المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
مؤشرات تضع خطة أمن بغداد في مهب الريح
[بقلم:  (د. أكرم حجازي)]
بسم الله الرحمن الرحيم
مؤشرات تضع خطة أمن بغداد في مهب الريح

د. أكرم حجازي / كاتب وأستاذ جامعي
drakramhijazi@yahoo.com
9 / 2 / 2008


كل من تابع وقائع الحدث السياسي والعسكري في العراق خلال الشهرين الماضيين يدرك بالقطع أن كفة الجهاد آخذة في التصاعد على حساب القوى المناهضة للمشروع الجهادي سواء المحتلة منها أو المحلية. بل أن المعادلة تبدو وكأنها رياضية بامتياز، فكلما تناسبت الوقائع والأحداث طرديا مع المشروع الجهادي كلما لوحظ هناك تناسب عكسي على جبهات الخصوم. ومثل هذا الأمر واقع في إطار (1) الجماعات الجهادية و (2) قوى العملية السياسية و (3) قوات الاحتلال و (4) الصحوات وحتى (5) عودة آلة القتل إلى رحاب الأسواق العامة. وإن صح هذا، واستمر الاضطراد من نصيب المشروع الجهادي فما من معنى إلا التسليم بأن خطة أمن بغداد شارفت على الفشل. فأين الحقيقة، إذن، فيما يقال عن قرب هزيمة القاعدة؟

لا شك أن مشروع الصحوات كان أقوى ضربة تلقاها المشروع الجهادي وهو في أوج قوته، ولا شك أن المشروع ما كان له أن ينجح بالجهود الأمريكية وحدها لولا أن شاركت به بفعالية مجموعات من القوى الجهادية ذاتها وبغطاء سياسي من تنظيماتها ذاتها، الأمر الذي جعل من الصحوات تبدو وكأنها مشروعا اجتماعيا صارت له شعبية وهو يتمتع بشرعية وطنية وجهادية وحتى شرعية (1) كلما حظي القتلى من رؤوسه وعناصره بفتاوى جعلت منهم "الشهداء الأبطال" أو سارت مواكب المشيعين بالجنازات وحضرت بيوت العزاء الحاشدة والمدافن التي لم تفلت من ضربات المجاهدين، و (2) كلما رحبت "مضايف الأنبار" بالمحررين الجدد وهم يراقصون الجنود الأمريكيين على هدير الطبل والزمر ويقدمون لهم الولائم الدسمة.

وفي خضم الصعود الصاروخي لمشروع الصحوات كانت الجماعات الجهادية تدخل مأزقا حقيقيا وهي تفقد سلطتها على مناطق لطالما أثخنت في الأمريكيين وأوقعت بهم خسائر في الأرواح والمعدات وشكلت ملاذات آمنة وحواضن اجتماعية، فانقلب الأمر راسا على عقب ليشارك بعضها (الجماعات) في المشروع وينكفئ آخرون ما توانوا عن اعتبارها مشروعا أمريكيا منذ اللحظة الأولى فيما لاذ طرف ثالث بالحياد ورابع بالتبرير لظهورها دون أن يسلم من الاتهامات بالضلوع في تشكيلها، وهكذا تراجع المشروع الجهادي حتى أصبح في خطر شديد وهو يواجه تنوع وتعدد جبهات الأعداء وولادة المزيد منها.

غير أن حربا أسطورية ضارية وبلا رحمة دارت، منذ اللحظة الأولى، بين الصحوات ودولة العراق الإسلامية وأنصار الإسلام وعصائب العراق وغيرها من المجاميع السلفية استهدفت الرؤوس والتجمعات والمقرات والسيطرات الأمنية والفنادق والمهرجانات والطرقات والأحياء والقرى، وتحولت استراتيجيات الجماعات الجهادية، بسرعة البرق، من مواجهات عسكرية وزرع للعبوات وهجمات على القوات الأمريكية إلى هجمات استخبارية مركزة وذات طابع استئصالي ضربت عصب قيادات الصحوة في الصميم وألحقت بها خسائر فادحة لتبلغ ذروتها في الإعلان عن تشكيل "فيلق الصديق" ثم "كتائب الصولة" التي جرى تشكيلها مؤخرا من الدولة والأنصار والعصائب لملاحقة قوى "الرِّدَّة".

