|
|
غزو مـن الداخـل
5 / 8 |
| [بقلم: ( محمد طيايبة )] |
|
| بسم الله الرحمن
الرحيم |
بـسم الله
الرحمن الرحيم
غزو مـن الداخـل
5 / 8
بقلم : محمد طيايبة
و قل مثل ذلك في "الأدب" ..
فلم يسلم "الأدب" من التضعضع و الاختلال ..
و لماذا يسلم "الأدب" من الضعف ؟ .. هل على رأسه ريشة ؟ ..
حقا .. لقد شهد هذا العصر ازدهار أشكال أدبية عديدة استحدثت كالأدب
الشعبي و الفن القصصي و فن المقامات و النثر الفكاهي و أدب الرسائل
.. الخ
و تنوعت أغراض الشعر – بصفة خاصة – كالفخر و المدح و الغزل و
الرثاء و الوصف و الشكوى و الوعظ .. الخ
و قامت سوق النقد ، و اشتدت المعارك بين المحافظين و المجددين ..
الخ
و لكن السؤال الجوهري هو : و ماذا عن المضمون أو الفكرة ؟.
ذلك هو السؤال الذي ينبغي طرحه ..
يقول الأستاذ محمد صالح عبد القادر :
" ورجع الأدباء إلى تراثنا فوجدوا فيه القصور والجمود على حد زعمهم
وحاولوا أن يجددوا ويبعثوا فيه الحركة والحياة، فماذا فعلوا ؟.
الحقيقة أنهم لجأوا إلى بعث قسم كبير منه بدراسات عميقة متواصلة
على أصول من البحث الحكيم والمناهج العلمية الصحيحة ولكن ما هي
الغاية من هذا البعث؟ وقبل أن نجيب على هذا السؤال نقول : ماذا درس
الأدباء والمفكرون؟ وأي نوع من الأدب استأثر باهتمامهم؟.
لقد رجع الدارس الحديث إلى أدبنا العربي القديم فهاله هذا التراث
الكبير من الشعر والنثر بشتى أشكاله. وصوره فحاول أن ينظمه ويصل ما
بينه من فجوات ويشيع في ثناياه مفاهيم النقد الحديث فعاد إلى الأدب
الجاهلي وخاصة الشعر منه وإلى الأدب الإسلامي وخاصة ما يتعلق
بالفنون التي تخضع للمقاييس الجمالية فصب عليها اهتمامه وجهده.
ولكن ماذا كانت النتيجة؟ وماذا أهملنا بهذه الدراسة؟ لقد التفتنا
إلى الشعر الذي يتغنى بالعواطف والسياسة والعصبية وتركنا ذلك
الجانب الذي يتصل بالفكر والروح والذي كان أساس حضارتنا."
و يقول أيضا :
" بماذا تكون قيمة الأدب، وبصورة أخرى ما هو مقياسنا في تقييم
الأدب وتقديره، الشكل أم الفكرة، أم كلاهما معاً، وبماذا يحصل
التأثير؟؟.
لا شك أن للشكل قيمته الأصلية في هذا الموضوع فقد كان القرآن ذروة
البيان العربي والحديث معجزة الأساليب فإذا كان للشكل هذه القيمة،
فإلى أي حد يلعب دور الفكرة والمضمون الذي يحمله هذا الشكل، وإلى
أي حد يجب أن يكون الإيمان قوياً بهذه الأفكار المنطلقة من الفن
الكلامي.
