بين كاتب المقال
في الحلقة الأولى كيف زورت إرادة الشعوب خلف لفظة "نعم" (!!) ،
وكيف سكتت هي على هذا التزوير ، وكيف قبلت على نفسها ما أريد بها ،
من أن تسام سوم الأنعام ، لتفقد بذلك أخص خصائص الإنسان... وأعجب
ما في أمرها أنها استسلمت لمن فعلوا ذلك بها ، وتابعتهم على
طغيانهم متابعة عمياء ، لا عن قناعة كائنة ، ولا لمنفعة حاصلة ،
عاجلة أو آجلة (!!) .
ويجيب الكاتب هنا في تتمة مقاله على سؤال هام ، ومن خلال إجابته
تتحدد مدى مسؤولية الشعوب عما حل بها ، وما تتابع عليها من جراء ما
حل بها ، والله المستعان .
فهل الشعوب بريئة من ذنب هذه المتابعة العمياء ، والموافقة
البلهاء؟ أَمُبَرَّرٌ استسلامُها لواقع الاستضعاف ، مُفلْسفٌ
استمراؤها لحال الانهزام ؟
لقد قسم المنهج الرباني المستضعفين إلى صنفين:
الصنف الأول: مستضعفون غير مستسلمين لقهر المستضعِفين ، لا يهنون
ولا يهونون ، بل ويجتهدون للخروج من حالة العجز أو الضعف النازلة
بهم ، ويعملون على الخلاص من الطغاة وحزبهم .
وهؤلاء هم الذين وعدوا من الله التمكين ولو بعد حين ، قال تعالى: (
وَنُريدُ أَنَّ نَمُنَّ عَلَى الَّذينَ اسْتُضْعِفُوا في الأَرْضِ
وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثيِنَ وَنُمَكِنَ
لَهُمْ في الأَرْض ونُريَ فرْعوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا
مِنْهُمْ مَا كانوا يَحْذَرُونَ ) (36). وكما قال في الصحب الكرام
ـ رضي الله عنهم ـ : ( وَاذكرُوا إذ أنتم قليلٌ مُسْتضعفونَ في
الأرْضِ تَخافونَ أنْ يَتخَطَّفكم الناسُ فآواكم وأيَّدكُم بنصرِهِ
ورَزَقكمْ منَ الطيِّباتِ لعلَّكم تشكرونَ ) (37) ، ومن لم يدرك
ذلك (الوعد) منهم فهو مع من قال الله تعالى ـ فيهم ـ : ( ولا
تحسبنَّ الَّذيِنَ قُتِلُوا فِي سبيلِ اللهِ أَمْوَاتاً بلْ
أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتاهُمُ
اللهُ منْ فَضْلِهِ ويَسْتَبْشِرونَ بِالَّذينَ لَمْ يَلْحَقُوا
بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِم أنْ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
يَحْزَنونَ يَسْتَبْشِرونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ
اللهَ لا يُضِعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنينَ الَّذينَ اسْتَجَابُوا للهِ
وَالْرَّسُولِ ) (38) ، وليس هذا الفضل قاصراً على من نال شرف
الشهادة في سبيل الله وحسب ، بل يدخل فيه كل من مات ماسكاً على
منهج الإيمان ، مخالفاً لمسلك أهل الطغيان ، لعوم قول الله تعالى :
( وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ
كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ) (39). ولقول الله تعالى : (وَلَئِنْ
قُتِلْتُمْ في سَبيل اللهِ أوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةً مِنَ اللهِ
وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ) ، ولقول الله تعالى: (
وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرَاً إِلَى اللهِ
وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ
عَلَى اللهِ ) (40) ، وسواء في ذلك من هاجر ببدنه منهم ومن لم
يهاجر إلا بقلبه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والمهاجر
من هجر ما نهى الله عنه " [رواه مسلم] . والمقصود: أن المستضعف
الماسك على دينه ، المنكر للقهر ما وسعه الإنكار ، بيده ، أو
بلسانه ، أو بقلبه ، محدثاُ نفسه ببذلٍ أكثرَ وأعظمَ مما هو فيه ؛
فهذا إن وَفَى على ذلك كان له أجرُ الشهيد وإن مات على فراشه .
