المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
غزو مـن الداخـل
4 / 8
[بقلم:  (محمد طيايبة)]
بسم الله الرحمن الرحيم
 بـسم الله الرحمن الرحيم

غزو مـن الداخـل
4 / 8
بقلم : محمد طيايبة
إن الهوة السحيقة التي يهوي فيها القوم ، فضلا عن مناقضتها للشرع و العقل و الحس هي اعتبارهم "الإنسان أعلى قيمة في الوجود" و لا أعلم نكرانا لها من القوم ..
و نحن – بدورنا – نقول بمقتضى الأدلة الشرعية و صريح العقل و شهادة الحس : ليس الإنسان أعلى قيمة في الوجود ؛ بل نعتقد – جازمين – أن عبودية الإنسان لله و التحرر من العبودية للبشر ، مما يعبر عنه القرآن بـ "الكفر بالطاغوت" هي "القيمة العليا" ؛ تلك حقيقة لا يجادل فيها عاقل .. يقول الله سبحانه وتعالى : { أفنجعل المسلمين كالمجرمين } و يقول سبحانه : { إن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية } البينة 7 . بل نعتقد – مع ذلك – أن الذين يذهبون إلى القول بأن الإنسان أعلى قيمة في الوجود بمعزل عن عبادة الله ؛ العبادة بمفهومها الواسع الشامل كما شرحه و فصّله العلماء ، و ليس مفهوم العبادة الذي عاث فيه المستشرقون و الزنادقة و الفرق الضالة فسادا و تشويها ؛ قلت : نعتقد في هؤلاء أنهم أجهل خلق الله على وجه البسيطة .. إذ يجمع المفسرون – رواية و دراية – أن شر البرية هم شر "الخليقة" .. و في ذلك يقول شيخ الإسلام أبو عباس – طيب الله ثراه – في كتاب العبودية ص 34 : " إذا تبين هذا فكمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله ، و كلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية ازداد كماله و علت درجته ، و من توهم أن المخلوق يخرج من العبودية بوجه من الوجوه ، أو الخروج عنها أكمل ، فهو من أجهل الخلق بل من أضلهم .." أهـ
و تعجبني كلمة للأستاذ القدير عباس محمود العقاد – رحمه الله – لا بأس من نقلها ، قال في كتابه "الإنسان في القرآن الكريم" :
" إن العالم الإنساني كلمة غير مفهومة عند من يدين برب غير رب العالمين ، و أن قيم الأخلاق كيل جزاف حين تنقطع الأسباب بين الحسنات و السيئات و بين الثواب و العقاب ، و إن "الإنسانية" الجامعة شيء لا وجود له قبل أن يوجد الإنسان المسؤول .. و إنما توجد "الإنسانية الواحدة" و يتساوى الإنسان و الإنسان عند الإله الواحد الأحد ، رب الناس و رب العالمين أجمعين ، أفضلهم عنده أتقاهم و أصلحهم و أسبقهم إلى الخيرات .. " ص 52
و لا يتوارى أركون و لا يداري في الإعلان – بكل بجاحة و وقاحة – عن امتعاضه من العوائق و الحواجز التي تحول دون تحقيق مشروعه "الأنسني" في واقع المجتمعات الإسلامية ، ويقصد بذلك – بالدرجة الأولى – العائق العقدي ، و هي سنفونية واحدة يشترك فيها – بكل إخلاص – الجوق الأنسني المندس في أغلب أقطار العالم الإسلامي ؛ فهو يصرح قائلا بلا حياء أو خجل : " إن المجتمعات الإسلامية تعاني إذن مما يسميه غاستون باشلار العرقلة المعرفية ، Obstacle Epistemologique. فنحن في حضور اللاهوت لا نستطيع أن نغير الأفكار الثابتة. و تتمثل هذه العرقلة في وجود تصادم بين التزامات العقل الديني والتزامات العقل الفلسفي في الفكر الإسلامي المعاصر . "
و على نفس المنوال يخطو تابعه و مريده "نصر حامد أبو زيد" الذي يتخفى في حانات إسبانيا خوفا من سكين يساوي عشرون دينارا عند بائع الآواني .. فيقول الأستاذ حسن أبو هنية في مقالة رائعة بعنوان "الابتلاء بتغريب التراث. ردا على أيوب أبو دية" :
" فالمشروع الفكري الذي اشتغل عليه أبو زيد منذ أكثر من عقدين من الزمن إذا جاز القول بأنه يمتلك مشروعا مستقلا أصلا نظرا لكونه لا يزيد عن كونه أحد أتباع مدرسة محمد أركون ومريديه الخلص من التوانسة أمثال الدكتور عبدالمجيد الشرفي ويوسف صديق، ومن المعروف بأن هذه المدرسة تنادي بقطع الصلة مع التراث من أجل الدخول في واقع الحداثة المتعين غربا، ولعل أبو زيد هو الأكثر تطرفا في الجهر بآرائه مع أنه الأقل حداثة بحسب علي حرب وذلك لوقوفه على أرضية التراث الذي ينتقده.
" اتبع أبو زيد في تحقيق مشروعه النقدي على استراتيجيات أوخطط انتقادية متعددة، تتكون من ثلاثة أركان وهي: الهدف النقدي الذي تتوخاه، والآلية التنسيقية التي توصل الى الهدف، والعمليات المنهجية، أما بخصوص الهدف الذي تسعى اليه قراءة أبو زيد فهو رفع العائق الاعتقادي من خلال التوسل إلى خطة الأنسنة بهدف رفع عائق "القدسية" الذي يتمثل في اعتقاد أن القرآن كلام مقدس. "
لا أشك – أدنى شك – أن أحدا يجهل الدور الخبيث الذي يؤديه هؤلاء العبيد خدمة للدوائر الصهيوصليبية من "قوادة" بالمجان ، تمهيدا للفرص السانحة التي يرى الغرب أن آن أوانها ..
ينقل الدكتور محمد عباس عن العلامة محمود شاكر – رحمه الله – فقرة من كتابه "أباطيل و أسمار" لا بأس من التشهير بها :
" فهذه الفصول التي كتبتها ، ترفع اللثام عن شيء عن هذه القصة التي تجرى أحداثها في أخطر ميدان من ميادين هذا الصراع، وهو ميدان الثقافة والأدب والفكر جميعا، ويزيده خطرا : أن الذين تولوا كبر هذا الصراع ، والذين ورثوهم من خلفهم ، إنما هم رجال منا، من بني جلدتنا ، من أنفسنا، ينطقون بلساننا، وينظرون بأعيننا، ويسيرون بيننا آمنين بميثاق الأخوة في الأرض أو في الدين، أو في اللغة أو في الجنس ويزيد الأمر بشاعة : أن الذين هم هدف للتدمير والتمزيق والنفس لا يكادون يتوهمون أن ميدان الثقافة والأدب والفكر أخطر ميادين هذه الحرب الخسيسة الدائرة على أرضنا من مشرق الشمس إلى مغربها ، ولا أن معارك الثقافة والأدب والفكر متراحبة لا تحد بحدود ، ولا أكثرها يأتي مؤقتا توقيتا دقيقا إما قبيل حركات النهضة والإحياء ، وإما معها ، وإما في أعقابها ولا أن الأمر صار أخطر مما كان منذ سبعين سنة ولا أن هذه المعارك ليست في حقيقتها أدبية أو فكرية أو ثقافية، بل هي معارك سياسية، تتخذ الثقافة والأدب والفكر سلاحا ناسفا لقوى متجمعة، أو لقوى هي في طريقها إلى التجمع ، ولا أن أمضى سلاح في يد عدونا هو سلاح الكلمة الذي يحمله رجال من أنفسنا ينبثون في كل ناحية ، ويعملون في كل ميدان وينفثون سمومهم بكل سبيل، ولا أن بعض هؤلاء الرجال يأتون ما يأتون عن علم ، وبعضهم قد أخذ من غفلته ، فهو ماض في طريقه على غير بينه " (82)
هذا هو الدور الذي يؤديه هؤلاء العبيد ، الذين لهم حاسة سادسة أو سابعة ، هي حاسة الذل لا بد لهم من إرواءها ، فإذا لم يستعبدهم أحد أحست نفوسهم بالظمأ إلى الاستعباد ، لأن الحرية تخيفهم ، و الكرامة تثقل كواهلهم ، و النخاس لا يقودهم من حلقات في آذانهم ، و لكن يقادون بلا نخاس ، لأن النخاس كامن في دمائهم ؛ و مع ذلك فهم جبارون في الأرض ، غلاظ على الأحرار ، شداد يتطوعون للتنكيل بهم ، و يتلذذون بإيذائهم و تعذيبهم ، و يتشفون فيهم تشفي الجلادين العتاة ، و يتسابقون إلى ابتكار وسائل التنكيل بالأحرار ، تسابقهم إلى إرضاء السادة .. ومع ذلك فالمستقبل للأحرار .
و هذا الكلام للعلامة شاكر و نقله عنه فارس الإبيغرام الدكتور محمد عباس لا غبار عليه ؛ إذ بالإمكان التدليل عليه بما لعبته الدوائر السياسية الأمريكية بخصوص "إستراتيجية التفكيك"، فلقد تلقفت الأفعى الأكاديمية الأمريكية "جاك دريدا" و استخدمته لصالحها من أجل تحقيق أهداف إيديولوجية سياسية كما يقول الدكتور النبيه محمد سالم سعد الله في دراسة بعنوان "الممارسات المنهجية لمصطلح ما بعد البنيوية" :
" وبسبب التشابه الكبير بين معطيات النقد الجديد والبنيوية ، لم يتقبل الأمريكيون البنيوية ، واتجهوا بشكل مباشر لتبني طرح ما بعد البنيوية لكن بصيغة قريبة من الفكر الأمريكي الحديث الذي اتجه إلى أنآه المتعاظمة ، وخصوصيته في كل الأصعدة ، وبهذا تقبل نقاد الجامعات الأمريكية طرح دريدا لما بعد البنيوية وأطلقوا عليه : (التفكيك) ، وفُسِح المجال لتطعيم النظرية الأمريكية ـ أو كما يحلو لبعضهم تسميتها : ( ألانجلو-ساكسونية أو ألانجلو-أمريكية ) ـ بالفكر الفلسفي الأوربي بأسره بدءاً من نيتشه ، إلى هوسرل ، إلى هايدجر ، وانتهاءً بدريدا ، وكانت نتيجة ذلك : الخلط الحاصل عند بعض المناهضين لدريدا في امريكا ، بين البنيوية وما بعدها ، وتبني (التفكيكية) ( ينظر : ما الذي يمكن للبنيوية أن تقدمه لنا ، في كتاب ما هو النقد : 78) .