تكلم الناس على مر العصور بعديد من ألوان الفن التعبيري فلجأ أناس
إلى القصة وأناس إلى الشعر وإلى غير هذا من الفنون. وأنا لم أضع
هذه الدراسة لأقول للناس اهجروا القصة والشعر والرواية. لا، إن
الرجل العاقل لا يفعل ذلك، بل إنما يقول حولوا هذه الأشكال الجوفاء
إلى خدم لأفكاركم .. إن اللغة أداة الفكرة ووسيلة العقيدة، وما
وصلنا إلى ما وصلنا إليه إلا في الوقت الذي جعلنا فيه الأدب غاية
في ذاته. فالإسلام الشامل الكامل هو أول من سخر اللغة للأغراض
العقائدية والقرآن نفسه نهج هذا النهج وكذلك فعل الرسول صلى الله
عليه وسلم وكل أولئك الأفذاذ والعباقرة من رجال الفكر والبيان في
الإسلام . " (97)
لقد أحدث الإسلام نقلة هائلة في المفاهيم و التصورات التي كانت
سائدة في الجاهلية ؛ نقلة كان لها أبعد الأثر في الأداء الفني بصفة
عامة و في فن القول بصفة خاصة ، و منه الأدب – شعرا و نثرا – "
فإذا كانت الفنون الجميلة كثيرة فالأدب أوسعها نطاقا، له مثلث لا
يمكن أن يحيد عنه : جمال التعبير، التعميق في فقه الحياة، خلق
المتعة و الفائدة . و هو يجمع عدة فنون في صميمه فله التصوير، و له
الوقع الموسيقي ، و له الحركة الموحية ، و له النحت و الرصف و
الصناعة . أما أداته فهي الألفاظ ، تلك المبهمات التي تتجمع لتخلق
المعجزة . فإذا كان للرسام خطوطه ، و للنحات إزميله ، فللأديب تلك
الأبجدية التي تجسد الجمال .. " (98)
و عليه ؛ فالإسلام لا يعارض الأدب، و لا يقف منه موقف الخصم و
الند، و لا يتخل عن مجال من مجالاته الكثيرة ، إلا في حدود التزامه
بالحق و النزاهة، و نفيه الانحراف و العدوان، و به يتعين المفهوم
الإسلامي للأدب ، و من ثم يخرج الأدب الإسلامي عن باقي النظريات
الأدبية في تصوره لمفهوم الأدب – كتعبير فني جميل عن الإنسان و
الكون و الحياة – إلى مفهوم ملتزم يقع داخل الوحي الرباني ؛ و
التزام الأديب فيه يأتي عفوي لأنه ينبع من التزامه بعقيدته التي
تمده بالإجابة الصحيحة على سائر التساؤلات التي حيرت البشرية في
غيبة الوحي ، و تنسجم مع الفطرة السوية، و بالتالي تحميه من مغبة
التيه في كل واد، أو الجنوح إلى الغواية و العبثية و اللاجدوى .. و
إلى هذا تشير الآية الكريمة من سورة الشعراء .. قال تعالى : { و
الشعراء يتّبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * و أنهم
يقولون ما لا يفعلون * إلا الذين آمنوا و عملوا الصالحات و ذكروا
الله كثيرا و انتصروا من بعد ما ظلموا و سيعلم الذين ظلموا أيّ
منقلب ينقلبون } الشعراء 227 .
يقول شيخ المفسرين محمد بن جرير الطبري – رحمه الله - :
" حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قول
الله : " والشعراء يتبعهم الغاوون " قال : الغاوون المشركون .
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال فيه ما قال
الله جل ثناؤه : إن شعراء المشركين يتبعهم غواة الناس ، ومردة
الشياطين ، وعصاة الجن ، وذلك أن الله عم بقوله : " والشعراء
يتبعهم الغاوون " فلم يخصص بذلك بعض الغواة دون بعض ، فذلك على
جميع أصناف الغواة التي دخلت في عموم الآية .
قوله : " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون " يقول تعالى ذكره : ألم تر
يا محمد أنهم ، يعني الشعراء ، في كل واد يذهبون ، كالهائم على
وجهه على غير قصد ، بل جائرا على الحق ، وطريق الرشاد ، وقصد
السبيل . وإنما هذا مثل ضربه الله لهم في افتنانهم في الوجوه التي
يفتنون فيها بغير حق ، فيمدحون بالباطل قوما ويهجون آخرين كذلك
بالكذب والزور .
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثني علي، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي ، عن
ابن عباس " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون " يقول : في كل لغو
يخوضون .
حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ،
وحدثني الحارث ، قال : ثنا الحسن قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن
أبي نجيح ، عن مجاهد " في كل واد يهيمون " قال : في كل فن يفتنون .
حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ،
عن مجاهد قوله: " ألم تر أنهم في كل واد يهيمون " قال : في "
يهيمون " قال : يقولون .
حدثنا الحسن ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر ، عن
قتادة ، في قوله " في كل واد يهيمون " قال : يمدحون قوما بباطل،
ويشتمون قوما بباطل .