ولا ريب أنه قد يعتري بعض المكلفين حالة من العجز لا يقدرون معها
على الإنكار بالجارحة ، فهؤلاء المعول في نجاتهم على حال قلوبهم
وتركهم المتابعة للباطل ، فهاهنا وجوه ثلاثة:
1ـ أن لا تميل قلوبهم إلى أهل الباطل ، وأن لا يتسرب إليها شيء من
موافقتهم الباطنة ، قال تعالى: ( لا يَتَخِذُ المُؤمِنُونَ
الكَافِرينَ أوْلياءَ مِنْ دُونِ المُؤمِنينَ وَمَنْ يَفعلْ ذلكَ
فَلَيْسَ مِنَ اللهِ في شيءٍ إِلا أَنْ تَتَقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً
وَيُحَذِرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ ) (41) ، ففي الآية تحذير من الميل
القلبي حال المداراة والعمل بالتقية ، لما قد تجر إليه المجاراة
الظاهرة من الموافقة الباطنة .
2ـ والمستضعف قد يورثه واقع القهر المتمكن اللابث المزخرف.. الرضا
بالباطل ، إما بفعل طول الإلف والعادة دون إنكار ولا كره ، حتى
يعود قلبه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكراً إلا ما أشرب من هواه ،
وإما بفعل المخالطة والمسايرةوالمصانعة ، والانجرار ـ ولو اضطراراً
ـ إلى موافقتهم ، فضلاً عن الفتنة بما هم عليه ، ومن ثم تمنيه ،
وربما الحرص عليه. وقد رُويَ عن أبي جحيفة ، قال: قال علي: إنَّ
أول ما تغلبون عليه من الجهاد: الجهاد بأيديكم ، ثم الجهاد
بألسنتكم ، ثم الجهاد بقلوبكم ، فمن لم يعرف قلبه المنكر ، نُكس
فجعل أعلاه أسفله . وقال ابن مسعود: يوشك من عاش منكم أن يرى
منكراً لا يستطيع له غير أن يعلم الله من قلبه أنه له كاره . وفي
"سنن أبي داود" عن العرس بن عميرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ،
قال: " إذا عُملت الخطيئة في الأرض ، كان من شهدها فكرهها كمن غاب
عنها ، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها " (42)
3ـ متابعة أهل الحق لأهل الباطل ، سواء واطئتها موافقة قلبية ، أو
كانت مجرد طلب لشهوة أو مصلحة دنيوية ، وهذه لا مخرج منها إلا بأحد
حالين: الإنكار لمن قدر عليه ، أو الكره للمنكر لمن لم يقو على
تغييره ، وتلك أدنى مراتب الإنكار الواجب كما في حديث أم سلمة ـ
عند مسلم وأبي داود ـ من قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ستكونُ
أمراء فتَعْرفونَ وتُنكرون ، فمَنْ كرهَ برئ ، ومن أنكر سلم ،
ولكنْ مَن رضِيَ وتابعَ لمْ يَبْرَأ" (43).
وترك إنكار المنكر إن يكن من أهل العلم ؛ كان أشنع وأقبح ، فكيف
إذا حصلت منهم المتابعة للمبطلين ، بمسايرة أهوائهم ، والسعي في
مآربهم ، وتبرير نواقصهم على بشاعتها ، وتهوين نواقضهم على شناعتها
، فلا ريب أن أهون ما يقال في مثل هذا أنه موبقة مغلظة عظيمة ،
وخيانة مضاعفة جسيمة ، لأنهم فضلاً عن خيانتهم لله وللرسول ، خانوا
المؤمنين مرتين: مرة لما كتموا ما أنزل الله ، ومرة لما بلغوا خلاف
ما أنزل ، حيث أضفوا على الباطل صبغة الحق ، فغشوا أمتهم ودلسوا
على الخلق ، وكانوا سبباً مباشراً في تحيز طوائف من الأمة للباطل
المزين المسوغ بفتاواهم، أو على الأقل حيدوا هذه الطوائف (فلا هي
إلى المحقين ولا هي إلى المبطلين) لما كان منهم من التلبيس الشديد
، أو لما وفروه من مبرر لضعاف النفوس!! فحرموا المحقين من الأمة من
جهود بعض أبنائها!!
