ، ولما فاجأهم قاموا وقوفاً فسقط منهم الخنجر ذاته ، ومع هذا كله فما هو رد فعل الفاروق يوم طعن ؟ لقد قال كلمته التي لم ينسها له التاريخ : )إن عشت فالأمر لي وإن مت فالقصاص؛ رجل برجل).. الله أكبر رجل برجل ، الخليفة الفاروق ومع وضوح المؤامرة لا يرضى من القصاص إلا رجل برجل!! ولما ثار ابنه عبيد الله بن عمر بسبب ما سمعه من عبد الرحمن بن أبي بكر فقتل رأس المؤامرة الهرمزان ثم قتل نصيره جفينة ، ما كان من الصحابة إلا أن أنكروا عليه وقاموا باعتقاله وحبسه وشاورهم الخليفة عثمان في إقامة القصاص عليه كونه قتل المتآمرين دون محاكمة لهم ، ثم دعا القماذبان ابن الهرمزان فأمكنه من عبيد الله بن عمر وقال له: يا بني هذا قاتل أبيك فاذهب فاقتله ، يقول القماذبان: فخرجت به وما في الأرض أحد إلا معي ، إلا أنهم يطلبون إلي فيه. فقلت: ألي قتله؟ قالو:نعم ، وسبّوا عبيد الله. فقلت أفلكم أن تمنعوه؟ قالوا: لا ، وسبوه. فتركه لله ولهم ، فاحتملوني فوالله ما بلغت منزلي إلا على رؤوس الرجال وأكفهم. ثم دفع عثمان دية من قتل من ماله. كل ذلك رغم ظهور المؤامرة ..
هذا هو ديننا العظيم وهذه عينة من عدالته مع الأقليات في ظل دولته وسلطانه ، وقد تقدمت أمثلة من ذلك من شيخوخة الدولة أيضاً..
والآن فلنلتفت قليلاً إلى أعداء الإسلام وسلوكياتهم في الحرب والسلم مع الأقليات بل والشعوب المسلمة أو غيرها يوم كانت تسقط بلادهم في أيدي أولئك الأعداء أو يتسلطون عليها..
تقدمت بعض أفاعيل الصليبيين في بيت المقدس إثر سقوطها في أيديهم وما قابلهم صلاح الدين به من العفو والتسامح يوم فتحها ، ولو توقفنا عند هذا المثال وخضنا في تفاصيله لكفى.. لكني سأتحول إلى غيره مخافة السآمة من التكرار فلست مضطراً له لأن الأمثلة لا تكاد تحصى.. تأمل مثلاً ما فعله النصارى يوم سقطت صقلية بأيديهم ، إذ بادروا أولاً إلى تحويل مساجدها جميعاً إلى كنائس أو إسطبلات للخيول ، ودمرت قرى المسلمين كاملة ، وإذا كان المسلمون يأخذون من النصارى الذمة جزية لمرة واحدة في السنة مقابل حمايتهم ويردونها عليهم في حال عجزهم عن ذلك ، فإن التاريخ يخبرنا هنا أن النصارى أرغموا المسلمين بعد مصادرة ممتلكاتهم وأراضيهم وتدمير قراهم وذبح طائفة منهم واستعباد طائفة أخرى وتسخيرهم للعمل في أراضي النصارى؛ أرغموا من تبقى منهم على دفع الجزية مرتين في العام.. وتعرض كثير منهم للإبادة والتنصير القصري ، حتى إن المؤرخ الأوروبي دانيال يعلق على ذلك بقوله:(إن هذا الذي حدث هو حقيقة الرحمة التي كانت أوروبا تقدمها دائماً للمسلمين فهي رحمة مشروطة بالقضاء على دينهم) أهـ. وفي أسبانيا عندما فتحها المسلمون سنة 93هـ كان اليهود محكوماً عليهم بالطرد والقمع والاضطهاد من قبل النصارى ومصادرة أموالهم وفرض التعميد التنصيري على أبنائهم إذا وصلوا سن السابعة ، فجاء الفتح الإسلامي منقذاً لهم من استبداد النصارى وقمعهم ، ولذلك فرحوا بالفتح الإسلامي ورحبوا بالمسلمين وعاشوا على امتداد الحكم الإسلامي في الأندلس(93-897هـ) آمنين يتمتعون بعدالة الإسلام وسماحته.. بل إن بعض حكام المسلمين المتساهلين بالغوا في إكرامهم إلى حد الوقوع في المخالفة الشرعية بتوليتهم الوزارة والولايات المختلفة ، فصار المسلمون يقفون بأبوابهم ويحجبون ويذلون ، وتجرأ بعضهم كالوزير اليهودي(ابن النرغيلة) فصنف كتاباً يطعن فيه بالإسلام ، مما حدا بالإمام ابن حزم إلى الرد عليه ودحره في كتابه(الرد على ابن النرغيلة) ، ولا شك أن هذا التساهل كان من أسباب ضعف المسلمين في الأندلس إذ استغل اليهود هذه المناصب للنخر في الدولة واستغلوا ضعف الدولة فأخذوا يتنكرون للمسلمين ويغدرون بهم ويمالئون النصارى عليهم ويدلوهم على عوراتهم ونسوا كيف كان حال آبائهم تحت نير حكم النصارى وما نقموا على المسلمين إلا تسامحهم معهم وعدالتهم ، فأعانوا النصارى وظاهروهم على إسقاط حكم المسلمين.. فبماذا جازاهم النصارى يا ترى؟!لقد سلطهم الله عليهم فأذلوهم وأبعدوهم وصادروا أموالهم وأرغموهم على التنصر كما فعلوا بالمسلمين وكان لهم نصيب من عذابات محاكم التفتيش التي أقيمت أصلاً للمسلمين وتحدث التاريخ عن الفظائع التي ارتكبت بالمسلمين فيها وطرد النصارى مائة وخمسين ألفاً من اليهود لجأ أكثرهم ولاذوا بالعالم الإسلامي الذي تآمروا عليه من قبل فآووا إلى كثير من دول شمال إفريقيا..
هذه لمحات من حضارة المسلمين وهذه أمثلة من مبادئنا وعدالتنا ومعاملاتنا للأقليات يشهد بها العدو المنصف قبل الصديق ، فهذه ليست قصصاً أو أفلاماً خيالية بل هي حقائق تاريخية مسطورة ومحفورة في تاريخ الغرب نفسه قبل التواريخ الإسلامية..
وتلك هي حضارتهم ومبادئهم وأفعالهم المشينة ليس مع الأقليات وحسب بل مع الأمم والشعوب التي تسلطوا عليها.
إن من يسمون اليوم بالأقليات غير المسلمة يعيشون في بلاد المسلمين وينالون من الحقوق والامتيازات والمناصب في ظل أنظمة الكفر الحاكمة ما لا يحلم به المسلمون المسحوقون المضطهدون من قبل هذه الأنظمة وأسيادها الغربيين ، وقد تسلط كثير من أولئك الموصوفين بالأقليات على ثروات المسلمين ومراكز القرار في بلادهم ولهم من المؤسسات والمنظمات والمراكز التي تبسط سيطرتها على مقدرات المسلمين وتنشر إلحادها وفسادها وتبث وتدعوا إلى عقائدها وأديانها.. كل ذلك ببركات كفر هذه الأنظمة وبدعم الغرب الكافر لتلك الأقليات.. والناظر إلى جنوب السودان وما وصلت إليه اليوم جون قرنق بدعم أمريكا والمتأمل بأحوال الأقباط في مصر والنصارى ونشاطهم في الخليج وغيره يعرف أننا لا نتكلم من فراغ..
ومع ذلك يخرج علينا بعض نصارى الغرب ليدعي أن غير المسلمين مساكين في بلاد المسلمين لا ينالون حقوقهم ولا يستحيون من جعل ذلك سهاماً ومطاعن يوجهونها إلى نحر الإسلام مع أنه مغيب غير حاكم في ظل هذه الأنظمة : فهذا الكاردينال الإيطالي(روبرتو توتشي) يزعم(أن الإسلام لا يعطي احتراماً كافياً لغير المسلمين باعتبارهم مواطنين حقيقيين) ويضيف الكاردينال الذي كان مديراً لإذاعة الفاتيكان على مدى عشرين عاماً:(إن المسيحيين في الدول الإسلامية!! يعانون دونية اجتماعية ويواجهون بالتالي مصاعب اقتصادية وثقافية)أهـ.
وأنا هنا لن أتكلف الرد على هذا الهراء خصوصاً بعدما قدمته لك من أمثلة وحقائق لا يقدر على جحدها وإنكارها والتعامي عنها إلا الكاذبون الحاقدون.. بل سأكتفي بإيراد مقتطفات من رد أحد أبناء ملة هذا الكاردينال وهو الكاتب النصراني(جورج حداد) حيث كتب رداً في جريدة الدستور الأردنية بتاريخ 17/1/2004م تحت عنوان(ادعاءات الكاردينال المجرور بخديعة اليهود) جاء فيه:(يظل اختراق اليهود وتسللهم إلى حلقات صنع القرار في الأوساط الحزبية والسياسية والإعلامية الغربية أقل خطراً وضرراً من اختراقهم الكنائس المسيحية والعبث بلاهوتها ومفاهيمها بحيث يبدو الأمر وكأن التمرس بالقيم المسيحية والإيمان المسيحي لا يستقيم إلا بالتعرض للإسلام والتعريض برسالته وتعاليمه الإنسانية..) - ثم ذكر كلام الكاردينال آنف الذكر- وقال (مثل هذا الاتهام ومثل هذا التعميم عندما يطلق من إذاعة الفاتيكان يكون الخطأ فيه ، موازياً للخطيئة..)
إلى أن يقول:(إذا وجد نوع من التمييز ضد مواطنين مسيحيين أو غير مسيحيين في بلد غالبيته العظمى من مواطنين مسلمين ، فلا يمكن رد السبب إلى الإسلام. بل إلى الفهم الأعوج لجوهر الإسلام ورسالته وتعاليمه السامية! فالإسلام الذي تنص تعاليمه على أن((.. الناس سواسية كأسنان المشط)) وأنه((.. لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى)).. ليس ولا يمكن أن يكون مسئولاً عن الشذوذ والإنحراف الذي يأتيه ، أو يتورط منه بعض أدعيائه ، أو المنتسبين إليه!!) إلى أن يقول:(أما ما زعمه الكاردينال توتشي عن معاناة المسيحيين مما أسماه((دونية اجتماعية)) و((مجابهة مصاعب اقتصادية وثقافية)) في الدول الإسلامية!! فلا يعتقد عاقل مطلع ، منزه عن الغرض والمرض ، إلا أنه اتهام ظالم متعسف ، لا يبدو أنه خال من التعصب الجهول ، حتى لا نقول من الإيحاءات والأصابع اليهودية)أهـ. مختصراً .

الغرب هو مبدع التسلط وصانع الدكتاتوريات :
وإذا تركنا هلوسات هذا الكاردينال الحاقد واكتفينا برد أحد أبناء ملته عليه.. والتفتنا قليلاً إلى حال الأقليات بل الأكثريات والشعوب المخالفة لهم في الدين أو القومية أو حتى اللون في بلادهم ، ولن نكرر هنا ما أشرنا إليه من محاكم التفتيش في أوروبا وما فعله الصليبيين في بيت المقدس وسائر بلاد المسلمين...
بل سنذكر بشيء من جرائمهم وثمرات عنصريتهم وأحقادهم في العصر الحديث ..
ابتداء من إبادة شعوب بأكملها واحتلال أراضيها ومصادرة مقدراتها كما فعلوا مع شعب الآزتيك وغيرهم من شعوب أمريكا اللاتينية (الهنود الحمر) بدافع العنصرية ونزع صفة الإنسانية عنهم ، وإذلال واحتقار وامتهان من تبقى منهم(ولذلك تقف أمريكا اليوم- كما سيأتي- إلى جنب إسرائيل بقوة ، فإن الأخيرة لا تفعل اليوم في فلسطين إلا ما فعلته أمريكا مع سكان أمريكا الأصليين) ومثل ذلك فعلوا في أستراليا وشعبها وسكانها الأصليين الذين يعرفون (بالأبورجينز)...
ومعلوم أن حملة كريستوفر كولومبوس التي وصل الأوروبيون بها إلى أمريكا كانت تضم أعداداً كبيرة من السجناء العتاة والمجرمين الذين أرادت ملكة إسبانيا التخلص منهم ومن شرورهم فضمتهم إلى حملة كولومبوس ، فهؤلاء هم أجداد الأمريكان الفاتحين !!
ويقول الكاتب الأمريكي دي توكفيل في كتابه(( الديمقراطية في أمريكا)): (نزلت أول جالية إنجليزية في فرجينيا عام 1607م وكانوا يسعون وراء الذهب ، وكانوا قوماً مقامرين نفعيين لا أخلاق لهم)أهـ.
ثم تأمل كيف بنى هؤلاء أمريكا لقد بنوها بسواعد وجهود الأفارقة الذين كانوا يختطفونهم من شواطئ أفريقيا ويجلبونهم بالسلاسل إلى أمريكا فيسترقونهم ويبيعونهم ويسخرونهم في الأعمال الشاقة والفظيعة وازدهرت بذلك تجارة الرقيق ، وكانوا يعيشونهم كقطعان الدواب ويستعبدون نسلهم ويتاجرون بهم أيضاً.
وحتى بعد انتهاء حقبة الرق والعبيد لا زالت سلالات اؤلئك العبيد تعاني إلى اليوم من العنصرية والتفرقة وسوء الحالة المعيشية وتدني مستويات الدخل وتفشي البطالة ، والمتأمل لمناطق سكناهم وأحوالهم في أمريكا لا يجادل في هذه الحقائق ويعرف عنصرية الحضارة الأمريكية المعاصرة وتمييزها !!
وأيضاً فالمتأمل لتاريخ أمريكا منذ تأسيسها ، وتدخلاتها في أنحاء العالم يجدها تقوم على تحقيق مصالحها بغض النظر عن خسة الوسائل ومخالفتها لمبادئ الحرية والعدالة والحقوق التي تتغنى بها ، الشيء الذي يفضح دعاوى ترويجها للديمقراطية والحريات ...
فأمريكا هي قامعة كثير من الثورات ضد الدكتاتوريات المختلفة ليس في العالم الإسلامي وحسب بل في العالم كله..
تأمل تدخلاتها في دول أمريكا اللاتينية مثلاً ...
- فمخابراتها هي التي أطاحت بحكومة منتخبة(أي ديمقراطية في عرفهم) في (جواتيمالا) عام 1954م وأخضعتها لحكم دكتاتوري أربعة عقود ذهب ضحيته عشرات الألوف من الرجال والنساء تحت صنوف التعذيب والقتل الجماعي والخطف والإعدام..
- وما حدث في تشيلي فصل آخر من ذلك ، حيث أطاحت (بسلفادور الليندي) الذي وصل على الحكم من خلال ديمقراطيتهم ومع ذلك فلمعارضته لأمريكا وميوله الماركسية ومع أنه سعى لجعل تشيلي نموذجاً ديمقراطياً!! وسعى في محاربة الفساد ونادى بأن يتمتع الشعب بثروات البلاد إلا أن واشنطن سلطت مخابراتها لإسقاطه ، واغتالته في 11/9/1973م وخربت اقتصاد البلد ونشرت الفقر ودعمت الفساد وساندت انقلاباً دموياً أوصل إلى الحكم حكومة دكتاتورية ذهب ضحيته آلاف الرجال والنساء تحت التعذيب والقتل حتى استعملت الكلاب المدربة في اغتصاب النساء كل ذلك ببركات أمريكا ..
وهكذا فلا تكاد توجد دولة في العالم سلمت من تدخلات واشنطن في سياساتها الداخلية وولدت هذه التدخلات في كثير من البلدان حكّاماً فاسدين متسلطين جداً..
أليسوا هم من زرعوا الشاه في إيران وأعادوه بعد أن أبعدته حكومة محمد مصدق فقضوا عليها وأعادوه إلى الحكم عام 1952م؟ أليس هم من صنعوا ودعموا الدكتاتور ماركوس في الفلبين؟ وسوهارتو في إندونيسيا ، وسوموزا في نيكاراغوا ، وباتيستا في كوبا ، وبينوشيه في تشيلي ، وفي الدومينكان تدخلوا عام 1916م ضد ثورة الشعب على السلطة الفاسدة وفرضوا حكومة عسكرية عملية لهم.. وهكذا في جواتيمالا والبرتغال وبولونيا وهايتي كلها شواهد على تدخلات أمريكية لصالح الحكومات الاستبدادية الدكتاتورية العميلة لها ضد رغبات الشعوب ثم لا يستحيوا مع هذا كله أو يخجلوا أن يتكلموا أو ينظروا في الديمقراطية والحريات!! وتاريخهم الأسود في فيتنام شاهد على أبشع جرائمهم ضد الإنسانية من عام 1965 إلى عام 1975م حيث خرجوا يجرون أذيال الخيبة رغم أنهم أبادوا فيها الحرث والنسل.. إلى غير ذلك من تاريخهم الخبيث.. ولعل(أرنولد توينبي ) المؤرخ والمفكر البريطاني نظر في شيء من هذا التاريخ الأسود يوم قال مقالة في الستينات لو أدرك زماننا لترسخت وتعززت عنده حيث قال:(إن الولايات المتحدة تقود حركة مضادة للثورات على نطاق العالم في سبيل مصالحها ، إنها تصارع من أجل ما كانت تصارع من أجله روما؛ وقفت إلى جانب الأغنياء ضد الفقراء ، ولأن الفقراء هم الأكثر فإن سياسة روما قامت على الظلم؛إن من يراقب حركة التاريخ الآن يجد أن الولايات المتحدة تقف إلى جانب الأغنياء ضد الفقراء ، وإلى جانب المستبدين ضد أنصار الحرية ، وتقف إلى جنب العناصر الفاسدة والمفسدة ضد دعاة الإصلاح ومحاربة الجهل والفقر والمرض)أهـ.
أقول: فهي تتقمص روح الإمبراطورية الرومانية على رأي توينبي ، الإمبراطورية التي كانت ترى أن من حقها وحدها فقط أن تتصرف في العالم وتحكمه ، ولكن الذي لم يشر إليه توينبي هنا أن عجلة التاريخ داست روما وأصبحت إمبراطوريتها نسياً منسياً وكان مصيرها مصير أمثالها من المتجبرين في الأرض...

بعض ملامح الديمقراطية الغربية في بلاد المسلمين.