وقوله : " وأنهم يقولون ما لا يفعلون " يقول : وأن أكثر قولهم باطل
وكذب . كما حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال : ثني معاوية ،
عن علي ، عن ابن عباس " وأنهم يقولون ما لا يفعلون " يقول : أكثر
قولهم يكذبون . وعنى بذلك شعراء المشركين . كما حدثني يونس ، قال :
أخبرنا ابن وهب ، قال : قال عبد الرحمن بن زيد : قال رجل لأبي : يا
أبا أسامة ، أرأيت قول الله جل ثناؤه : { والشعراء يتبعهم الغاوون
* ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون }
فقال له أبي : إنما هذا لشعراء المشركين ، وليس شعراء المؤمنين ،
ألا ترى أنه يقول : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات "... الخ .
فقال : فرجت عني يا أبا أسامة ، فرج الله عنك .
وقوله : { إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات } وهذا استثناء من قوله
: " والشعراء يتبعهم الغاوون " " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
" . وذكر أن هذا الاستثناء نزل في شعراء رسول الله صلى الله عليه
وسلم ، كحسان بن ثابت ، وكعب بن مالك ، ثم هو لكل من كان بالصفة
التي وصفه الله بها .
وبالذي قلنا في ذلك جاءت الأخبار.
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة و علي بن مجاهد ، و إبراهيم بن
المختار ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي
الحسن سالم البراد مولى تميم الداري ، قال : لما نزلت " والشعراء
يتبعهم الغاوون " قال : جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب
بن مالك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم يبكون ، فقالوا :
قد علم الله حين أنزل هذه الآية أنا شعراء ، فتلا النبي صلى الله
عليه وسلم : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا
وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " .
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، قال : ثنا محمد بن إسحاق ، عن
بعض أصحابه ، عن عطاء بن يسار ، قال : نزلت " والشعراء يتبعهم
الغاوون " إلى آخر السورة في حسان بن ثابت ، وعبد الله بن رواحة
وكعب بن مالك .
قال : ثنا يحيى بن واضح ، عن الحسين ، عن يزيد ، عن عكرمة و طاووس
، قالا : قال : " والشعراء يتّبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل
واد يهيمون * وأنهم يقولون ما لا يفعلون " ، فنسخ من ذلك واستثنى ،
قال : " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات " ... الآية .. حدثني علي
، قال : ثنا أبو صالح ، قال ، قال : ثني معاوية، عن علي، عن ابن
عباس ، قال : ثم استثنى المؤمنين منهم ، يعني الشعراء ، فقال: "
إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ".
حدثنا الحسن قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا معمر، عن
قتادة " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا
وانتصروا من بعد ما ظلموا " قال : هم الأنصار الذين هاجروا مع رسول
الله صلى الله عليه وسلم .
وقوله { وذكروا الله كثيرا} اختلف أهل التأويل في حال الذكر الذي
وصف الله به هؤلاء المستثنين من الشعراء ، فقال بعضهم : هي حال
منطقهم و محاورتهم الناس ، قالوا : معنى الكلام : وذكروا الله
كثيرا في كلامهم .
ذكر من قال ذلك : حدثني علي ، قال : ثنا أبو صالح ، قال :ثني
معاوية ، عن علي ، عن ابن عباس " إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات
وذكروا الله كثيرا " في كلامهم . وقال آخرون : بل ذلك في شعرهم .
ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال
ابن زيد ، في قوله : " وذكروا الله كثيرا " قال : ذكروا الله في
شعرهم ..
قال أبو جعفر : وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال : إن الله
وصف هؤلاء الذين استثناهم من شعراء المؤمنين بذكر الله كثيرا، ولم
يخص ذكرهم الله على حال دون حال في كتابه ، ولا على لسان رسوله
فصفتهم أنهم يذكرون الله كثيرا في كل أحوالهم .
وقوله : { وانتصروا من بعد ما ظلموا } يقول : وانتصروا ممن هجاهم
من شعراء المشركين ظلما بشعرهم وهجائهم إياهم ، وإجابتهم عما هجوهم
به . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل : ذكر من قال ذلك :
حدثني علي ، قال : ثنا عبد الله ، قال : ثني معاوية، عن علي، عن
ابن عباس " وانتصروا من بعد ما ظلموا " قال : يردون على الكفار
الذين كانوا يهجون المؤمنين . حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب ،
قال : قال ابن زيد، في قوله : " وانتصروا " من المشركين " من بعد
ما ظلموا " . وقيل : عني بذلك كله الرهط الذين ذكرت . ذكر من قال
ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا علي بن مجاهد وإبراهيم بن المختار، عن
ابن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي الحسن سالم بن
البراد مولى تميم الداري، قال : لما نزلت " والشعراء يتبعهم
الغاوون "جاء حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة وكعب بن مالك إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وهم يبكون ، فقالوا قد علم الله حين أنزل
هذه الآية أنا شعراء، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم " إلا الذين
آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا
" .