وقد أخذ الله الميثاق على العلماء ( لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلا تَكْتُمُونَهُ ) (44) ، ووعدهم كفايته لهم وتكفله بعدوهم إن
هم بلغوا دينه لا يخافون فيه لومة لائم ، كما قال تعالى: (
الَّذينَ يُبَلِغونَ رِسَالاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنهُ وَلا يَخشَوْنَ
أَحداً إِلا اللهَ وكفى بالله حسيباً ) (45) . فمن لاذ بجناب الله
، وتوكل عليه كفاه ، قال تعالى: (ألَيْسَ اللهُ بكافيٍ عَبْدَهُ )
(46) ، وفي قراءةٍ: (عباده) ، ( وَمَنْ يَتَوَكلْ عَلى اللهِ فهو
حَسْبُهُ إن اللهُ بالغُ أمرِهِ قدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ
قَدْراً ) (47).
ولما كان كتمان أهل العلم للحق أعظم وأفظع ، لأنهم هم ورثة
الأنبياء ، ومصابيح الهدى ، لم يكن كتمانهم هذا ككتمان آحاد الناس
، وقد مر بنا كيف أن ترك الآحاد لإنكار المنكر مذمة معيبة ، ومنقصة
جارحة ، وأنهم ـ إن دأبوا على ذلك ـ صاروا أشبه شيء بالأنعام ،
فلأهل العلم ـ إن التزموا مع الطغاة "نَعَمْ" في كل شيء ، فأحلوا
لهم الحرام وحرموا لأجلهم الحلال ، ولفقوا لهم الفتاوى مفصلة على
أهوائهم تفصيلاً ـ فلهم أولى بهذا التشبيه ، ولذلك ضُرب لهم المثل
عند ضلالهم وترك تحملهم العلم على ما أوجب الله فيه من العمل
بمقتضاه والبيان له والصدع به ولو عند سلطان جائر ، ضرب لهم المثل
في هذا ونحوه بما ذكر ربنا تعالى في كتابه من قوله : ( مَثَلُ
الَّذينَ حُمِّلوا التَّوْراةَ ثُمَ لم يحملوها كَمَثلِ الْحِمَارِ
يَحْمِلُ أسْفَاراً بئسَ مَثَلُ القَوْمِ الَّذينَ كَذَبوا بآياتِ
اللهِ وَاللهُ لا يَهْدي الْقَوْمَ الظَّالِمينَ ) (48). ومن قوله
تعالى: ( وَاتْلُ عَلَيْهمْ نَبأَ الَّذي آتَيْناهُ آياتِنَا
فَانْسَلَخَ مِنْها فَأتْبَعَهُ الشَّيْطانُ فَكَانَ مِنَ
الْغَاوينَ وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْناهُ بِها وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ
إِلى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ
إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْتَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذلكَ
مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذينَ كَذَبوا بِآياتِنَا فاقْصُصْ الْقَصَصَ
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرونَ ) (49). وتلحظ أن الآيتين اتفقتا على أن
المثلين مضروبان للقوم الذين كذبوا بآيات الله ، وتكذيبهم هو من
جهة مخالفة جوارحهم وأعمالهم لما حمِّلُوهُ من أمانة تمثلها
وتبيانها للناس .
وجاء ـ كذلك ـ في الحديث الصحيح: " مَنْ سُئِلَ عِلْماً عَلِمَهُ ،
فَكَتَمَهُ ، جاءَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مُلْجَماً بِلِجامٍ مِنْ
نَارٍ " (50) ، فكان جزاؤه من جنس عمله ، يلجم ـ كالدواب ـ بلجام
من نار ، نظيرَ سكوته إذ حُق عليه الكلام ، ولقاءَ حمله للعلم تحمل
البعير التي لا تفقه مما فوقها شيئاً ولو كان حملاً من الأسفار ،
وقد قالت الحكماء: "من كتم علماً فكأنه جاهله" (51).