أما عداؤهم المتجذر للمسلمين وعنصريتهم الحاقدة تجاه الحضارة الإسلامية فحدث عنه ولا حرج ..
ابتداء بما فعلوه هم وإخوانهم الأوروبيين ولا زالوا يفعلونه في بلاد المسلمين التي احتلوها ونهبوا خيراتها ولم يخرجوا منها إلا بعد أن نصبوا دكتاتوريات خبيثة عميلة موالية لهم ولمصالحهم وأذناب لكفرهم حكموا البلاد وأفسدوا العباد بمناهجهم ومذاهبهم وقوانينهم الكافرة.. ولا داعي لأن أستعرض ذلك في بلادنا دولة دولة ، فالتاريخ الحديث ما زال ماثلاً لم ينس بعد.. ولم يسلم من بغيهم وحقدهم وعدوانهم وجرائمهم حتى مسلمو أوروبا؛ فمجازر البوسنة والهرسك وألبانيا وكوسوفو لا زال العهد بها قريباً..
وتصريحات قادتهم وأقطابهم وكتاباتهم المعادية للحضارة الإسلامية كهلال الأزمات لكيسنجر وتصريحات رئيس الوزراء الإيطالي برلسكوني ومطاعنه في الحضارة الإسلامية وتصريحات جنرالات أمريكا ضد المسلمين وأنهم يعبدون وثناً وآخرهم نائب وكيل وزارة الدفاع لشؤون الاستخبارات (وليام بويكن) الذي نادى بالجهاد المسيحي ضد الإسلام ، وحربهم المعلنة على الحجاب في كثير من دول الغرب معلومة...
ومحاربتهم للمدارس والمعاهد الدينية في الباكستان واليمن وإندونيسيا وغيرها وضغطهم على طواغيت هذه البلاد وغيرها لإغلاقها والتضييق على طلبتها ومدرسيها وسعيهم إلى تغيير مناهج المدارس عموماً لتدجينها أكثر وأكثر مما هي عليه أصلاً وتخنيثها لسياساتهم ، والتضييق على الدعاة والعاملين في لجان الزكاة ومحاربة الهيئات الخيرية وتجميد أموالها ومصادرتها ، ومطاردة المجاهدين والكيد لهم والتعاون مع أنظمة بلادنا العميلة في اعتقالهم وتسليمهم والتحقيق معهم بل وتصفيتهم ، كل ذلك معلوم ومكشوف لم يعد يجادل فيه أحد...
هذا غير ممالأتهم وتسويغهم لجرائم أذنابهم وغيرهم في حق المسلمين في شتى البلاد سواء في الفلبين أو إندونيسيا وجزر الملوك وكشمير والشيشان واليوم في الباكستان والسعودية وغيرها... تحت غطاء حق تلك الدول في مكافحة الإرهاب داخل حدودها وأن ما يجري فيها من مذابح للمسلمين وحرب على الإسلام شأن داخلي ، بخلاف ما إذا كان المستهدف فيها من عباد الصليب أو بعض أذنابهم من المنتسبين للإسلام اسماً فالموازين ساعتها تنقلب رأساً على عقب..
أما ما فعلته أمريكا في الصومال وفي أفغانستان من هدم للمساجد والبيوت فوق رؤوس الشيوخ والنساء والأطفال وحرق الأخضر واليابس تحت ستار مكافحة الإرهاب؛ فمشاهده لم تمح بعد من الذاكرة ...
ثم ماذا كان بعد أن أسقطوا حكم طالبان وأقاموا حكم عميلهم قرضاي؟ لقد نشروا التبرج والفسق والعهر والفجور ، وغضوا الطرف عن عودة الإجرام وخطف واغتصاب النساء وقطع الطريق وزراعة الأفيون ورواج تجارة المخدرات التي كانت قد تقلصت بل تكاد تكون انعدمت في ظل حكم الطالبان ، فأصبحت أفغانستان اليوم في ظل حكم قرضاي أكبر منتج للأفيون في العالم وفقاً لتقرير ذكر في صحيفة(بوسطن غلوب) كل ذلك حصل ولا يزال يمارس إلى اليوم تحت غطاء تحقيق الديمقراطية!! والحرية وتكريس حقوق المرأة وحقوق الإنسان!!
أرأيتم .. ماذا يعنون بهذه المسميات !!
ومارست أمريكا خلال ذلك كل أنواع القرصنة والخطف والإرهاب بالتعاون مع عملائها في أفغانستان والباكستان وجورجيا ودول جنوب شرق آسيا والأنظمة العربية فقامت بخطف كل من تشتبه بأنه يتعاطف مع الطالبان والقاعدة والجهاد ولم يسلم من ذلك كثير من الشيوخ والقاصرين والأطفال في عرفهم وقوانينهم وسجنوا في قاعدة غوانتناموا خارج حدود بلادهم ، ولماذا؟ قالوا: كي يأخذ المحققون راحتهم ويرتفع عنهم الحرج فلا يكون التحقيق مقيداً بقوانين الولايات المتحدة !!
وللدعوى والسبب ذاته كانوا يقومون بالتحقيق مع بعض المعتقلين في قاعدة باغرام الأمريكية الجوية بالقرب من العاصمة الأفغانية كابل .. وكانوا يوكلون في أحيان أخرى أمر التحقيق القمعي مع بعض المعتقلين والمخطوفين لمخابرات بعض الأنظمة العربية ويشاركونهم في التحقيق في كثير من البلاد ،
واللعبة ذاتها مارسوها في العراق بالاشتراك مع محققين عراقيين في عموم العراق ومحققين أكراد من جماعة طالباني وبرزاني في شمال العراق .. حتى إن الغر عندما ينظر في هذا يظن أو ربما يصدق أن سجونهم ومحاكمهم وقضاءهم خال من التحقيق القمعي والتعذيب أي أن ديمقراطيتهم تمنع ممارساتهم هذه داخل أمريكا وتجيزها لهم خارج حدودهم !! والحقيقة أسوأ من هذا ، فما تعرض له كثير من المعتقلين المسلمين في سجونهم الأمريكية ومن بينهم الدكتور عمر عبد الرحمن مع أنه ضرير مريض من إذلال وتعذيب جسدي ونفسي قد سمع به كل أحد ، وما تعرض له خالد شيخ محمد وأمثاله من المجاهدين من أصناف التعذيب فيما يعرف عندهم بفندق كاليفورنيا أشد وأعظم كما جاء في مقالة مفصلة عن أساليب التعذيب الوحشية الحديثة التي صبت على خالد شيخ من استعمال أصوات مزعجة تصم الآذان وإضاءات شديدة تذهب بالبصر والحرمان من النوم والتجويع والمنع من الشرب في كثير من الأحيان والعزل عن العالم والتعرية والعبث بالأعضاء التناسلية والتعريض للحرارة اللاهبة تارة وللبرودة تارة أخرى إلى غير ذلك من الأساليب التي لا تترك آثاراً ولكنها تؤثر بالدرجة الأولى على عقل الإنسان والتي فصلها الكاتب (الكساندر شفابه)في صحيفة (دير شبيغل ) الألمانية تحت عنوان (كيف ستتم معاملة صدام في فندق كاليفورنيا؟) وذكر أن مراكز التحقيق هذه منتشرة في أماكن سرية عديدة في الولايات المتحدة كل ذلك نقله الكاتب عن مجلة (ذي أتلانتيك مونثلي)الأمريكية في عددها الصادر في شهر آب من العام الماضي ، أضف إلى هذا كله الأحوال التي عاشها عموم المسلمين بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتي تظهر أنهم يخالفون ديمقراطيتهم في داخل أمريكا كما في الخارج فالاعتقال العشوائي والتوقيف التعسفي والأحكام القائمة على شهود مجهولين إضافة إلى الإذلال والتمييز العنصري والتوقيف الطويل للأبرياء ..هذا وغيره شهده العالم ، كما شهد القاصي والداني بمخالفة أوضاع السجناء في معتقل غوانتنامو لحقوق الإنسان وأدنى معايير العدالة والإنسانية ، واستنكره عدد كبير من المنظمات الحقوقية وتابعت باستمرار رفضها للحالة التي تم بها اعتقال واحتجاز الأسرى في غوانتنامو كما ذكرت صحيفة (لوموند) الفرنسية في مطلع يناير عام 2004 وركزت الوثيقة التي وقعها آلاف المحتجين وتم تقديمها إلى برشلونة ، وكذلك منظمة حقوق الإنسان في الولايات المتحدة ومنظمة العفو الدولية إذ عبر كل منهم
عن سخطه واستنكاره للإجراءات القانونية لهؤلاء المعتقلين وفي الاتجاه نفسه –والكلام للوموند- عبر عدد كبير من القضاة الأمريكيين عن تساؤلهم واستغرابهم للحالة القانونية للمحتجزين وقدموا وثائق استنكار في محكمة فدرالية في ولاية كاليفورنيا ، ودعت المحكمة إلى أن يتم على الأقل الاستفادة من القوانين والمحاكم الأمريكية أو أن يتم محاكمتهم في بلدانهم إلا أن الإدارة الأمريكية رفضت تسليمهم لبلدانهم وقررت أن المحتجزين الأجانب لا يمكنهم الاستفادة من القانون الأمريكي كما ذكرت لوموند.
إذن يحق للأمريكان وفقاً لديمقراطيتهم من الممارسات والمخالفات والتجاوزات ما لا يحق لغيرهم !!
أمريكا اليوم تمارس هذه البلطجة على مستوى العالم كله وتخالف كل الأعراف والاتفاقيات والقوانين الدولية التي تعتبر هي من يخالفها دولاً مارقة يتوجب على العالم وضع عقوبات عليه وتصنيفه ضمن محور الشر الدول الراعية للإرهاب والمخالفة لحقوق الإنسان ، تستعمل هذه العصا ضد خصومها فتلوّح وتضرب بها من تشاء ، مع أنها أكبر مخالف لذلك يستحق أن يضرب بهذه العصا كما تقدم ، ولا زالت تخطف كل من تصفه بأنه عدو محارب لها وتجيز لنفسها وفقاً لقانون الحرب تصفيته أو خطفه وأسره دون محاكمة وتتعامل على مستوى العالم كله بقانون الحرب الوقائية تحت دعوى الحرب على الإرهاب فتقصف بطيرانها من تشاء في جبال أفغانستان وداخل الحدود الباكستانية وتعربد فوق مدن العراق وتقصف من حيث شاءت في عمق الأراضي اليمنية فتقتل من تريد وتتدخل في مصائر الشعوب وقراراتها بل وثقافاتها ودينها .. ومع هذا كله فهي دولة ديمقراطية !! ليس هذا وحسب بل تريد تعليب وتصدير الديمقراطية للعالم!!!

بعض تطبيقات الديمقراطية الغربية في العراق:
وفي العراق جاءوا بطائراتهم وأساطيلهم ودباباتهم وحدهم وحديدهم تحت غطاء منح الحرية للشعب العراقي ، ونقلت لنا الفضائيات الأمريكية وأذنابها من فضائيات أنظمة بلادنا العميلة وركزت على فظائع صدام ومقابره الجماعية وسجونه ومعتقلاته وكأن سائر الأنظمة المجرمة التي ترعاها أمريكا في بلادنا ليست كذلك !! كما نقلت صورة العراقيين وهم يتظاهرون في الشوارع ولم تنس أن تنقل لنا بخبث أيضاً صورهم وهم يسرقون البيوت والمتاجر والمتاحف !!أليست هذه هي الحرية على طريقة الكاوبوي الأمريكي ؟ نعم ولكن هذا لا يعني الفضائيات الأمريكية ، إنما الذي يعنيها أن تفهم الناس أن العراقي إنسان لص سارق وأمريكا ستعمل على تحضيره وتطويره وجعله إنسان ديمقراطي يطالب بحقوقه بطريقة حضارية وتلك هي صورة المظاهرات .....
أجل تريد الفضائيات الأمريكية وصحافتهم أن تري العالم أنهم جاءوا إلى العراق ليلقنوا العراقيين دروساً في الديمقراطية والحرية ولذلك نقلوا لنا صورة الحاكم الأمريكي بول بريمر وهو يفترش مجلساً متواضعاً على الأرض يشارك فيه بإفطار بسيط بعض العراقيات من داعيات تحرير المرأة...
نقلت لنا فضائياتهم ذلك كله لكنها نسيت أو تناست أن تنقل لنا صور الجنود الأمريكان وهم يدوسون ببساطيرهم على رؤوس وأعناق العراقيين كما تناقلتها الصحف والفضائيات الأخرى شارحة ومصورة للطريقة التي يُعلم الأمريكان ويلقنون بها العراقيين دروس الحرية والديمقراطية الأمريكية.. وهي الطريقة ذاتها التي تلقن بها إسرائيل دروس الحرية للفلسطينين ونقلت لنا الصحافة الأخرى أيضاً صور الجنود الأمريكان وهم يروّعون الأطفال والنساء ويمتهنوهن ويذلونهن بل ويعتقلونهن ضغطاً على أزواجهن ليسلموا أنفسهم كما اعتقلوا العلماء وأذلوا وجوه العشائر ؛وإذا كانت سجون صدام ممتلئة باللصوص والمجرمين وطائفة من معارضي نظامه؛فإن السجون اليوم تعج بأضعاف أضعاف ما كانت عليه زمن حكم صدام وجل المعتقلين اليوم من الأحرار والمقاومين والمجاهدين بينما اللصوص وقطاع الطرق والمجرمون المحترفون أحرار طلقاء في الصحاري والمدن والشوارع وفي مجلس الحكم أيضاً !!!
فهؤلاء جميعاً ينعمون بحرية وديمقراطية أمريكا وحراسة دباباتها وحماية طائراتها ودوس بساطيرها أيضاً ، أما الأحرار فمغيبون خلف الأسوار وليس لهم من تلك الحرية نصيباً ، ولأن أمريكا لم تجلبها لهم وإنما جلبتها لأذنابها وعملائها ...
وقد تكلم الكاتب توماس فريدمان في صحيفة (نيويورك تايمز )عن حقيقة هذه الحرية وذكر أنواعاً من هذا الإذلال اليومي الذي يمارسه الأمريكان مع العراقيين تحت عنوان (عنصر الإذلال في العلاقات الدولية ) وكتب (لوك هاردنج ) في صحيفة الغارديان مقالة مشابهة لكن بعنوان(حذاء في الفم بدل حرية الكلمة )نشرت ترجمته في صحيفة الدستور 15/1/2004م وذكر فيه بعض ما تعرض له بعض الصحفيين والمصورين العراقيين العاملين في وكالة رويترز للأنباء من اعتقال دون سبب وإذلال وتعذيب وتعرية من الملابس وتهديد باللواط وحشو الأحذية في فمهم أثناء التحقيق معهم من قبل الجنود الأمريكان ، إلى غير ذلك من ممارسات الحرية والديمقراطية الأمريكية التي جلبوها للعراقيين!!وإذا قدر لهؤلاء العراقيين أن ينجوا من ربقة الأسر وتمكنوا من إيصال ما حصل معهم إلى الصحافة كونهم من العاملين في وكالة أنباء دولية ؛ فهل يتمكن المواطن العراقي العادي من ذلك ؟ وإذا كان هذا الإذلال والإهانة والتحقير والتهديد باللواط يمارس مع صحفيين وراءهم وكالات صحافة أوربية فما هو نوع الحرية والديمقراطية التي يمارسها الأمريكان يا ترى مع المواطن العراقي العادي ؟
ذكرت صحيفة الإتحاد عن الكاتب باتريك سيل وهو كاتب بريطاني متخصص في شؤون الشرق الأوسط
ونشر ذلك في صحيفة الدستور بتاريخ 9/3/2004م أن عدد العراقيين الذين قتلتهم أمريكا منذ الغزو على العراق قبل سنة من الآن وفقاً للتقديرات المتحفظة يعادل تقريباً (عشرين ألف) قتيل من المدنيين والعسكريين إضافة إلى ما بين (عشرين إلى ثلاثين ألف) جريح منهم عدد لا بأس به من النساء الأطفال
أضف إلى هذا وفاة قرابة (خمسمائة ألف) عراقي بينهم عدد كبير من الأطفال كنتيجة لثلاثة عشر سنة من العقوبات والحصار ، كل ذلك كان تحت دعوى البحث عن أسلحة الدمار الشامل الموجودة في إسرائيل !!!وليس في العراق ، أقول أن مجرد تأمل هذه الأرقام الهائلة مع هذه الحجة الفارغة التي علمت الدنيا كلها زيفها ؛يعرفك بحقيقة الديمقراطية والحرية التي مارستها أمريكا مع المواطن العراقي العادي ..هذا غير استخدامها لقنابل المدفعية ذات الرؤوس المحتوية على اليورانيوم المنضب والتي ضاعفت من انتشار مرض السرطان بنسبة مخزية على حد تعبير الكاتب نفسه في مقالة نشرت في صحيفة الحياة بعنوان (دروس من مدريد ) وذكرت صحيفة البيان الإماراتية في 23/2/2004م عن مصادر مطلعة في قوات التحالف أن رامسفيلد ووكالة المخابرات الأمريكية وقيادة قوات التحالف في العراق قد استأجروا عدداً كبيراً من فرق الموت وعصابات المرتزقة من القتلة والمجرمين الدوليين المعروفين من مختلف دول العالم مثل صربيا وكرواتيا وجنوب أفريقيا وايرلندا وألمانيا وإسرائيل يقودهم مجرمي الحروب الذين برزوا في هذه البلدان واشتهروا في عالم الجريمة والقتل وذكرت المصادر أن نسبة هذه العصابات المكلفة بملاحقة جماعات المقاومة العراقية ورموزها وإرهاب المواطنين العراقيين وقتلهم بشكل عشوائي أكبر بكثير من نسبة الجيش البريطاني المشارك في احتلال العراق ، والأجر الذي يتقاضاه هؤلاء القتلة والمجرمون هو خمسة عشر ألف دولار يومياً للقادة وأقل منها بقليل للأفراد ويضاف إلى هذه الأرقام مبالغ إضافية لقاء كل رأس يصطاده هؤلاء المجرمون المسلحون بأحدث الأسلحة من المقاومين العراقيين تماماً كما كان يدفع الأمريكان للقتلة المحترفين والخارجين على القانون لقاء رأس كل مواطن هندي أحمر يصطادونه على حد قول صحيفة البيان .
