" نعم " لفظة
استمرأتها الشعوب ، أو زُورت بها إرادتها!! إما حقيقة (بالنطق بها
، مجاراة للباطل المهيمن ، وممالأة للطغيان القاهر) ، وإما حكماً
(بإقرار المبطل أو السكوت عنه) .
وسواء هذا أو ذاك.. فهي ـ اليوم ـ لسان حالهم ـ وإن لم تلفظها
شفاههم ـ لسكوتهم واستكانتهم، وهوانهم وانهزامهم!!
ونَعَمْ ونَعِمْ : لغتان بفتح العين وكسرها (1) ، وهي كقولك: بلى ،
إلا أنَّ "نعم" تورد في جواب الواجب ، وهي موقوفة الآخر لأنها حرف
جاء لمعنى . قال الأزهري: "إنما يجاب به (أي نعم) الاستفهام الذي
لا جحد فيه" قال: "وقد يكون "نعم" تصديقاًويكون عدة"(2)، "فالعدة
إذا استفهمت عن موجب ، نحو قولك (أيقوم زيد؟) فيقول: نعم ،
والتصديق: إذا أخبرت عما وقع ، تقول: قد كان كذا وكذا ؛ فيقول
نعم". (3)
وربما ناقضت (نعم) (بلى) ؛ إذا قال قائل: ليس رئيسكم بالأمين ،
فتقول: نعم (تصديقاً له) ، وبلى (تكذيباً)، وإن كان لا يقال ـ في
مثلها ـ اليوم ـ: بلى إلا من كذوب، أو منافق، أو رِعْديدةٌ أو
هِرْدَبَّةٌ (*).
وليس لـ "نَعَم" معنىً في نفسها ، لأنها حرف ، وإنما تدل على
الإيجاب لما اتصلت به حقيقة أو تقديراً ، فتُحمد أو تُذم بحسب
معناها المتصل بها ، ومن ثَمَّ يُذم قائلها إن لزمها بكل حال فيما
يناسب الإيجاب إليه وما لا يناسب .
وقد وردت لفظة "نَعَم" ـ على هذا التركيب الحرفي ـ في القرآن
الكريم في مواضع ثلاثة:
أولها: قول الله تعالى ـ مخاطباً رسوله صلى الله عليه وسلم ـ : (
قلْ نَعَمْ وَأنتُمْ دَاخِرُونَ ) (4) ، جواباً على سؤال المشركين
: ( أإِذا متْنَا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أإنا لمَبْعُوثونَ
أوَآباؤنا الأوْلَونَ؟ ) (5).
فقد جاءت (نعم) ـ هنا ـ جواباً بالإيجاب لما هو صواب وصدق ، وهذا
موضع محمود في استخدامها، لأنه حق في نفسه ، ولأنه لم يكن جواب
تقليد ولا جواب موافقة غير مبنية على اقتناع .
ثانيها: قول الله تعالى: ( وَنَادَى أَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابَ
النَّارِ أنْ قَدْ وَجَدْنا مَا وَعَدَنا رَبُّنَا حَقاً فَهَلْ
وَجَدتُّمْ مَا وَعَدَ رَبُّكمْ حَقاً قَالوا: نَعَمْ ) (6).
فجاءت ـ هنا ـ على لسان أهل النار، حيث لا خيار في النطق بضدها ،
وما ينبغي لهم وما يستطيعون ، ذلك أنهم فيها ، فلا سبيل لجحودها ،
وجوابهم بـ "نعم" حق في نفسه ، ولكنه غير محمود لأنه لم يكن مبنياً
على تصديق ، أو لأنه لا يسعهم جحده ـ وقد مَثُلَ أمامَهم حقَّ
اليقين ـ كما جحدوه من قبلُ وكانت مستيقنةً به أنفسهم .
وثالثها: قول الله تعالى: ( يَا أيُّها الذينَ آمنُوا لا تقتلوا
الصيدَ وأنتُم حُرُمٌ وَمَنْ قَتلهُ مِنْكُمْ مُتعمِّداً فَجَزاءٌ
مثلُ مَا قتلَ مِنَ النَّعَمِ يَحكمُ بهِ ذوا عَدْلٍ مِنْكُمْ )
(7).