الصنف الثاني: مستضعفون مستسلمون لأهل الباطل ، متابعون لهم عليه ،
رضيت قلوبهم أو لم ترض ، وإن كان الرضا بالباطل أفسد وأنكى ، وأعظم
عند الله وعند المسلمين ، وهؤلاء هم الذين سماهم التدقيق القرآني
(ضعفاء) ، كما قال تعالى ـ حكاية عن أصحاب الجحيم ـ : ( وّإِذْ
يَتَحاجُّونَ فِي الْنَّارِ فَيَقُولُ الْضُّعَفَاءُ لِلَّذينَ
اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعَاً فَهَلْ أَنْتُمْ
مُغْنونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ الْنَّارِ قَالَ الَّذينَ
اسْتَكْبَروا إِنَّا كُلٌ فيِهَا إِنَّ اللهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ
الْعِبَادِ) (52) ، قال سيد ـ رحمه الله ـ : "إن الضعفاء إذن في
النار مع الذين استكبروا ، لم يشفع لهم أنهم كانوا ذيولاً وإمعات !
ولم يخفف عنهم أنهم كانوا غنماً تساق ! لا رأي لهم ولا إرادة ولا
اختيار!
لقد منحهم الله الكرامة ، كرامة الإنسانية ، وكرامة التبعة الفردية
، وكرامة الاختيار والحرية ، ولكنهم هم تنازلوا عن هذا جميعه ،
تنازلوا وانساقوا وراء الكبراء والطغاة والملأ والحاشية ، لم
يقولوا لهم: لا . بل لم يفكروا أن يقولوها ، بل لم يفكروا أن
يتدبروا ما يقولونه لهم وما يقودونهم إليه من ضلال.. (إنا كنا لكم
تبعاً).. وما كان تنازلهم عما وهبهم الله واتباعهم الكبراء ليكون
شفيعاً لهم عند الله ، فهم في النار ، ساقهم إليها قادتهم ، كما
كانوا يسوقونهم في الحياة ، سوق الشياه ! ثُم هاهُم أولاء يسألون
كبراءهم: (فهل أنتم مغنون عنا نصيباً من النار؟).. كما كانوا
يوهمونهم في الأرض أنهم يقودونهم في طريق الرشاد، وأنهم يحمونهم من
الفساد، وأنهم يمنعونهم من الشر والضر وكيد الأعداء"(53) ، وقال
تعالى: ( وَبَرَزُوا للهِ جَمِعَاً فَقَالَ الضُّعَفَاءُ
لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ
أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذّابِ اللهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا
لو هَدانا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَواءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنا أَمْ
صَبَرْنا ما لَنا مِنْ مَحِيصٍ وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ
الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ
فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إلا
أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لي فَلا تَلُومُوني وَلُوموا
أَنْفُسَكُمْ) (54) ، فتأملْ كيف أنهم ينساقون للشيطان سوق النعاج
، ولم يكن له عليهم من سلطان ، أي: من حجة أو برهان ، ولكن دعاهم
فاستجابوا له كما يستجيب الذي يُنعَق به للذي يَنْعِق!!
وهنا تتجلى روعة البلاغة القرآنية في ما أورد على لسان الشيطان من
قول الله تعالى: (لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا
قليلاً) (55) ، أي: "لأستولين عليهم بالإغواء والإضلال كما يحنك
الفرس ، إذا جعل فيه الرسن" (56) .. فشبههم بالدواب المركوبة
الذلول ، حيث تقلد ما يكبح جماحها ويسلس به قيادها (!!).
فهذا الفريق رغم أنه مستضعف كالأول ، إلا أن له قابليةً للاستضعاف
واستمراءً للهوان ، لما فيه من ضعف الإيمان ، وما خالط روحه من
نفسية الانهزام . وإنه لتأخذك الدهشة وأنت تراهم لم يحصلوا لقاءَ
ذلك الامتهان مقابلاً ، ولو من الدنيا التي حرصوا عليها وتنازلوا ـ
لأجلها ـ عن كرامتهم كبشر، وتراهم ـ مع ذلك باسم الطاغية يهتفون !!