والأكيد أن الصحوات أُنهكت وتعرضت لأذى بالغ من هذه الحرب التي خاضتها لدوافع شتى ليس من بينها أية دوافع وطنية ناهيك أن تكون دينية. وعلى العكس من ذلك فقد ظهر جليا أن الجماعات الجهادية أخذت تستقوي وتخرج عن صمتها مطالبة بلا مواربة ليس فقط بغسل "عار العشيرة" بل وضد الصحوات ومن يعين المحتل أو يشاركه بأذى المجاهدين كما فعل جيش المجاهدين الذي اعتبر أن "إعانة الأمريكان لقتال القاعدة ولو بكلمة }هو{ كفر بواح وردّة وخروج عن الإسلام لا ينفع معه صلاة ولا صيام ولا جهاد"، وكذا فعل الناطق باسم جيش أبي بكر الصديق الذي أسف على بعض الجماعات تهاونها في "التعامل مع المرتدين" ليغلظ في القَسَم قائلا: "لن تنهض الأمة الإسلامية ولن يعود عز الإسلام والمسلمين إلا إذا قتلنا هؤلاء المرتدين بدم بارد وبضمير مستريح"، وعمليا فالصحوات لم تفلت من إدانة القوى الجهادية لها كالكتائب وجيش الراشدين وغيرهم من القوى المنضوية في إطار جبهة الجهاد والتغيير. وحتى هيئة علماء المسلمين، فالكل أدرك أن نجاح مشروع الصحوات سيؤدي في المشروع الجهاد إلى الهاوية ولن تكون البلاد بمنآى عن الكوارث المنتظرة إذا ما حققت الولايات المتحدة نجاحا يذكر في هذا الإطار. ولا شك أن تصريحات الشيخ حارث الضاري التي رأت في القاعدة جزء من النسيج الاجتماعي العراقي "هم منا ونحن منهم" قد وضعت حدا للجدل حول هوية القاعدة كتنظيم وافد بالرغم من أن الضاري واجه انتقادات من مشايخ الجزيرة في مواضع كثيرة من بينها استخدامه لتعبير "المقاومة الشريفة" و "غير الشريفة".

أما الجيش الإسلامي الذي طالما برر ظهور الصحوات بأخطاء القاعدة ممتنعا عن إدانتها، فقد اشترك مع أنصار السنة وجيش الراشدين (29/9/2007) في بيان وصفوا فيه "من يسمون أنفسهم بـ (ثوار الأعظمية وفرسان الرافدين) وهم في حقيقة الأمر (غدار الأعظمية وخونة الرافدين)، إلا أن البيان صدر باسم"الفصائل المجاهدة في الأعظمية"، إذ في وقت لاحق (9/12/2007) عاد د. علي النعيمي الناطق الإعلامي للجيش الإسلامي في العراق في أجوبة اللقاء المفتوح، ليكرر الموقف التقليدي الذي يعلق ظهور الصحوات على مشجب أخطاء القاعدة. لكن الجيش الذي يصعب ملاحظة ثباته على موقف إلا من عدائه للقاعدة عاد مرة أخرى وأصدر بيانا باسم "الجيش الإسلامي في العراق – 20/1/2008" وليس باسم الناطق الرسمي أو المتحدث الرسمي كما هو معتاد، ردا على مقابلة قناة العربية لأحد قادته السابقين أبي عزام التميمي اعتبر فيه الصحوات، للمرة الأولى، مشروعا أمريكيا.

ولا ريب أن سياسة الجيش ومراهناته السياسية وتحالفاته ألحقت به ضررا فادحا، ومع ذلك فقد لاحظنا منذ فترة انكفاء د. إبراهيم الشمري و د. علي النعيمي عن التصريحات الإعلامية عامة وتلك النارية فيما يتعلق بالموقف من القاعدة أو دولة العراق الإسلامية، ولم نعد نلحظ أي اتهامات للقاعدة بممارسة القتل والاعتداء على الممتلكات، بل على العكس من ذلك، فقد لاحظنا أن بيانات الجيش حول تفجيرات الأسواق وحي الزنجيلي في الموصل خلت من الغمز واللمز بالقاعدة، وتوجهت، كما الجماعات الأخرى، نحو إدانة واضحة للحكومة والجماعات الصفوية التي حملها مسؤولية التفجيرات، أما إن كان لهذه التطورات في الخطاب السياسي للجيش علاقة بما ذكره أحد المراقبين من وجود خلافات حادة بين قيادة الجيش في دمشق التي ترفض مقاتلة القاعدة أو الدخول في الصحوات وتلك الكائنة في الداخل ممن تعتبر نفسها في وضع "دفع الصائل" فهذا مما لم تثبت صحته بعد خاصة وأن الصورة الظاهرة عنه تكاد تكون معكوسة تماما.