حدثني محمد بن عمرو ، قال :ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى ، وحدثني
الحارث ، قل : ثنا الحسن . قال : ثنا ورقاء جميعا ، عن ابن أبي
نجيح ،عن مجاهد ، قوله " وانتصروا من بعد ما ظلموا " قال عبد الله
بن رواحة وأصحابه .
حدثنا القاسم، قال : ثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج ، عن
مجاهد " وانتصروا من بعد ما ظلموا " قال : عبد الله بن رواحة .
وقوله : " وسيعلم الذين ظلموا " يقول تعالى ذكره : وسيعلم الذين
ظلموا أنفسهم بشركهم بالله من أهل مكة " أي منقلب ينقلبون " يقول :
أي مرجع يرجعون إليه ، وأي معاد يعودون إليه بعد مماتهم ، فإنهم
يصيرون إلى نار لا يطفأ سعيرها ، ولا يسكن لهبها .
وبنحو الذي قلنا في ذلك ، قال أهل التأويل :
ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، وعلي بن مجاهد ، و إبراهيم بن
المختار ، عن ابن إسحاق ، عن يزيد بن عبد الله بن قسيط ، عن أبي
الحسن سالم البراد مولى تميم الداري " وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون " يعني : أهل مكة .
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد ، في قوله :
" وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون " قال : وسيعلم الذين ظلموا
من المشركين أي منقلب ينقلبون ." أهـ كلام الطبري .
و نحن بدورنا نقول كما قال الرجل لأبي أسامة ( لعله زيد بن أسلم )
: فرّجت عني يا أبا أسامة . قلت : نقول : فرّجت عنا يا أبا جعفر ..
طيّب الله ثراك .
إذن .. يتضح من تفسير الإمام الطبري أن الذم لا يطال الشعراء على
إطلاقهم ، و أن اللعنة لا تطلق على الشعر كشعر ، فقد استثنت الآيات
فئة من الشعراء و أخرجتهم من دائرة الذم .. و لذلك قال الإمام
القرطبي – رحمه الله - :
" قوله تعالى : " والشعراء يتبعهم الغاوون " فيه خمس مسائل :
الأولى : قوله تعالى : (والشعراء) جمع شاعر مثل جاهل وجهلاء، قال
ابن عباس : هم الكفار ( يتبعهم ) ضلال الجن والإنس ، . وقيل (
الغاوون ) الزائلون عن الحق ، ودل بهذا أن الشعراء أيضاً غاوون ،
لأنهم لو لم يكونوا غاوين ما كان أتباعهم كذلك . وقد قدمنا في سورة
( النور ) أن من الشعر ما يجوز إنشاده ، ويكره ، ويحرم . و روى
مسلم من حديث عمرو بن الشريد عن أبيه قال : " ردفت رسول الله صلى
الله عليه وسلم يوماً فقال : معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء "
قلت : نعم . قال : ( هيه ) فأنشدته بيتاً . فقال : ( هيه ) ثم
أنشدته بيتاً . فقال : ( هيه ) حتى أنشدته مائة بيت . هكذا صواب
هذا السند وصحيح روايته . وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم : عن عمرو
بن الشريد عن الشريد أبيه ، وهو وهم ، لأن الشريد هو الذي أردفه
رسول الله صلى الله عليه وسلم . واسم أبي الشريد سويد . وفي هذا
دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها إذا تضمنت الحكم والمعاني
المستحسنة شرعاً وطبعاً ، وإنما أستكثر النبي صلى الله عليه وسلم
من شعر أمية ، لأنه كان حكيماً ، ألا ترى قوله عليه سلام : " وكاد
أمية بن أبي الصلت أن يسلم " فأما ما تضمن ذكر الله وحمده والثناء
عليه فذلك مندوب إليه ، كقول القائل :
الحمد لله العلي المنان صار *** الثريد في رؤوس العيدان
أو ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم أو مدحه كقول العباس :
من قلها طبت في الظلال *** وفي مست حيث يخصف الورق
ثم هبطت البلاد لا بشر *** أنت ولا مضغة ولا علق
بل نطفة تركب السفين وقد *** ألجم نسراً وأهله الغرق
تنقل من صالب إلى رحم *** إذا مضى عالم بدا طبق
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يفضض الله فاك ". أو الذب
عنه كقول حسان :