وإنْ تعْجب فعجب لمثل هذه الشعوب تكره أن تُضحِّي ، وتقبل أن
يُضحَّى بها ، بل وتتعايش مع جزارها !! أو ليس في "لا منطقها" هذا
إشراكٌ لها مع بهيمة الأنعام في أبرز شيمها ؟
وأعجب منها شعوب تمكن منها داء الخنوع ، حتى إنها لتريح جزارها من
عبء إضجاعها وإراحتها ، فتريح له أبدانها مهيأة للذبح ، على الرغم
من أنه لا يكترث بإراحتها وإحسان ذبحها !! حتى إذا أسلمت الأمة
أبناءها وتَلَّتْهُم للجبين ، أُلزمت أن تواريَ جثثهم في صمت ،
وبلا تفجع أو توجع ، وأن لا يتولى دفن القتيل إلا وليُّ الضحية
وحده ، بينما تُحْرَم من تشييع جنازته فصيلته التي تؤويه ، فتراها
تعتزل وهي تئن كفريسة جريحة ، تجتهد في كتم أناتها.. لئلا يتنبه
إليها الجلاد المستوحش ، فربما يجهز عليها هي الأخرى !!
هذا وليس كل من كان من هذا الصنف مارقاً خارجاً من الملة..
فإن فيهم المغرر به المخدوع ، وإن كان التبرير بالانخداع قد لا
يسوغ أحياناً ، كما لو تمايزت الكيانات ، أو وضحت الخيانات ، أو
أعلن بالكفر غير موارب ولا مموه .
وفيهم الجاهل سفيه العقل الذي لا قدرة له على التمييز ، فهذا لم
يحصل له من الهدى ما يبصره بضلال من ضل وبخطأ مسعاه خلفهم ، ولا
سيما إذا ادلهمت الفتن ، وتشعبت الأهواء ، وتعددت المرجعيات ،
وتعارضت السبل ، فكيف إذا وجد ـ مع ذلك ـ من ينتحل صفة الهداة ،
ويضفي على الباطل مشروعية زائفة ، ويطمئن الجاهل إلى أنه على
الجادة والصواب ؟!
وفيهم المكره المجبور ، وهذا ـ وإن عُومل معاملة طائفته وأُجريَ
عليه حكمُهم في ظاهر عقوبات الدنيا ـ إلا أنه معذور مسامح في أحكام
الآخرة.. وفيهم غير هؤلاء على تفاوت في مواقعهم بحسب قربهم أو
بعدهم من المسامحة أو المؤاخذة .
أما المردة من الضعفاء (المستضعفين) ؛ فدركاتٌ بعضُها تحتَ بعض:
فمنهم: من يتفوق على الطغاة أنفسهم عسفاً وتكبراً وفساداً ، ويزين
لهم مزيداً من البغي والظلم والعدوان ،ويغريهم بنشر الموت والدمار
والخراب ، وهؤلاء ( إبليسيون ) أكثر من إبليس نفسه!!
تُوحي الأبالسة الشرورَ إلى الورَىوأولاءِيوحِيبعضُهم إلى الشيطانِ
ومنهم: المدجل الساحر ، وهو في دَرْكٍ واحدٍ مع سابقه ، لأنه
كالمُسَوِّق للباطل المروجِ له ، وهو عادة ما يكون محترفاً لدوره
مخضرماً في أدائه ، يأتي بأفانين من التزوير والتزييف تذر الحليم
حيران ، وبأكاذيب تضاهي فظاعة ادعاء النبوة ، وهذا صنف تدخل فيه
طوائف من المنتسبين للعلم ، والكتاب ، و"المثقفين" ، و"الفنانين" ،
والانتهازيين ، ووزراء الطاغية (وهم حملة أوزاره ، وذلك معنىً
يستقيم مع أصل اشتقاق كلمة "وزير") (57) ، وغير هؤلاء كثير من
الأفاقين والنفعيين.. .. ممن مَرَدوا على التملق والنفاق ، وتمرسوا
على بيع الضمائر والذمم، فهؤلاء يجمعهم جميعاً ذلك الصنفُ الذي
ضاعفَ القرآنُ ذمَّهُ ، كما في قول الله تعالى: ( وَمِنَ النَّاسِ
مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ
اللهَ عَلى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا
تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فيِهَا وَيُهْلِكَ
الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَإِذا قِيلَ
لَهُ اتَّقِ اللهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ
جَهَنَّمَ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ ) (58). قال ابن جرير ـ
في"التفسير" ـ : "وهذا نعت من الله تبارك وتعالى للمنافقين" (59).