وانطلاقاً من طبيعة الفكر الأمريكي في استغلال إبداع الشعوب الأخرى ، حاول النقد الأمريكي الاستفادة من التحولات الاستراتيجية الحاصلة في فرنسا من إزاحة المنظومة البنيوية وإحلال منظومة ما بعد البنيوية محلها ، وذلك بإزاحة منظومة النقد الجديد المُهيمن على الوسط الثقافي الأمريكي وإحلال التفكيكية بوصفها المشروع الجديد الذي سيكشف القواعد التي تُبنى عليها الدوال ، ليتسنى له بعد ذلك التلاعب بها وتوجيهها إلى المعنى ( المُؤدلج ) ، والمُمثل للأشياء على أنَها انزياحات مستمرة لا نهائية لا ترتقي إلى صيغة الاستقرار ، وتبقى في حقله وحدات حرجة ذات معانٍ مُهشمة طبقاً لتعدد قراءاتها .
ويمثل التفكيك في أمريكا مدرسة ييل التفكيكية ، التي تضم النقاد : ( بول دي مان ، وهيلس مُيللر ، وجوفري هارتمان ، وهارولد بلوم ) ، وقد عدَ هؤلاء ـ انطلاقاً من معطيات جاك دريدا ـ التفكيك ممارسةً سياسيةً في جوهره ، ونظاماً فكرياً محدداً ، وقوة نظامٍ كاملٍ من البُنى السياسية ، ولاحظوا أيضاً أنَ الاستخدام الأمريكي للتفكيك يعمل على الحفاظ على الانغلاق المؤسساتي الذي يخدم بدوره المصالح السياسية ، والاقتصادية المُهيمنة في المجتمع الأمريكي.
وبهذا عُدَ التفكيك ( ألانجلو – أمريكي ) المرحلة الأخيرة من مرحلة الشك الليبرالي ، وعُدت كل النظريات ، والأيديولوجيات الملتزمة ، والخارجة عن ميدان الطرح التفكيكي بمثابة طروحات إرهابية متأصلة ، وتأتي الكتابة التفكيكية لترد عليها وتقوضها بوصفها ـ أي الكتابة ـ آخر مقاطعة غير مُستعمرة ويتم ذلك باستخدام اللعب الحرَ للغة (Literary theory : 147) .
إنَ انبثاق مدرسة ييل الامريكية كانت بمثابة نوعٍ من التوازن النقدي مع مدرسة تيل كيل الفرنسية التي ضمت كبار النقاد المحدثين من مثـل : ( رولان بارت، وميشيل فوكو ، وجاك دريدا، وتزفيتان تودوروف ، وجيل دولوز ، وفيليكس جوتاري ، وموريس بلانشو ، …. ) ، فضلاً عن أنَ النقد الأمريكي الجديد الذي استقبل معطيات ( دريدا ) كان بحاجة إلى مدرسة تنظمه وتضع الأسس ، وتكون بمثابة السند المنهجي للطروحات التنظيرية والتطبيقية .
وقد تحددت الرؤية الفرنسية النقدية – انطلاقاً مما ذُكر- باتخاذ موقف عدائي من الطرح الأمريكي التفكيكي ، فضلاً عن رؤيتها بأنَ معطيات ما بعد البنيوية قد صُدِرت خارج فرنسا للمثقفين الهامشيين والمنعزلين ، وأنَ تلك المعطيات تمتاز باللاعقلانية والتناقض الكبيـر ، والصوفية النصية ، والمثالية الألسنية ، واليسارية البدائية ( بؤس البنيوية : 18 ). (83)
هل فطنت أخي القارئ أن القضية تهمك ، وأن شيخ الأناقيش الإسلامية قصد هذا الأخير ..
مهما يكن من أمر ؛ فلقد اصطدم و ارتطم أولئك العبيد الأوغاد بجدار العقيدة ، فما استطاعوا أن يظهروه و ما استطاعوا له نقبا، فعبثا حاولوا اختراق هذا الدين ..
إنك – أخي القارئ أرشدني الله و إياك – إن رحت تناقش القوم تحس إحساسا غريبا ، لكأن شعر جلدك يقّف ، وعرقا يتصبب على كافة جسدك ، أو أنك على عتبة قصر مهجور ، عششت العنكبوت في كافة زواياه ، و سدف الظلام أطبق في كل نحاياه ، و فرائصك ترتعد ارتعادا ، و قد أعلموك – من قبل – أن القصر مسكون بالجن و الشياطين ، و أنك ستحظى باستقبال الكونت "دراكولا" ، ليلقنك الأدب و النقد في عهود النخاسة ، بعد أن يغرس أنيابه في رقبتك و يحقنك بجرعات دم أنسنية ؛ لست أدري كيف مررت مرّ السحاب على كلمة الدكتور إبراهيم عوض – حفظه الله - ، و ها نحن أولاء نعيشها بذاتنا ؛ إذ كتب يقول :
" والذى يسمع كلام صالح ( مسوق قاذورات أركون ) دون أن تكون عنده فكرة عن حقيقة الأمر سوف يظن أنه، فى الوقت الذى يتحدث أركون عن القرآن وهو متمالك قواه العقلية والمنطقية، إذا بواحد مثلى ينخرط أثناء الرد عليه فى فاصل لا ينتهى من النهنهات والشهقات والتأوهات ولطم الخدود والرقص والتطوح والصراخ والزعيق كما يفعل المتواجدون فى حلقات الذكر بسبب ماحدث له من "لُطْف وانجذاب" بتأثير من "الهيبة اللاهوتية الأنثروبولوجية المخيالية" التى تلغى العقل وتُشِلّ الفكر والمنطق، مع سيول من الدموع المنهمرة التى لا تُعَدّ الدموع التى ذرفتْها مريم فخر الدين فى جميع أفلامها مع فريد الأطرش والعندليب الأسمر شيئا بالقياس إليها، والتى استهلكتُ لها قناطير من ورق الكلينكس المستورد كَلَّفَتِ الخزانة العامة مقدارا هائلا من العملة الصعبة كان يمكن أن يُنْفَق على البرنامج الأركونى الهادف إلى تغيير المخيال الجماعى واستبدال "الخيبة" الألسنية بـ"الهيبة" اللاهوتية حسبما مر منذ قليل! " (84)
هذه الهيبة اللاهوتية في مقصود أركون و أتباعه هي التقديس و التقدير اللذان يهيلهما المسلم حينما يمسك بالمصحف الشريف أو "اللؤلؤ و المرجان" أو تفاسير القرآن كتفسير الطبري - مثلا - أو فتح الباري أو النووي على مسلم .. الخ ، فيروح يتدبر كلام الله أو حديث رسوله صلى الله عليه و سلم ؛ بيد أن الشقلباظيين و الأكروباتيين يريدون نزع رداء الهيبة من قلب قارئ القرآن –الذي لو أنزله الله على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله – بحجة أنها تحجبه عن المعاني الغائبة كما يقولون ، و الإقدام على القراءة كما تقرأ "الهوامل و الشوامل" أو "المدينة الفاضلة" أو "الفصول و الغايات" للمعري أو أي كتاب ألفه صاحبه في القرن الرابع هجري ، و ما أدراك ما القرن الرابع هجري عند الأنسنيين .. إن أركون راح يرسل شواظ من نار على المستشرقين متهما إياهم بالجهالة بوجود "الأنسنة" في التاريخ الإسلامي ، فضلا عن تفريطهم – كما يقول أحد الباحثين – إبان الفترة الاستعمارية في استغلال الظروف المرّة التي عاشتها الشعوب آنئذ من أجل تحرير المسلمين من الدوغمائيات أو السياجات المغلقة .. إنه يرى في "القرن الرابع هجري" ذلك "الصيد" الذي أبصره الشاعر العربي "الحطيئة" و قد اكتنز لحما ، و كان قد هدّه هم شديد في ما يقدم لضيفه الذي نزل بداره دون سابق إنذار ، فإذا به يطير فرحا و مرحا ، مقرضا قصيدة سارت بذكرها والتغني بها الركبان .. بيد أن الحطيئة كان صادقا في قصيدته ، عكس الأنسني أركون الذي راح يخلط و يخبط في التيه ، لا يدري رأسه من قدمه ؛ فالصيد الذي اكتشفه أركون كان نحيفا شاحبا ليس فيه مزعة لحم أو شحم ..
إن القرن الرابع هجري – في تاريخنا الإسلامي – هو عصر ضعف و اختلال ، يتفق في ذلك جميع المؤرخين و الدارسين بما فيهم المنصفين من الغربيين .. فلماذا ترك أركون سائر القرون و حط رحاله في هذا القرن بالذات ؟ ..
يتساءل فضيلة الدكتور هاني السباعي – حفظه الله – ( مدير مركز المقريزي للدراسات التاريخية [ لندن ] و مستشار تاريخي لهيئات إسلامية عديدة ) في دراسة بعنوان "زنادقة الأدب و الفكر.. قراءة في تاريخ الزندقة قديما و حديثا" عن سر هذا "القرن" :
" وكان صعود نجمهم ( أي : الزنادقة ) في القرن الرابع الهجري لذلك لا عجب أن يؤلف المستشرق (آدم متز) كتابه الشهير (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري) وهو كتاب ترجمه للعربية الدكتور محمد عبد الهادي أبو ريده وطبعته دار الكتاب العربي ببيروت والكتاب مطبوع في مجلدين.. ولعلنا نتساءل : لماذا اختار آدم متز القرن الرابع الهجري ليكون هو عصر النهضة في الإسلام ؟ !