هجوت محمداً فأجبت عنه *** وعند الله في ذالك الجزاء
وهي أبيات ذكرها مسلم في صحيحه وهي في السير أتم . أو الصلاة عليه
، كما روى زيد بن أسلم ، خرج عمر ليلة يحرس فرأى مصباحاً في بيت ،
وإذا عجوز تنفش صوفاً وتقول :
على محمد صلاة الأبرار *** صلى عليه الطيبون الأخيار
قد كنت قوماً بكاً بالأسحار *** يا ليت شعري والمنايا أطوار
هل يجمعني وحبيبي الدار
يعني النبي صلى الله عليه و سلم ، فجلس عمر يبكي . وكذلك ذكر
أصحابه ومدحهم رضي الله عنهم ، ولقد أحسن محمد بن سابق حيث قال :
إني رضيت عليا للهدى علما *** كما رضيت عتيقاً صاحب الغار
وقد رضيت أبا حفص وشيعته ** وما رضيت بقتل الشيخ في الدار
وكل الصحابة عندي قدوة علم *** فهل علي بهذا القول من عار
إن كنت تعلم أنني لا أحبهم إلا *** من أجلك فاعتقني من النار وقال
آخر فأحسن :
حب النبي رسول الله مفترض *** وحب أصحابة نور ببرهان
من كان يعلم أن الله خالقه *** لا يرميّن أبا بكر ببهتان
ولا أبا حفص الفاروق صاحبه ** ولا الخليفة عثمان بن عفان
أما علي فمشهور فضائله *** والبيت لا يستوي إلا بأركان
قال ابن العربي : أما الاستعارات في التشبيهات فمأذون فيها وإن
استغرقت الحد وتجاوزت المعتاد ، فبذلك يضر الملك الموكل بالرؤيا
المثل، وقد أنشد كعب بن زهير النبي صلى الله عليه وسلم :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول *** متيم إثرها لم يفد مكبول
وما سعاد غداة البين إذ رحلوا ** إلا أغن غضيض الطرف مكحول
تحلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت ** كأنه منهل بالراح معلول
فجاء في هذه القصيدة من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، والنبي
صلى الله عليه وسلم يسمع ولا ينكر في تشبيه ريقها بالراح . وأنشد
أبو بكر رضي الله عنه :
فقدنا الوحي إذ وليت عنا *** وودعنا من الله الكلام
سوى ما قد تركت لنا رهيناً *** توارثه القراطيس الكرام
فقد أورثتنا ميراث صدق *** عليك به التحية والسلام
فإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسمعه وأبو بكر ينشده ، فهل
للتقليد والاقتداء موضع أرفع من هذا . قال أبو عمر ( لعله ابن عبد
البر ) : ولا ينكر الحسن من الشعر أحد من أهل العلم ولا من أولي
النهى ، وليس أحد من كبار الصحابة وأهل العلم وموضع القدوة إلا وقد
قال الشعر ، أو تمثل به أو سمعه فرضيه ما كان حكمة أو مباحاً ، ولم
يكن فيه فحش ولا خنا ولا لمسلم أذى ، فإذا كان كذلك فهو المنثور من
القول سواء لا يحل سماعه ولا قوله ، وروى أبو هريرة قال : " سمعت
رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر يقول أصدق كلمة - أو أشعر
كلمة - قالتها العرب" قول لبيد :
ألا كل شيء ما خلا الله باطل .. أخرجه مسلم وزاد " وكاد أمية بن
أبي الصلت أن يسلم " وروي عن ابن سرين أنه أنشد شعراً فقال له بعض
جلسائه : مثلك ينشد الشعر يا أبا بكر . فقال : ويلك يا لكع ! وهل
الشعر إلا كلام لا يخالف سائر الكلام إلا في القوافي ، فحسنه حسن
وقبيحه قبيح ! قال : وقد كانوا يتذاكرون الشعر . قال : وسمعت ابن
عمر ينشد :
يحب الخمر من مال الندامى *** ويكره أن يفارقه الغلوس
وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة
العشرة ثم المشيخة السبعة شاعراً مجيداً مقدماً فيه . وللزبير بن
بكار القاضي في أشعاره كتاب ، وكانت له زوجة حسنة تسمى عثمة فعتب
عليها في بعض الأمر فطلقها ، وله فيها أشعار كثيرة ، منها قوله :
تغلغل حب عثمة في فؤادي *** فبادية مع الخافي يسير
تغلغل حيث لم يبلغ شراب *** ولا حزن ولم يبلغ سرور
أكاد إذا ذكرت العهد منها *** أطير لو أن إنساناً يطير
وقال ابن شهاب : قلت له : تقول الشعر في نسكك وفضلك ! فقال : إن
المصدور إذا نفث برأ .