أي: من كانت هذه خصاله فقد وافق صفة المنافقين ، أو أن المنافقين
هم الذين يفعلون هذا ويكونون على هذا النعت (يعجبك قوله ـ وقلبه
مخالف لصالح قوله الذي زخرفه وزينه ليغرك ـ شديد الخصومة،جَدِلٌ ،
من أي وجه خاصمته غلبك ـ يسعى في الأرض بالفساد: إما بسبب ذنبه
ومعصيته، وإما بما ينشره من القول الغارِّ الذي لا يُقصد به الصلاح
ـ لا يقبل النصح إن نصح ، ولا يقر بالحجة إن حاججته ، بل تأخذه
العزة ويكابر ويستعلي على الإقرار بالخطأ مع وضوح إثمه وظهور
معصيته ) ، والله أعلم.
ومنهم: الجلادُونَ الجلاوذةُ العتاة ، الذين هم أشبه بالوحوش
الكواسر المتعطشة للدماء ، المتلذذة بمشهد الفريسة وهي تتألم بين
الموت والحياة ، أولئك الذين لا يرقبون في مؤمن إلاً ولا ذمة ، ولا
يراعون لمسلم كرامة ولا حرمة ، لا هم لهم إلا أن يقهروا النفوس على
مراد أسيادهم ، وأن يخضعوا الرقاب لاستكبار الطغاة ولاتهم.. قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صنفانِ من أهل النار لم أرهما
بعدُ: قَوْمٌ مَعَهُمْ سياطٌ كَأَذْنَابِ البقر يَضْرِبُونَ بِهَا
النَّاسَ ، ونِسَاءٌ كاسِيَاتٌ عارِيَاتٌ ، مُمِيِلاتٌ مَائِلاتٌ ،
رُؤوسُهُنَّ كَأَسْنُمَةِ البُخْتِ المَائِلةِ ، لا يَدْخُلْنَّ
الْجَنَّةِ ، وَلا يَجِدْنَ ريحَهَا ، وإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ
منْ مسيرة كَذا " (60). وقد جَمَعَتْ البلاغةُ النبوية في هذا
الحديث بين مظهرين من أبرز وأسوء وأوقح مظاهر الطغيان ، أما الأول
منهما: فهو تلك اللا آدمية التي يتعامل بها جلاوذة الطغاة مع
الشعوب ، وكأنها غدت بأنظارهم قطعاناً من الأنعام المُعَدَةِ
للسُخْرَةِ والاستذلال ، أو كأنها البهائم المستوحشة التي تُغالَبُ
كي تروضَ وتُستأنس !!
وأما المظهر الآخر: فهو ذاك التبرج والسفور الذي تكون عليه النساء
، وهو إحدى سمات المجتمع المنحل الماجن ، الفاسق الفاجر ، المتفسخة
أخلاقه ، الذاهب حياؤه ، وقد تقدم أن إشاعة الفحشاء وترويج الفسق
ونشر الرذيلة هي أهم وأخطر أدوات استذلال الشعوب واستخفافها .
وبعد .. فهل استطعت أن أشعر القراء الأماجد بفداحة ما تعانيه أمتنا
، وبحجم ما هو مطلوب تغييره بأنفسها رجاء أن يغير الله ما بها؟ (
إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما
بأَنْفُسِهِمْ وَإِذا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلا مَرَدَّ
لَهُ وَما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ والٍ ) (61).
ألا إن "لا" وحدها ـ في مواجهة الباطل والظلم والضلال ـ هي الخاصية
الإنسانية المتسامية التي تخرج الناس عن الذلولية البهيمية التي
يريدها لهم المستكبرون في الأرض ، ألا فليلزمها المخلوق المكرم متى
كانت في موضعها ، فإن أخافك أذاهم ، أن تجهر بها مدوية تلُفُّ
أركانَ قلاع الشياطين ، فأسمعها من استطعت ، أو حدث بها نفسك
واستنطق بها قلبك ، وذلك أضعف الإيمان .. على أنه لا يُنتهى إلى
هذه الدرجة من الإنكار إلا إذا تحقق العجز عن سابقتيها من الإنكار
باليد واللسان .