ومن جهتها قال العميد أبو بصير الناطق العسكري باسم "جامع" في حوار أجرته معه صحيفة السبيل الأردنية (8/1/2008) أن: " مجالس الصحوة ... تشكلت من العشائر العربية لتحقيق الأمن وخدمة الناس ويجب أن لا تخرج عن هذا الهدف. ونحن لا نتصادم مع أي جهة همها خدمة الناس ورعاية مصالحهم، ولم نقف موقف المعادي من أي تشكيل يريد خدمة الناس ونابع من قناعتهم بشرط أن لا يخدم المحتل وأن لا يتعاون معه على تحقيق ما يسعى إليه من أهداف"، وذات الموقف عبر عنه الناطق الرسمي بها الدكتور سيف الدين محمود (وكالة قدس برس – 3/1/2008)، ولا ندري أية خدمات تقدمها الصحوات للناس؟ ولا عن أية مصالح يجري الحديث؟ أما حماس العراق التي نفت أن يكون عدي البهرزاوي الذي يتعامل مع الأمريكيين باسم الكتائب منتميا لها كما تقول الكتائب، فقد عادت وصمتت بعد البيان المفصل للكتائب واكتفت بالمطالبة بـ "لجنة تحقيق محايدة" وهي التي كانت تهدد بـ "ثورة الحليم إذا غضب".

ومن جهتها ظلت مواقف جبهة التوافق تتأرجح بين الانسحاب من الحكومة والعودة إليها، وبعد أن استنفذت من أية فائدة تذكر للمشروع الأمريكي كما يقول بيان أنصار الإسلام سارع طارق الهاشمي إلى كردستان العراق ليبحث عن حلفاء جدد ويعقد معهم اتفاقيات سلّم بموجبها أجزاء من مدينة الموصل لجلال الطالباني ومسعود البارازاني ومنحهم امتيازات لم يسبق لزعيم سني أن تجرأ على التفريط بها.

كل هذه المعطيات تدفعنا إلى القول مبدئيا أن مشروع الصحوات ربما يكون في وضع حرج للغاية أو أكثر قليلا، فحتى اللحظة أمكن لكاتب المقالة إحصاء نحو 160 هجوما على الصحوات أسفرت عن مقتل المئات وجرحت أعدادا كبيرة من بينهم. لكن تبقى أفضل المؤشرات على تراجع سطوتهم أبلغ من أي تحليل سياسي، وفي هذا الصدد نشير إلى الملاحظات التالية:

• عدا عن التصريحات الحكومية التي أشارت إلى مقتل نحو مائة من رجال الصحوات فقط خلال شهر كانون الثاني / ديسمبر، فضلا عن بيان جبهة التوافق (52 – 8/1/2008) الذي "انتابه القلق من عودة مظاهر العنف في عموم العراق ومن استهداف جماعات الصحوة"، فإن ما تتناقله وسائل الإعلام الأمريكية من تصريحات على لسان القادة العسكريين أو السياسيين تنذر بخطر كبير يهدد خطة أمن بغداد، فقد حذرت صحيفة النيويورك تايمز في تقرير نشرته مطلع الشهر الجاري من أن الهجمات التي وصفتها بـ "الخطيرة" على أعضاء مجالس الصحوة المتحالفين مع الولايات المتحدة في العراق " تهدد استراتيجية الجيش الأمريكي واستتباب الأمن في العراق".

ومع ذلك فمشكلة الصحوات ليست بفعل ضربات الجماعات الجهادية فحسب، فهي: (1) واقعة تحت رحمة الطائرات الأمريكية التي تفتك برجالها في كل مرة مصحوبة بالقصف الخطأ كتبرير وحيد تقدمه القوات الأمريكية كلما حصدت رؤوس العشرات منهم، و (2) ليست بمنآى عن التحقير الحكومي لها ورفض تسليحها أو ضمها إلى الجيش والشرطة خشية انقلابها على الشيعة أو إخلالها بالتوازن الطائفي و (3) تضطر للدخول في اشتباكات مع عناصر الشرطة الحكومية بين الحين والحين على خلفية الصلاحيات و (4) تتعرض لابتزاز مالي إما بتأخير رواتب عناصرها أو بتقليصها إلى أدنى الحدود و (5) بالتمييز بين مكوناتها ودوافع نشأتها عبر الترويج لصحوة شريفة وأخرى غير شريفة على شاكلة التمييز بين صفوف الجماعات الجهادية. ولأن أحدا من مشايخها لم يكن في يوم ما شيخ عشيرة أصيلة فضلا عن اتهامهم بالعملاء والخونة واللصوص فقد بدا الأمر، كلما تراجع نفوذها، وكأنه غنيمة لهؤلاء ما عليهم إلا اقتناص الفرصة لنهب ما يمكن نهبه قبل أن ينفرط العقد بكامله.