الثانية : وأما الشعر المذموم الذي لا يحل سماعه وصاحبه ملوم ، فهو
المتكلم بالباطل حتى يفضلوا أجبن الناس على عنترة ، وأشحهم على
حاتم ، وأن يبهتوا البريء ويفسقوا التقي ، وأن يفرطوا في القول بما
لم يفعله المرء ، رغبة في تسلية النفس وتحسن القول ، كما روي عن
الفرزدق أن سليما بن عبد الملك سمع قوله :
فبتن بجانبي مصرعات *** وبت أفض أغلاق الختام
فقال : وقد وجب عليك الحد . فقال : يا أمير المؤمنين قد درأ الله
عني الحد .قوله تعالى : " وأنهم يقولون ما لا يفعلون " . روي أن
النعمان بن عدي بن نظلة كان عاملاً لعمر بن الخطاب رضي الله عنه
فقال :
من مبلغ الحسناء أن حليلها بميسان *** يسقى في زجاج وحنتم
إذا شئت غنتني دهاقين قرية *** ورقاصة تجذو على كل منسم
فإن كنت ندماني فبالأكبر اقني *** ولا تسقني بالأصغر المتثلم
لعل أمير المؤمنين يسوءه *** تنادمنا بالجوسق المتهدم
فبلغ ذلك عمر فأرسل إليه بالقدوم عليه . وقال : إي والله إني
ليسوءني ذلك . فقال يا أمير المؤمنين ما فعلت شيئاً مما قلت ،
وإنما كانت فظلة من القول ، وقد قال الله تعالى : " والشعراء
يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون * وأنهم يقولون ما
لا يفعلون " فقال له عمر : أما عذرك فقد درأ عنك الحد ، ولكن لا
تعمل لي عملاً أبداً وقد قلت ما قلت . وذكر الزبير بن بكار قال :
حدثني مصعب بن عثمان أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة لم يكن
له هم إلا عمر بن أبي ربيعة و الأحوص فكتب إلى عامله على المدينة :
إني قد عرفت عمر و الأحوص بالشر والخبث فإذا أتاك كتابي هذا فاشدد
عليهما واحملهما إلي . ولما أتاه الكتاب حملهما إليه ، فأقبل على
عمر ، فقال هيه !
فلم أر كالتجمير منظر ناظر *** ولا كليالي الحج أفلتن ذا هوى
وكم مالئ عينيه من شيء غيره إذا راح نجو الجمرة البيض كالدمى
أما والله لو اهتممت بحجك لم تنظر إلى شيء غيرك ، فإذا لم يفلت
الناس منك في هذه الأيام فمتى يفلتون ! ثم أمر بنفيه . فقال : يا
أمير المؤمنين ! أو خير من ذلك ؟ فقال : ما هو ؟ قال : أعاهد الله
إني لا أعود إلى مثل هذا الشعر ، ولا أذكر النساء في شعر أبدأ .
وأجدد توبة ، فقال : أو تفعل ؟ قال : نعم ، فعاهد على توبته وخلاه
، ثم دعا بالأحوص ، فقال هيه !
الله بيني وبين قيمها *** يفر مني بها وأتبع
بل الله بين قيمها وبينك ! ثم أمر بنفيه ، فكلمه في رجال من
الأنصار فأبى ، وقال : والله لا أرده ما كان لي سلطان ، فإنه فاسق
مجاهر . فهذا حكم الشعر المذموم وحكم صاحبه ، فلا يحل سماعه ولا
إنشاده في مسجد ولا غيره ، كمنثور الكلام القبيح ونحوه .