والـ "نَّعَمُ" ـ هنا ـ ليست بمعنى "نَعَمْ" السابقة التي للجواب ـ
وإن شاركتها في نفس التركيب الحرفي ـ ولكنها بمعنى الأنعام ، فيقال
للبهائم من الإبل والبقر والغنم : نَعَمٌ ، قال القرطبي ـ في
أحكامه ـ : "قال مكي: من قال "نَعِم" بكسر العين أراد أن يفرق بين
"نَعَم" التي هي للجواب وبين "نعِم" التي هي اسم للإبل والبقر
والغنم ، وقد روي عن ابن عمر إنكار "نعم" بفتح العين في الجواب ،
وقال: قل نَعِمْ ". (8) ، قال هذا الفقير: وقد ورد بالأول صريح
القرآن ، وسواء قلنا هي بالفتح أو بالضم فهما متفقتا المبنى وإن
تغير شكل الأوسط .
وعلى هذا فإن الكلمتين يجمعهما جناسٌ كامل ، فهما متحدتا اللفظ وإن
اختلفتا في المعنى ، غير أني ألمح بينهما معنى مشتركاً (والعلاقة
بين التراكيب اللفظية والمعاني علاقة ثابتة عند أئمة اللغة) وهذا
المعنى المشترك قد يجعلهما أشبه بالاشتقاق الأوسط ، الذي هو عقد
تقاليب الكلمة على معنى جامع ، كقولك: هرب ، ورهب ، فبينهما تناسب
في اللفظ والمعنى ، ونحو ذلك من المشتركات اللفظية متناسبة المعاني
، والمعنى الجامع بين "نَعَمْ" الحرف ، و"نَعَمٌ" الكلمة : القهرية
وفقدان الاختيار ، فالذي يلزم "نَعَم" على كل حال ، سواء فيما يلزم
فيه الإيجاب بها ، أو ما يلزم فيه النفي بـ "لا" هو كالفاقد
للإرادة المسير بغير تخير ، فكأنه بالتزامه "نَعَم" على الدوام
شابه الـ "نَّعَم" من جهة ما جُبلت عليه وسيرت إليه بلا إرادة ولا
تخيرٍ منها، وهي التي قال الله تعالى ـ فيها ـ : ( أو لم يروا أنا
خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم )
(9). وكذلك يريد الطغاة بشعوبهم ؛ أن تكون كقطعان الماشية لا تخرج
عن طبيعتها البهيمية في السُّخرة والإذعان والذلول!! لتفقد أخص
خصائص الإنسان، وهو العقل المميز والاختيار الحر ، وتلك خاصية منحت
هذا المخلوق المتميز من السعة ما يمكنه حتى من التخير بين مراد
الله الشرعي وضده ، لا على سبيل الجواز ، ولكن على سبيل الإمكان ،
كما قال تعالى: ( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (10) ، وقال تعالى:
( إنَّا هّدّيْنَاهُ السَّبِيلَ إمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً)
[سورة الإنسان ـ الآية:3] ، وقال تعالى: ( فَمَنْ شَاءَ
فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ) (11) ، ولذلك فإن الطغاة
لا يطيقون ـ من شعوبهم ـ لفظة "لا" ليس لأنها تفيد المخالفة فحسب ،
ولكن لأنها ـ أيضاً ـ تنذر بخروج الأمة عن الطبيعة البهائمية التي
يسلس معها قيادها ولو لشيطان رجيم!! أو بالأحري: لا يريدون لها أن
تكون على أصل فطرتها واستقلال إرادتها ، قادرة على أن تقول "لا" في
موضعها الصائب ، إنكاراً للباطل ، ورفضاً للفساد .
ولعل هذا المعنى هو الذي به شرفت "لا" ، فصُدِّرت بها أفضل كلمة
وأثقلها في الميزان (لا إله إلا الله) ، وهي بهذا التصدير أفادت
نفي عبودية المخلوق قبل إثبات عبودية الله جل وعلا ، كما قال
تعالى: ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى
) (12) ، إنها ـ إذاً ـ شعار التحرر من ربقة المتسلطين ، وبها فقط
يتبوأ الإنسان مكانته التي أوثر بها على الخلق أجمعين .. ( لقد
خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) (13). ( ولقد كرمنا بني آدم
وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير
ممن خلقنا تفضيلاً ) (14). أفيليق بك أيها الإنسان المسخر له ما في
البر والبحر ذلولاً مُدَجناً ؛ أن تصير أنت الذلولَ المُدَجن ،
ولسقط البشر وأتلفهم وأشبههم بالشياطين؟؟!!