أقول هذه هي أدوات الحرية عندهم وهذه هي ديمقراطيتهم !!ثم لايستحيي رامسفيلد وقادته من الطعن في المجاهدين ووصفهم بالإرهابيين وفي المقاومة العراقية بدعوى أنها تستعين بإرهابيين يتسللون عبر الحدود العراقية !! تأملوا المنطق الأمريكي ؛ يجوز لأمريكا الغازية المحتلة أن تستعين بإرهابيين من شتى أنحاء العالم وكيف شاءت ، ولا يجوز ذلك للمدافعين عن دينهم وأرضهم وعرضهم !!
لا تعجبوا ؛ إنها الديمقراطية والحرية التي جاؤوكم بها !!!
والسؤال بعد هذا كله وبغض النظر عما يحصل في العراق وواقع الديمقراطية المفروضة بالبساطير الأمريكية هناك ؛ هل يصدق أحد أن أمريكا تريد إزالة الديكتاتوريات في بلادنا ودمقرطة الشرق الأوسط بالصورة الغربية التي تدعيها؟؟
أقول حتى الكتاب الغربيين ومؤسساتهم ومسئولوهم لا يصدقون ذلك .
وكيف يصدقون وتقارير المجلس القومي للاستخبارات الأمريكية تقول علانية : إن البدائل المنظورة لأنظمة الحكم القائمة في بلادنا ستكون أنظمة حكم إسلامية راديكالية !!ويقول مسئولون أمريكيون أن البيت الأبيض لا يمكن أن يضع وعوده وتعهداته تجاه محاولة فرض الديمقراطية في المنطقة موضع التنفيذ لأن ذلك قد يؤدي إلى رد فعل عكسي لما هو مرغوب فيه ويأتي الراديكاليين ا لمسلمين إلى السلطة.
لذلك فإن منتقدي بوش يقولون: إنه يحاول أن يكون له طريقان : تصوير نفسه بأنه بطل ا لتغيير ، في الوقت الذي يتمسك فيه بالوضع الراهن.
أقول لا شك أن بوش وغيره من الساسة الأمريكان لا يمكن أن يفرطوا بالوضع الراهن ، لأنه الوضع المثالي لتحقيق وحفظ مصالحهم وقمع وإقصاء أعدائهم من المجاهدين ، وما دام أذنابهم في أنظمة الحكم في الشرق الأوسط يتكفلون بذلك فلن تتخلى عنهم واشنطن ولو كانوا من أعتى الديكتاتوريات .ولذلك انحازت أمريكا وفرنسا وسائر أوروبا للاستبداد والعسكرة والدكتاتورية في الجزائر كمثال ، وغضت الطرف عن قمع نتائج ديمقراطيتهم المصدرة للجزائر لمجرد أن أحست أن جهة تمت للإسلام كانت على وشك الوصول من خلالها إلى سدة الحكم ، وهكذا هم يدعمون سائر الأنظمة الديكتاتورية في الشرق الأوسط التي هي صنيعتهم أصلاً ، ولحرصهم على بقائها يحاولون تجميل وجهها القبيح ببعض مساحيق تجميلهم متمثلة ببعض الوصفات الإصلاحية الشكلية وإنشاء أو دعم بعض المنظمات الحقوقية والنسائية ونحوها ، حفاظاً على هذه الأنظمة أن تستبدل إذ يعرفون أن لا بديل لها اليوم عند شعوب المنطقة إلا الخيار الإسلامي وسابقاً كانت هذه الوصفات تمنح سراً كنصائح ومؤامرات مع هذه الأنظمة أما اليوم ولشدة خوفهم من العملاق الإسلامي الذي أفاق من غفلته ورعبهم من أن يصل إلى سدة الحكم صاروا يفرضون هذا التجميل فرضاً ولو بواسطة عمليات جراحية الشيء الذي جعل بعض عملائهم في المنطقة يشعر بالمهانة والإذلال كمصر والسعودية ونحوها ...والظاهر أن الأمور ستسوى بينهم في خاتمة المطاف على أن تظهر تلك العمليات على أنها إصلاحات داخلية غير مفروضة كي تلقى قبولاً داخليا من الشعوب وأياً يكن الأمر فالمهم في النهاية أن تبقى هذه الأنظمة صالحة لحراسة مصالح واشنطن وحليفتها إسرائيل وسداً دون وصول الإسلام إلى الحكم ...فهذا هو الإصلاح المنشود في المشاريع الأمريكية .. أما أن يتصور أن الهدف هو إزالة الديكتاتوريات فهذا عين الوهم محض الخيال ....
يقول الكاتب (ستان مور ) في صحيفة (ورلدميديا مونيتورز) ناقلاً عن كتاب بعنوان (ما وراء الحرب على الإرهاب) الذي نشر مؤخراً ؛كانت أمريكا طيلة عقود تتلاعب بالشرق الأوسط لمصالحها الاقتصادية ، فإذا تطلبت مصالح أمريكا الاقتصادية أو مصالح شركاتها الكبرى تنصيب دكتاتور مثل شاه إيران وحكوماته القمعية أو الإطاحة بدكتاتور آخر سبق أن دعمته وسلحته مثل صدام حسين فيتم إنجاز المهمة ...وهكذا كانت الديمقراطية كلمة عابرة تتناقض كلياً مع الحقيقة ، فالمسئولون الذين انتخبوا بشكل ديمقراطي في الحكومات الأجنبية مثل محمد مصدق في إيران أطاحت أمريكا بهم ، بل إن بعضهم تعرض للاغتيال على أيدي عملاء أمريكيين ، يقول مور : لقد أصبح من الواضح أن الديمقراطية التي تتدخل في المصلح الأمريكية لن تدوم وهذا ما يكشفه الكتاب الجديد بالتفصيل وبدقة موثقة .إلى أن يقول :
لكن ماذا عن العراق ومستقبل العراق ؟هل ثمة من يعتقد فعلاً أن الرئيس جورج بوش يسعى لتطبيق الحرية الديمقراطية في العراق ؟ الحقيقة أن بوش ومستشاريه ذوي العلاقات الوثيقة مع الشركات الكبرى يريدون السيطرة على العراق وموجوداته وأصوله واقتصاده بشكل نهائي ..بوش يريد النفط العراقي وتحويل موارده إلى أمريكا حتى تدفع الكلفة المالية الباهظة للغزو والاحتلال وإعادة إعمار البنية التحتية في العراق . وليس مهماً ما يريده أغلب المواطنين العراقيين .
إن الحكومة الأمريكية تعرف جيداً أن أغلبية العراقيين لا يوافقون على سيطرة أمريكا على موجوداتهم واقتصادهم ,ويعرفون بأن الديمقراطية هي آخر ما يرغب فيه الرئيس بوش وحكومته للعراق . بوش يريد السيطرة , وشكل الديمقراطية الوحيد الذي تسمح به السيطرة الأمريكية هو ديموقراطية زائفة ديمقراطية تعيين وليس انتخابا ، أمريكا تريد حكومة ذيلية في العراق يتم تعيينها والموافقة عليها في واشنطن وليس في الفلوجة أو البصرة أو بغداد ..
( أمريكا ليست مهتمة بالحرية والديموقراطية ، أمريكا مهتمة بالبزنس (الأعمال والأرباح) أمريكا مجنونة بالمال والاستثمار والودائع والموجودات وتشجع على الفساد في سبيل مصالحها .
وإذا استطاعت أمريكا تحقيق الأمن وسيطرت على العراق فستحكم العالم .. انظروا إلى الفساد فها هم المسئولون الأوروبيون يريدون الانضمام إلى حملة الحصول على المغانم هذه .. انظروا إلى الشركات الكبرى كيف بدأت تتجمع مثل قطيع الأسود على جيفة حمار وحشي إنها سلوكيات الافتراس وستسود هذه السلوكيات إذا فشلت المقاومة العراقية .
وإذا كانت الأخلاق والشرف والعدالة والصدق مجرد اهتمامات هامشية لدى الشعب الأمريكي فستنجح عملية ابتلاع العراق وتحويله إلى مستعمرة فاسدة خلال السنوات القليلة المقبلة بحيث تصبح بغداد بوسطن الجديدة وسيتعرض الإسلام للتآكل من الداخل وسيحقق الغرب الانتصار في صراع الحضارات . لكن هذا لن ينجح باعتقادي. ) أهـ . نقلا عن صحيفة الدستور 20/12/2003م وما دامت مصالح أمريكا وحليفتها إسرائيل محققة محفوظة محروسة في ظل أنظمة الشرق الأوسط فلا مانع عند أمريكا أن تمنحها جوازات ديمقراطية وشهادات حسن سيرة وسلوك وتصنفها ضمن محور الخير ..
فما دامت تركع لأمريكا وتسجد لإسرائيل فهي ديمقراطية وفقاً للتصنيف الأمريكي ولو كان يتربع على عروشها أعتى الديكتاتوريات كما هو حال جميع الأنظمة العربية ، والمثال الليبي صارخ للعيان الآن فها قد دخل الجنة الأمريكية بمجرد انبطاحه تحت أقدام الأمريكان .. فمع أن سياساته تجاه الإسلام وحربه للمجاهدين هي هي لم تتغير ، ومع أن سجونه لا زالت تغص بالمجاهدين والمضطهدين والمعذبين وما زال الخطف والقتل والتصفية لكل معارض سياسة واضحة لدكتاتوره إلا أنّ القلم قد رفع عنه عند واشنطن ما دام قد دخل جنتها وسجد في محرابها وسيصنّف عما قريب كدولة ديمقراطية مثالية .
مهلاً ؛ هذا فقط من حيث السياسات الداخلية ؛ فيصنف من هذه الناحية دولة ديمقراطية مهما ارتكب من جرائم في حق الشعب الليبي .. أما من حيث المصالح الأمريكية والإسرائيلية ، فلن ترفع واشنطن حذاءها عن رأسه أبداً مهما انبطح وانقاد فهذه هي أصول الديمقراطية الأمريكية وهكذا تدلل واشنطن عملاءها ..
وتحت عنوان (( وهم الديمقراطية في دولة عربية )) كتب الكاتب البريطاني روبرت فيسك في صحيفة الاندبندنت حول ما يحدث في العراق والخطة الأمريكية لإقامة الديمقراطية في الشرق الأوسط (( إننا ( الغرب ) الذين صنعنا اغلب الحكام الطغاة في الشرق الأوسط فنحن لم نرد أبدا أن تكون الدول العربية ديمقراطية )) .
ونقلت الاندبندنت عن فيسك قوله (( عندما حاول المصريون في الثلاثينات إقامة ديمقراطية تدخل البريطانيون ووضعوا المعارضين في السجون ، ونحن الغربيين الذين رسمنا حدود اغلب الدول العربية وصنعنا اغلب حكامها الطغاة. الآن يأتي بوش وبلير ويريدان إقامة الديمقراطية في العالم العربي )) . اهـ . نقلا عن الدستور 14/2/2004م

الغرب والديمقراطية الإسرائيلية :
لكن ماذا عن إسرائيل ؟ ! أيجوز أن نغادر هذا الفصل دون أن نعرّج على ديمقراطيتها مع الفلسطينيين وعلاقات واشنطن والغرب عموماً بهذه الديمقراطية ؟ !
إن إسرائيل تقوم أصلا على ثقافة دينية يهودية تمتلئ كتبها المقدسة بنصوص وتبريرات لاستعباد أو إبادة جميع الشعوب التي تقع تحت سيطرتها
انظر على سبيل المثال عهدهم القديم سفر التثنية ( 20/10 – 17 )
وهو على كل حال أمر معلوم لا يخفى على أحد ..
لكن الذي قد يخفى على البعض أن لأمريكا ولكثيرٍ من الغربيين ارتباط وثيق بهذه الثقافة ، وجذور هذا الارتباط ترجع إلى الفترة التي انتقلت فيها الدعوة إلى الأصولية البروتستانتية الإنجيلية من بريطانيا إلى أمريكا مع الاحتلال البريطاني لأمريكا ..
حيث تقوم هذه الأصولية على نبوءات توراتية يهودية تدور حول دور إسرائيل الرئيس في حرب نهاية العالم ( هرمجدون ) التي تسبق عودة المسيح وقد ازدادت هذه العلاقة تجذّراً في عهد رونالد ريغان الذي كان من الإنجيليين الذين رسّخوا التحالف اليهودي الأمريكي بإعلانه تأييده المطلق لسياساتها بل واعتقاده بأنه سيكون من الجيل الذي سيشهد ( هرمجدون ) التي ستهيئ لعودة المسيح ..
وظهر المروّجون لهذه العقيدة بتكتل اليمين المسيحي تحت اسم المحافظين الجدد الذين تمكنوا من تحقيق فوز بوش الأب وجاء بوش الابن ليكمل المسيرة ولكن بقوة وعلنية أكبر وأوسع حيث انخرط في التحالف الصليبي اليهودي الموجه ضد الإسلام ، وأفرز تحالف المحافظين الجدد مع الأصوليين الإنجيليين التوحد الكامل بين أمريكا وإسرائيل ، توحد يقوم على أساس عقائدي ديني ..
حتى إن ( توم ديلاري ) من المحافظين الجدد يقول : ( إسرائيل لا تعتبر مشكلة في الشرق الأوسط بل إسرائيل هي الحل ) اهـ .
والحل عند هؤلاء المتطرفين أن تحقق إسرائيل النبوءة التوراتية المزعومة فتهدم المسجد الأقصى لتبني مكانه الهيكل لتهيئ لعودة المسيح بعد معركة ( هرمجدون ) حيث سيتبع اليهود جميعهم المسيح ويؤمنون به بحسب عقائد هؤلاء الصليبيين ، والحقيقة أنهم سيتبعون المسيح الدجال لأن المسيح الحقيقي لم يؤمنوا به بل وحاولوا قتله ..
وهكذا فإن حقيقة العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لا تقوم فقط على توحد المصالح والسياسات والتطلعات بل وتوحّد العقيدة والمصير .. فتطلعاتهم وسياساتهم وعلاقتهم تستلهم رؤاها من أفكار وعقائد الأصولية الصليبية اليهودية مباشرة ، وعندما نقول أصولية هنا فلا نعني ارتكازهم إلى أصول المسيحية التي قررها المسيح كلا بل نعني اعتمادهم على أصولهم التوراتية المحرفة ..
وعليه فدولة كأمريكا تتحرك من هذا المخزون العقائدي الخبيث وتتحكم بسياساتها ثلة من المتطرفين المؤمنين بنبوءاته ؛ لا يمكن أن تتخلى أبداً عن حليفتها العقائدية إسرائيل ، وستكون قطعاً كاذبة مخادعة في أي وعود قد تقطعها إذا ما كانت تخالف مصالح إسرائيل في المنطقة ..
يقول كولن باول : ( منذ أن قامت دولة إسرائيل قبل 50 عاماً والولايات المتحدة ملتزمة التزاماً متواصلا باتجاه إسرائيل ، دولتان مرتبطتان معا إلى الأبد بواسطة قيم وأعراف مشتركة ، وهذا لن يتغير إلى الأبد ) اهـ . الدستور 25/11/2003م
ولذلك فلا ينبغي للمتابع للسياسة الأمريكية وتصريحات مسئوليها المتعاطفة والمؤيدة دوما لإسرائيل وفي كل الظروف والأحوال أن يستغرب ذلك أو أن يتوقع غيره مهما اقترفت إسرائيل من جرائم أو مجازر أو مخالفات وخروقات ، وستبقى المكاييل والمعايير والمبادئ والقيم والأعراف والقوانين تتغير وتتلون وتتأرجح عند الساسة الأمريكان لتوافق المصالح الإسرائيلية ..
ولذلك ورغم أن استطلاعات الرأي الشعبية الغربية قد أظهرت أن غالبية الغربيين يعتقدون أن إسرائيل أكبر خطر على الأمن والسلام العالمي ؛ إلا أن أعتى ما قد يصدر من أمريكا وأوروبا الرسمية من نقد لإسرائيل لا يمكن أن يتعدى في أفظع صوره وفي حال أخطر التجاوزات والمجازر الإسرائيلية عتب أم صبورة وتعاملها مع ابنها الشقي الأرعن الذي تحاول أن تلفت نظره بلطف بالغ كي لا يؤذي نفسه متحملة شتائمه وقرفه وإهاناته .
- وبالنسبة للسلاح النووي والكيماوي الذي تمنع أمريكا من امتلاكه خصوصاً في منطقة الشرق الأوسط مخافة أن يقع تحت أيد إسلامية أو حكم إسلامي في يوم من الأيام ..
فهذا المنع لا يطال إسرائيل أبداً ولا تُحاصر أو تعاقب أو تحارب كما يحارب ويحاصر غيرها ممن قد يفكر بامتلاك ذلك ، بل هو حق مشروع لها تحتاجه لضمان أمنها ، أما الآخرون فلا أمن لهم ولا سلام ولا حتى حياة .. أرأيتم الديمقراطية الأمريكية !؟
إسرائيل تمتلك اليوم زهاء ستمائة رأس نووي ولديها ترسانة من الأسلحة الكيماوية والبيولوجية وبرامج ضخمة لتطوير السلاح ، وتستفيد من جميع برامج التكنولوجيا الأمريكية في مجالات التسلح والأقمار الصناعية وغيرها ..
- وأمريكا تدعم إسرائيل دعماً ماليا سخياً ..
وحسب قول الأمريكي ( جيمس ديفيد ) : (( فإن إسرائيل كلفت دافعي الضرائب الأمريكيين أكثر من ( 240 ) مليار دولار في السنوات الأربعين الماضية )) ، وتدفع لها أمريكا سنويا ثلاثة مليارات دولار
- وأمريكا تدعم إسرائيل إعلامياً والمتابع لوسائل الإعلام الأمريكية من صحافة وإذاعة وفضائيات يجد التحيّز الظاهر والواضح والصريح لصالح إسرائيل ولا يكاد يرى نقداً أو إظهاراً لمجازر إسرائيل أو إجرامها ..