وروى إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عون عن محمد بن سرين عن أبي
هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "حسن الشعر كحسن
الكلام وقبيحه كقبيح الكلام " رواه إسماعيل عن عبد الله الشامي
وحديثه عن أهل العلم صحيح فيما قال يحيى بن معين وغيره . وروى عبد
الله بن عمرو بن العاص قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "
الشعر بمنزلة الكلام حسنة كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام " .
الثالثة : روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم " لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه خير من
أن يمتلئ شعراً " وفي الصحيح أيضاً " عن أبي سعيد الخدري قال :
بينا نحن نسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ عرض شاعر ينشد
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : خذوا الشيطان - أو أمسكوا
الشيطان - لأن يمتلئ جوف رجل قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً " قال
علماؤنا : وإنما فعل النبي صلى الله عليه وسلم هذا مع هذا الشاعر
لما علم من حاله ، فلعل هذا الشاعر كان ممن قد عرف من حاله أنه قد
اتخذ الشعر طريقاً للتكسب ، فيفرط في المدح إذا أعطي ، وفي الهجو
والذم إذا منع ، فيؤذي الناس في أموالهم وأعراضهم . ولا خلاف في أن
من كان على مثل هذه الحالة فكل ما يكتسبه بالشعر حرام . وكل ما
يقوله من ذلك حرام عليه ، ولا يحل الإصغاء إليه ، بل يجب الإنكار
عليه ، فإن لم يمكن ذلك لمن خاف من لسانه قطعاً تعين عليه أن
يداريه بما استطاع ، ويدافعه بما أمكن ، ولا يحل له أن يعطى شيئاً
ابتداء ، لأن ذلك عون على المعصية ، فإن لم يجد من ذلك بدا أعطاه
بنية وقاية العرض ، فما وقى به المرء عرضه كتب له به صدقة . وقلت
قوله : ( لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً حتى يريه ) القيح : المدة لا
يخالها دم . يقال منه : قاح الجرح يقيح وتقيح وقيح . و( يريه ) قال
الأصمعي : هو من الروي على مثال الرمي وهو أن يدوى جوفه ، يقال منه
: رجل موري مشدد غير مهموز . وفي الصحاح : روى القيح جوفه يريه
وريا إذا أكله . وأنشد اليزيدي :
قالت له ورياً إذا تنحنحا
وهذا الحديث أحسن ما قيل في تأويله : إنه الذي قد غلب عليه الشعر ،
وامتلأ صدره منه دون علم سواه ولا شيء من الذكر ممن يخوض به في
الباطل ، ويسلك به مسالك لا تحمد له ، كالمكثر من اللغط والهذر
والغيبة وقبيح القول . ومن كان الغالب عليه الشعر لزمته هذه
الأوصاف المذمومة الدنية ، لحكم العادة الأدبية . وهذا المعنى هو
الذي أشار إليه البخاري في صحيحه لما بوّب على هذا الحديث " باب ما
يكره أن يكون الغالب على الإنسان الشعر" . وقد قيل في تأويله : إن
المراد بذلك الشعر الذي هجي به النبي صلى الله عليه وسلم أو غيره .
وهذا ليس بشيء ، لأن القليل من هجو النبي صلى الله عليه وسلم
وكثيره سواء في أنه كفر ومذموم وكذلك هجو غير النبي صلى الله عليه
وسلم من المسلمين مذموم قليله وكثيره ، وحينئذ لا يكون لتخصيص الذم
بالكثير معنى .
الرابعة : قال الشافعي : الشعر نوع من الكلام حسنه كحسن الكلام
وقبيحه كقبيح الكلام ، يعني أن الشعر ليس يكره لذاته وإنما يكره
لمضمناته ، وقد كان عند العرب عظيم الموقع . قال الأول منهم :
وجرح اللسان كجرح اليد
وقال النبي صلى الله عليه وسلم في الشعر الذي يرد به حسان على
المشركين : " إنه لأسرع فيهم من رشق النبل " أخرجه مسلم . وروى
الترمذي وصححه عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مكة في
عمرة القضاء وعبد الله بن رواحة يمشي بين يديه ويقول :
خلوا بني الكفار عن سبيله *** اليوم نضربكم على تنزيله
ضرباً يزيل الهام عن مقيله *** ويذهل الخليل عن خليله
فقال عمر: يا ابن رواحة !في حرم الله وبين يدي رسول الله صلى الله
عليه وسلم ! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " خل عنه يا عمر
فلهو أسرع فيهم من نضح النبل " .