فكيف تَمَكَّنَ الطغاةُ من استذلال أمتنا ؟ وكيف سلبوها حرية
وإباءً ولدت بهما ؟ وكيف جعلوها مستسلمة للقهر والقمع والتجويع دون
نكير ؟ كيف أرادوا لها أن تكون كأمة نعم ؟
إنها خطة قديمة ورثوها عن مستعمر ماكر خبيث ، حيث لم يجد سبيلاً
لقتل روح المقاومة لدى أمتنا ، إلا في تغليب البهيمية على
الإنسانية ، ومن ثم كان إغواء النفوس وغمسها في الشهوات هو أهم
وأخطر شراك الطغاة التي يتذرعون بها للإيقاع بشعوبهم في مستنقع
القهر والامتهان والاستعباد، ذلك أن الشهوة إذا تمكنت من النفس
وملكت عليها أركانها جعلتها أشبه ببهيمة الأنعام ، كما وصف الله
تعالى أعبد الناس للدنيا وشهواتها ممن لا يؤمن بالله واليوم الآخر،
فقال: ( والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار
مثوىً لهم ) (15) ، وفي معناه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "تعس
عبد الدينار ، وعبد الدرهم ، وعبد الخميصة ، إن أُعْطِيَ رضي ،
وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ ، تعس وانتكس وإذا شيك فلا انتقش" (16)..
فهذا يدور حول شهواته كما يدور الحمار حول الرحى ، فهي محور سعيه ،
وفلك مقاصده.. فما أتعسه، وما أشد انتكاسه ، وما أفظع سقطته ،
فكأنما تردى من جوبةٍ (وهي الفتق في الجبل) فهوى ، ليخر به الهوى
من منزلة الإنسانية المكرمة الرفيعة .. إلى درك البهيمية المسخرة
الوضيعة!!
من أجل ذلك ما فتئَ الغاوون من شياطين الإنس يشيعون الفاحشة في
الذين آمنوا ، ويروجون للرذائل والخطايا ، ويزينون الفجور والمجون
، وهم يجتهدون في هذا ويضاعفون منه كلما لحظوا في الناس عودة إلى
الدين واستجابة لمحاب رب العالمين ( واللهُ يُريدُ أَنْ يَتُوبَ
عَلَيْكُمْ وَيُريدُ الَّذينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ
تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيمَاً ) (17).. حتى إذا صارت الأمة أشبه ما
تكون بتلك الأمم المتمرغة في أوحال الإباحية والانحلال ؛ قبضوا على
ناصيتها وأحكموا قيادها وساقوها سوق القطعان .. قال تعالى ـ حكاية
عن مَثَلِ الطغاة الأول (فرعون) وخُطَّتِهِ في استذلال قومه ،
واجتهاده في تهيئتهم للقبول بفساده والإعجاب بهوسه والإشادة بتهافت
منطقه ـ : ( وَنَادى فِرْعَوْنُ في قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِِ
أَلََيْسََ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهارُ تَجْري من تحتي أفلا
تبصرون أَمْ أَنا خَيْرٌ مِنْ هَذا الَّذي هُوَ مَهيِنٌ ولا يَكادُ
يُبينُ فلولا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ منْ ذَهّبٍ أَوْ جَاءَ
مَعَهُ المَلائِكَةُ مُقْتَرِنيِنَ فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا
قوماً فاسقين ) (18).. قال الحافظ ابن كثير : "أي استخف عقولهم
فدعاهم إلى الضلالة فاستجابوا له"(19) ، وقال القاسمي ـ في
"التفسير" ـ : "أي فاستفزهم بهذه المغالطات ، وحملهم على أن يخفوا
له ويصدقوه" (20).. وكذلك يدرك الطغاة ـ دوماً ـ أن تفسيق الأمة،
ودفعها إلى مهاوي الرذيلة ؛ هو أقصر الطرق إلى استخفافها ورضاها
الدنية في دينها ودنياها!!
لقد بلغت ميزانية الأفلام والمسلسلات في بعض الدول العربية
(لعام1999م) ما يعادل أربعة أضعاف ميزانية وزارة التعليم ، وستة
أضعاف ميزانية وزارة الصحة ، في حين تعاني المرافق العامة والبنى
التحتية من قصور ونقص شديدين ، ويعيش أكثر من ستين بالمائة من
السكان تحت خط الفقر!!