" السبب أن الدولة الإسلامية كانت في هذا القرن والذي قبله قد دب فيها الضعف والتشرذم وظهور دويلات مستقلة وانتشار المذاهب الهدامة كالقرامطة الذين نشروا الذعر والقتل في العالم الإسلامي واستباحوا قوافل الحجاج واقتلعوا الحجر الأسود من الكعبة المشرفة الذي ردوه سنة 339هـ .. هل هذه قمة الحضارة الإسلامية التي يقصدها آدم متز؟! وفي هذا القرن ظهرت أفكار الإلحاد على نطاق واسع وظهر الزنادقة الكبار كالحلاج ت 309هـ، والشلمغاني المعروف بابن أبي العزاقر تـ 322هـ الذي كان يقول إن الله يحل في كل شئ.. وأن اللاهوتية اجتمعت في علي رضي الله عنه!! وقد كان الشلمغاني وعصابته الحلولية: "يغتفرون ترك الصلاة والصيام والإغتسال؛ وكانوا لا يتناكحون على السنة، بل يبيحون الفروج، ولا ينكرون أن يطلب أحدهم من صاحبه حرمته، وكانوا يرون أنه لا بد للفاضل منهم أن ينكح المفضول ليولج النور فيه " أهـ
سبحان الله ..
يتغذى الشيخ أركون في ستينيات القرن العشرين من فكر الاستشراق في بلده ، ثم يلجأ إلى وطنه الثاني "فرنسا" ليواصل ملحمة "التحرير" تحت راية "الأنسنة" ، و يعلن الحرب على أساتذته الفرنسيين الذين علموه و لقنّوه مفهوم الحضارة في القرن الرابع هجري ، و ينكر - مع ذلك - "الملح و الطعام" .. إن لم يكن مأمورا بالهجوم ..
قال الشاعر :
أعلمه الرماية كل يوم *** فلما اشتد ساعده رماني
و كم علمته نظم القوافي *** فلما قال قافية هجاني
خبيث جدا الاستشراق ..
إن كثيرا من الدارسين يصرخون أن الأنسني أركون جاهل بالتاريخ وبفلسفة التاريخ ..
يقول الدكتور سيّار الجميل : " وكانت لي فرصة سانحة لمناقشته والرد علي بعض أفكاره وأحكامه وخصوصا تلك التي تتعلق بالمسألة التاريخية والمنهج التاريخي وما ردده من معلومات غير صائبة في التاريخ العثماني والعلمنة الكمالية ، ثم دار جدل علمي ساخن بيني وبينه إذ واجهته بحقائق ومعلومات تاريخية كمؤرخ لم يستطع إدراكها، أو هكذا أشعر الآخرين، في حين أنه لم يكن مطّلعا عليها بحكم تخصصه البعيد عن التاريخ الحديث وتعقيداته المعاصرة.. وهذه مشكلة لا يعاني منها أركون فقط ، بل يعاني منها العديد من أشهر الكتاب والمفكرين العرب الذين يدخلون أنفسهم في معالجات ظواهر تاريخية لم يسيطروا علي معلوماتها. "(85)
يا معشر "الحداثيين" : إن كان لي – أنا العبد الفقير – معكم من قول ، فليس أكثر من "اتقوا الله في الأمة .. و لا تأخذكم العزة بالإثم" .
إن القرن الرابع الهجري هو فترة "ضعف شديد" لمن ألقى نظرة في المصادر التاريخية الإسلامية الكبرى كـ "تاريخ الطبري" لشيخ المفسرين محمد بن جرير – رحمه الله - ، و "البداية و النهاية" للحافظ ابن كثير – رحمه الله - ، و "الكامل في التاريخ" لابن الأثير – رحمه الله - ، و " سير أعلام النبلاء" أو "تاريخ الإسلام" لعملاقنا في التاريخ مؤرخ أهل السنة و الجماعة ناصر السنة و قامع البدعة الإمام أبو عبد الله محمد الذهبي – رحمه الله - و الخطيب البغدادي و ابن عساكر الدمشقي ، و عبد الرحمن بن خلدون ..
نقول : متى كان "الضعف" مثالا و مصدرا للإشعاع ؟
إشعاع ماذا .. ؟
لا ينكر عاقل منصف – يخاف يوم الحساب – المستوى الرفيع الذي بلغته الحضارة الإسلامية يومئذ في كافة المجالات ، خصوصا المجال الثقافي - في جانبه المادي - ؛ و لكن ماذا يساوي ذلك كله أمام الفساد الذي أحدثه الحقد الفارسي الناهض و الباطنية السامّة و الفلسفة اليونانية ؟ ؟
و متى كان الرخاء المادي مقياسا للصلاح و الصواب ؟
هل يعدل الرخاء المادي الدماء التي سفكت ، و الأعراض التي هتكت ، و الأموال التي نهبت ؟
و متى كان تقدم "الحركة العلمية" حائلا دون الفساد و الجريمة ؟
لقد سيطر "آل بويه" على مقاليد الحكم في بغداد – التي يحبها أركون – عاصمة الخلافة سنة 334 هـ و غطت فترة حكمهم إلى نهاية النصف الأول من القرن الخامس الهجري ؛ أي في سنة 447 هـ ..
فما الذي وقع في هذه الفترة ؟؟
ألفظوها .. معشر الأنسنيين .
يقول العلامة أبو عبد الله محمد الذهبي – رحمه الله - :
" وضاع أمر الإسلام بدولة بني بويه وبني عبيد الرافضة ، وتركوا الجهاد وهاجت نصارى الروم ، وأخذوا المدائن وقتلوا وسبوا ..
وقال : فلقد جرى على الإسلام في المئة الرابعة بلاء شديد بالدولة العبيدية بالمغرب ، وبالدولة البُويهية بالمشرق ، وبالأعراب القرامطة ، فالأمر لله تعالى .
وقال عن عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو : .. وكان شيعياً جلداً أظهر بالنجف قبراً زعم أنه قبر الإمام علي بنى عليه المشهد ، وأقام شعار الرفض ومأتم عاشوراء ، ونُقل أنه لما احتُضر ما انطلق لسانه إلا بقوله تعالى : { ما أغنى عنَّي ماليه، هلك عني سلطانيه } ( الحاقة : 28،29) . " (86)
لا يهمنا ما فعله بني بويه – خاصة – إبان فترة حكمهم من سفك للدماء و هتك للأعراض و نهب للأموال ، فضلا عن إشعال الفتن بين السنّة و الشيعة - السنة تلو الأخرى - ، و تفتيت للدولة الإسلامية الكبرى ، و تقسيم للأقاليم ، و تمكين لأفراخ الباطنية من مقاليد الوزارة ، و تحكيم لشرائع الفرس ، و إشاعة للفواحش ، ناهيك عن إثارة الثورات من أجل القضاء المبرم على الخلافة الإسلامية ، و التحالف مع الصليبيين الروم .. الخ .
لا يهمنا ذلك – و نحن نتحدث عن أنسنة التراث - بقدر ما يهمنا "الحركة العلمية و الفكرية" إبان القرن الرابع الهجري .. كما أننا نعلم – يقينا – تأثير تلكم الأحداث في مدى التطور العلمي من عدمه ، و مدى رحابة الفكر من ضيق السفسطات و الشطحات ..
فأما بالنسبة "للعلم" و تطوره ، فنقول : العلم طاقة بشرية محايدة ، لا هو للخير و لا هو للشر ؛ إنما التوجيه الذي يأتي – غالبا – من أهل السلطان – و هم أكثر تنورا و أكثر استعلاءاً – هو الذي يجعل هذا العلم متجها نحو الخير أو نحو الشر ..
يقول الشيخ محمد قطب : " التطور العلمي من شأنه أن ينمو دائما، و يضيف جديدا في عالم المعرفة ؛ تدفعه الرغبة الفطرية في المعرفة، و هو يسير على هدى الفطرة ، و يتتبع خطوطها ، فالفطرة دائما من وراءه تحدوه.. و يقوي إمكانياتها، لأنها – هي – راغبة في القوة و التمكن.. و العقل البشري يكتشف و يخترع بمقدار ما يوفقه الله و يفتح عليه من طاقة المعرفة ؛ و لكن التطبيق العملي لنتائج البحث العلمي و لحقائق العلم المحايدة.. ليس أمرا محايدا ، فالتطبيق يمكن أن يتجه إلى الخير , و يمكن أن يتجه إلى الشر .. و الفطرة السوية تستخدم العلم في سبيل الخير فقط ، و لا تستخدمه في سبيل الشر، لأن الشر لا يخدمها.. " (87)
فضلا عن ذلك ، لا ينبغي لنا أن ننتقص من ريادة "العرب" في التطورات العلمية حين ننتقد ما أطلق عليه بـ "الكتابات العرقية" لتاريخ النهضة العلمية الإسلامية ، و أن سائر الأجناس و الأعراق ساهمت في التطور العلمي آنئذ ؛ و أن كل تلك الثمار الجنية كانت تحت مظلة الإسلام و ليس تحت راية "منتنة" ..
تلك حقيقة لا نحسبها موضع جدال ..
فلقد ساهمت الأجناس و الأعراق في البناء الحضاري للإسلام ، و في التطور العلمي و ميادين البحث التجريبي مما أذهل الدارسين الغربيين أيما ذهول .. بيد أنه لا ينبغي و لا يحق لنا أن ننسى أن كل الأجناس و الأعراق التي أسلمت سارعت إلى التعرب و التبحر في اللغة العربية من أجل فهم هذا الدين و الالتزام بحقائقه ، و قاتلت قتالا شديدا من أجل لغة "القرآن" ..