- بل حتى التربية الأمريكية لطلبة المدارس تنطلق من هذا التحيّز الظاهر ؛ فبينما يتآمر طواغيت العرب لتجريد الأجيال من كل ما قد يعزز ثقافة الجوارح ويعملون جاهدين لبث ثقافة الدواجن من خلال الإعلام بل وخطب المساجد ويسطون اليوم على ما قد يوجد من مسحة إسلامية في المناهج المدرسية ويعملون على طمس تلكم المسحة أو مسخها لتوائم انبطاحهم لليهود والصليبيين وتناسب أخوّتهم لليهود تحت مسمى بث روح التسامح والإخاء والمحبة ( الموالاة ) وبدعوى نبذ كل ما يدعو إلى العنف والإرهاب ( الجهاد ) والكراهية والبغضاء ( الولاء والبراء ) ؛ مع هذا فإننا نرى المناهج الدراسية في المدارس الأمريكية كانت ولا زالت تسرد تاريخ المسلمين والصراع الإسلامي الإسرائيلي سرداً مضللا مشوّها يظهر اليهود على الدوام كأصحاب حق في فلسطين وأنها وطنهم الذي عادوا إليه بعد اضطهاد وتشرد وشتات طويل ، ولا تتعرض بحال لذكر أي جريمة من جرائم إسرائيل ومجازرها ومذابحها منذ قيامها إلى اليوم ، بل تطمس وتغيّب بخبث كل حقيقة قد تسيء إلى إسرائيل ، وتكيل لها الثناء دوما في كتب التاريخ وأغلب الكتب المدرسية ، فإسرائيل في هذه الكتب تُقدَّم دائماً للطلاب كدولة ديمقراطية تقدمية رائدة في منطقة البحر المتوسط ..
وانظر حول ذلك بحثاً بعنوان (( صورة الصراع العربي الإسرائيلي في كتب التاريخ الأمريكي المدرسية في الثانويات الأمريكية للباحث إياد القزاز من جامعة كاليفورنيا )) .

بعض ملامح الديمقراطية الإسرائيلية :
والآن إلى استعراض سريع لبعض ملامح هذه الديمقراطية الإسرائيلية التي تدعمها وتمتدحها أمريكا في تصريحات ساستها وفي إعلامها ومناهجها ..
- أكد منسق التحالف الدولي الذي يضم حوالى ( 400 ) مؤسسة دولية وفرد في عضويته ؛ الحقوقي الأمريكي (( جوزيف شاكلا )) الذي عمل في مكتب المفوض لحقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في غزة ما بين عامي ( 1998- 2000م ) أن إسرائيل تمارس سلسلة من جرائم الحرب بحق الشعب الفلسطيني وتمارس القتل المتعمد ضد المدنيين وترتكب المجازر الجماعية وتهدم المنازل وتشرد اللاجئين وتحل محلهم المهاجرين اليهود من مختلف دول العالم ، وأنها تمارس التمييز العنصري ضد السكان العرب الأصليين في الأراضي المحتلة عام 1948م
- وتذكر الإحصاءات المختلفة أنه خلال الثلاثة أعوام التي سبقت عام 2003م قد قتل (3500) فلسطيني بينهم ما يقارب ( 700 ) طفل وأكثر من ( 200 ) امرأة ..
فيما بلغ عدد الجرحى نحو ( 47 ) ألف جريح ثلثهم من الأطفال ، ومنهم ثمانية آلاف فلسطيني أصيبوا بإعاقات دائمة ، بينما وصل عدد المعتقلين نحو ( 35 ) ألف معتقل لا يزال حوالي ( 7500 ) منهم في معسكرات الاعتقال ..
كما تم تدمير ( 7500 ) ورشة ومحل ومنشأة صناعية ، هذا غير تدمير الأراضي الزراعية واقتلاع الأشجار المثمرة ..
وقصفت أكثر من ( 200 ) مدرسة وتم تحويل أكثر من ( 45 ) مدرسة إلى ثكنات عسكرية ..
وطالت الانتهاكات والاعتداءات جميع مجالات الحياة الأخرى فشملت المستشفيات والجامعات والمباني العامة ومنازل الفلسطينيين ، وبالأرقام فقد دمرت قوات الاحتلال خلال السنوات الثلاث المذكورة ( 72 ) ألف منزل منها حوالي 5 آلاف منزل دمرت تدميراً شاملا كلياً وكثير منها دمرت مع أثاثها ومحتوياتها دون أن يمهل أصحابها لإخراجه ..
ولسائل أن يسأل لو أن هذه المنازل وضع بعضها فوق بعض فكم برج كأبراج التجارة ستعادل .. ؟
ومع ذلك فالذين دمروا برجي التجارة إرهابيون عند الغرب ويجوز لأمريكا أن تنتهك جميع الأعراف والمعاهدات والحقوق والقوانين والأخلاق في الحرب عليهم ، أما إسرائيل حين تفعل هذه الأفاعيل فهي دولة ديمقراطية تمارس حقها الشرعي في الدفاع عن النفس !! ومقاومة أفاعيلها هذه إرهاب عند الساسة الأمريكان لا يجوز ولو كان دفاعاً عن النفس !!
وكثير من الإحصاءات المتقدمة ذكرتها منظمة العفو الدولية واستنكرت ممارسات القمع والاغتيال والهدم والمصادرة كما ذكرتها أيضا إضافة إلى المنظمات العربية والفلسطينية منظمات حقوقية يهودية ، ولم يترك جيش الإحتلال سلاحاً خلال هذه الانتهاكات إلا استعمله باستثناء السلاح النووي ؛ ففتحت القوات الإسرائيلية ترسانتها على مصراعيها وجعلت الفلسطينيين حقل تجارب لأسلحتها الحديثة والقديمة فلم تتردد عن استعمال السلاح الخفيف والثقيل والقنص وغيره مروراً بالطائرات المروحية والنفاثة والدبابات والمدفعية والجرافات والنسف والتفجير والوحدات النظامية والخاصة ، وحتى الأسلحة الكيماوية فقد أكدت صحيفة هآرتس اليهودية استخدام الجيش الإسرائيلي للأسلحة الكيماوية الحارقة ضد الأطفال الفلسطينيين ..

هذا عن السنوات الثلاث قبل عام 2003 م ..
أما عام 2003م نفسه فقد ذكر تقرير الهيئة الفلسطينية المستقلة لحقوق الإنسان نشر في الدستور 13/3/2004م أنه قد قتل خلال العام المنصرم 2003م ما لا يقل عن (627) فلسطيني من بينهم (123) طفل و(17) امرأة ، وتجاوز عدد الجرحى (2000) جريح . وشملت حملات الاعتقال (6206) فلسطيني طالت في كثير من الأحيان أقرباء منفذي العمليات ضد إسرائيل ..
ومن بين المعتقلين (275) طفلا و(77) امرأة .
أما هدم المنازل فتم إلحاق الضرر بما لا يقل عن (2000) منزل هدم منها بشكل كلي (790) منزلا .
أما تجريف الأراضي فتم تجريف ما لا يقل عن (3570) دونما زراعيا .
_ وبالطبع فهذه التقارير لا تتعرض للمنازل والأراضي والقرى الكاملة التي دمرت وصودرت وأبيدت في المناطق المحتلة عام 1948م وحلت مكانها المستوطنات والمدن الإسرائيلية الجديدة ولا المذابح الفظيعة والمجازر الرهيبة التي وقعت فيها كدير ياسين والدوايمة والطنطورة وقبية وغيرها فذلك كله قد أصبح نسيا منسيا ..
كل ما تقدم من جرائم قتل وتدمير وغيره يمارس بالمال والسلاح والدعم المعنوي الأمريكي بل والمادي والعملي أحياناً؛ فهل نسينا كيف سارع الأسطول الأمريكي إلى شواطئ بيروت ليساند إسرائيل في غزو لبنان عام 1982م
وهل نسينا مشاركة حاملة الطائرات أيزنهاور في دك بيروت بالصواريخ في الوقت نفسه الذي كانت قذائف الجنرال شارون وجيشه تدكها ؟
_ وتؤكد الباحثة النرويجية في حقوق الإنسان (( آن كريستين )) : ( أن 70% من أفراد الجيش الإسرائيلي هم مجرمو حرب وفقاً للمعايير الدولية ، وأنه أصبح من المعتاد أن يطلق الجندي الإسرائيلي النار بهدف قتل الفلسطينيين دون أن يعاقب على ذلك ) اهـ .

هذا كله غير آثار الجدار العازل الذي تبنيه إسرائيل وصادر آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين وحولها إلى كانتونات معزولة وآثاره المدمرة طالت أكثر من (200) قرية وبلدة وسيتم بواسطته فصل أكثر من (100) قرية وبلدة فلسطينية بشكل كامل عن أراضيها الزراعية ، حتى دعا ذلك منظمة يهودية وهي منظمة (بتسليم) الحقوقية الإسرائيلية إلى استنكار انتهاكات الجدار والتحذير منها ، وأشارت في تقرير لها نشر في صحيفة الدستور في 25/12/2003م أن الجدار يصادر قرابة 28 ألف دونم من الأراضي الزراعية أما عموم الأراضي الزراعية وغيرها التي يصادرها الجدار فتجاوز مجموعها في إحصاءات أخرى (164) ألف دونم .
وتكلمت بتسليم عن بوابات الإذلال التي أقيمت على الجدار الذي فصل بين الناس ومصالحهم ومزارعهم والطلبة ومدارسهم ، ويقف عليها كل يوم المزارعون والطلبة والعمال وغيرهم طوابير طويلة مرهقة ومذلة للوصول إلى مدارسهم أو مزارعهم أو أماكن عملهم وورشهم التي حال الجدار بينها وبينهم ، بل إنه شرّد كثيراً من الأسر الفلسطينية وقسم الأسرة الواحدة بين طرفيه . وكم من النساء الفلسطينيات الحوامل وضعن حملهن عند هذه البوابات وغيرها من بوابات الإغلاق أثناء انتظارهن الطويل للسماح لهن بالمرور إلى مستشفيات الولادة ..
كما أضافت إسرائيل مؤخراً إلى هذا الجدار بناءها لجدار آخر يحاصر القدس ويكرس تهويدها ويحكم السيطرة اليهودية عليها ..
وعلى الرغم من المعارضة الدولية للجدار ومسرحية محاكمته في المحكمة الدولية في لاهاي ومخالفة ذلك لقوانينهم الدولية واتفاقات جنيف الأربعة لعام 1949م التي وضعت كي تفرض على سلطات أي احتلال عدم انتهاك حقوق الإنسان وممتلكاته في البلد المحتل .. ورغم أن الأطراف المتعاقدة على الإتفاقية أكدت انطباق الإتفاقية على وضع الأراضي الفلسطينية المحتلة في مؤتمريها اللذين عقدا في تموز 1999م وكانون الأول 2001م ؛ ورغم ذلك فإن إسرائيل تصر على عدم الاعتراف بانطباق الإتفاقية وأحكامها على الأراضي الفلسطينية .. تماماً كما تصر أمريكا على عدم انطباق أحكام هذه الاتفاقيات المتعلقة بأسرى الحرب على معتقلي جوانتنامو !!
وعلى كل ما تشتهيه وتهواه وتختاره من أفاعيل ..
وهكذا هو شأنهم مع جميع الاتفاقيات والقوانين والمعاهدات الدولية ؛ يشاركون في وضعها وفقاً لأهوائهم ثم يفسّرونها وفقاً لمصالحهم فيقررون انطباقها حيث يشاءون وعدم انطباقها حيث يشاءون ..
ولم تعرف الأمم المتحدة في تاريخها دولة متمردة على قراراتها وقوانينها كإسرائيل والولايات المتحدة ..
ووفقا للوثائق فقد صدر عن الأمم المتحدة ومنظماتها وجمعيتها ومجالسها المختلفة أكثر من (800) قرار يدين إسرائيل في قضايا مختلفة ؛ كلها رفضتها إسرائيل وانتهكتها وضربت بها عرض الحائط واليوم تضرب بها عرض الجدار العازل !!
هذا عندما تصدر مثل هذه القرارات ، وهو أمر نادر الحدوث ، اللهم إلا في الجمعية العمومية ونحوها من أروقة الأمم المتحدة التي لا قيمة إلزامية لقراراتها ؛ وإلا فالأصل أن الأمم المتحدة ألعوبة بيد أمريكا وإسرائيل .. وعلى فرض أن أمريكا أو إسرائيل واجهت في بعض الأحوال بعض القرارات أو التصويتات المزعجة في الأمم المتحدة أو مجلس الأمن ؛ فإن حق الفيتو الأمريكي سيكون جاهزا لاعتراض وتعطيل مثل هذه القرارات ، وقد فعلت أمريكا ذلك مراراً وتكراراً ..

ومع ذلك فأمريكا دولة ديمقراطية .. وإسرائيل أيضا دولة ديمقراطية كما يصرح دوماً الساسة الأمريكان ابتداء من بوش إلى أدنى مسئول في البيت الأبيض ..
وآخر تصريح صدر عنهم ما قاله مساعد وزير الخارجية الأمريكية ( مارك غروسمان ) في لقاء مع الصحافة في السفارة الأمريكية في عمان بتاريخ 3 / 3 / 2004 م حيث أعلن أن : ( إسرائيل دولة ديمقراطية وليس مستغرباً ولا مفاجئاً أن تدعم بلاده إسرائيل وهذا أمر طبيعي ولا تتردد بلاده في الوفاء بدعمها لإسرائيل !! ) أ هـ من صحيفة الدستور 4 / 3 / 2004 م

- لماذا دولة إسرائيل الديمقراطية !! بلا دستور ! ؟ :
سؤال أخير أطرحه قبل أن أغادر هذا الموضع تأكيداً للتحيز الأمريكي لإسرائيل ، والتلاعب بمعايير الديمقراطية وغيرها لأجل مصالحها ..
- - تقرر القوانين والأعراف الدولية في هذا العصر أنه لا بد لكي تأخذ الدولة الطابع الديمقراطي العصري المرضي عنه دولياً أن تتخذ دستوراً يبيّن الخطوط العريضة في سياسة الحكم ويحتوي على مواد تكفل حقوق الشعب وتكفل حقوق الإنسان وتعلن عن احترام حقوق الأقليات والمرأة والطفل واحترام حرية العبادة وحق التعليم ، وتبيّن طبيعة الدولة وحدودها ، وتحدد طريقة ولاية الحكم جمهورياً كان أم ملكيا أم غيره .. وتحدّد مهام سلطات الدولة من تنفيذية وقضائية وتشريعية والخطوط العامة لسياساتها والمصادر المعتمد عليها في التشريع ونحو ذلك ..
ويعرف الدستور عند القانونيين بأنه أبو القوانين لأنه يحدد الخطوط العامة لنظام الحكم ولأن سائر القوانين الفرعية تشرّع وتسن على ضوء خطوطه العامة ..
وقد بيّنت في كثير من كتاباتي كفر الدساتير الوضعية وأنها وضعت واخترعت من زبالات أفكار وأهواء القانونيين وعلى نهج الدساتير الغربية ولذلك فهي تناقض الإسلام وتضاد ملة التوحيد .. وقد ضربت أمثلة على ما تحويه هذه الدساتير من كفر بواح وشرك صراح في أكثر من كتاب مما كتبته بفضل الله تعالى ، انظر على سبيل المثال ( كشف النقاب عن شريعة الغاب ) النسخة الكويتية والنسخة الأخرى الأردنية المختصرة ..
وقد بينت هناك استغناء المسلمين بدينهم واستعلائهم بقرآنهم عن أن يحتاجوا لشيء من هذه الدساتير ، وإنما يحتاجها ويفرح بها ويُعظّم من شأنها من لا دين له ويمشي مكبا على وجهه أو أنه عانى من الاستبداد السياسي ولم يجد في دينه المحرف المهلهل ما يرفع عنه ذلك الاستبداد ويمنحه تلك الحقوق التي تتغنى بها هذه الدساتير ..
وقد جرى الغربيون واعتادوا أن ينتقدوا الدول التي لا تتخذ دساتير معلنة ويعدون ذلك مطعناً وإهداراً لحقوق الإنسان والديمقراطية فيها .. ولذلك وبعد سقوط أفغانستان والعراق كانت القيادة الأمريكية تلح على ضرورة وضع دستور .. يحقق كما يدعون أماني الشعب ويكفل حقوق طوائفه المختلفة ويحدد السياسات العامة للنظام هنا وهناك .. وضغطت بكل قوة كي لا يكون الإسلام هو المصدر الرئيسي للتشريع في هذه الدساتير ، مع أن هذه الصيغة - كما بيّنا في كتاباتنا المشار إليها لو سمحوا وتفضلوا به على هذه الدول لا يخرج عن الشرك البواح حتى يكون ( الإسلام هو المصدر الرئيسي والوحيد للتشريع ) دعنا من هذا الآن فليس هو موضوعنا هنا وقد فصّلته وأشبعته في الكتب المشار إليها ؛ ولنرجع إلى السؤال الذي توقفنا هنا لأجله ..
إذا كان هذا هو العرف الدولي وهو عرف أمريكا الديمقراطية !! بالتأكيد ، ولذلك تظهر المطالبة به بإلحاح في العراق وأفغانستان ..
فلماذا إذن لا تطالب به إسرائيل ؟ ولماذا إسرائيل منذ أكثر من نصف قرن وإلى اليوم ترفض وضع دستور محدد المعالم للدولة ؟
ولماذا توصف بأنها دولة ديمقراطية رغم أنها لا دستور لها ؟ ؟
أما الجواب الأمريكي العنصري المتحيّز على هذا السؤال فهو ؛ أن إسرائيل دولة ديمقراطية ، سواء أوضعت دستوراً أم لم تضع .. !
أما الحقيقة فلأن الدستور يقيّد ويحدّد معالم الدولة وسياساتها وخطها ونهجها ، وفي الدول التي تحكمها وتسيّرها أمريكا تتعجل فيها وتضغط عليها ولا تغادرها حتى تضع فيها دساتير تكون محددة المعالم وفق الخط والنهج والسياسات التي تريدها أمريكا ووفقا لما يناسب مصالحها ومصالح حليفتها إسرائيل .. ولذلك أشرف على اللجنة التي وضعت الدستور العراقي ( نوح فيلد مان ) اليهودي الأمريكي .. !!
أما بالنسبة لحليفتها إسرائيل فالخط والنهج والسياسة بل والحدود غير محددة ، ولأن إسرائيل يجب أن تبقى حرة في كل الظروف والمواقف والخيارات والتوسعات فلا داعي إذن لدستور قد يقيّد مواقفها ويحدد حدودها وتصرفاتها .. ولذلك فالجواب الإسرائيلي الصريح على هذا السؤال يقدمه لنا ( ديفيد بن غوريون ) .. الذي خاض سنة 1949م قبل انتخابات الجمعية التأسسية معركة من أجل عدم كتابة دستور لإسرائيل ، وكان بعض العلمانيين مؤيدين لوضع الدستور ، أما المتدينون فعارضوا ذلك بشدة ، ورجّح كفتهم بن غوريون مع أنه محسوب على العلمانيين ، وحين طرحت مسوّدة للدستور الإسرائيلي للنقاش لمدة أربعة أشهر نجح بن غوريون في أن يخرج بالاتفاق على تأجيل الموافقة على الدستور ، وإلى هذه الساعة لا زال مؤجلا .. فلماذا ؟؟ ..