والطغاة يتصرفون على هذا النحو بوعي مدرك لمردوده ، فإفساد الشعوب
وإلهاؤها من شأنه تأمين فساد الولاة وأذنابهم وأسيادهم ، وإطلاق
أيديهم في مقدرات الأمة بلا حد ولا ضابط ، والعبث بحقوقها دون رقيب
ولا حسيب ، وإسقاط اعتبارها ككائن حي له وجود محترم وإرادة حرة، إذ
إنها بزعمهم ـ والحالة هذه ـ لا صلاحية لها إلا في أن تُحكَم ، فهي
ـ بنظرهم ـ مجرد عنصر في مُرَكب الطغيان ، بل قدْرُها ـ عندهم ـ أن
تُرْعى رعيَ السوائم ، وفي أحسن الأحوال يرونها قاصراً ، لم تشب عن
الطوق ، فهي في حكم المحجور عليه، الذي لا اعتبار لتصرفاته، ويلزم
أن تفرض عليه الوصاية!!
ويظهر لي : أن الولاة في بلادنا يتعاطون السياسة مع شعوبهم بمعناها
اللغوي المحض ، لا يتجاوزون في ذلك تعاطي السائس مع دوابه ،
فالسياسة لغة ـ كما يقول ابن منظور ـ : هي " فعل السائس . يقال :
هو يسوس الدواب . إذا قام عليها وراضها ، والوالي يسوس رعيته" (**)
.
ومن عجيب ما اتفق التقاؤه مع ما نريد إثباته هنا : أن الذين أورد
القرآن على لسانهم لفظة "نعم" ـ فيما مَرَّ من قول الله جل وعلا :
( ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً
فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً قالوا: نَعَم ) (21) ـ وُصفوا في الآية
التالية لهذه الآية بأنهم ( الذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ
وَيَبْغُونَهَا عِوَجَاً ) (22) قال القرطبي: "أي الذين كانوا
يصدون في الدنيا الناس عن الإسلام ، فهو من الصد الذي هو المنع ،
أو يصدون بأنفسهم عن سبيل الله أي يعرضون ، وهذا من الصدود" (23)
فكأنهم جُوزوا من جنس عملهم ، فلزمتهم "نعم" التي لا يلزمها إلا
النَعَمُ ، فكانوا هم الأجدر بمشابهة الأنعام وأحق بها وأهلها،
وإنهم ليودون ـ يوم القيامة ـ أن يصيروا كصيرورة البهائم إلى تراب
؛ فما يبلغون مبلغها، (ويقول الكافر يا ليتني كنت تراباً ) (24) .
ويختزل الطغاة أممهم في أشخاصهم وكأنما استُئْصِلتَ أرحامُها ـ
بعدهم ـ فعقمت أن تلد مثلهم ، وإنما هم ـ على التحقيق ـ نماذج عاقة
ومشوهة ، لا تعبر عن عموم أبنائها الأسوياء ، يريهم شياطينهم من
أنفسهم ما لا نرى ، ويلقي النفاق في أرواعهم أنهم فلتات الزمان ،
وتشحنهم عقد النقص بوهم التفوق والعبقرية ، ويصدقون أوهامهم فراراً
من الشعور بالدونية ، فينفلتونبكل حمق يؤكدون على فذاذتهم المزعومة
، فلا يزيدهم انفلاتهم إلا رعونة على رعونة ، غير مكترثين بصيحات
التحذير ، ولا بإتلافات انفلاتهم المرير ، لا عقل يردهم عن سفههم ،
ولا حدَّ يحجزهم عن غيهم ، (كجلمود صخر حطه السيل من علٍ) ،
فيخبطون في أوطاننا على غير هدى ، وبمنطق فرعون ـ أيضاً ـ ( مَا
أُرِيْكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ
الرَّشَادِ ) (25).. ومن ذا في طول البلاد وعرضها جدير بحكمها
غيرهم؟! وهل ثّمَّ صلاحية ـ أصلاً ـ أوْ تأهلٌ لأحدٍ سواهم؟! (هكذا
يتوهمون) ولذلك فإنه ما أن يظهر من الأفذاذ من تقطع مواهبه بعكس
مزاعمهم .. حتى يصيروه حيث تعلمون!!