• الحقيقة تؤكد أن الكثير من القوى ووسائل الإعلام وبعض المحللين راهنوا على أفول نجم السلفية الجهادية في العراق مبشرين بـ "هزيمة تنظيم القاعدة " في بضع شهور. لكن ما شهدناه منذ شهرين هو عودة العمليات العسكرية الكبرى ضد القوات الأمريكية وسط نشاط إعلامي مكثف لأغلب الجماعات بشكل أعاد إلى الذاكرة السنوات الذهبية للجماعات الجهادية وهي تتربص بالقوات الأمريكية وطائراتها وآلياتها المدرعة وكاسحات ألغامها في المدن والصحاري والبساتين وجوانب الطرق، مُحِيلة إياها إلى حطام متراكم وأشلاء متطايرة في الهواء. وفقط، شهدنا في الأسابيع الماضية سلسلة من هذه العمليات التي تستهدف مجموعات من الجنود الأمريكيين في مختلف مناطق العراق، بدء من الأنبار وبغداد وانتهاء بديالى والموصل وصلاح الدين وتكريت.

وكنا قد أشرنا إلى سلسلة من التصريحات الأمريكية حول نمط القتال الذي تواجهه القوات الأمريكية غداة انطلاق عملية "السهم الخارق" التي شنتها هذه القوات على محافظة ديالى وانتهت بإعلانها الانسحاب منها، هذه التصريحات والبيانات العسكرية احتفظت على الدوام بألفاظ من نوع "القتال حتى الموت" و "إننا نواجه عدوا عنيدا يرفض الاستسلام" و "العدو خطير جدا" و "القاعدة هي أخطر عدو نواجهه" فضلا عن صدور ذات التصريحات من العسكريين الحكوميين. أما آخرها فهي تلك التي وردت على لسان السفير الأمريكي لدى العراق رايان كروكر الذي أكد لصحيفة الحياة (2/2/2008) أن: "تنظيم القاعدة وجد طرقا جديدة لزعزعة الوضع، وأنها تعيد نشاطها بسرعة وتصميم"، مشيرا أن "القاعدة تضررت نتيجة العمليات العسكرية ضدها لكنها تعيد نشاطها بسرعة وبتصميم". لكن ما هو جدير بالملاحظة أن القوات الأمريكية لم تعد تتلق الضربات فقط من التيار السلفي الجهادي الذي بدا مصمما أكثر من غيره على المواجهة بل ومن الجماعات الجهادية الأخرى، الأمر الذي ولّد شعورا متناميا بأن المشروع الجهادي برمته بدأ يتعافى ويستعيد بعض توازنه.

وفي تطور آخر لنمط المواجهات يبدو أنه يَجُبّ ما قبله فيما يتعلق باستراتيجيات التعامل مع الصحوات ورجال الشرطة، لوحظ نوع من التحول في خطاب الجماعات الجهادية من حيث فتح باب "التوبة" لها ودعوتها إلى مغادرة عملها والعودة عن الطريق الذي تسلكه، وكان أبرز حدث على هذا الصعيد إصدار مؤسسة الفرقان لشريط مرئي يتحدث عن "توبة" اثنين من قادة الشرطة أحدهما هو العقيد إياد إسماعيل محيميد نائب مدير شرطة ديالى والثاني هو المقدم حميد هادي حميد بالإضافة إلى القيام بعمليات اختطاف لعناصر الشرطة وتهديدهم بالانسحاب من أعمالهم قبل الإفراج عنهم في وقائع غير مسبوقة كانت حتى وقت قريب تنتهي بطلقة في الرأس.

• من الواضح أن مشروع استمالة بعض الجماعات الجهادية للدخول في العملية السياسية فشل فشلا ذريعا بدليل التحول في لغة الخطاب من لغة التبرير للصحوات إلى لغة الإدانة وغيرها، ومن الحياد إلى المبادرة والدعوة إلى محاربتها، ومن لغة المبادرات الفردية إلى لغة الهجمات والتنسيق العسكري المشترك في الميدان بين بعض القوى الجهادية، ومن استهداف الرؤوس إلى استهداف التجمعات والمقرات، ومن لغة الأولويات العاجلة إلى لغة الجهاد على كافة الجبهات، ولعل هذه التحولات هي ما دفع السفير الأمريكي إلى استعمال عبارات "السرعة" و "التصميم" لوصف نشاطات الجماعات الجهادية وليس دولة العراق الإسلامية وحدها رغم تحملها العبء الأكبر في المواجهة.
هكذا تبدو الاستراتيجيات الأمريكية في خطر كلما بدا أن الخسائر في الأرواح تطال الجنود والعتاد مثلما تطال الصحوات. وبات في حكم المؤكد أن نشهد خلال الشهور القادمة ارتفاعا في عدد القتلى الأمريكيين إذا ما استمرت وتيرة المواجهات على النحو الراهن. فثمة مؤشرات أخرى على "بشائر الجهاد" واقعة في الجانب المظلم خاصة وهي تكشف عن أن خطة أمن بغداد ربما تكون وصلت إلى طريق مسدود أو أنها باتت فعلا في مهب الريح نذكر منها على الخصوص:

1) استئناف التفجيرات العشوائية في الأسواق والأماكن العامة بصورة تنبئ بجلاء عن عودة نشاط فرق الموت إلى سابق عهدها، وليس تفجيري أسواق بغداد وحي الزنجيلي إلا البداية. وفي ذات السياق يشار إلى عودة النشاط الدموي لجيش المهدي بعد تجميده في شهر آب / أغسطس بطلب أمريكي في أعقاب الاتفاق على خطة أمن بغداد وإغراء بعض الجماعات الجهادية في الدخول بالعملية السياسية مقابل إطلاق سراح بعض المعتقلين وكف يد الرافضة عن أهل السنة. وقد تم الكشف مؤخرا عن جثث لعائلات سنية قتلت بعد جولات تعذيب تعرضت لها قيل أن جيش المهدي نفذها.

2) استخدام قاذفات استراتيجية من نوع B1 و B2 لقصف عرب الجبور أكثر من مرة وتدمير للبيئة وقتل عشوائي للسكان بحجة تطهير المنطقة استعدادا لدخول قوات صديقة إليها، وكان من الممكن أن تقوم بالمهمة طائرات حربية أو سمتية إلا أن استخدام طائرات استراتيجية قادمة من خارج العراق وقنابل زنة 20 طن لهي رسالة تؤذِن بانتهاء مرحلة من المواجهة وبداية أخرى، مع أننا نرى أن استخدام قاذفات عملاقة لمهمة من هذا النوع لهي أكثر من رسالة خاصة وأن القصف ترافق مع زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للمنطقة حاملا معه مشروع حرب على إيران. فمن أين انطلقت الطائرات؟ ولماذا استعملت قنابل ذات موجات انفجارية واسعة النطاق؟ ومن هي الجهة المستهدفة حقيقة؟ هذه الأسئلة وغيرها الكثير لم تجد لها بعْد إجابات مقنعة.

3) الإعلان عن حملة عسكرية واسعة النطاق على مدينة الموصل ثاني أكبر المدن العراقية، وكان لافتا للانتباه مسألتين في الإعداد للحملة، أولاهما: الإعلان الأمريكي بعدم المشاركة في الحملة بشكل مباشر. فالمدينة يسكنها نحو ثلاثة ملايين ساكن، وتعج بالزقاق وبالتالي من المستحيل تنفيذ سيناريو الفلوجة عبر إخلائها من السكان وتدميرها، مما يعني أن حرب عصابات ضارية تنتظر المهاجمين نحسب أن جيشا كلاسيكيا لن يقوَ على خوضها بالنظر لحجم الخسائر المتوقعة، وثانيهما: أن الموصل من المدن التي رفضت عشائرها تشكيل الصحوات بها؛ ولأنها ذات بغض تاريخي للروافض فقد حشدت القوات المهاجمة فيلق بدر لخوض المعركة فيها ضد دولة العراق الإسلامية وأنصار الإسلام التي لها الحضور الطاغي في المدينة مما يُظهر أن الحرب المنتظرة ذات دوافع طائفية ثارا من أهل السنة أكثر منها دوافع أمنية أو سياسية.

واخيرا فالقول الفصل فيما إذا كان المشروع الجهادي يتقدم أو يتأخر يكمن في رؤية الجماعات الجهادية وتقييمها لتجاربها السابقة خاصة فيما يتعلق بتجاوز الأخطاء الكارثية التي وقعت وأدت إلى انحراف في مؤشر البوصلة الجهادية عن الهدف مما سمح بهامش خطير جدا تمثل في الصحوات من جهة وفي المراهنات السياسية من جهة أخرى. فهل ستتعظ الجماعات الجهادية من مرارة التجربة وتنجو وينجو معها المشروع الجهادي؟ أم ستتعرض لمزيد من الاختراقات فتسقط ويسقط معها المشروع ويصبح العراق والأمة في مهب الريح؟ حتى الآن كل المؤشرات تصب في صالح المشروع الجهادي، لكن من يدري عما تخبئه الأيام القادمة؟