يقول الشيخ محمد الغزالي – رحمه الله - :
" إن المصريين و الشاميين و غيرهم ، تركوا لغاتهم الأولى و آثروا لغة القرآن ، أي : أن حبهم للإسلام هو الذي عرّبهم ، فهجروا دينا إلى دين ، و تركوا لغة إلى أخرى ..
" و إذا كان للعرب فضل فهو أنهم حملوا الإسلام للعالم ، و بلغوه بشجاعة و بسالة فائقتين ، لم تعرفا عن أتباع نبي من قبل ..
" و يجب أن نثني على العرب لأنهم صانوا بدقة ، و بلغوا بأمانة ، و قدموا أرواحهم فدى لما يعتقدون ..
" و العرب هم سبع المسلمين فقط ، و واجبهم تعليم لغتهم لإخوان العقيدة بل واجبهم نشر لغتهم في أقطار الأرض كلها ، و فرض عليهم أن يمهدوا الطريق إليها .. "
و يقول – رحمه الله – في موضع آخر :
" إن الثقافة الذاتية شيء ، و العلم الذي لا وطن له شيء آخر .. العلم العام كالهندسة و الجبر و الحساب ، و الفيزياء و الكيمياء و الأحياء ، و الطب و العمارة و الفنون العسكرية و المدنية المختلفة ، هذه كلها تنتشر في القارات الخمس ، و يتنافس البشر في إجادتها ، و يقتربون أو يتحدثون في حصيلتها .. و هي في جملتها وسائل لخدمة الأمم و رسالاتها المتباينة في هذه الحياة .. أي أنها تنمو و تمتد في حضانة و وصاية الثقافة الذاتية لأية أمة ..
" ذلك أن هذه الثقافة الذاتية تصور شخصية الأمة و ملامحها الفكرية و النفسية ، و تشرح عقائدها التي تنطلق منها ، و أهدافها التي تنطلق إليها ، و تقاليدها و أخلاقها و شرائعها بدءاً من الأسرة إلى علائقها الدولية .. كما تشرح آدابها و لغتها و خصائص شعرها و نثرها .. و تهتم بالتاريخ لتربط الأجيال اللاحقة بالأجيال السابقة ، و تربط الولاء الخاص و العام بالقيم المقررة و الشعائر الظاهرة ....... " (88)
هذا .. و لولا خشية الإطالة لنقلت ما خطته أنامل العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي – رحمه الله – ( و هو هندي ) في كتابه الرائع "ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين" تحت العناوين التالية : "زعامة العالم العربي" و "أهمية العالم العربي" و "محمد رسول الله روح العالم العربي" و "الإيمان قوة العالم العربي" و "تضحية شباب العرب قنطرة إلى سعادة البشرية" ( أخذ ست صفحات - انظره إن شئت – مسك ختامه بهذه الكلمة : إن الأرض في حاجة إلى سماد ، و سماد أرض البشرية الذي تصلح به و تنبت زرع الإسلام الكريم هـي الشهوات و المطامع الفردية التي يضحي بها الشباب العربي في سبيل علو الإسلام و بسط الأمن و السلام على العالم و انتقال الناس من الطريق المؤدية إلى جهنم ، إلى الطريق المؤدية إلى الجنة . إنه لثمن قليل جدا لسلعة غالية جدا . أهـ ص 404 ) ، و "رجاء العالم الإسلامي من العالم العربي" ..
ثم ينبغي الحذر من هذه الإنزلاقات ؛ إذ من المعروف أن المستشرقين هم الذين يستخدمون لفظة "العرب" استفزازاً لبعض المخلصين و استدراجا لهم لإدخالهم في ما أطلق عليه مالك بن نبي - رحمه الله – بالأفكار القاتلة و الأفكار المقتولة ، أي الوقوع في فخ المجادلات السفسطية التي لا تقدم و لا تؤخر .. و ليس المسلمين العرب هم من يثير مثل هذه الرعونات النتنة .. فعندما يستخدم المستشرق كلمة "العرب" فهو يقصد "الإسلام" ليس إلا ..
مهما من يكن من أمر .. فالذي يهمنا هو الحالة العلمية و الفكرية أو لنقل المشهد الثقافي .. و لنحاول أن نركّز – بإيجاز - على مجالات ثلاثة : العلم الشرعي ، و الفلسفة ، و الأدب ..
فأما العلم الشرعي ؛ فكفى به تضعضعا ما أطلق على القرن الرابع بعصر التقليد و الجمود ؛ فقد وقفت حركة الاجتهاد العلمي من منتصف القرن الرابع الهجري بالتقريب، حين طرأت على المسلمين عدة عوامل سياسية و عقلية و خلقية و اجتماعية أثرت في كل مظهر من مظاهر نهوضهم ، و أحالت نشاطهم التشريعي إلى فتور و أماتت في العلوم روح الاستقلال الفكري، فلم يردوا المعين الذي لا ينضب ماؤه و هو معين القرآن و السنة ، بل راضوا أنفسهم على التقليد و راضوا أن يكونوا عالة على فقه الأئمة السابقين – أبي حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد و أقرانهم رحمهم الله و جزاهم عن هذه الأمة خيرا – و حصروا عقولهم في دوائر محدودة من فروع مذاهب هؤلاء الأئمة و أصولها، و بذلك نشأت سدود – كما يقول الحجوي – بين الأمة و بين نصوص الشريعة ضخمت شيئا فشيئا إلى أن نوسيت السنة ، و وقع البعد من الكتاب بازدياد تأخر اللغة، و أصبحت الشريعة هي نصوص الفقهاء و أقوالهم، لا أقوال النبي ( ص ) الذي أرسل إليهم ، و صار الذي له القوة على فهم كلام الإمام و التفريع عليه مجتهدا مقيدا أو مجتهد المذهب ، و تنوسي الاجتهاد المطلق .
و ثمة أسباب عدة سياسية و خلقية و عقلية و اجتماعية في توقف حركة الاجتهاد ليس هذا موضع تفصيلها ؛ بيد أن سياق حديثنا يقتضي تقريب أقوى الأسباب، و نعني بذلك الأسباب السياسية ..
لقد هرمت الخلافة العباسية في منتصف القرن الرابع الهجري و تمزقت أوصالها، و أصبحت الدولة دولا ، و أخذت أصابع الفتنة تلعب بعقول الولاة و تغريهم بأن يستقل كل واحد بالجزء الذي يليه بأمر الخليفة ، فشغل ولاة الأمور بالحروب و الفتن الداخلية و اتقاء المكائد التي يحيكها أعداء الدولة من الخارج فدب الانحلال العام في جسم الدولة و فترت الهمم و العلوم، فكان لهذا أثر واضح في وقف حركة الاجتهاد .. و عندما تتوقف حركة الاجتهاد تأسن الحياة الإنسانية ، و تجمد العقول و تتلبد الأفكار، و يشقى الإنسان بنفسه و عقله ، و هذا ما حصل في هذا العصر ..
فضلا عن ذلك عمل "بني بويه" على تشييع المجتمع الإسلامي و محاربة أهل السنة في كل مكان حتى بلغ بهم الأمر أن قتلوا الحجيج و رموا بهم في "زمزم" و اقتلعوا الحجر الأسود ، و سبوا الخلفاء الراشدين على أبواب المساجد، و أطلقوا العنان لألسنتهم يكذبون على رسول الله صلى الله عليه و سلم أحاديث موضوعة بلغت عنان السماء ..