ويرغب الطغاة في شعوب لا تُحسن قول "لا" ، بل ولا تعده من قاموس
لسانها وأصل بيانها ، شعوب تلهج فقط بـ "نعم" ، أو تقبل ـ على
الأقل ـبأن ينسب إليها ـ زوراً ـ تسعة وتسعون نعماً بالمائة دون
نكيرٍ أو ضجر .
ولأن الأمم الـ"نَعَمَ" هي سلالات بشرية ربما ترجع إلى أصول
حيوانية (في نظريات الطغاة لا الداروينية وحسب) ، فربما كان الأنسب
للمستوحش منها من الناطقين بـ "لا" جيوشاً من الهمج الرعاع ،أشبه
برعاة البُهْم (مع الاعتذار للرعاة) ، وسلخانات للتعذيب تعلق فيها
المستوحشات غير المستأنسات كالذبائح ، ومعتقلات للموت البطيء ربما
يفقدون فيها القدرة على الكلام بالمرة ، فتذهب "نعم" و"لا"
جميعاً!! ثم تمهر بطاقاتهم الانتخابية بتوقيعاتهم ، لينفرد الطاغية
بأغلبية مطلقة لم يُسبق إليها ، لأنها أغلبية بإجماع الناخبين
الأحياء ، والأموات أيضاً!! ولست أدري إن كانوا يعتبرون تلك الفئات
المقتولة في سلخاناتهم ماتت ، أو نفقت!!
أفأستبعد ـ إذاً ـ أن تكون ثم علاقة بين نظرة الطغاة تلك إلى
شعوبهم ، وبين صفقات أطعمة القطط والكلاب المحفوظة التي تستورد
لتباع للناس (الـ "نعم") على أنها وجبات غذائية إنسانية ، بعد أن
تغير أغلفتها؟!!
ألم تبلغ بهم الصفاقة أن قدروا التعويض المستحق لأهالي ضحايا بعض
كوارثنا بألفي جنيه عن كل ضحية ، وهو ما يساوي ثلث ثمن بعير واحد
!! وما يعادل ثمن بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك !! وما يقارب
ثمن حمارين أحدهما غبي والآخر أحمق !! وما يقل عن عشر تكلفة رحلة
علاجية لكلب مدلل ، ولكنه يحمل جواز سفر دبلوماسياً؟!!
إنني الآن أستطيع أن أفهم لماذا تتعمد شعوبنا أن تطلق على طغاتنا
ألقاباً سلالية ، إنه نوع من الإسقاط الذكي ، وضرب من المعاملة
بالمثل ، ولون من الطرفة الساخرة ، وفن أفرزه واقع المأساة من قلب
مرارات الاستضعاف!! وهو هجوم مضاد أشبه ما يفعله المتظاهرون حين
يسارعون إلى قنبلةٍ غازية رُموا بها فيعيدون إلقاءها على القوات
الـنَعَمية (نسبة إلى النَعَمِ) "النَّعامية" (نسبة إلى النعامة)
المستأسدة عليهم ، غير أن القنبلة الساخرة تصيب الطاغية نفسه .
ولكن كم يلم بك أسى باخعٌ ، وتعتصرك حسرة ساحقة إذ ترىطوائف من
المستضعفين تكتفي بفلسفة (الإدانة التبريرية)، أو(التغطية
الإدانية)، فتستتر بجريمة صمتها خلف بشاعة جناية الطاغية، وكأن
جريمته تعفيها من المسؤولية الجنائية عن ترك دورها في الرقابة عليه
، وإنكار منكره ، وتقويم انحرافه ، وأطره على الحق أطراً ، وقصره
على العدل قصراً!! قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ستكون أئمة
بعدي ، يقولون فلا يرد عليهم ـ يتقاحمون في النار كما تقاحم
القردة" (26) ، وروى الطبراني والحاكم عن عبادة بن الصامت ـ
مرفوعاً ـ : "سيلي أموركم من بعدي رجال يُعرِّفونكم ما تُنْكرون ،
ويُنْكرون عليكم ما تعرفون ، فمن أدرك ذلك منكم فلا طاعة لمن عصى
الله" (27) ، ومن رواية ابن مسعود مرفوعاً : " .. ثم إنها تخلف من
بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون ، ويفعلون ما لا يؤمرون ، فمن
جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ، ومن جاهدهم
بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " (28).