أما أن تُتركَ "لا" ـ في مواجهة الباطل ورفض المنكر ـ لمجرد خوف
الناس ؛ فهذا ما لا يوسع الشرع فيه لمكلف ، قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: " ألا لا يمنعنَّ رَجُلاً هَيْبةُ النَّاسِ أنْ يَقُولَ
بِحقٍّ إذا علمه [فإنَّهُ لا يُقَرِّبُ مِنْ أّجّلٍ ، وَلا
يُبَاعِدُ مِنْ رِزْقٍ أنْ يُقالَ بِحَقٍ أَوْ يُذَكَّرَ بعَظيم]ٍ
" (62) .
قال هذا الفقير: وهل عزف الناس عن قول الحق ، وأحجموا عن إنكار
الباطل ؛ إلا خوفاً على الأجل والرزق ، وهما ما قطع الحديث هنا بأن
لا سببية لقول الحق في تقريبهما أو مباعدتهما .
فقولوها ، لا تخشوا في الله لومة لائم ، قولوها وإن كانت مراً
علقماً ، قولوها وإن بلغت ـ معها ـ الروح الحلقوم ، قولوها وإن غصت
بها حلوق الخلق أجمعين ، قولوها يُشْهد لكم بها عند الله يوم
القيامة ، قولوها "لا".. فلسنا أمة من النعم .
أما كيف وصلت شعوبنا إلى هذه الحالة المرضية المستعصية ؟ وكيف
يتسنى علاجها ؟ وهل ثمَّ أمل في شفائها ؟ فهذا ما يستحق الإفراد
بموضوع وحده ، وعسى الله أنييسر ذلك لي أو لغيري ، راجياً أنْ يأخذ
الأمرُ حقه العلمي والعملي معالجة واستشفاءً ، واللهُ المستعان ،
وعليه التُكلانُ ، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .
وكتب/
محمد مختار مصطفى المقرئ
الموقع: www.ahda.net
Email:almoqri3@hotmail.com
(36) [ سورة القصص ـ الآية:] .
(37) [ سورة الأنفال ـ الآية:26] .
(38) [ سورة آل عمران ـ الآية:169، 170] .
(39) [ سورة آل عمران ـ الآية:139] .
(40) [ سورة النساء ـ الآية:100] .
(41) [ سورة آل عمران ـ الآية:28] .
(42) [ أبو داود برقم:(4345) ، والطبراني في "الكبير":(17/345)] .
(43) ["صحيح الجامع الصغير" برقم:(3618)] .
(44) [ سورة أل عمران ـ الآية:187] .
(45) [ سورة الأحزاب ـ الآية:39] .
(46) [ سورة الزمر ـ الآية:36] .
(47) [ سورة الطلاق ـ الآية:3] .
(48) [سورة الجمعة ـ الآية:5] .
(49) [ سورة الأعراف ـ الآية: 175، 176] .
(50) [رواه أحمد والحاكم عن أبي هريرة ، وانظر "المشكاة":(223) ،
وانظر"صحيح الجامع":(6284) ] .
(51) ["صحيح جامع بيان العلم وفضله":(7) ط: مكتبة ابن تيمية ـ
القاهرة ـ 1416هـ] .
(52) [ سورة غافر ـ الآية: 47، 48] .
(53) ["الظلال":(5/3084)] .
(54) [سورة إبراهيم ـ الآية:21، 22] .
(55) [سورة الإسراء ـ الآية:62] .
(56) [انظر"زبدة التفسير بهامش مصحف المدينة المنورة" لـ د. محمد
سليمان عبد الله الأشقر :(288) ط: دار النفائس ـ الأردن ـ 1422هـ ـ
2002م ] .
(57) [انظر "لسان العرب" مادة (وَزَر):(5/283)] .
(58) [ سورة البقرة ـ الآية:204ـ 206] .
(59) [(2/385) ط: دار الفكر ـ بيروت ـ 1421هـ] .
(60) [رواه أحمد ومسلم عن أبي هريرة ، وانظر"غاية المرام":(85) ،
و"الصحيحة":(1326) ، و"مختصر مسلم":(1388)] .
(61) [ سورة الرعد ـ الآية:11] .
(62) [رواه أحمد:(3/5، 19، 44، 50، 71، 78، 90، 92)،
والترمذي:(2191)، وابن ماجه: (4007)، وصححه ابن حبان:(275، 278)] . |