يقول الدكتور محمد علي الصلابي :
" كان لتشيع البويهيين دوره الخطير في تشجيع العلماء القائلين بوجهة نظرهم فقد عملوا على الاهتمام بالعلوم المذهبية وتقديم الرعاية للعلماء والمتشيعة للعلويين بصفة عامة حتى يظهروا أمام أتباعهم بمظهر الحريص على المذهب المدافع عنه وهم بذلك يعبرون عن ميول شيعية متعصبة دفعتهم إلى تأسيس العديد من المراكز الشيعية في العراق والتي خدمت أغراض تعصبهم المذهبي فقد حرصوا على تحويل المجتمع الإسلامي نحو الإيمان بمعتقدهم وهكذا تجدهم يقربون علماء الشيعية ويرعونهم ويشجعونهم على الكتابة في الكثير من التخصصات الفلسفية والمنطقية بالإضافة إلى الرياضيات وعلم الهيئة، وشجعوهم بشكل خاص على التأليف في العلوم التي تخدم المذهب الشيعي وهكذا ظهرت العديد من المجاميع الخاصة بهم والتي كرست لوضع الأحاديث المكذوبة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أمثلة ذلك المحدث الفضل الشيباني
(ت387ﻫ / 997م) الذي كان يروي غرائب الأحاديث، وكان ممن يضع الأحاديث للرافضة، وقد التبس أمره على الناس فكتبوا الكثير من مروياته فلما ظهر لهم كذبه مزقوا أحاديثه، وقد شهد العصر البويهي عدداً غير قليل من محدثي الشيعة كأبن الجعابي وأبي الطيب الدوري، والمعبدي وابن البقال والنوبختي والكلوذاني وغيرهم ممن عملوا على إسباغ صبغة الاعتزال والتشيع على مروياتهم وكان ذلك بمناصرة ومعاضدة أمراء بني بويه لخدمة أهدافهم في تشييع المجتمع الإسلامي، ولم يتوان أمراء بني بويه عن تشجيع عدد كبير من فقهاء التشيع والرفض في إظهار مساهماتهم في نشر التشيع بين عامة الناس في المجتمع الإسلامي وكان خطر هؤلاء المبتدعة كبيراً على الأمة الإسلامية لما اتصفوا به من انحراف في المعتقد وتزييف للحقائق وافتراء على المشرع ومن أولئك على سبيل المثال أبو القاسم علي أحمد العلوي الكوفي ت (352/963م) وهو من الشيعة الغلاة ومن كتبه الاستغاثة في بدع الثلاثة، ويقصد بالثلاثة الخلفاء أبو بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، وقد قال في جملة ما قاله في هذا الكتاب بأن القرآن الذي بين أيدي الناس هو قرآن ناقص ، ومنهم أبو عبد الله محمد بن محمد النعمان المعروف بالشيخ المفيَد
(ت 413ﻫ- 1022م) وكان ذو مكانة كبيرة لدى إمراء بني بويه ، وكانت له تصانيف كثيرة ويكفي الإشارة إلى ما كتبه الخطيب البغدادي عن الشيخ المفيد ابن المعلم ليظهر مدى خطره على الناس من العامة خاصة، فلقد ترجم له بقوله : " شيخ الرافضة والمتعلم على مذاهبهم، صنف كتباً كثيراً في ضلالاتهم والذي عن اعتقاداتهم ومقالاتهم والطعن على السلف الماضين من الصحابة والتابعين وعامة الفقهاء المجتهدين وكان أحد أئمة الضلال هلك به خلف من الناس إلى أن أراح المسلمين منه " ، وقد أدى اهتمام البويهيين بالعلم والعلماء إلى انتشار خزانات الكتب وإلى جانبها دور للعلم يمكن اعتبارها من المؤسسات المساعدة لمراكز التشيع حيث كان الغرض منها حث علماء الشيعة على الإطلاع والتأليف ومن بينها دار العلم ببغداد وهي دار ابتاعها الوزير أبو نصر سايور بن أردشير 383ﻫ/993 بمحلة الكرخ جدد عمارتها ونقل إليها كتب كثيرة وأوقف عليها أوقافاً كثيرة وسماها دار العلم ، ومن بينها الدار التي أسسها نقيب العلويين الشريف الرضي المتوفي سنة 406ﻫ/1015م في الكاظمية على الجانب الغربي من دجلة مقابل مقابر قريش وأسماها دار العلم وفتحها لطلبة العلم ووفر لهم كافة ما يحتاجونه ، ويعتبر أبو عبد الله المرزباني من الأدباء والكتاب الذين جعلوا دورهم مركزاً للتشيع والاعتزال فقد كان المرزباني معتزلياً يتشيع ، ولقد أنشأ البويهيون خلال مدة حكمهم العديد من مراكز التشيع واعتنوا عناية كبيرة بتلك التي كانت موجودة وقائمة قبل وصولهم، ووجدت هذه المراكز في كل من كرخ بغداد والكوفة والنجف وكربلاء والكاظمية والبصرة والحلة وقد لعبت تلك المراكز أدواراً مهمة في تجميع الشيعة وتوحيد صفوفهم ودفعهم إلى نشر أفكارهم ومعتقداتهم خاصة وأنهم وجدوا مناصرة ومعاضدة من المتسلطين على الخلافة العباسية من أمراء بني بويه، وكذلك من وزرائهم الذين نهج معظمهم نفس النهج . " (89)
ولم تسلم علوم الحديث من الضعف و التعثر في هذا العصر، خاصة بعد زوال علة منع تدوين السنّة ؛ فكما لا يخفى أن الأجيال التي تلت عصر التابعين قد تلقت القرآن مكتوبا محفوظا في الصدور ، أما السنّة فقد زالت علة منع تدوينها فيما بعد مما فسح المجال ، و أعطيت الإشارة لكتابتها ، و قد كان الخليفة عمر بن عبد العزيز – رحمه الله – قد أمر بتدوينها بعد أن علم أن الصحابة و التابعين رضي الله عنهم أحجموا عن كتابة السنة لعلة رأوها ، بحيث تغيرت الفتوى بتغير الزمان ، و الحقيقة أن الأمة كانت في حاجة ماسة إلى التعرف على سنّة نبيها صلى الله عليه و سلم إذ هو – بأبي هو و أمي – المبين العملي للقرآن بحيث تقتضي طاعته اتباع السنة و التمسك بها ..
روى مالك في الموطأ عن محمد بن الحسن أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم " أن أنظر ما كان من حديث رسول الله صلى الله عليه و سلم أو سنّة أو حديث عمر أو نحو هذا فأكتبه ، فإني خفت دروس العلم و ذهاب العلماء " علقه البخاري في صحيحه .. و هذا مما انفردت به الأجيال الأولى إذ تجد الحكام يتيقضون و يشمرون عن سواعدهم من أجل حفظ بيضة الإسلام بتقييد العلم بالكتابة و التدوين ، إذ "الكتاب قيد العلم" كما يقول الشعبي رحمه الله ، و هذا الذي يطلق عليه بالتدوين الرسمي من قبل الدولة ، و لقد كانت السنة مفرقة في الأمصار بتفرق الصحابة ، و كانوا يعتمدون على الحفظ و الاستظهار مما رأوا من النهي من كتابتها بادئ ذي بدء ..
و لقد كان الرجوع إليهم لأخذ الحكم في الوقائع و النوازل عسير المنال ، بحيث اتسعت بلاد الإسلام و دخل في الإسلام الآلاف من المسلمين غير العرب مما كانت كتابة السنة في مدونات جامعة تحتم نفسها ، أضف إلى ذلك أن قلّ الضبط ، فليس كل حديث يتناقله الناس حديث صحيح ، كل هذا جعل العلماء و الحكام يخشون على دروس السنّة و ذهاب رجالها ..
بيد أنه بعد زوال علة المنع انتشرت الكتابة حتى قال الحسن البصري ( تـ 110 ) " إنا لنا كتبا كنا نتعاهدها " و كان عمر بن عبد العزيز يكتب الحديث .. و هذا سعيد بن جبير ( تـ 95 ) كان يكتب عن ابن عباس فإذا امتلأت صحفه كتب في نعله حتى يملأها .
و هذا مما يدل على ان الكتابة قد شاعت بين مختلف الطبقات ، و لم يعد أحد ينكرها في أواخر القرن الأول الهجري و أوائل القرن الثاني ..
" و لئن نوزع في اكتمال تدوين السنة جميعها في القرن الثالث ، فلن ينازع في ذلك لهذا القرن ( أي : القرن الرابع )
قال ابن المرابط : أبو عمرو محمد بن أبي عمرو عثمان بن يحيى الغرناطي ( ت 752هـ ) : (( قد دونت الأخبار ، وما بقي للتجريح فائدة ، بل انقطع على رأس أربعمائة )) ..
" وقد تزين هذا القرن ، وهو القرن الرابع الهجري ، بأمثال : أبي علي الحسين بن علي بن يزيد النيسابوري ( ت 349هـ) ، وأبي حاتم محمد بن حبان البستي ( ت 354هـ ) ، وأبي القاسم سليمان ابن أحمد الطبراني ( ت 360هـ ) ، وأبي محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد الرامهرمزي ( ت 360هـ ) ، وأبي بكر محمد بن الحسين الآجري ( ت 360هـ ) ، وأبي أحمد عبد الله بن عدي الجرجاني ( ت 365هـ ) ، وأبي الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر ابن حيان الأصبهاني ( ت 369هـ ) ، وأبي بكر أحمد بن إبراهيم إسماعيل الإسماعيلي ( ت 371هـ ) ، وأبي أحمد محمد بن محمد ابن أحمد الحاكم الكبير ( ت 378هـ ) ، وحافظ الدنيا الناقد أبي الحسن علي بن عمر الدار قطني ( ت 385هـ ) ، وأبي حفص عمر بن أحمد ابن شاهين ( ت 385هـ ) ، وأبي عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى بن مندة ( ت 395هـ ) ، وأبي عبد الله محمد بن عبد الله ابن البيع النيسابوري الحاكم ( ت 405هـ ) ، وعبد الغني بن سعيد الأزدي المصري ( ت 409هـ ) ، وأختم هذه الطبقة : بأبي نعيم أحمد بن عبد الله بن أحمد الأصبهانيؤ ( ت 430هـ ) .
" ويبدو أن هذا العصر مع وجود أمثال هؤلاء الأئمة الكبار ، ومع ازدهاره بالحديث وعلومه ، ومع تحمله لتركه القرن السابق له = إلا أنه ( وكما يحصل لغالب الموروثات ممن يرثها ) بدت فيه بوادر ضعفٍ ، يخشى أن تكون بداية ضياع ذلك التراث العظيم : أعني مصطلح الحديث ، دون تدوينه .
" وقد أرخ الإمام الذهبي بداية نقص علوم السنة ، وبداية ظهور العلوم العقلية ، وتناقص الاجتهاد ، وظهور التقليد ، في آخر الطبقة التاسعة من كتابه ( تذكرة الحفاظ ) . وهي طبقة كانت وفاة آخر من ذكر فيها : سنة ( 282هـ ) ، وهو أبو محمد الفضل بن محمد بن المسيب الشعراني .
" أي أن هذا الضعف قد بدأ من أواخر القرن الثالث ، ولم يزل في زيادة أوائل القرن الرابع ، فما بعده .
" ويصف لنا أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي ( ت 387هـ ) تزايد النقص في طلب العلم وصفاً معبراً ، حيث يقول : (( كنا نحضر في مجلس أبي بكر النيسابوري ( عبد الله بن محمد بن زياد : ت 324هـ ) لنسمع منه ( الزيادات ) ، وكان يحزر أن في المجلس ثلاثين ألف محبرة . ومضى على هذا مدة يسيرة ، ثم حضرنا مجلس أبي بكر النجاد ( أحمد بن سلمان بن الحسن الحنبلي : ت 348هـ ) ، وكان يحزر أن في مجلسه عشرة آلاف محبرة . فتعجب الناس من ذلك ، وقالوا : في هذه المدة ذهب ثلثا الناس ؟‍‍. ))
" وهذا الضعف الناشىء في هذا القرن ، هو الذي جعل بعض أئمة هذا القرن يسارعون إلى تصنيف كتب جامعةٍ مفردةٍ في علوم الحديث ومصطلحه .