يقول بن غوريون ومن يؤيده من المتدينين على عدم وضع دستور : ( إن هذه الأرض الفلسطينية ما هي إلا جزء من أرض اليهود وليست كلها ولا يجوز وضع دستور لها إلا بعد أن تستكمل شروط قيام الدولة اليهودية ؛ بأن تمتد مساحتها إلى ما بين نهري النيل والفرات كما يشير العلم الإسرائيلي أولاً ..
وثانيا لا يمكن وضع الدستور ديمقراطي حتى يشارك في وضعه كل يهود العالم وذلك عند استكمال انتقالهم وهجرتهم إلى إسرائيل .. ) ..
إذن فسبب عدم وضع إسرائيل لدستورها ؛ أن الدولة لم تأخذ شكلها النهائي بعد لا من جهة الحدود !! ولا من جهة الشعب والسكان .. !!
وقد أشاد ( ناحوم نيررافالكس) رئيس لجنة الدستور والتشريع القضائي ( بأن أهم قرارات الجمعية التأسيسية هو إلغاء مشروع الدستور ، لأن لإسرائيل أهدافاً عديدة لم تكتمل بعد ، وبدون الدستور نستطيع دوما تحقيق أهدافنا شيئاً فشيئاً .. )
أخيراً .. فإن أمريكا تقرر دوماً أن إسرائيل دولة ديمقراطية ، رغم أنها دولة قامت على احتلال بلد آخر ( لأنها في ذلك تماما كأمريكا ) وتشريد شعبه وإحلال شعبها محله ( مثل أمريكا ) ورغم ارتكابها المجازر والمذابح والانتهاكات في كل كان ( كأمريكا ) ورغم أنها تضرب بعرض الحائط كل المواثيق والعهود والقرارات الدولية وغيرها ( كأمريكا )
أضف إلى ذلك أنها لا دستور لها !!
فأمريكا تقرر رغم ذلك كله أن إسرائيل دولة ديمقراطية رضي العالم بذلك أم أبى ..
ولذلك فأمريكا أيضا دولة ديمقراطية !!
إنها شريعة الغاب أو قل قانون القوة قانون المخالب والأنياب .. ولن ترفع أمريكا بأسها عنا ولن تكف عن تدخلها في شؤون أمتنا ؛ حنى تنمو مخالبنا وأنيابنا التي قلّمها عملاء أمريكا في بلادنا ..
عندها سترتدع أمريكا وستقف عند حدها ..
بل وستعدّنا ديمقراطيين مهما فعلنا ..

حقوق الطفل بين حضارتهم وحضارتنا :
إن حياة الطفل في فلسطين عبارة عن موت يومي ومعاناة دائمة وآلام وعذابات ، فكثير من الأطفال الفلسطينيين وضعتهم أمهاتهم وولدتهم على بوابات الإغلاق والإذلال التي تفصل وتقطع أجزاء القرى والمدن الفلسطينية ، إما في سيارة تنتظر السماح لها الدخول للوصول إلى مستشفى ، أو وضعته في العراء قرب هذه البوابات تستتر بصخرة فإن لم تتعسّر ولادته وعاش وكبر قال لأقرانه أمي وضعتني هنا إلى جنب تلك الصخرة !! وقد يناله رصاص القناصة أو شظايا القذائف قبل أن يكمل رضاعته ، وصورة الطفلة الرضيعة إيمان حجو لم تنس بعد ، وقد يطلق عليه الرصاص علانية وأمام شاشات الفضائيات العالمية بدم بارد دون مبالاة ، وصورة الصبي محمد الدرة وهو يلتصق ويحتمي بظهر أبيه قبل أن يلفظ أنفاسه ويتمدد ساكنا لا زالت ماثلة للعيان .. وإذا نجا من هذا وذاك لم يسلم من الألغام التي يخلفها الجيش الإسرائيلي على شكل أجسام ملونة يظنها الطفل المسكين ألعابا فتقتله أو تبتر بعض أطرافه وتحدث له إعاقات دائمة ، هذا غير الصدمات النفسية التي تؤثر على الأطفال وقد تبقى آثارها خصوصا إذا حصلت في الأعمار الصغيرة .. بل قد أكدت صحيفة هآرتس الإسرائيلية استخدام الجيش الإسرائيلي للأسلحة الكيماوية الحارقة ضد الأطفال واستخدام الكلاب ضدهم حال اعتقالهم وتحويلهم إذا كانوا فوق 12 سنة إلى المحاكم العسكرية ، وهذا تمارسه أيضاً الأنظمة العربية العميلة في بلادنا فتحاسب الأطفال على أحلامهم بالجهاد والاستشهاد وتحاكمهم في المحاكم العسكرية خصوصاً إذا كانت أحلامهم تحوم حول أسياد هذه الأنظمة من اليهود والغربيين والأمريكان !! وبمجرد أن يوصم هؤلاء الأطفال بالإرهاب من هذه المحاكم أو من إعلام هذه الأنظمة ، فلن تجد من أدعياء الحريات والحقوق من يدافع عنهم بل سيصمّون آذانهم ويغضون أبصارهم عن كل قمع وتسلط وأذى وتعذيب وأحكام ظالمة مبالغ فيها بحق هؤلاء الأطفال .. وهذا مشاهد ابتداءاً من المغرب ومحاكمتهم للفتيات الصغار بتهم الإرهاب ومروراً بمصر والأردن حيث يحاكم الأحداث بمحاكم عسكرية بتهم الإرهاب إلى النظام السعودي واليمني وغيره .. وما دام المستهدف هو الإسلام ولو من خلال الفتية والصغار ؛ فهذه الدول لم تخالف الديمقراطية والحقوق والحريات بل معظمها يشهد له الغرب بالديمقراطية ورعاية حقوق الإنسان وفي مقدمتهم طبعاً إسرائيل ...
فالطفل المسلم عموما ينشأ اليوم ويشب وسط القمع والاضطهاد ؛ توجه إلى صدره فوهات البنادق ويضرب بالعصي والهراوات ، أو يشاهد والده وإخوانه كذلك يضربون أو يذلون أو يقتلون ، وهذا كله لا يخالف الديمقراطية وحقوق الطفل عند الغرب ما دام المضطَّهَد مسلما ..
ألم يعلم العالم كله أن ضمن معتقلي جوانتنامو فتيانا أحداثا مصنفين كأطفال في إعلانهم العالمي لحقوق الطفل .. ؟ ومع هذا تواطأ مع أمريكا ؛ فما داموا قد صنفوا عند أمريكا تحت مسمى الإرهاب فلتفعل بهم أمريكا ما تشاء فهذا لا يخالف حقوق الطفل عندهم ولا يخالف إعلاناتهم ولا ديمقراطيتهم أبداً ما دام هؤلاء الأطفال مسلمون ، ولذلك غضوا أبصارهم عن ممارسات أمريكا القمعية واللاإنسانية تجاههم مع أنها مخالفة لجميع أعرافهم وقوانينهم ومبادئهم التي يتغنون بها .
ألم يشاهد العالم كله مئات الأطفال في أفغانستان يقتلون تحت أسقف منازلهم جراء القصف العشوائي للمدن والقرى الأفغانية بقنابل أمريكا الغبية التي يزن كثير منها أكثر من طن ..
ألم يتآمر العالم مع أمريكا على أطفال العراق ثلاثة عشر عاماً ووضعهم تحت حصار ظالم طوال هذه المدة بحجة البحث عن أسلحة الدمار الشامل الموجودة في إسرائيل وليس في العراق !! ؟
وكم من الأطفال قد قتلوا في حربهم الأخيرة على العراق ؟؟ أنسينا صور الأطفال القتلى والجرحى أو المقطعة أيديهم وأرجلهم والتي ظهر بعضها على شاشات الفضائيات ، والكثير منها لم يظهر حفاظاً على مشاعر الديمقراطية الأمريكية .. !!
إن العالم كله اليوم يشاهد كيف تُواجَه حصيات الأطفال الفلسطينيين بالدبابات والمدافع الرشاشة والرصاص الحي ومع ذلك يقف متفرجاً بل وأحياناً عاتباً على الأطفال الفلسطينيين لاستعمالهم تلك الحصيات واعتدائهم بها على الدبابات والمصفحات والمدرعات الإسرائيلية !!
نقلت وكالة فرانس برس عن بعض المنظمات الإنسانية أن نسبة القتلى والجرحى من الأطفال الذين تقل أعمارهم عن ( 15 ) عاما بلغت ( 20% ) من إجمالي القتلى خلال انتفاضة الأقصى ..
وأشارت دراسة لمؤسسة الشرق الأدنى الثقافية والتعليمية الكندية إلى أن عدداً كبيراً من الأطفال قتلوا بالرصاص الحي خلال الانتفاضة وأن معظمهم أصيبوا بقذيفة في الرأس أو الصدر أو المعدة مما يثبت النية المتعمدة لقتلهم أو إصابتهم بجروح خطيرة ..
وكان أحد جنرالات الجيش الإسرائيلي قد دعا علناً إلى زرع الخوف والجبن في نفوس الأطفال الفلسطينيين حتى تقتل روح المقاومة في الأجيال القادمة .. ( نقلاً عن تقرير حول انتهاكات إسرائيل لاتفاقية حقوق الطفل نشر في صحيفة الدستور بتاريخ 1/2/2004م ) .
ونشرت صحيفة هآرتس الإسرائيلية اعترافات قناص إسرائيلي ضمن إجاباته على أسئلة الصحيفة جاء فيها :
- ماذا يقولون لكم في التعليمات العسكرية بالنسبة لإطلاق النار على الأطفال ؟
- يسمح لنا بإطلاق النار على طفل عمره ( 12 ) عاماً فأكثر لأنه ليس بطفل !!
- لكن حسب القانون الدولي فإن الطفل هو من يقل عمره عن 18 عاما
- الأطفال هم من تقل أعمارهم عن 12 عاما حسب تعليمات الجيش الإسرائيلي .
- هل توجد تعليمات بإطلاق النار على الذين تتراوح أعمارهم بين 12 عاما و 18 عاما ؟
- بالطبع !
- هل محض الصدفة أن يصاب الأطفال في رؤوسهم ؟
- إذا شاهدت أطفالا مصابين برؤوسهم فهذه الرماية لقناص .
- لكنه يظل طفلاً عمره 12 عاما لا يحمل سلاحاً ؟
- إذا لم يكن يحمل سلاحا ، فإنه قد يحمل زجاجة حارقة .
انتهى الحوار ، لكن السؤال الذي لم تسأله الصحيفة الإسرائيلية هو : - حتى لو افترض حمل الطفل لزجاجة حارقة ؛ فلماذا لا تختار الطلقة سوى الرأس ، ألا يمكن إصابته في رجله أو في يده ؟ خصوصاً إذا كان الرامي قناصاً . تجيب عن ذلك صحيفة ( يدعوت أحرونوت ) الإسرائيلية بخبر مفاده : ( إن باراك قد أصدر أمراً للتعامل مع الأطفال الفلسطينيين المتحمّسين وطنياً كما لو كانوا جنوداً مسلحين )وقد أكدت الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال ( أن إسرائيل تمعن في انتهاك حقوق الأطفال الفلسطينيين من خلال عمليات القتل التي طالت المئات من الأطفال الفلسطينيين وسقوط الآلاف من الجرحى ؛ جزء كبير منهم أصيبوا بإعاقات دائمة .. ) ليتبين لكل أحد بمنتهى الوضوح أننا أمام سياسة رسمية عقائدية منهجية تستهدف الطفل في فلسطين .. فهناك فتاوى دينية لحاخامات تستبيح دماء الأطفال غير اليهود عموما .. معتمدة ومستندة إلى نصوص توراتهم المحرفة والتي توصي المقاتل اليهودي مع الشعوب التي يتغلب عليها أن يستعبد طائفة منهم ، وطائفة لا يبقي منهم نسمة ، كما في سفر التثنية (20/10-17) . هناك تعليمات عسكرية من أعلى المستويات في الدولة الإسرائيلية عُمّمت على الجنود والضباط اليهود بقتل الأطفال المتحمسين بلا هوادة .. وهناك أوامر للقناصة اليهود باستهدافهم ما داموا فوق 12 عاماً ولو لم يكونوا مسلحين ؛ وكأن القناص المتحصن على ظهر مبنى أو خلف دبابة سيسأل الطفل عن عمره هل تجاوز 12 عاما !! وحسب إحصاءات وزارة الصحة الفلسطينية ، فقد بلغ عدد الأطفال القتلى في انتفاضة الأقصى (512) طفلاً بينما بلغ عدد الجرحى حوالى (15) ألف طفل .. كما أشار تقرير فلسطيني صادر عن مركز غزة للحقوق والقانون إلى ( أن ما يزيد عن (30) طفلا فلسطينيا توفوا نتيجة منع الجنود الإسرائيليين للأمهات الفلسطينيات من الوصول للمستشفيات لوضع مواليدهن .. وهذا في غزة وحدها .. ما وفيات الأطفال جراء إعاقة وصول الأطفال المرضى أو المصابين إلى المستشفيات أو منع سيارات الإسعاف من نقلهم فحدث ولا حرج .. حتى إن ( د.أيل غروس ) عضو رابطة حقوق المواطن في إسرائيل والأستاذ المحاضر في قسم الدستور والقانون الدولي بجامعة تل أبيب أشار إلى ( أن حياة الفلسطينيين رخيصة جداً في نظر إسرائيل ، وأن القضاء الإسرائيلي يتسامح مع جرائم قتل الأطفال الفلسطينيين ) أهـ. من ( يوميات الدم في أجندة أطفال فلسطين ) الدستور 1/2/2004م وجاء في اليوميات نفسها : ( أنه قد سقط خلال انتفاضة الأقصى منذ عام 2000م إلى اليوم نحو ثمانية آلاف طفل فلسطيني-حسب التصنيف العالمي لسن الطفل وفق المادة الأولى لاتفاقية حقوق الطفل التي نصت على أن الطفل هو كل إنسان لم يتجاوز الثامنة عشرة من عمره-ما بين شهيد وجريح إلا أن المجتمع الدولي لم يبد حيال ذلك سوى الفرجة واللامبالاة بل إن بعض الردود الدولية لامت أطفال الحجارة لأنهم هم الذين يعتدون على الدبابات والجرافات الإسرائيلية بالحجارة ويعرضون الأمن الإسرائيلي للخطر ) أهـ . وهذا كله يتم كما تقدم بالسلاح والمال والدعم المادي والمعنوي الأمريكي ، وفي ظل حمايته بالفيتو الأمريكي من أية إدانات .. والغريب المضحك أن دولة إسرائيل كانت من بين الدول التي صادقت على اتفاقية حقوق الطفل المشار إليها والتي أقرّت من هيئة الأمم المتحدة في تشرين الثاني 1989م ودخلت حيز التنفيذ عام 1991م .. ولسائل أن يسأل ؛ أين أطفال فلسطين والعراق وأفغانستان وغيرها من أمثال هذه الاتفاقيات ؟! لماذا لا تعبأ دبابات وطائرات وقنابل ورصاص اليهود والأمريكان هناك بهذه الاتفاقيات التي يتغنى بها الغرب ؟! ولا يخجلوا أو يستحيوا أن يلمزوا ويهمزوا بالإسلام والمسلمين إذا ما تحفّظوا على شيء من موادها أو انتقدوها .. ويصفونهم لأجل ذلك بالقسوة على الأطفال وانتهاك حقوق الطفل وربما تخيّروا بعض النصوص الإسلامية كالأمر النبوي الشريف بتعليم الصبيان الصلاة لسبع وضربهم عليها لعشر؛ وكأن نبينا صلى الله عليه وسلم حين أمر بهذا قصد الضرب المبرح أو القاتل ؟ لا ضرب التأديب الذي يرحم الوالد فيه ولده .. والذي يجمع على ضرورته بقدره المناسب ومكانه الضروري كافة العقلاء بل وكثير من علماء التربية والنفس حتى إن كثيراً من محاكمهم أقرته قانونيا بعد أن ضاقوا ذرعاً بالفوضى التي يعيشون فيها وتمرد الأبناء الصغار على الآباء بحيث لا يتجرأ الوالد على تأديب ولده أو ابنته الصغيرة مخافة أن ترفع به شكوى إلى القضاء .. فهذه ( المحكمة الكندية العليا تقرر أنه للآباء الكنديين مواصلة العقاب البدني لأطفالهم بين سن الثانية والمراهقة . وقررت أن تحويل الآباء إلى مجرمين لاستخدامهم قوة معقولة لتأديب أبنائهم من سن الثانية وحتى سن المراهقة سيكون أكثر ضررا للأسرة . ) (الدستور 1/2/2004م) وغير ذلك في الأخبار كثير ، لم يستوعبوه ويقرروه إلا بعد تمرد أبنائهم وتحلل أسرهم .. أما ديننا العظيم فقد قرر نظاما تربويا أسرياً رؤوفا رحيما عادلا متوازناً شاملا لكل المجالات قبل أربعة عشر قرناً .. أليس هو الدين الذي كتب الإحسان على كل شيء ليس فقط الإحسان للأطفال والإنسان عموما المسلم والكَافر.. بل والإحسان إلى الحيوان والنبات فذم إهلاك الحرث والنسل وأمر بالإحسان حتى في القتل والذبح وفي الحديث : ( إن الله تعالى كتب الإحسان على كل شيء ، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة ، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذِبحة وليحد أحدكم شفرته وليُرِح ذبيحته ) رواه مسلم . فنهى عن تعذيب الحيوان حتى عند ذبحه وأرشد إلى الآداب التي تهوّن الذبح الذي لا بد منه ، وكذلك القتل أمر بإحسانه حتى مع الأعداء فنهىعن المثلة والتحريق بالنار لغير ضرورة .. ونهى عن قتل النساء والأطفال ونحوهم من غير المقاتلين ، وحث على إطعام الأسارى والإحسان إليهم وأمر بالرحمة العامة كما في الحديث ( من لا يَرحم لا يُرحم ) رواه البخاري في كتاب الأدب ( باب رحمة الناس والبهائم ) وذكر فيه أيضاً حديث ( ما من مسلم غرس غرساً فأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة ) .ولذلك حث ديننا على الرفق في التعامل مع الإنسان عموما بل والحيوان وفي الحديث أن بغياً ( أي : مومس ) دخلت الجنة بكلب رأته عطشان فرحمته وسقته شربة ماء ؛ فغفر لها بذلك ودخلت الجنة ، ودخلت امرأة النار في هرة حبستها حتى ماتت لا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض .. وفي الحديث ( الرفق لا يكون في شيء إلا زانه ولا ينزع من شيء إلا شانه ) رواه مسلم فإسلامنا وديننا العظيم قد أغنانا عن قراراتهم المتخبطة وقوانينهم وإعلاناتهم المتخلفة حول حقوق الطفل وسبق ذلك كله بأربعةَ عشر قرناً بحقوق عظيمة حقيقية لا مثيل لها في قوانين الدنيا كلها ، في كل مناحي الحياة ومن ذلك حقوق الطفل ؛ وضعت بحكمة عليم خبير رؤوف رحيم يعرف مصلحة الطفل ما ينفعه وما يضره .. بينما إعلاناتهم وقوانينهم تتناقض وتتخبط تبعاً لأهوائهم ، فاليوم تقرر عدم جواز تأديب الأولاد والبنات حتى تجرّئهم على آبائهم فتجعل الأبناء يؤدبون الآباء ويحاكمونهم إذا حاولوا التدخل في سلوكياتهم أو انحرافاتهم أو شذوذاتهم .. ثم يتداركون ذلك بعد فوات الأوان فيرقعونه ويبدّلونه .. وتراهم كما في المادة (14) من إعلانهم العالمي لحقوق الطفل يكفلون للطفل وفقا لعقولهم وأفكارهم النخرة حق الردة والكفر وتبديل الدين عموما تحت دعوى حق الطفل في حرية اختيار الدين .. !! ثم يريدوننا أن نترك ما عندنا من شرع عظيم في حقوق الطفل وغيرها ونقبل منهم مثل هذه الزبالات .. وجميع العقلاء يعلمون أن الطفل قاصر الأهلية ، وأن عقله خصوصاً قبل البلوغ ليس من النضوج والتمييز الذي يؤهله للاختيار الصحيح وأنه يسهل التغرير به ، ولذلك أناط ديننا مسؤولية الطفل القاصر في هذا الأمر وأشياء أخرى بوالديه ومن عدالته العظيمة أنه يتبعه بدينهما فإن كان والداه مسلمان فهو مسلم بالتبعية لهما ؛ له حقوق المسلمين ..وإن كانا غير ذلك تبع دينهما ولا يجبر أو يكره على الإسلام ما دام لوالديه ولاية عليه حتى يبلغ فتكون له حرية الاختيار إن شاء أسلم أو لم يسلم ..