ولربما يقول قائل: إن شعوبنا ما قالت ولا تقول للطغاة (نعم) ، بل
قد زُورتْ إرادتُها رغماً عنها ، ووُقِعَ باسمها من وراء ظهرها ،
فكيف ينسب لساكت قول؟!
قلت: ولكن المنسوب إليها ـ هاهنا ـ هو موافقة الباطل ومخالفة الحق
، وقد بلغها ذلك فسكتت ، بل واحتُجَ بسكوتها على من أبرأها مما نسب
إليها زوراً وبهتاناً ، ذلك على الإقرار ـ فرضاً ـ بأنه لا يُنسب
لساكت قول ، فكيف إذا كان من ذهب إليه يشترط عدم علم من نسب إليه
بما نُسب؟ ومن اعتبروه موافقة قالوا: السكوت يحمل على الموافقة دون
غيرها متى ما قامت القرينة على ذلك ، وانتفت الموانع المانعة من
اعتباره أمارة على الموافقة ، وتتحقق القرينة وتنتفي الموانع
باشتهار الرأي ، ووصوله إلى من نسب إليه ، ومُضي وقت كافٍ للنظر
والتأمل في المسألة .. (29).
نعم قد اشترطوا عدم وجود حائل يحول دون تصريح الساكت بمخالفة الرأي
المنسوب إليه ، كأن يظن أن غيره قد رده ، أو يعتقد أن لا داعي للرد
، أو يخشى أذى من سلطان ، ونحو ذلك من الأسباب المانعة التي تمنع
من التصريح بالمخالفة .. ولكن الحديث هنا عن أمة ـ لا عن فرد ـ
ومثل هذه الحالة لا يسوغ فيها الترخص المؤدي إلى ضياع الفرائض ، أو
كتمان الحق ـ تقية ـ والجاهل يجهل .
وذلك أن الرخصة رخصة من حيث الجزء (أي بالنسبة لبعض المكلفين ممن
له عذر) لا من حيث الكل ، والقاعدة التي جرى عليها العمل: أنه إذا
تعارض أمر كليٌ مع أمر جزئي فالكلي هو المقدم ، لأنه لا ينخرم نظام
العالم بانخرام المصلحة الجزئية ، بخلاف ما لو قدم الجزئي . (30)
(30) وانظر"الموافقات" للشاطبي:(1/288) ط: دار المعرفة ـ بيروت ـ
11416هـ ،"الرخصة الشرعية" لـ د. عمر عبد الله كامل:(98) ط:
المكتبة المكية مكة المكرمة ـ دار ابن حزم ـ بيروت ـ1420هـ .
والرخصة إنما شرعت لسد الخلل ، فلا يجوز الأخذ بها متى رجعت على
أصل اعتبارها بالإبطال ، ومن ثم فإنه يشترط للترخيص في ترك الواجب
تحقق الكفاية فيه ، فلا يجوز أن تهجر الأمة كلها الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر خوفاً من السلطان الظالم.
وغاية ما يمكن أن يقال ـ في نسبة قول إلى ساكت ـ : أنه إذا وجد
مانع مخوف ، فهو قرينة يتطرق بها الاحتمال إلى اعتبار سكوت الساكت
موافقة أو عدمه ، وما تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال ، والله
أعلم.
ثُمَّ إنها مسألة يوردها الأصوليون في مباحث حجية الإجماع ، فمن
أثبت للساكت موافقة أراد بها تقوية رأي اجتهادي بإثبات الإجماع فيه
، ومن لم يثبتها لم ينف كون أصل المسألة رأياً اجتهادياً قال به
أكثر المجتهدين أو كثير منهم أو بعضهم ، وأنها قد تكون حقاً في
نفسها ، بل غالب هذه المسائل المختلف في ثبوت الإجماع عليها معدودة
من الاجتهادات الراجحة ، ولذلك فإن بعض من لم يعتد بالإجماع
السكوتي يراه حجة ظنية ، وممن قال بهذا القول بعض الأحناف وبعض
الشافعية .
فكيف يقاس على الساكت في مثل هذا ؛ من يسكت على أمر باطل معلوم
البطلان؟ وواضح لك أنه قياس مع الفارق ، فهو مردود غير معتبر ،
والفارق بينهما من وجوه:
1ـ أن الشعوب سكتت على باطل لا على مسألة شرعية يبحث في تحقق
الإجماع فيها من عدمه .
2ـ وأنها سكتت عن نسبة الموافقة إليها والمتاجرة بذلك والتدجيل به
على البسطاء .