" وأجّل ما كتب في علوم الحديث خلال هذا القرن : كتاب ( المحدث الفاصل بين الراوي والواعي ) للرامهرمزي ( ت 360هـ ) و ( معرفة علوم الحديث ) للحكم ( ت 405هـ ) .

" وقد أكد كل من الرامهرمزي والحاكم ما ذكرناه آنفاً ، من أن هذا القرن كان قد شهد بداية الضعف في علوم الحديث . حيث ذكرا أن سبب تصنيفهما لكتابيهما هو : ظهور بعض ملامح اختلال في طريقة طلب العلم ، ناشىء عن ترفٍ علمي ( عهد مثله ممن ورث إرثاً عظمياً ) ، أدى إلى بروز بعض القصور في علوم الحديث النبوي ومصطلحه ، بين أوساط فئام من طلبة الحديث ، خلال هذا العصر ، الذي عاش فيه الرامهرمزي والحاكم رحمها الله تعالى .
ثم يقول الإمام الذهبي ، معبراً عن تناقص علم الحديث عبر العصور : (( فلقد تفانى أصحاب الحديث ، وتلاشوا ، وتبدل الناس بطلبة يهزأ بهم أعداء الحديث والسنة ويسخرون منهم . وصار علماء العصر ـ في الغالب ـ عاكفين على التقليد في الفروع ، من غير تحرير لها ، ومكبين على عقليات من حكمة الأوائل وآراء المتكلمين ، من غير أن يتعقلوا أكثرها . فعم البلاء ، واستحكمت الأهواء ، ولاحت مبادىء رفع العلم وقبضه من الناس )) (90)
هذا عن العلم الشرعي و ما اعتراه من ضعف و اختلال إبان القرن الرابع الهجري ؛ كما أننا لم نذكر كافة العلوم الشرعية كعلوم القرآن ، و بخاصة "إعجاز القرآن" و ما ذر من فتن علمية كالقول بـ "الصرفة" و ما لحق به من شبهات و ترهات و خزعبلات ..
و لننتقل – الآن – إلى "الفلسفة" و ما جنته على المسلمين في تكدير صفاء عقيدتهم و تعقيد سماحة شريعتهم .
الفلسفة من حيث هي "حب الحكمة" أو ابتغاء الحكمة لا عيب فيها متى التزمت بالشرط الجوهري الوحيد ؛ ألا و هو "الاتباع" ..
قال العلامة محمد بن قيم الجوزية : " و الفيلسوف أصله فيلسوفا ، أي محب الحكمة "ففيلا" هي المحب و "سوفا" هي الحكمة . و الحكمة نوعان : قولية و فعلية . فالقولية : قول الحق ، و الفعلية هي فعل الصواب ، و كل طائفة من الطوائف لهم حكمة يتقيدون بها .
" و أصح الطوائف حكمة : من كانت حكمتهم أقرب إلى حكمة الرسل التي جاؤوا بها عن الله تعالى قال تعالى عن نبيه داود عليه السلام : { و آتيناه الحكمة و فصل الخطاب } و قال عن المسيح عليه السلام : { و يعلمه الكتاب و الحكمة و التوراة و الإنجيل } و قال عن يحيى عليه السلام : { و آتيناه الحكم صبيا } و الحكم هو الحكمة . و قال لرسوله محمد صلى الله عليه و سلم : { و انزل الله عليك الكتاب و الحكمة } و قال : { يؤتي الحكمة من يشاء و من يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا } و قال لأهل بيت رسوله : { و أذكرن ما يتلى في بيوتكن من آيات الله و الحكمة } .
فالحكمة التي جاءت بها الرسل : هي الحكمة الحق المتضمنة للعلم النافع و العمل الصالح للهدى و دين الحق ، لإصابة الحق اعتقادا و قولا و عملا ، و هذه الحكمة فرقها الله سبحانه بين أنبيائه و رسله ، و جمعها لمحمد صلى الله عليه و سلم ، كما جمع له من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله ، و جمع في كتابه من العلوم و الأعمال ما فرقه في الكتب قبله . فلو جمعت كل حكمة صحيحة في العالم من كل طائفة لكانت في الحكمة و التي أوتيها صلوات الله و سلامه عليه جزءا يسيرا جدا لا يدرك البشر نسبته .
و المقصود : أن الفلاسفة اسم جنس لمن يحب الحكمة و يؤثرها . و قد صار هذا الاسم في عرف كثير من الناس مختصا بمن خرج عن ديانات الأنبياء ، و لم يذهب إلا إلى ما يقتضيه العقل في زعمه . " أهــ (91)
و جناية الفلسفة على المسلمين لا تخفى على أحد ؛ فقد أبتلي المسلمون بما جنته الفلسفة عليهم إبان القرن الثالث الهجري حين أمر المأمون بترجمة كتب اليونان و علومهم ، و أنشأ لذلك دار الحكمة و عيّن عليها حنين بن إسحاق ( النصراني) ثم تلاه ابنه ثم حفيده .. و قد طربت لذلك فرقة المعتزلة و هللت، لكأنه "الفتح المبين" بعد أن راحت تؤوّل قضايا الدين كإنكار صفات الخالق سبحانه و تعالى و من بينها صفة "الكلام"، و التكلم في الوعيد و إنكار القدر، و كان من رؤوسهم عمرو بن عبيد ثم العلاف و النظام و أشباههم ؛ فضلا على تبويبهم و تفريعهم و تنظيمهم أعظم بدعة فكرية أصابت العقل الإسلامي ، ألا و هي "علم الكلام" الذي يعتمد على النظر العقلي في أمر العقائد الدينية . و قد استطاعوا التسلل إلى قلب المأمون، و أقنعوه بمسلكهم الفلسفي في التفكير ، و ما نتج عنه من دعوة المأمون العلماء بــ "خلق القرآن" .
" وأراد المأمون أن يحمل الناس على ذلك ، إلا أن الإمام أحمد بن حنبل - رحمه الله تعالى - أبى واستعصم وثبت على الحق ، في الوقت الذي تراجع فيه كثير من أهل العلم عن قول الحق .
ثبت الإمام أحمد رحمه الله تعالى في الساحة وحده ، وآثر الباقية على الفانية ، وظل صابرا محتسبا ، وأصبح بحق رجلا بأمة . فأمر المأمون بضربه وحبسه ، وحتى مات المأمون ، فأوصى المعتصم من بعده بأن يقول مقالته بخلق القرآن ، ومن ثم بدأ المعتصم ينفذ هذه الوصية ، فضرب الإمام أحمد بالسياط حتى أغمي عليه ، وأهانه أشد الإهانة ، واستمر حبسه نحوا من ثمانية وعشرين شهرا ، وقيل : بضعة وثلاثين شهرا . وكان يصلي وينام والقيد في رجله .
وفي كل يوم يرسل إليه الخليفة المعتصم من يناظره ، وكان كلام الإمام أحمد واحدا لا يتغير . حتى غضب عليه المعتصم وهدده وشتمه ، وأمر بالشدة في جلده ، وزاد في قيده . والإمام أحمد صابر محتسب ثابت ثبوت الجبال الرواسي .
قال أبو شعيب الحراني : "كنا مع أبي عبيد القاسم بن سلام بباب المعتصم ، وأحمد بن حنبل يضرب . قال: فجعل أبو عبيد يقول: أيضرب سيدنا ، لا صبر؟! أيضرب سيدنا ، لا صبر؟! قال أبو شعيب : فقلت:
ضربوا ابن حنبل بالسياط بظلمهم * بغيا فثبت بالثبات الأنور
قال الموفق حين مدد بينهم * مد الأديم مع الصعيد القرر
إني أموت ولا أبوء بفجرة * تصلى بوائقها محل المفتري " (92)
الإمام أحمد بن حنبل الشيباني ومسنده . دراسة وإعداد أحمد بن عبد الرحمن بن سليمان الصويان . أحمد بن حنبل (164 - 241هـ)
كان هذا في القرن الثالث الهجري ..
أما في القرن الرابع ( و هو القرن الذي يحبه و يتشبث به الأنسنيون و منهم أركون ) فالمصيبة أشد و أنكى .. بمعنى آخر : أن الغزو الفكري إبان القرن الرابع الهجري اتخذ شكلا خطيرا جدا .
فلئن عملت السلطات السياسية – بتعبير عصرنا – في القرن الثالث على تقريب الفرق الضالة كالمعتزلة و التغاضي عن المرجئة الجهمية و التعاضد على نشر السموم الزعاف في أوساط المسلمين ، و اتخاذهم – المعتزلة خاصة – بطانة من دون أهل السنة ، فإن الحكام في القرن الرابع الهجري عملوا على تقريب "الملاحدة" و مجالستهم و مسامرتهم ..
و يطنطن "الأنسنيون" كثيرا على أن القرن الرابع هو عصر "توهج العقل" يكاد سنا وهجه يذهب بالأبصار .. و تلك – لعمري- أكبر فرية مسمومة يتسترون وراءها ..
لقد عمل ابن سينا – خاصة – و غيره على بث "الإلحاد الأرسطي" في أوساط المسلمين بعد أن هذبوه و ألبسوه ثيابا زائفة، و وضعوا عليه كثيرا من الماكياج التلفيقي .
قال العلامة ابن القيم – رحمه الله - :
" و أخص من ذلك : أنه ( أي اسم الفلاسفة ) في عرف المتأخرين اسم لأتباع أرسطو، و هم المشاءون خاصة و هم الذين هذب ابن سينا طريقتهم و بسطها ، و قررها . و هي التي يعرفها، بل لا يعرف سواها ، المتأخرون من المتكلمين .
" و هؤلاء فرقة شاذة من فرق الفلاسفة ، و مقالاتهم واحدة من مقالات القوم ، حتى قيل : انه ليس فيهم من يقول بقدم الأفلاك غير أرسطو و شيعته ، فهو أول من عرف أنه : بقدم هذا العالم .