- والمادة (20) من الإعلان المذكور تجيز التبني وتجعل حقوق الطفل المتبنى معادلة ومساوية لحقوق الابن الحقيقي .. فأي عدالة هذه التي يتفاخرون بها ؟ بل هي والله منتهى الظلم للأبناء الحقيقيين بأن يشاركهم ويشاطرهم الأبناء بالتبني حقوقهم الشرعية قهراً دون رضا منهم بذلك .. ثم إذا هم قننوا ذلك وأقروه بإعلاناتهم فهل تقره الفطر السليمة وتستقيم معه العواطف الإنسانية ؟ وهل لنصوص القانون سلطان على القلوب والعواطف والرحمة والفطرة الإنسانية التي زرعت في قلوب الآباء والأمهات .. ؟ ولأن ذلك لا يستقيم مع الفطر والعواطف فكم تطالعنا صحافتهم من انتهاكات له ، خصوصاً مع قوم لا يؤتمنون على أولادهم الحقيقيين فكيف بغيرهم ؟ فتلك أمريكية تقتل طفلها بالتبني لأجل أن أكل قطعة بسكويت خلسة دون إذنها ، فتعاقبه بلف كامل جسده بشريط لاصق طوال الليل ولا تبرز من جسده إلا أنفه فيموت مختنقاً من الاستفراغ .. ( الدستور 31/1/2004م ) وأبوان يسيئان معاملة أطفالهما بالتبني ويستعملانهم كالعبيد ، وآخران يستغلانهم جنسيا .. إلى غير ذلك مما تطالعنا به صحافتهم كل يوم .أما ديننا العظيم فقد راعى الفطر في تشريعاته لأن أحكامه جاءت من لدن خالق الإنسان العالم بما ينفعه ويناسبه ويصلحه ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير ) ؟! ولذلك ألغى نظام التبني الذي كان موجوداً في الجاهلية وحث في مقابل ذلك على كفالة الأيتام وأمر بالإحسان إليهم ، قال تعالى : ( فأما اليتيم فلا تقهر ) وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا ) وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما . وتوعّد الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما بعذاب السعير ، وشرع الوصية لهم ولغيرهم ممن هم من غير الورثة .. فحافظ بذلك على حقوق الأبناء الحقيقيين في إرثهم أن تمس أو يساويهم فيها أحد غيرهم ، وأبقى الباب مفتوحاً لفعل الخيرات بالوصية بحد معقول لغير الورثة .. فياله من دين عظيم ..أفيجوز لأمة عندها مثل هذا الدين العظيم أن تترك أو تعرض عن هذا الشرع العظيم وتلتفت إلى إعلانات الغرب الساقطة أو شرائعه وقوانينه التي أهانت الطفل ولم تكرمه معنوياً ولا نفسيا ولم تعبأ بضياع أصله ونسبه وانتمائه الأسري حين أجازت تولده من علاقات محرمة فجوّزت التناسل خارج رباط الزوجية ( الزنا ) بل حطمت الأسرة بتجويزها الزواج المثلي وزواج الشاذين جنسيا ..
وكثير من قوانينهم الغربية وعلى رأسها قوانين الثورة الفرنسية العظمى !!التي ملئوا الدنيا جعجعة بالتغني بعدالتها ومساواتها وحقوقها المزعومة !!
أقول كثير من قوانينهم هذه لا تعتبر الجنين في بطن أمه إنساناً !!ومن ثم فلا تثبت له حقوقاً بل تسلبه حتى حقه في الحياة , ولذلك تجيز قوانينهم قتله والتخلص منه بإباحة الإجهاض تسهيلاً لعهرهم وفجورهم وتقديماً لشهواتهم ونزواتهم على الروح الإنسانية وعلى غرار ذلك جرت القوانين الأمريكية التي تعتبر الإجهاض حقاً دستورياً بناءاً على طلب قرار المحكمة العليا الأمريكية لعام 1973م ولم تتحرك ضمائرهم لهذا الظلم والتخلف الحضاري إلا قبل أشهر معدودات , وليتها تحركت تحركاً عادلاً إذ لم تسعفهم عقولهم النخرة ولم تسمح لهم شهواتهم وأهوائهم أن يلغوه كلياً بل قننوه فوقع رئيسهم بوش على حظره جزئياً فقط في المراحل المتأخرة من الحمل , وأبقوا أصله على الإباحة ولازال هذا التقنين الجزئي إلى الساعة عندهم بين أخذ ورد ومعارض ومؤيد وترقيع وطعن ونقاش في أكثر من مدينة أمريكية ثم يأتون للأغبياء المنبهرين بحضارتهم الزائفة في بلادنا يُنظّرون عليهم في حقوق الإنسان والأطفال ...!!
أيها القوم اعلموا أننا نشمئز من قوانينكم ونتقزز منها , ولا يستسيغها أو ينبهر بها في بلادنا إلا من كان منسلخاً عن دينه أو جاهلاً لا يعرف عظمة شرائعه وحقارة شرائع الغرب ...
إن إسلامنا وقبل إعلاناتكم وقوانينكم هذه بأربعة عشر قرناً من الزمان قد جعل للطفل حقوقاً شرعية ونفسية ومعنوية لا أقول بعد ولادته ,بل قبل زواج والديه وقبل تخلق والتقاء نطفتي أبويه ولذلك حث ابتداء على اختيار الزوجة الصالحة في دينها كي تصلح لتتحمل أمانة تربية الطفل ورعايته , كما حث على تخير الزوج الصالح الدّين الخلوق الذي يصلح لتحمل مسئولية رعاية الطفل وليضمن صلاح الأبناء وتنشئتهم في ظل أسرة نظيفة ترعاهم وفق ما يحبه الله ويرضاه , بل حث على النظر إلى الزوجة قبل الزواج ليتخير الخلقة الحسنة السليمة المعافاة التي تسره إذا نظر إليها وإلى ذريتها ..
وحرم الزنا ومنع من نسبة الولد بواسطته حتى يحفظ كرامة الطفل ونسبه ويمنع تناسله من حرام بخلاف قوانين الغرب التي تسهل ذلك وتشجع عليه , ولا فرق عندهم من تولد الولد من نكاح أم من سفاح وراعى ديننا الطفل أيضاً قبل التقاء نطفتي والديه فأوصاهما حفاظاً عليه من نزغات الشياطين أن يدعوا له قبل اتصالهما بدعاء (بسم الله اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا )إنه دين عظيم دين نظيف يرعى الأسرة والطفل في كل مراحله..
وجعل له حقوقاً وهو جنين في بطن أمه حتى قبل أن تنفخ فيه الروح فقال محذراً الزوجات المطلقات كتمان حملهن بأطفالهن على آبائهم {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر... }الآية ,و(ما) تستخدم لغير العاقل أي قبل أن تنفخ فيه الروح ..
وجعل له حقوقاً وإنسانية وعده نفساً وهو في بطن أمه ولذلك حرم الإجهاض وجعل في التسبب فيه دية خاصة بالجنين تدعى (الغرة) ,ومنع من إقامة الحدود على أمه الحامل قبل وضعه وانتهائها من رضاعته
وضمان كفالته صيانة له حتى ولو كان ابناً لها من الزنا , فكيف إذا كان ابناً شرعياً؟
وشرع العدّة للمطلقة المتوفى عنها زوجها حفاظاً على حقوق الطفل الجنين في بطنها وحفاظاً على صحة نسبة وصيانة لحقوقه وحقوق سائر إخوانه وجعل له وهو في بطن أمه حقوقا من إرث ووصية وهبه وغيرها. والغرب لا يعدونه إنساناً ولا يمنحونه حق الحياة فضلاً عن أن يعطونه شيئاً من هذه الحقوق ...
أضف إلى ذلك كل أن ديننا العظيم رعاية للطفل قد خفف كثيراً من التكاليف الشرعية المهمة عن أمه فترة حمله فأباح لها الفطر في رمضان ووضع عنها الصلاة والصيام بعد وضعه مدة النفاس أربعين يوماً وقد تزيد كل ذلك إعانة لها على التفرغ لرعايته وتخفيفاً عنها فترة حمله ووضعه..ورخص لها الفطر في رمضان في فترة رضاعته حفاظاً على حقه في الرضاعة الطبيعية التي حددها الله بسنتين وتوعد من يمنعن أولادهن هذه الرضاعة دون عذر , وجعل حقوقاً في الحضانة , وأمر بالعدل بين الأولاد في العطية ونهى عن التمييز بينهم , وكان اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالأطفال عظيماً .. فكان يدعو لهم ويحنك ويبارك المواليد منهم وسن العقيقة ذبيحة شكر لله على المولود , وكان يحملهم ويلاعبهم حتى أن بعضهم ربما بال عليه فيعلم أمته الرأفة بالأطفال فلا حرج في ذلك ولا يحتاج الأمر أكثر من نضح أثر البول بالماء , ومن رحمته بهم كان يقصر الصلاة لبكاء صبي سمعه في صلاته رحمة به وبأمه إذا كانت في الصلاة معه صلى الله عليه وسلم وكان يطيلها للهو طفل(الحسن أو الحسين) ارتحله (أي ركب على ظهره وهو ساجد) فيطيل السجود حتى يقضي الطفل لهوه ولا يقطع ذلك عليه أو يعنفه , وصلى وهو يحمل أمامة هي طفلة يضعها إذا سجد ويحملها إذا قام , ورأى الحسن والحسين يدخلان المسجد عليهما حلة يعثران بها وهو قائم على المنبر يخطب فقطع الخطبة ونزل عن المنبر وحملهما مخافة أن يقعا ورجع إلى خطبته , وكان يمر بالصبيان في سكك المدينة فيسلم عليهم تواضعاً منه وتعليماً لأمته الاهتمام بالصغار.
إلى غير ذلك من المحاسن والمزايا التي يطول تتبعها ويصعب حصرها وقد سبق إليها ديننا العظيم ونباهي بها الدنيا كلها ...
فهذه شريعتنا العالية السامية المطهرة ..وتلك هي قوانينهم العفنة النتنة الخبيثة...
هذه هي شريعتنا التي نباهي بها الدنيا كلها , ونستعلي بها ونستغني عن قوانينهم وإعلاناتهم المتناقضة المتهافتة وإنما يحتاج لتلك الإعلانات ويفرح بها ويتغنى من لم يكن عنده دين عظيم كديننا وإسلام راق كإسلامنا ...وقران كريم لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه كقرآننا .

حقوق المرأة عندنا وعندهم:
حقوق المرأة وتر آخر يعزف عليه أعداء الإسلام ويرقص على نغمات عزفهم الخبيث أذنابهم في بلاد المسلمين فيدّعون أن المرأة مضطهدة لا في بلاد المسلمين التي تخلت عن شريعة الله ؛بل هي عندهم مضطهدة في الإسلام نفسه مغلوب على أمرها مقهورة بالحجاب محاصرة بقيود الطهارة وآصار العفاف !! مظلومة بتعدد الزوجات ميراثها نصف ميراث الرجل وليس لها حرية الزواج ممن يخالفها في الدين ، ويطالبون بتحررها أو قل تحللها من الشرائع التي يصفونها
‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍ بالعادات والتقاليد البالية‍‍‍‍ !!‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍‍
كبرت كلمة تخرج من أفواههم..
وقد انشئوا لأجل ذلك منظمات نسوية مختلفة المسميات بثوها في بلاد المسلمين دعموها ماديا ومعنويا ، وحرضوا المرأة على المجاهرة بالفسق بل والعهر والفجور والزنا والخنا بحجة الحرية وفي ظل غطاء الديمقراطية وتحت مسميات الفن والحب والعلوم والثقافة ونحو ذلك من العناوين والأوصاف الخادعة الخبيثة ، وحموا ذلك كله وحرسوه بقوانينهم الكافرة التي استوردها أذنابهم في بلادنا ، وشنوا غاراتهم على كل ما يحد أو يقلص من فساد النساء سواء كان قانونا يمت إلى الفقه الإسلامي بصلة أو عادة أصيلة حميدة أو غير حميدة أو غيرة وحمية ، فإذا نكل بزانية أو عاهرة في بعض البلاد التي لا زال للعشائر غيرة فيها على النساء والأعراض ثارت ثائرتهم وعقدوا الندوات والمحاضرات ، وحشدوا التجمعات والمظاهرات لأجل تحرير المرأة من قيود التقاليد البالية ‍ وإنقاذها من اضطهاد الأهل وسطوة الرجل وقمعه وتعمدوا إسقاط ذلك كله على شرائع الإسلام فوصفوه بالوحشية والكبت والقهر للمرأة وتناسوا ثقافتهم الغربية وتاريخهم الأسود مع المرأة وغضوا الطرف عما ينالها من مهانة وقمع وإذلال في كثير من بلادهم التي تصدّر دعاوى تحرير المرأة ‍‍‍‍‍‍‍‍ ومساواتها بالرجل في بلادنا ..
وإذا سمعوا أن امرأة بغيا سيقام عليها الحد في بعض الولايات أو الدول التي لازالت تعمل ببعض حدود الإسلام ، أو بأخرى منعت من الزواج من برجل من غير دينها ؛قامت قيامتهم ولجّوا في عتوهم وانتصروا لها وهيئوا لها سبل اللجوء إليهم ومنحوها المأوى وجرئوها على بني قومها وأبرزوها في صحافتهم مشنعين على الإسلام والمسلمين ,مع أن المرأة عندهم أمست رقيقا رخيصا يباع ويشترى !!
وأنا هنا لا أرضى لنفسي أن أضع ديني العظيم في قفص الاتهام للدفاع عنه :(فالإسلام يعلو ولا يعلى ) (وكلمة الله هي العليا )
فحقوق المرأة في الإسلام محفوظة معلومة وان تعامى عنها من تعامى ، فالشمس تشرق رغم انف الأرمد..
فهو الذي أحياها بعد إذ كانت مدفونة موءودة ..
وهو الذي كرمها بعد إذ كانت مهانة مسحوقة كالمتاع يرثها الولد بعد موت أبيه ولا حق في ميراث ونحوه ..
وهو الذي طهرها بعد إذ كانت مبتذلة وهو الذي كساها بحلل العفاف وزينها بزينة الحياء وصانها عن كل ما يمس كرامتها ..
ولم يجعل لكافر نجس عليها ولاية ولا سبيلا فلم يرض لها أن تتزوج بكافر لأنه ليس بكفء لها حتى تكون تحته ، ولأنه غير مأمون عليها ولا على بنيها ..
وهو الذي حفظها وحفظ لها حقوقها بنتا وأختا وزوجة وأما بعد أن كانت مسلوبة ..
والمتأمل لتاريخ المسلمين يرى دور المرأة الفاعل في نصرة الدين ورفع رايته حيث اشتركت منذ فجر النبوة فكان أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وصدقه امرأة ,وفي بيعة العقبة كانت للمرأة مشاركة ,وفي قصة الهجرة كانت عونا وردءاً,وفي كثير من غزوات المسلمين وأيامهم كان للمرأة تواجداً ومشاركة واضحة على مستوى المشورة وإعانة المقاتلين بصور شتى بل وبالقتال , ولن أطيل هنا بالانشغال بتعداد ذلك فقد سجلته كتب السيرة والتاريخ بصفحات مشرقة ناصعة..
كما لن أطيل الوقوف مع الآيات والأحاديث التي كرمت المرأة وجعلتها شقيقة الرجل وشريكته في كثير من التكاليف والحقوق والواجبات والمسؤوليات فكل ذلك معلوم محفوظ في مظانه..
ولن أتوسع في بيان مشاركة المرأة المسلمة في العلم والفقه والرواية والدراية ونبوغها في كثير من هذه المجالات كالرجال فالأمثلة في ذلك كثير,وكذلك كون روايتها وأخبارها مساوية لرواية الرجل ,ومثل ذلك شهادتها فيما يختص بشؤون النساء من رضاع وولادة ونحوها ,ولن انشغل بضرب الأمثلة بأعلام النساء التي حفلت بهن كتب التاريخ واعتنت بهن كتب السير والتراجم وكرمتهن جنبا إلى جنب مع سير و تراجم العلماء والأمراء والوزراء والقضاة والخلفاء ..