3ـ وأنها سكتت عن توظيف سكوتها من قبل الطغاة في الاحتجاج به على
من نفى موافقتها ، واعترض على تزوير إرادتها .
فليس الساكت عن الباطل ، كالساكت في مسائل العلم ، التي هي من
موارد الاجتهاد ، والتي قد لا يتيسر لكل أحد التأمل فيها والنظر في
موافقتها الدليل ، فغاية ما في هذا الأخير اختلافهم في اعتبار
سكوته موافقة من عدمه ، أما الساكت عن الباطل (ولا سيما ما عُدَّ
معلوماً من الدين بالضرورة) فهو شيطان أخرس ، لأنه يمنح المبطل
فرصة التدليس على المحق ، والدعوى عليه بأن سكوته هو رضاً منه أو
موافقة أو إقرار!!
وعلى ذلك فإن الساكت عن "لا" و"نَعَمْ" جميعاً أشبه من يلزم
"نَعَمْ"(الحرف) بكل حال ، فلكليهما مشابهة بالـ"نَعَمِ"(الأنعام)
، لأنها ـ كما تقدم تلزم حالة واحدة ، حيث لا اختيار لها ، ولأنها
ذلول تجيب مالكها إلى ما شاء بغير وعي ولا إرادة ، ولأنها لا تفهم
ولا تدرك ولكنها مجبولة على ما سُخرت فيه ، ولذلك جاء المثل
القرآني جامعاً مطابقاً بين البهائم والذين كفروا ، لأنهم أكثر
الخلق تحققاً بمشابهة الأنعام ، قال تعالى: ( ومَثَلُ الَّذينَ
كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَمَثَلِ الَّذي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ
إِلا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ
) (31) ، "التقدير: ومثل الأنبياء والكفار كمثل الذي ينعق والذي
يُنعَق به ، فحذف من الأول الأنبياء لدلالة (الذي ينعق) عليه ، ومن
الثاني الذي يُنعق به لدلالة (الذين كفروا) عليه" قاله السيوطي .
(32).
قال هذا الفقير: وحذفت لفظة الأنبياء ـ دون ما دل عليها وليس العكس
ـ تنزيهاً لها عن المثل ، لأنه مضروب للذين كفروا ، وقد قال تعالى:
( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ) (33) ، وحذفت "الذي يُنعق
به" (المشبه بالبهائم) ـ دون العكس ـ تجاهلاً ولأنها كالعدم ، وما
جاء ذكرها إلا بشر صفة لها (لا يسمع إلا دعاء ونداء) لمشاركة
الكفار لها فيها ، وذكر المشبه (الذين كفروا) دون المشبه به (الذي
ينعق به) لدقة المطابقة ، وكأن المعنى أن الذين كفروا أبرز في هذه
الصفة من البهائم ذاتها ، والله أعلم . قال الحافظ ابن كثير: "
(ومثل الذين كفروا) أي فيما فيه من الغي والضلال والجهل كالدواب
السارحة التي لا تفقه ما يقال لها ، بل إذا نعق بها راعيها أي
دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه بل إنما تسمع صوته
فقط" (34).
وقد جاء في الآية قبلها قول الله تعالى: (وإذا قيل لهم اتَّبِعُوا
مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَبِعُ مَا أَلْفَيْنَا
عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ
شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ) (35) ، فبين أنهم متبعون لآبائهم بغير
برهان صحيح ولا دليل مقنع ، إذ كان آباؤهم لا فهم لهم ولا هداية ،
بل محض التقليد الأعمى ، ومتابعة القطيع لرأسه!!
فهل الشعوب بريئة من ذنب هذه المتابعة العمياء ، والموافقة
البلهاء؟ أَمُبَرَّرٌ استسلامُها لواقع الاستضعاف ، مُفلْسفٌ
استمراؤها لحال الانهزام ؟
هذا ما نجيب عنه في تتمة هذا المقال إن شاء الله تعالى .
وكتبه/
محمد مختارمصطفى المقرئ
الموقع: www.ahda.net
Email:almoqri3@hotmail.com
(1) [ قال النحاس في "إعراب القرآن"ـ عند قول
الله تعالى: ( فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً ) الآية:(44) من سورة
الأعراف ـ : وقرأ الأعمش والكسائي ( قالوا نَعِمْ) بكسر العين
ويجوز على هذه اللغة اسكان العين.أ.هـ وانظر "إعراب القرآن" لأبي
جعفر النحاس: (2/126، 127) ط: عالم الكتب ـ بيروت ـ 1409هـ ، وانظر
"أحكام القرآن" للقرطبي:(4/2645) ط: دار الريان للتراث ـ القاهرة ـ
بدون تاريخ] .