و الأساطين قبله كانوا يقولون بحدوثه . و إثبات الصانع، و مباينته للعالم ، و أنه فوق العالم و فوق السموات بذاته كما حكاه أعلم الناس في زمانه بمقالاتهم : أبو الوليد بن رشد في كتابه (مناهج الأدلة) " .
إلى أن قال - بعد أن نقل كلام ابن رشد - :
" فقد حكى لك هذا المطّلع على مقالات القوم، الذي هو أعرف بالفلسفة من ابن سينا و أضرابه إجماع الحكماء على أن الله سبحانه في السماء فوق العالم .
" ........................
" و كذلك الأساطين منهم متفقون على إثبات الصفات و الأفعال ، و حدوث العالم، و قيام الأفعال الاختيارية بذاته سبحانه، كما ذكره فيلسوف الإسلام في وقته أبو البركات البغدادي . و قرره غاية التقرير .
" ..........................
" و قد حكى أرباب المقالات أن أول من عرف عنه القول بقدم هذا العالم أرسطو ، و كان مشركا يعبد الأصنام ، و له في الإلهيات كلام كله خطأ من أوله إلى آخره ...
"و أنكر أن يكون الله سبحانه يعلم شيئا من الموجودات، و قرر ذلك بأنه لو علم شيئا لكمل بمعلوماته، و لم يكن كاملا في نفسه، و بأنه كان يلحقه التعب و الكلال من تصور المعلومات .
" فهذا غاية عقل هذا المعلم و الأستاذ .
" ...............
" و المقصود : أن الملاحدة درجت على أثر هذا المعلم الأول حتى انتهت نوبتهم إلى معلمهم الثاني : أبي نصر الفارابي . فوضع لهم التعاليم الصوتية ، كما أن المعلم الأول وضع لهم التعاليم الحرفية ، ثم وسع الفارابي الكلام في صناعة المنطق و بسطها و شرح فلسفة أرسطو و هذبها ، و بالغ في ذلك ، و كان على طريقة سلفه من الكفر بالله تعالى و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الآخر .
" فكل فيلسوف لا يكون عند هؤلاء كذلك فليس بفيلسوف في الحقيقة . و إذا رأوه مؤمنا بالله و ملائكته و كتبه و رسله و لقائه متقيدا بشريعة الإسلام ، نسبوه إلى الجهل و الغباوة ، فإن كان ممن لا يشكون في فضيلته و معرفته، نسبوه إلى التلبيس و التنميس بناموس الدين استمالة لقلوب العوام .
" فالزندقة و الإلحاد عند هؤلاء جزء من مسمى الفضيلة، أو شرط .
" و لعل الجاهل يقول : إنا تحاملنا عليهم في نسبة الكفر بالله و ملائكته و كتبه و رسله إليهم . و ليس هذا من جهله بمقالات القوم ، وجهله بحقائق الإسلام ببعيد .
" فاعلم أن الله - سبحانه و تعالى عما يقولون – عندهم كما قرره أفضل متأخريهم ، و لسانهم، و قدوتهم الذي يقدمونه على الرسل : أبو علي بن سينا : هو الوجود المطلق ، بشرط الإطلاق . و ليس له عندهم صفة ثبوتية تقوم به ، و لا يفعل شيئا باختياره البتة . و لا يعلم شيئا من الموجودات أصلا، لا يعلم عدد الأفلاك، و لا شيئا من المغيبات، و لا له كلام يقوم به ، و لا صفة . "
إلى أن قال – بعد دحض شبهات القوم - :
" و أما هذا الذي يوجد في كتب المتأخرين من حكاية مذهبه، فإنما هو من وضع ابن سينا . فإنه قرّب مذهب سلفه الملاحدة من دين الإسلام بجهده ، و غاية ما أمكنه أن قربه من أقوال الجهمية الغالين في التجهم فهم في غلوهم في تعطيلهم و نفيهم أسد مذهبا و أصح قولا من هؤلاء . "
و عرض الإمام ابن القيم اعتقاد هؤلاء الملاحدة في الملائكة و الكتب و الرسل و اليوم الآخر .. ثم قال :
" فدين اليهود و النصارى بعد النسخ و التبديل خير و أهون من دين هؤلاء .
" و حسبك جهلا بالله تعالى، و أسمائه، و صفاته، و أفعاله، من يقول : أنه سبحانه لو علم الموجودات لحقه الكلال و التعب، و استكمل بغيره ، و حسبك خذلانا و ضلالا و عمى : السير خلف هؤلاء و إحسان الظن بهم ، و أنهم أولو العقول . "
" فالرجل – أي ابن سينا – معطل ، مشرك ، جاحد للنبوات و المعاد ، لا مبدأ عنده ، و لا معاد و لا رسول و لا كتاب .
" والرازي و فروخه لا يعرفون من مذاهب الفلاسفة غير طريقه ."
و يشرح لنا ابن القيم فلسفة سقراط بأن : مذهبه في الصفات كان قريبا من مذهب أهل الإثبات .. إلى أن قال :
" و كلامه في المعاد و الصفات و المبدأ أقرب إلى كلام الأنبياء من كلام غيره . و بالجملة ، فهو أقرب القوم إلى تصديق الرسل ، و لهذا قتله قومه .. "
" و كذلك أفلاطون كان معروفا بالتوحيد و إنكار عبادة الأصنام، و إثبات حدوث العالم ، و كان تلميذ سقراط ، و لما هلك سقراط قام مقامه و جلس على كرسيه .
" ...............................
" فهو مثبت للصفات و حدوث العالم و منكر لعبادة الأصنام ..
" و صرح أفلاطون بحدوث العالم كما كان عليه الأساطين . و حكى ذلك عنه تلميذه أرسطو . و خالفه فيه فزعم أنه قديم ، و تبعه على ذلك ملاحدة الفلاسفة ، من المنتسبين إلى الملل و غيرهم، حتى انتهت النوبة إلى علي ابن سينا ، فرام بجهده تقريب هذا الرأي من قول أهل الملل ، و هيهات اتفاق النقيضين و اجتماع لضدين .
" و كان ابن سينا ، كما أخبر عن نفسه قال : أنا و أبي من أهل دعوة الحاكم ( الحاكم منصور بن العزيز بالله نزار بن المعز بالله العبيدي ، الثالث من الخلفاء الكذبة الفجرة العبيدين المغاربة المتغلبين على مصر ، ادعى الإلهية ، و قتل من العلماء ملا يحصى و كتب على المساجد و الجوامع سب أبي بكر و عمر و عثمان و عائشة و جماعة من الصحابة رضي الله عنهم . و هو الذي يعبده الدروز في لبنان و الإسماعيلية في الهند ) فكان ابن سينا من القرامطة الباطنية الذين لا يؤمنون بمبدأ و لا معاد و لا رب خالق و لا رسول مبعوث جاء من عند الله تعالى . " أهـ (93)
و كان في القرن الرابع الهجري عصابة ثمودية أخرى من الملاحدة الذين تقاسموا بالله أو بالشيطان على عقر ناقة "العقيدة" .. - العقيدة التي ارتطم بها المشروع الأنسني – ينفثون سمومهم الزعاف في أوساط المسلمين بمباركة السلطات العليا من بني بويه .. كانت هذه العصابة هي "إخوان الصفا و رسائلهم" ، و كان مروّج هذه الرسائل و ناشرها هو أبو حيان التوحيدي ؛ و هي الشخصية التي يتعلق بها – كثيرا- الشقباظيين و الأكروباتيين من الحداثيين العرب كأركون و غيره من المهووسين بعبادة العقل ..
يقول الدكتور محمد علي الصلابي :
" إشاعة الآراء المنحرفة للفلاسقة مثل حركة إخوان الصفا : من أخطر الحركات الفلسفية التي ظهرت خلال العصر البويهي حركة إخوان الصفا التي تتمثل في أفكارها الانحرافات الباطنية والتي تعبر عنها شكلاً ومضموناً، وقد اختلف المؤرخون حول زمن نشأة حركة إخوان الصفا، وأن أقدم من ذكر إخوان الصفا هو أبو حيان التوحيدي، ومن خلال ما أورده عنهم يتبين أن موطن نشأتهم كان مدينة البصرة منبت حركة الاعتزال ومرتع المتشيعة والمقر التاريخي لصاحب حركة الزنج، ولقد عرفت جماعة إخوان الصفاء في منتصف القرن الرابع الهجري، وهي فترة شهدت ضعفاً وتردياً كبيراً في قوة ومكانة الخلافة العباسية وتسلطاً أجنبياً خبيثاً ومنحرفاً، وقد تهيأت الظروف خلال هذه المرحلة لظهور العديد من الأفكار والحركات، ومن بينها أفكار إخوان الصفاء، وتكاد المصادر أن تجمع على أن جماعة إخوان الصفا جماعة سرية تتألف من طبقات متفاوتة وفق أسس ذكروها في رسائلهم، كما تتفق على أنهم من الشيعة الإسماعيلية وتمثل آرائهم وأفكارهم الفلسفية المبادئ الأساسية لفرقة الإسماعيلية التي تقوم أساساً على التأويل الباطني، ويصف إخوان الصفا الصلاة مثلاً بأنها هي المقصودة بالقيود، بل أنهم يقرون أن للدين ظاهراً وباطناً ولقد حظيت آراء وأفكار الفلاسفة خلال العصر البويهي بالكثير من التشجيع والمعاضدة فلقد كانت عناية أمراء بني بويه كبيرة بكل ما له اتصال بالفلسفة والمنطق والكلام والتنجيم وأولت المختصين بها عناية فائقة ، وقد حفلت مجالس البويهيين على الدوام بحضور العديد من المعتزلة والفلاسفة والمنطقيين وغيرهم من العلماء المتشيعين الذين سخروا علمهم لخدمة أمراء بني بويه والشيعة الرافضة. " (94)
و ما بنا حاجة لإطالة الكلام عن هذه الجماعة الخبيثة ؛ بل يكفي أن نقول أن هذه الجماعة اعتضدت في فترة بني بويه وراحت تنفث سمومها في أوساط المسلمين من اجل تقويض أركان الخلافة ؛ و سواء انتكاسها و ارتكاسها ، فإنها في الأخير رتعت و وجدت من يروج لها ..