كما أنني لن اتعب نفسي في الرد على ما يتتبعه أعداء الإسلام في هذا الباب من سقطات بعض الفقهاء الذين زجوا بأفكارهم وتصوراتهم الموروثة من ثقافات بلادهم الفارسية أو غيرها,وحاولوا التوفيق بينها وبين ثقافات أخرى يونانية أو غيرها في شان حواء وما ابتدعته تلك الثقافات من أوصاف قبيحة للمرأة ودسوا ذلك كله في كتبهم المصنفة ضمن المصنفات الإسلامية إذ أن حقيقة ذلك كله انه ليس من الفقه الإسلامي الأصيل ولا هو قراءة لحقوق وحال المرأة في الإسلام ,بل هو في الحقيقة قراءة يونانية أو فارسية أو قل إسرائيلية زج بها بطريقة أو بأخرى في كتب الفقه أو الثقافة الإسلامية ,ولذا فلا يحل للعاقل التوقف طويلا في الرد على مثل هذه الترهات التي يتشبث بها أعداء الإسلام.. كما أنني لن أتكلف عد ّفوائد تعدد الزوجات والآثار الجليلة للعفة والطهارة والستر والحجاب وفوائد تضعيف ميراث الرجل المكلف دون المرأة بالإنفاق على بناته وأمهاته وإخوانه ونسائه أو فوائد شرع الطلاق والخلع في الإسلام و كونه شرع للحاجة ورفع الحرج عن الرجل ,وهو للمرأة منجاة وفرج ومخرج في كثير من الأحيان عندما يتحول الزواج إلى جحيم بخلاف الملل التي جعلت الزواج غلا ً و أسرًا للمرأة يعلقها الرجل ولا يطلقها وما أنتج ذلك عندهم من خيانات وانحرافات , سأترك هذا كله ولن أتوقف عنده فالتفصيل فيه وإعطاؤه حقه يحتاج إلى مصنفات ومجلدات ,ولذلك مواضعه المفصلة المتخصصة ,وهو معلوم معروف في ديننا العظيم لا يخفى حتى على العميان ..
ولذلك فلن اشغل نفسي بالوقوف عنده دفاعا عن ديني العظيم ,فلست مندحرا كحال كثير من أهل زماني حتى أتشاغل هنا بجهاد الدفع ,بل أحمل بين جنبات صدري دينا عظيما دست بعزته هام الأنجم وجهادي دوما في كل الظروف جهاد طلب ولذلك سأغير على حقوق المرأة في شرائع الغرب وفي ثقافتهم وحال نسائهم وحرياتهم التي يغرون نساء المسلمين بها ويخادعونهن ببريقها المزيف الصدئ ,وتطبيقاتهم لتلك الحقوق المزعومة والحريات المدعاة في بلاد المسلمين التي احتلوها ,وتطبيقات أذنابهم وأحذيتهم من كفرة الحكام في بلاد المسلمين لها..
إذا رجعنا إلى ثقافتهم الدينية ‘فنجدها في مقابل قرآننا الذي قرر أن (كل نفس بما كسبت رهينة ) وان أبوينا كلاهما آدم و حواء أكلا من الشجرة وعصيا ربهما ثم تابا فتاب الله عليهما ‘ومع ذلك فان القرآن ينسب المعصية أحيانا لآدم كون حواء خلقت منه وكونه مسئولا عنها كما في قوله تعالى ( فعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى ) وكأنه يرد بذلك على من اتهم أمّنا بغواية آدم ويطهرها من هذه التهمة .
أقول في مقابل موقف القرآن العظيم هذا فان كتبهم المحرفة (العهد القديم ) الذي يدين به ويعظمه اليهود والنصارى,تحمل حواء أصل نساء العالم مسؤولية غواية زوجها ودفعه إلى الخطيئة الأولى (الأكل من الشجرة ) ومن ثم فهي عندهم وفي ثقافتهم أس الغواية و اصل كل خطيئة ؛ فنصّوا في سفر التكوين أنها هي التي أكلت من الشجرة أولا وهي التي دعت زوجها للأكل وهي التي أعطته من ثمرها فأكل ولذلك لما عاتبه الرب على الأكل من الشجرة يزعمون أن آدم ألقى باللوم عليها و اتهمها قائلا : (المرأة التي جعلتها معي هي أعطتني من الشجرة فأكلت ) (الإصحاح الثالث 13) .
فنظرتهم الدينية للمرأة اتهامّية إغوائية و نصّوا أيضا في الإصحاح نفسه(17) أن الرب عاقبها لذلك ( فقال للمرأة تكثيراً أكثر أتعاب حبلك ، بالوجع تلدين أولادا ، والى رجلك يكون اشتياقك و هو يسود عليك ) ا هـ .
فثقافتهم الدينية تجعل سيادة الرجل على المرأة عقوبة لها على غوايتها له وإيقاعها به في الخطيئة الأولى ؛ وهم أول من تعامل مع الأنثى بالاتهام و النظرة الإغوائيه باتهامهم رمز النساء و أصلهم بغواية أبو البشر و التسبب بالخروج من الجنة ، ثم مع هذا يرمون الإسلام بقمع المرأة و بالنظرة الدنيوية أليها و التعامل معها كجسد وكعورة ونحو ذلك من هرائهم و أمراضهم هم .
بل إنهم يذهبون إلى أحط و أخس من ذلك حين يتهمون في عهدهم القديم بنات الأنبياء اللاتي طهّرهن القرآن كبنات نبي الله لوط اللاتي جاء وصفهن في القرآن ( هؤلاء بناتي هنّ اطهر لكم ) ولذلك كنّ في عداد من نجاهم الله مع نبيه من القرية التي كانت تعمل الخبائث ؛ نجدهم يتهمونهنّ بأخس التآمر على أبيهن وإسكاره لإيقاعه في الزنا بهنّ ، ليحبلن بعد ذلك من أبيهن ويلدن منه نسلاً ، كما في آخر الإصحاح التاسع عشر من سفر التكوين . (كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا ) .. و أمثال هذه الشنائع في ثقافتهم الدينية كثير ، يتعامون عنها هم و أذنابهم ، وهي تعرفك بمستوى تصوراتهم الدينية المنحطة تجاه أفاضل النساء العالمين وذلك في أقدس كتبهم التي يجتمع اليهود والنصارى على تقديسها !! فلك بعد ذلك أن تتعرف على نظرتهم إلى المرأة عموماً ..
ولن أسترسل هنا في تقصي نظرتهم وثقافتهم الدينية تجاه المرأة ، بل سأكتفي بهذه الإشارات لأذكرهم بها و اذكر أذنابهم بما تعج كتبهم المقدسة المحرفة و ثقافتهم من الخبث و العار والفضائح في حق النساء ، بل في حق خيرة نساء العالمين ، ثم لا يستحيون بعد ذلك من رمي السلام بسوءاتهم هم ، واتهامه بتنقّص المرأة وقمعها و كبتها ، ويتابعهم على مثل هذا الكذب و الهراء جيش من الفاجرات و المتهتكات أو من المقموعات نفسيا واجتماعيا في بعض البيئات وطائفة من اللاتي يئسن من المحيض و الزواج ، و كثير من الجهال والعميان من المنتسبين إلى الإسلام المندحرين أمام حضارتهم الزائفة و المنبهرين بثقافتهم المهترئة ، ولو أنهم تخلّصوا من غشاوة الانبهار هذه ، وتحرروا من اثر الاندحار ثم نظروا في كتب القوم ، وتأملوا ثقافتهم والتفتوا بعين البصيرة إلى واقعهم ، لعرفوا أن أسيا دهم الغربيين هم أولى الناس بتلكم التهم والأوصاف ، ولرأوهم أولى الناس بقول القائل : (رمتني بدائها وانسلت )..
فهم لا غيرهم أصحاب الثقافة الجنسيّة و النظرة الإغوائية البحتة للمرأة ، ونظرتهم الإغوائية هذه جعلتهم لا يتعاطون مع عقل المرأة أو دينها و فكرها و أمومتها و كرامتها ، بل لا يتعاطون إلا مع جسدها ، بل مع مناطق محدّدة من جسدها وحسب .. هذه النظرة وتلكم الثقافة أثمرت شذوذات وعجائب تحدثنا عنها كتب تاريخهم الأسود العفن ، فثقتهم بنسائهم دوما كانت معدومة ، حتى كان المقاتل الصليبي لا يخرج إلى الحروب قبل أن يصنع لزوجته لباسا واقيا من الحديد يطلقون عليه اسم ( حزام العفاف chastity belt ) يشدّه على عورتها ويؤمنه بقفل فلا يفتح إلى أن يرجع من الحرب إليها ، ويمن عليها ببعض ثقوب فيه تقضي حاجتها منها بشق الأنفس ..
ولك أن تتصور ما يصيب المرأة مع ذلك و خلال مدّة غياب زوجها من نتن وأمراض ناهيك عن الإهانة والإذلال النفسي و المعنوي ..وهذا معروف مشهور في كتب تاريخهم .
هذا كان في الماضي حين كانوا متشبثين بثقافتهم الدينية التي كانت تثمر عندهم شكا في المرأة وعدم ثقة ويعتبرونها داعية للغواية فيتعاملون معها بهذا التعقيد و القهر والإذلال و الكبت الحقيقي المنقطع النظير ..
أما اليوم وبعد الفصام بين الكنيسة والدولة وتخلصهم من اضطهاد الكنيسة و تعقيداتها ، وتمردهم كردّة فعل لذلك التعقيد والاضطهاد على كل ما يمت إلى الدين بصلة ؛ انقلبوا على أعقابهم و ارتكسوا في أفكارهم فصاروا إلى الثقافة العلمانية و الحياة الإباحية كردّة فعل لذلك التعصب و الكبت والإذلال الذي كان ينبعث من ثقافتهم الدينية المنحرفة ، وتحولوا إلى إذلال جديد للمرأة وامتهان لكرامتها من نوع آخر ، نابع هذه المرّة من شهواتهم ونزواتهم ، حيث قلّ حياء القوم بل انعدم فجعلوا العفة والطهارة و الستر والاحتجاب الذي يصون المرأة من نزواتهم ويحفظها من عبثهم و شهواتهم ؛ جعلوا ذلك كلّه قهرا للمرأة وقيودا ، وجعلوا عريّها وتهتكها وابتذالها الذي يسهل الوقوع في حبائلهم ويجعلها فريسة سهلة لشهواتهم ونزواتهم جعلوا ذلك تقدّما وحضارة وثقافة و حرية !! وسموه بأمثال هذه المسميات البراقة ليضحكوا بها على عقل المرأة وليقضوا منها أوطارهم ..
حتى ما عادوا يعرفون العذراوية إلا في القصص الخيالية ، ويعيّرون المرأة التي قد تحافظ على عذريتها إلى سن الرشد ويعتبرونها معقدة وربما نصحوها بالعلاجات النفسية ..
وإذا كان الحب في أدبيات العرب الجاهلية عواطف وغزل عذري عفيف ، وكان العاشق إذا فاز بعد أمد بعلكة حبيبته يمضغها فذلك أقصى المنى عنده ؛ أقول إذا كانت هذه ثقافة الحب في جاهلية العرب وقد أثمرت لنا من المعلقات و الأشعار و الأدبيات ما يعرفه القاصي والداني ؛ فان الحب في ثقافة الغرب زنا صريح لا يرضى الرجل ولا المرأة في أدبيات حبهم بأقل من أن يجلس بين شعبها الأربع!! وكأنما اشهد على زواجها الأحبار والرهبان ..
وصارت المرأة في حضارتهم المعاصرة تباع وتشترى ، لا أعني مجازا بامتهانها و إذلالها واستعمالها كسلعة رخيصة للدعاية و الإعلان يغررّون بها بمسميات السوبر ستار ونحوها ليعرضوا على جسدها آخر صرعات الموضة من مساحيق التجميل و الملابس على اختلاف درجاتها وحتى الملابس الداخليّة ، ولا أظن متابعا لصحافتهم و إعلامهم و أسواقهم يجرؤ على الجدال في هذا ..دعك من هذه التجارة الرخيصة بجسدها وإنسانيتها ، فأنا اعني المتاجرة الحقيقية بها ؛ اقرأ إحصاءاتهم حول التجارة بالرقيق الأبيض في بلادهم حيث تجلب النساء من روسيا وأوروبا الشرقية وشرق آسيا تحت ستار العمل كخادمات و نادلات ومربيات ثم تحجز وثائقهن ويقيّدن بديون ثقال تحت دعاوى مصروفات وتكاليف جلبهن فيصرن كالرقيق يبعن ويؤجرن كمومسات و بغايا ولا ينجو منهن إلا القليل اللاتي يتمكن من الفرار ، وتتكلم من ذلك صحافتهم ويشهره إعلامهم ولا يحركون أو تحرك منظمات حقوق المرأة عندهم ساكنا ..
ثم يأتون إلى بلادنا هم وأذنابهم يحدثوننا عن حقوق المرأة وينظّرون علينا حول حرياّتها ..
فأي امرأة يعنون ؟! وأي حقوق وحريات يقصدون ؟!
قد يظن الغر أنهم لعنصريّتهم المعروفة إنما يغضّون الطرف عن امتهان وسحق وإذلال واستغلال النساء اللاتي يستورد ونهن من الدول الفقيرة المذكورة ، أما نساؤهم الأوروبيات والأمريكيات فيتمتعن بحصانة وصيانة وكرامة ..
فليرجع مثل هذا الظان إلى إحصاءات القوم أنفسهم ليرى بأم عينيه انتهاكات كرامة نسائهم وبنات جلدتهم بل واحتقار أمهاتهم وإذلالهن و طردهن إلى الشوارع أو إلقائهن بمآوي العجزة وغير ذلك مما هو معلوم من تفسخهم الاجتماعي وعقوقهم الأسرى ..
خذ على سبيل المثال من إحصائياتهم الحديثة التقرير الذي نشرته صحيفة اللومند الفرنسية في شهر 11/2003 م عن وضع المرأة في الغرب والذي جاء فيه أن :
- أربع أمريكيات يتعرضن للضرب كل دقيقة...
- 700 ألف يغتصبن كل عام ..
- مليونا فرنسية يعانين من عنف الزواج يموت منهن 400 كل عام
أما تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في شهر آذار 2004 م تحت عنوان (أوقفوا العنف ضد المرأة ) فقد ذكر (أن الولايات المتحدة تتعرض امرأة للضرب على يد زوج أو صديق كل 15 ثانية في المتوسط
وتغتصب امرأة كل 90 ثانية ، أي بمعدل (350) ألف حادثة اغتصاب سنويا .
بينما تتعرض 25 ألف امرأة سنويا للاغتصاب في فرنسا )...
عن صحيفة الدستور 7/3/2004 م
ثم يحدثوننا عن حقوق المرأة ويعظوننا في حريتنا وكرامتها ويتهمون الإسلام والمسلمين باضطهادها!
وقبل أيام خرج علينا وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد (بطلب إجراء تحقيق بعشرات قضايا الاعتداء الجنسي من قبل جنود ضد مجندات في معسكرات الجيش الأمريكي في الكويت والعراق وأفغانستان وإبقاء بعض المجندات في معسكراتهن مع من اعتدى عليهن على الرغم من تقدمهن بشكاوى إزاء ذلك...) (الدستور 8\2\2004م). ونشرت الصحيفة نفسها بتاريخ 13\2\2004م تقريراً عن ذلك تضمن دعوة الكونغرس لفتح تحقيق موسع في ذلك ، وذكر التقرير أنه يجري تكتم شديد على عدد حوادث الاغتصاب وأن عددا كبيرا من المجندات اللاتي تعرضن للاغتصاب يحملن رتب جنود وضباط ، وأن بعضهن تعرضن للتهديد بالعقاب بعد أن قمن بالتبليغ عن تعرضهن للاغتصاب ، ولذلك لم يجر أي مسح أو إحصاء حقيقي لعدد ضحايا الاعتداءات والاغتصاب الحديثة ، لكن عمليات مسح قديمة أظهرت نسباً عالية للاعتداء الجنسي والتحرشات بين أفراد القوات المسلحة الأمريكية من النساء في الحروب السابقة.
وأن هناك 30% من المحاربات القدامى في فيتنام قلن في دراسة مسحية للكونغرس الأمريكي في عام 1990م أنهن واجهن اعتداء جنسيا رافقته القوة والتهديد.
كما وجدت دراسة أخرى عن القوات الأمريكية بالحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق عام 1991م قام بها باحثون من وزارة شؤون المحاربين ، تحدث عدد كبير ممن شملتهن الدراسة عن اعتداءات جنسية سافرة ، بينما تحدثت 33% عن تحرشات ومضايقات جنسية...
ونقلت صحيفة الدستور أيضا بتاريخ 28\2\2004م عن صحيفة الغارديان البريطانية أنه تم تسجيل (112) حالة اغتصاب لمجندات أمريكيات على أيدي زملائهن في الجيش الأمريكي في العراق وأفغانستان وهذا فقط بالنسبة للقضايا المبلغ عنها في العراق وأفغانستان.
أما عن حوادث التحرش والاعتداء الجنسي خلال العام الماضي في القواعد العسكرية الأمريكية جميعها فحدثنا(تشارلز جونسون)من معهد (نيشن أنستيتوت) في دراسة له أنها بلغت 14 ألف حادثة.
هذه أفاعيلهم وحالهم مع نسائهم وهذه هي حقوق المرأة وحرياتها التي يتحدثون عنها ويخادعون بها المغفلين..!! هكذا يفعلون بنسائهم وبنات جلدتهم بل ومجنداتهم وهذا تكريمهم لهن وهذا ما حققته لهن حرياتهم المدعاة!! فماذا تراهم يدخرون لنساء المسلمين في البلاد التي يحتلونها ، أو في البلاد التي يريدون فرض ديمقراطيتهم وثقافتهم العفنة عليها.