(2) [وانظر "لسان العرب" لا بن منظور: (12/589) ط: دار الفكر ـ
بيروت ـ بدون تاريخ ].
(3) [وانظر "أحكام القرآن" للقرطبي:(4/2645) ط: دار الريان للتراث
ـ القاهرة ـ بدون تاريخ] .
(*) [يقال للرجل : رِعْديدةٌ رعْشيشة : إذا كان يرْتعد ويرتعش
جبناً ، و يقال له : هِرْدَبَّةٌ ، إذا كان منتفخ الجوف لا فؤاد له
، وذلك كناية عن الجبن أيضاً . وانظر"فقه اللغة" لأبي منصور
الثعالبي :(100) ط:دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ 1422هـ] .
(4) [ سورة الصافات ـ الآية:18] .
(5) [ سورة الصافات ـ الآية:16، 17] .
(6) [ سورة الأعراف ـ الآية:44] .
(7) [ سورة المائدة ـ الآية:95] .
(8) [وانظر "أحكام القرآن" للقرطبي:(4/2645) ط: دار الريان للتراث
ـ القاهرة ـ بدون تاريخ ] .
(9) [ سورة ياسين ـ الآية:71، 72] .
(10) [سورة البلد ـ الآية:10] .
(11) [سورة الكهف ـ الآية:29] .
(12) [ سورة البقرة ـ الآية:256] .
(13) [ سورة التين ـ الآية:4] .
(14) [ سورة الإسراء ـ الآية:70] .
(15) [ سورة محمد ـ الآية:12] .
(16) [رواه البخاري في "صحيحه" ، وابن ماجه في "سننه" ، وانظر صحيح
الجامع برقم:(1355) ط: المكتب الإسلامي ـ بيروت ـ 1408هـ] .
(17) [سورة النساء ـ الآية:27] .
(18) [ سورة الزخرف ـ الآية: 51 ـ 54] .
(19) ["تفسير القرآن العظيم:(4/130) ط: دار الفكر ـ بيروت ـ بدون
تاريخ] .
(20) ["محاسن التأويل:(8/346)] .
(21) [ سورة الأعراف ـ الآية:44] .
(**) ["لسان العرب" لابن منظور ـ حرف السين ـ مادة (سوس) : (6/108)
، وقال ابن منظور: قال أبو زيد : سَوَّسَ فلانٌ لفلانٍ أمْراً
فركبه ، كما يقول سول له وزين له . وقال غيره : سوس له أمراًًأي
روَّضه وذلَّلهُ ] .
(22) [ سورة الأعراف ـ الآية:44] .
(23) ["أحكام القرآن" للقرطبي:(4/2646) ط: دار الريان للتراث ـ
القاهرة ـ بدون تاريخ] .
(24) [ سورة النبأ ـ الآية:40] .
(25) [ سورة غافر ـ الآية:29] .
(26) [رواه الطبراني في الكبير ، وأبو يعلى ، وانظر"سلسلة الأحاديث
الصحيحة:(4/398) برقم:(1790، و"صحيح الجامع الصغير" برقم:(3615)] .
(27) [وانظر"صحيح الجامع" برقم: (3672)] .
(28) ["صحيح مسلم":(50) كتاب الإيمان ـ باب:(كون الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر من الإيمان)] .
(29) ["روضة الناظر وجنة المناظر" لموفق الدين بن قدامة
المقدسي:(381) ، "إرشاد الفحول" للشوكاني:(1/223، 224) ط: دار
الكتاب العربي ـ بيروت ـ 1421هـ ] .
(31) [سورة البقرة ـ الآية:171] .
(32) ["الإتقان" للسيوطي:(2/831) ط: دار ابن كثير ـ دمشق ـ بيروت
ـ1414هـ] .
(33) [سورة النحل ـ الآية:60] .
(34) ["تفسير القرآن العظيم":(1/205) ط: دار الفكر ـ بيروت ـ بدون
تاريخ] .
(35) [سورة البقرة ـ الآية: 170] . |