و قد بلينا في عصرنا الحالي من عمل على بعث هذا الهراء و تمجيده و اعتباره – في النهاية – تراثا يستحق الإحياء ، كطه حسين الذي جدّ في طبع رسائل إخوان الصفا و نشرها في الثلث الأول من القرن العشرين ، و كذلك الدكتور زكي نجيب محمود الذي أهال وشاح التقديس على هذه الرسائل في كتابه "المعقول و اللامعقول في تراثنا الفكري" و غيرهما كثير ..
يقول شيخ الإسلام – رحمه الله - :
" وأما «الأخبار» فإنهم – أي الفلاسفة - لا يقرون بقيام الناس من قبورهم لرب العالمين؛ ولا بما وعد الله به عباده من الثواب والعقاب؛ بل ولا بما أخبرت به الرسل من الملائكة؛ بل ولا بما ذكرته من أسماء الله وصفاته؛ بل أخبارهم الذي يتبعونها اتباع المتفلسفة المشائين التابعين لأرسطو، ويريدون أن يجمعوا بين ما أخبر به الرسل وما يقوله هؤلاء، كما فعل أصحاب «رسائل إخوان الصفا» وهم على طريقة هؤلاء العبيديين، ذرية «عبيد الله بن ميمون القداح». فهل ينكر أحد ممن يعرف دين المسلمين، أو اليهود، أو النصارى: أم ما يقوله أصحاب «رسائل إخوان الصفا» مخالف للملل الثلاث وإن كان في ذلك من العلوم الرياضية، والطبيعية، وبعض المنطقية، والإلهية، وعلوم الأخلاق، والسياسة، والمنزل: ما لا ينكر؛ فإن في ذلك من مخالفة الرسل فيما أخبرت به وأمرت به، والتكذيب بكثير مما جاءت به، وتبديل شرائع الرسل كلهم بما لا يخفى على عارف بملة من الملل. فهؤلاء خارجون عن الملل الثلاث. " (95)
هذا .. و قد عقد الأستاذ أنور الجندي فصلا حول هذه الجماعة في كتابه القيم "سموم الاستشراق و المستشرقين" لا بأس أن نقتطف منه مقتطفات تهتك ستر هذه العصابة الملحدة :
" أما كتاب ( رسائل إخوان الصفا ) فهو جدير بوقفة مستأنية : ذلك أن هذا الكتاب قد خدع الكثيرين ، و حاول دعاة التغريب ، و حاول دعاة التغريب إسباغ صورة من البطولة و الكرامة على موضوعه و كاتبه ، و هم ما زالوا يرددون القول عن أهمية هذه الرسائل ، هادفين إلى تصوير الفكر الإسلامي و هو مكبل بقيود الإغريق، و سلاسل اليونان، و إن هذه الرسائل كانت عصارة هذا التأثير البالغ .
" هذا فضلا عما ارتبطت به هذه الرسائل من تلك النظريات الفلسفية بالخصومة التي حمل لواءها أعداء الإسلام من الباطنية و بقايا المجوس لهدم الإسلام من الداخل .
" إن جماعة إخوان الصفا الذين ظهروا في القرن الرابع الهجري بالبصرة، إنما هم جمعية سرية من الباطنية و المجوس و الزنادقة الحاقدين على الإسلام و اللغة العربية ، و لهم صلتهم المريبة بالحركات السرية التي كانت تعمل على تقويض المجتمع الإسلامي ، و لم يكن إخوان الصفا و هم في سبيل وضع منهجهم مخلصين للإسلام أو الدولة الإسلامية ، بل كانوا على العكس من ذلك يمهدون للقضاء عليها ، و لذلك فقد عمدوا إلى الفلسفة اليونانية و أخذوا يجمعون بين الآراء اليونانية و نظريات أفلاطون و أرسطو و أفلوطين و فيثاغورس و غيرها ، و بين العبادات الشرعية الإسلامية في دعوة باطلة ، تقول أن الشريعة قد دنست بالجهالات و لا سبيل إلى غسلها و تطهيرها إلا بالفلسفة ..
" و تشتمل هذه الرسائل على كثير من الآراء الخيالية ، بعضها متلقف من اليونان و بعضها وليد الأذهان و بعضها تراث الكهان ، كأسرار الأعداد و التنجيم و الفأل و الزجر و السحر و العزائم و الإيمان بطوابع النجوم و تأثيرها ، و موسيقى الأفلاك و نغماتها، و تشتمل كذلك على عقيدة الوحي و الإمام المستور و التقية ، و فيها إعداد النفوس و العقول لدولة جديدة ، و إخطار بانتهاء الدولة العباسية و زوالها .
" و قد أشار التوحيدي إلى أنه حملها إلى أبي سليمان المنطقي السجستاني و عرضها عليه فنظر فيها أياما و تبحرها طويلا ثم ردها إلي و قال :<< تعبوا و ما أغنوا ، و نصبوا و ما أجروا ، و حاموا و ما وردوا ، و غنّوا و ما أطربوا ، و نسجوا فهلهلوا و مشطوا ففلفلوا >> .... و قد أكد الباحثون بأن إخوان الصفا ينظرون إلى الأنبياء نظرة ملحدة فيرونهم كالحكماء ، و قد ادعوا أنهم إنما يريدون إعادة الوحدة إلى المسلم و النصراني و المجوسي و اليهودي و الأفلاطوني و المشائي و الفيثاغورسي ، هم في الأغلب يمجدون المجوسية و يجعلونها أفضل الأديان و من هنا يبدو خطرهم و إفسادهم من حيث أن الإسلام هو الدين الخاتم ، دين التوحيد الخالص المحرر من الوثنيات القائم على النص الموثق " أهـ (96)
أما مروج هذا "الهراء" فهو الضال أبو حيان التوحيدي، و هو علي بن محمد بن العباس البغدادي الصوفي ، ولد في شيراز أو نيسابور وصفه ياقوت بفيلسوف الأدباء . قال العلامة أبو الفرج بن الجوزي – رحمه الله - : " زنادقة الإسلام ثلاثة : ابن الراوندي ، وأبو حيان التوحيدي ، وأبو العلاء المعري ، وأشدهم على الإسلام أبو حيان ، لأنهما صرحا ولم يصرح . " و قال الحافظ الذهبي : " صاحب زندقة وانحلال بقي الى سنة أربعمائة قال جعفر بن يحيى الكحال قال لي أبو نصر السجزي : إنه سمع الماليني يقول : قرأت الرسالة المنسوبة إلى أبي بكر وعمر رضى الله تعالى عنهما مع أبي عبيدة الى علي رضى الله تعالى عنه على أبي حيان وقال : هذه الرسالة عملتها ردا على الرافضة وسببه أنهم كانوا يحضرون مجلس بعض الوزراء وكانوا يغلون في حال علي فعملت هذه الرسالة " .. أقام مدة في بغداد، ثم انتقل إلى الري ، صحب ابن العميد و الصاحب بن عباد، فلم يحمد ولاءهما ، و وشي به إلى الوزير المهلبي فطلبه فاستتر منه و مات في استتاره عن نيف و ثمانين عاما .. قال ابن بابي في كتاب " الخريدة والفريدة " : كان أبو حيان هذا كذابا قليل الدين والورع عن القذف والمجاهرة بالبهتان ، تعرض لأمور جسام من القدح في الشريعة والقول بالتعطيل ، ولقد وقف سيدنا الوزير الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدغله ويخفيه من سوء الاعتقاد ، فطلبه ليقتله ، فهرب ، والتجأ إلى أعدائه ، ونفق عليهم تزخرفه وإفكه ، ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته ، وما يبطنه من الإلحاد ، ويرومه في الإسلام من الفساد ، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ، ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح ، فطلبه الوزير المهلبي ، فاستتر منه ، ومات في الاستتار ، وأراح الله ، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية . " له مؤلفات كثيرة غير التي أحرقها – بنفسه – منها : المقابسات و الصداقة و الصديق و البصائر و الذخائر و مثالب الوزيرين و الإمتاع و المؤانسة و كتاب "الهوامل و الشوامل" عقّب فيه على ابن مسكويه ( كما في الموسوعة الشعرية ) و هو الكتاب الذي يمسّك به أركون ..
و الحق ؛ أن التوحيدي يعتبر بحق "موسوعة ثقافية" في عصره كما يقول جمع من الباحثين رغم التجريح المهال عليه من الأئمة الأعلام ..
يقول أحد الباحثين في دراسة له عن التوحيدي بعنوان " العلاقة بين مفهومي الإنسان والأدب عند أبي حيان التوحيدي" :
" ويمكن أن نضع ثقافة التوحيدي تحت مصطلح (الإنسيّة)، ونقصد به أن تلك الثقافة تقوم على العقل أولاً، ولكنها لا تعتبره كافياً، وتنفي أن يكون أداة المعرفة الوحيدة، وترى أن الوسيلة الأهم للوصول إلى الحقائق إنما هي النفس المتصلة بالعقل الأول المتصل بجوهره بالواحد الأحد. هذه الثقافة تنطلق في رؤية كل ما في الحياة والمجتمع والكون من جهة الإنسان، وترى أن كل ما في الكون إنما هو لخدمته في تحقيق إنسانيته. "
و أراني قد أعطيت صورة موجزة عن جناية الفلسفة على المسلمين في القرن الرابع الهجري و ما أعقبه من اختلالات و اهتزازات أحدثها أولئك المتهوكون المعتوهون .. و لله الأمر من قبل و من بعد ..
يتبع إن شاء الله
ملحوظة : فهرس المراجع و المصادر سيكون – بإذن الله – في الجزء الأخير و الله الموفق .