إن المتابع لأخبار العراق اليوم في ظل الاحتلال الأمريكي يرى ويسمع معاملة العراقيات وإهانتهن وإذلالهن واعتقالهن وتفتيشهن في كثير من الحالات من قبل الجنود الأمريكان ، ولا يكرم عندهم ويقدم ويبرز إلا من كان من أذنابهم أحذيتهم من النساء اللاتي هيئت لهن أمريكا الجمعيات والمراكز النسائية الداعية إلى تحرير المرأة وفقا للثقافة والحرية الأمريكية المتقدمة الذكر ، وزرعت بعضهن في مجلس الحكم العميل ، وسافرت طائفة منهن إلى أمريكا والتقين هناك بمسئولين كبار وحججن إلى البنتاغون وقابلن مساعد وزير الدفاع الأمريكي بول ولفوتر ، وتلقين من هذا البول التوجيهات و النصائح وحصلن على دعم بلغ 27 مليون دولار خصص للبرامج النسوية ! في العراق كما أشار إلى ذلك بول ولفوتر نفسه في مقال له نشر في جريدة الشرق الأوسخ أعادت نشره صحيفة الدستور بتاريخ 7/1/2004 م وعندما عدن إلى العراق بادرت مجموعة منهن مع أخريات فخرجن في مظاهرة وقمن باعتصام في بغداد يطالبن فيه بإلغاء مشروع قانون للأحوال الشخصية لا أقول انه موافق للشريعة بل فقط فيه بعض رائحة الشريعة ووصفه بأنه ردة لم تكن موجودة حتى أيام الطاغية صدام ( الدستور 21/1/2004 م .
وهكذا الشأن في أفغانستان فها هم الأمريكان بعد أن احتلوها و ثبتوا عملائهم في الحكم هناك يفاخرون بأنهم قد حرروا
المرأة الأفغانية من حجابها كما ذكر ذلك البول في المقال سالف أو سافل الذكر و يفاخر أذنابهم هناك بعودة غناء النساء ورقصهن علنا في التلفزيون الحكومي واعتبروا ذلك كما ذكرت جريدة الدستور في 15/1/2004 م ( انتصاراً لدعاة التحديث داخل حكومة قرضاي التي تدعمها أمريكا ضد المتدينين وكان وزيــر الثقافة !! والإعلام سيد مخدوم رهين هو الذي أنهى قرار حظر غناء ورقص النساء في التلفزيون الحكومي بعد أن ظل ساريا لمدة 13 عاما ).....
وسمع الناس كلهم كيف أعلنت وكالات أنباء الكفر في كل مكان بفرح منقطع النظير خبر مشاركة فتاة أفغانية في مسابقة جمال أجريت في هونج كونج وكان العنوان الذي تداولته صحف يومها (ملكة جمال أفغانستان من الشادور إلى البكيني !! ) وهذا في وقت تعاني فيه الغالبية العظمى من الشعب الأفغاني من فقر مدقع وظروف معيشية متدنية ومسحوقه مع انتشار قطع الطرق واغتصاب النساء وازدهار زراعة المخدرات بعد سقوط نظام طالبان ، كل ذلك يغضّون الطرف عنه ويهملونه ولا يلتفتون إليه ويشهرون مثل تلك الأخبار السخيفة الخليعة التي تروّج للعهر والفساد والتحلل ، فهذا هو التحرر الذي يريده أعداء الإسلام وأذنابهم في بلادنا لنساء المسلمين ؛ التحلل من الحجاب والعفة والستر والخلاق ، والتعري الكامل من ذلك كله لتصبح المرأة بعد ذلك مومسا أو راقصة تتعرى أمام عيونهم ، ومتعة رخيصة لشهواتهم ونزواتهم العابرة ....
فبعد أن يتوّجونها بتاج مسابقاتهم ، ويضحكون عليها بجوائزهم ويشهرونها في صحافتهم و إعلامهم ليجرئوها بذلك على العري و الفساد الذي يلبسونه مسميات مزركشة ، ويقدموها كمثل وأسوة ليقتدي بها بنات جنسها ويستعملوها بعد ذلك كموديل يعرضون عليها بضائعهم وآخر صرعات الموضة وأدوات وملابس الفتنة ..
ثم بعد أن يقضوا منها اوطارهم ويحققوا بها مآربهم وينالوا ما ينالوه من شهواتهم ، يلقونها بأقرب ملهى أو ماخور ، ثم بعد أن يتلف جسدها ويبلى شبابها لا تجد مأوى يؤويها ولا والد أو زوج أو ولد يحنو عليها ، وان وجدت مأوى للعجزة تقضي فيه آخر أيام عمرها فهي محظوظة ...
هذه كرامة المرأة عندهم وتلك هي حقوقها وحرياتها ...وهكذا يريدونها سلعة رخيصة و شهوة عابرة ، و لذلك يطعنون في الإسلام الذي يصونها من شهواتهم الرخيصة ، ويكرمها ويطهرها من ثقافتهم القذرة ، ولذلك يطعنون في كل من دعا إلى شرائعه وسعى إلى تحكيمه ويتألّبون عليه ويحاربونه كما فعلوا مع الطالبان التي على قصر حكمها وضعف إمكاناتها فقد شهد لها القاصي والداني و العدو المنصف قبل الصديق بحفظ كرامة النساء وصيانتهن وأمانهن وانقطاع حوادث الاغتصاب و الخطف والعنف تجاههن ، وكل من تابع أخبار حربهم على أفغانستان وسمع تصريحات الصحفية البريطانية التي أسرها الطالبان وكيف أثنت عليهم وعلى معاملتهم لها ، الشيء الذي دعاها إلى أن تسلم بعد أن أطلق سراحها ، وذلك لأنها عايشت بينهم –وهي عدوة- أمانا على عرضها وشرفها ونفسها لا يمكنها أن تعايش مثله في وطنها وبين بني قومها وها هي رابطة من الروابط النسائية الأ فغانية التي دأبت على الطعن في الطالبان أيام حكمهم وهي ( الرابطة الثورية لنساء أفغانستان ) تتباكى على أيامهم بعد أن ذاقت ويلات الحريات والحقوق التي يتغنى بها أذناب الأمريكان في بلادها ...
حيث صرّحت ناشطتها (سحر سابا ) في حديث صحفي : ( أن المرأة لا تزال ضحية في ظل حكومة حامد قرضاي التي جاءت على متن الطائرات الأمريكية لتمنح الديموقراطية للشعب الأفغاني وتعطي الحرية لنساء أفغانستان !! وذكرت أن الوضع أصبح أسوء حيث تشهد أفغانستان قمعا مؤسسياً للمرأة ، وقالت :إن الجريمة ضد المرأة تزايدت دون كابح ، وإن حكم طالبان ربما كان متشددًا لكنه وفر قدراً من الأمن للنساء ..لكن الآن حتى النساء اللاتي يرتدين البرقع مستهدفات أيضا فهن يتعرضن علانية للتحرش من جانب زعماء الحرب في البلاد .(الدستور 13/2/2004 م )
وهذه الكاتبة (سوزان غولدن بيرغ) في مقال لها بعنوان ( الجانب النسوي لبوش) تتهكم في صحيفة الغارديان على بوش وحرصه على لقاء بعض النساء الأفغانيات والعراقيات ( المتحللات من دينهن) وفي مقدمتهن (رجاء الخزاعي) عضو مجلس الحكم العراقي والتي خاطبت بوش في مكتبه البيضاوي قائلة وهي تذرف الدموع: "يا محرّري"!! تتهكم الكاتبة على بوش مذكرة أنه متخلف اليوم في الانتخابات عن منافسه الديموقراطي كيري بعشر نقاط لكن يبدو أن بوش لديه فرصة بأن تساعده وتنقذه من خسارته المحققة نساء أفغانستان والعراق جزاء على كرمه بتحريرهن!! فلعله إن خسر الانتخابات في واشنطن أن تسعفه أصوات هؤلاء النسوة في كابول وبغداد!! ولذلك تلاعب بوش بالحقائق في ذلك اللقاء وتناسى مزاعم الحرب على الإرهاب وأسلحة الدمار الشامل وأخذ يعدد محاسن حربه على العراق وأفغانستان مدعيا أنها حررت ملايين النساء من أكثر دولتين قمعا ووحشية على وجه الأرض!! وزعم كما تنقل الكاتبة أن نظام طالبان كان همجيا بشكل فظيع وأن وضع نساء أفغانستان الآن أفضل بكثير بعد زواله ، أما العراق يقول بوش:"فإن وضع النساء أفضل بكثير لأن غرف التعذيب والاغتصاب التي كانت موجودة في زمن صدام حسين قد أغلقت إلى الأبد" ..
تقول الكاتبة:"إن الحقيقة ابعد من ذلك ، هانية المفتي ، مندوبة هيومان رايتس ووتش ، توافق الرئيس بوش في إن نظام صدام (القمعي ) قد انتهى ، لكنها تضيف إن الفوضى و العنف اللذين سادا بعد الحرب قد اجبروا الكثير من النساء على البقاء خلف الأبواب المغلقة ، وأبعد الفتيات عن المدارس ،
كما منع النساء اللواتي انهين الدراسة من المخاطرة بالخروج للبحث عن عمل خوفا من الاختطاف و الاغتصاب ، و تتساءل "ما جدوى الحرية إذا كنت تخشى الخروج إلى الشارع " ؟ وفي أفغانستان ، ما زالت النساء تحت رحمة أمراء الحرب
كتبت كيت الان ، المديرة في منظمة العفو الدولية ، في ( الغارديان ) تقول انها طلبت من عاملة في احدى المنظمات غير الحكومية ان تصف لها الفرق بين الذي حصل بعد سقوط طالبان فقالت :" اذا ذهبت امرأة الى السوق وظهر انش واحد من جسدها فانها في ايام طالبان كانت تضرب ، اما الان فهي تغتصب " . اهـ نقلا عن الدستور 17/3/2004م
فنقول لهذه المنظمات و أهلها : ذوقوا مسّ ديموقراطية الغرب وحريّاتهم التي تتباكون عليها وتلقفتموها من أوليائكم أو جلبوها هم لكم على متن طائراتهم وبوارجهم الحربية أو من خلال ثقافتهم و إعلامهم و منظماتهم .. (أيديكم أوكت وأفواهكم نفخت ) !!
وسيذوق اتباع الغرب الناعقون الهاتفون لكفرة الحكام في بلادنا ، المصفقون لمشاريعهم الكفرية الخبيثة التي يلبسونها اثواب ومسميات الصلاح والتحديث ؛ سيذوقون مثل ما ذاق غيرهم من آثارالارتماء في أحضان الغرب ونتائج الانسحاق تحت اقدامهم وسيدفعون ثمن تلقف ثقافتهم الفاسدة وديمقراطيتهم النتنة وحرياتهم الكاذبة الفاسدة ؛ سيذوقون ما ذاقه هؤلاء وسيندمون كما ندم أولئك ولكن بعد إذ لا ينفع الندم .
فها هم يغيرون على ما تبقى في بلادنا من تقاليد أو حتى أعراف أو قوانين فيها شيء من رائحة الشريعة أو الغيرة أو الحمية ليمسخوها و يلغوها أو يحرفوها لتلائم أهواءهم وتسهّل شهواتهم وتطلق للفاسدات من النساء مزيدا من أعنة التحلل و الفساد .
وقد رأى الناس أجمعون شيئا من هذا الإصلاح المنشود عند هؤلاء الأذناب في بلاد لم تعهد التبرج و السفور و الاختلاط علنا رأوا ذلك عيانا في منتدى جدة الاقتصادي الذي عقد في أواخر سنة 1424هجري ومطلع سنة 2004 م و الذي كان مجاهرة و إعلانا غير مسبوق في الجزيرة لسفور النساء و تبرجهن و اختلاطهن بالرجال و ظهورهن علانية و تحديا كذلك على شاشات التلفاز كاسيات عاريات على بعد أميال معدودة من بيت الله الحرام وفي بلد لم تكن تتجرأ أمثالهن على المجاهرة بمثل ذلك أو دونه ..
وفي المغرب حيث يحكم بلاد رجل (والله لا ادري أرجل هو أم ماذا ؟) يزعم انه أمير المؤمنين وما هو إلا ذنب للمشركين ، أغار على إخواننا المجاهدين و الدعاة فسجن كل مجاهد وداعية و كمم كل صوت غيور على دينه و أمته فغيبهم في السجون ، ليخلو له الجو بعد ذلك فيغير على ما تبقى من أحكام شرعية قليلة في مدونة الأحوال الشخصية ليمسخها باسم إصلاح قوانين حقوق المرأة و الأسرة ، فيلغي أو يعسّر تعدد الزوجات في الوقت الذي يبيح ويسهل ويكفل حرية تعدد العشيقات و الزانيات و حرية العري و البغاء ، تماماً كما يفعل أسياده في أوروبا و أمريكا ، ويلغي مبدأ طاعة الزوجة لزوجها ؛ أما طاعته هو وانبطاحه وانسحاقه تحت أقدام الأمريكان فلا يلغيه أو يغيره ، بل يفعله و يخلص فيه !!
ويسوّغ الاعتراف بأبوة أولاد الزنا الذين (يولدون خارج إطار الزواج )كما جاء في نص القانون !!
فهذا وأمثاله من العهر و الفجور يسميه الأرذال إصلاحات و يعدونه تعزيزًا لحقوق المرأة ، ويهتفون باسم القائم عليه ويسمونه بأمير المؤمنين !! فسحقا سحقا فلا جرم أن يتهلل لذلك ويفرح به كفار الشرق والغرب حتى وصفه الرئيس الفرنسي جاك شيراك ( يشكل تطورا كبيرا على طريق الديموقراطية)
فليتعرف المسلمون إذاً ماذا يقصد هؤلاء بالديموقراطية والحرية إنهم يقصدون قطعا التحرر من حدود الله و التمرد عليها وتعديها و التحلل من أحكام الشرع ومن كل ما يحفظ عرض المرأة وعفتها و شرفها ، بدليل أن ديموقراطية الثورة الفرنسية كلها استوعبت الكفر والإلحاد و العري والفواحش والزنا واللواط وزواج مثيلي الجنس ، ولم تتحمل قطعة قماش ترمز إلى العفة والطهر تضعها فتيات المسلمين على رؤوسهن ، فادعوا أنها خطر على مجتمعاتهم وخطر يهدد علمانيتهم ، فحظروها في مدارسهم وقرروا طرد المحجبات منها ولسان حالهم يقول كما قال أشباه لهم قديما : ( أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون ) وعلى كل حال فحربهم على الحجاب و العفة والفضيلة ليست جديدة بل قديمة متا صله فيهم ، ولكن اشتدادها اليوم و استعارها تأتي مع صحوة العملاق الإسلامي و عودته عزيزا في إسلامه يتحدى الغرب الكافر ، ويلفظ حضارتهم الزائفة التي خدروه بها ردحا من الزمان ، فهذا الحجاب رمز لصحوة هذا العملاق ورجوعه الى عزته واستعلائه على ثقافاتهم .
ومعلوم أنهم لم ولن يرضوا إلا عن إسلام مودرن إسلام غربي متأمرك ,ومن ثم فحربهم على هذه القطعة من القماش (الحجاب) إضافة إلى كونها حربا على العفة والطهارة والفضيلة ؛فهي في حقيقتها حرب على هذا الدين العظيم الذي يأمر بهذه المحاسن ويوجب الحجاب ..وحقيقة الحجاب كما يقرؤوه أعداؤنا إعلان صريح على رفض الانبطاح والخضوع لثقافة الغرب الفاجرة وعولمته الكافرة الساقطة ..
وهو يمثل بالنسبة للمرأة المسلمة هويتها الإسلامية التي تعتز بها ومؤشر على العزة والكرامة والكبرياء الإسلامية ,والتحرر من ربقة طاغوت الحضارة الغربية النجسة..
وما دام حجاب المرأة المسلمة كذلك وما دامت هذه حقيقته فأعداء الإسلام قطعا لا يطيقون رؤيته على رؤوس المسلمات ولا يسمحون به أو يقبلونه إلا عندما يمسخ كراية بيضاء ترفع إعلانا للهزيمة والاندحار أمام الهيمنة والثقافة والعولمة الغربية ..
الحجاب مؤشر على صحوة الأمة ونهضتها من سباتها وإعلانها رفض الانبطاح لحضارة الغرب الفاسدة أو السير في ركابها ..
الحجاب مؤشر على التحدي الجديد الذي يواجه الغرب الكافر بعد تفكك الاتحاد السوفييتي وتفرد أمريكا بالهيمنة على العالم وتفرد الإسلام وأنصاره بالتصدي لها ولكفرها وعربدتها ..
فكل من يحارب الحجاب من الغربيين وأذنابهم فانه في الحقيقة يقرؤه ويفهمه وفق هذه المعاني ,ولذلك تجده يحارب الإسلام وكل ما يمت إليه من شرائع ومن ذلك الحجاب ..
وإلا فان من لم يدرك هذه الحقائق سيعجب اشد العجب من حربهم على الحجاب مع تغنيهم بالحريات واستيعاب علمانيتهم لكل شيء إلا هذه القطعة من القماش !!
ولذلك فقد كتب احد الكتاب الفرنسيين متعجبا من بني قومه فقال ساخرا مما اسماه (قضية المناديل ):(إن المرأة الفرنسية تبرز أناقتها عندما تضع المنديل على رأسها , ولكن المرأة المسلمة عندما تغطي رأسها بنفس المنديل تصبح خطرا يهدد الحضارة والعلمانية أيضا!!) اهـ
فقد عرفت أن منديل المرأة المسلمة ليس كمنديل غيرها ..
وعرفت إلى ماذا يرمز ,وماذا يعني , وكيف يقرأه الغرب ,ومن ثم لماذا يعادونه ولا يساوونه بمنديل الفرنسية أو غيرها ..
وإذا عرف السبب بطل العجب ..
ختاما..
إذا كان العرب الجاهليين قد وأدوا المرأة حقيقة في جاهليتهم الجهلاء , فإما فعلوا ذلك حفاظا على جسدها أن يتسلط عليه عدو أو غريب ,وخوفا على عرضها وشرفها من أن يمس أو يهان ,وجاء الإسلام فأخرجهم من الظلمات إلى النور ودلهم على الطريقة المثلى التي تحفظ على المرأة جسدها وشرفها وعفتها ..
فان الغرب اليوم وفي عصور الحضارة والتنوير كما يدعون قد ارتكبوا أشد من ارتكاس عرب الجاهلية ؛ فوأدوا المرأة لا لحفظ جسدها وعرضها بل لهتك هذا وذاك , وبذله للدعارة والعهر والجنس ,وتسلطوا على وأد جسدها بشهواتهم ونزواتهم ؛ ولن يحييها منن هذا الوأد العصري إلا شرع ربها الذي هو اعلم بما يسعدها ويشقيها ( ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)
أما دعوات تحرير المرأة وإنقاذها من آصار الد