الخامسة : قوله تعالى : " والشعراء يتبعهم الغاوون " لم يختلف
القراء في رفع والشعراء فيما علمت . ويجوز النصب على إضمار فعل
يفسره ( ويتبعهم ) وبه قرأ عيس بن عمر ، قال أبو عبيد : كان الغالب
عليه حب النصب ، قرأ : "والسارق والسارقة " [ المائدة : 38] و"
حمالة الحطب " [ المسد : 4] و " سورة أنزلناها " [ النور : 1] وقرأ
نافع و شيبة و الحسن و السلمي : ( يتبعهم ) مخففاً . الباقون (
يتبعهم ) . وقال الضحاك : تهاجى رجلان أحدهما أنصاري والآخر مهاجري
على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع كل واحد غواة قومه وهم
السفهاء فنزلت ، وقاله ابن عباس . وعنه هم الرواة للشعراء وروى عنه
علي بن أبي طلحة أنهم هم الكفار يتبعهم ضلال الجن والإنس ، وقد
ذكرناه وروى عضيف عن النبي صلى الله عليه وسلم : " من أحدث هجاء في
الإسلام فاقطعوا لسانه " وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم
لما افتتح مكة رن إبليس ربه وجمع إليه ذريته ، فقال ايئسوا أن
تريدوا أمة محمد علي الشرك بعد يومكم هذا ولكن أفشوا فيهما - يعني
مكة والمدينة - الشعر . " أهـ تفسير القرطبي
و نلاحظ قول الإمام الشافعي – رحمه الله - : " يعني أن الشعر ليس
يكره لذاته وإنما يكره لمضمناته " فالمضمون أو الفكرة هو الذي قرعت
من أجله طبول الحرب ، و ليس الشكل و الأسلوب الأخاذ و البيان
الساحر و السبك الجميل .. الخ
ماذا يجدي "الجمال" إذا انفصل عن الحق ؟ و هل يبق – من ثمة –
الجمال على وصفه ؟
يقول الأستاذ مالك بن نبي – رحمه الله - :
" إن هناك على الخصوص صلة بين المبدأ الأخلاقي و ذوق الجمال، تكون
في الواقع علاقة عضوية ذات أهمية اجتماعية كبيرة . إذ أنها تحدد
طابع الثقافة كله و اتجاه الحضارة ، حينما تضع هذا الطابع الخاص
على أسلوب الحياة في المجتمع و على سلوك الأفراد فيه .
" فالحياة في مجتمع معين قبل أن تتأثر بالفنون و الصناعات ، أي
بالجانب المادي أو الاقتصادي من الحضارة ، تتخذ لها اتجاها عاما و
لونا شاملا يجعلان جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدأ الأخلاقي ، و بذوق
الجمال الشائعين في هذا المجتمع . و بعبارة أدق إنها تكون مرتبطة
بالعلاقة الخاصة القائمة بينهما .
" و نتيجة هذه العلاقة تأتي أولا في ترتيب خاص يقدم أو يؤخر المبدأ
الأخلاقي على ذوق الجمال في ( سلم ) القيم الثقافية ، حتى يتكون
نموذج معين من المجتمع بسبب هذا الترتيب .
" و يمكننا أن نصوغ هذه العلاقة في صورة جبرية هكذا :
مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة .
" و تعد إذن هذه المعادلة مقياسا عاما يدل على اتجاه الحضارة، كما
يدل ما يسميه علماء الرياضيات ( الدال Le discriminant ) في
المعادلات الجبرية من الدرجة الثانية .
" كذلك شأن الحضارة ، تتغير ميزاتها و تتجه بوجه خاص ، طبقا لعلاقة
المبدأ الأخلاقي و ذوق الجمال في المعادلة الحضارية ، أي طبقا
لترتيب هذين العنصرين في تلك المعادلة .
" و عليه فإنه يمكننا القول إن هناك – بصورة عامة – نموذجين من
المجتمع :
" نموذجا يقوم فيه النشاط أساسا على الدوافع الجمالية ، و نموذج
يقوم فيه النشاط على الدوافع الأخلاقية أولا .
" و هذا الاختلاف الأساسي ليس مجرد اختلاف شكلي ، إنه يؤدي إلى
نتائج تاريخية ذات أهمية كبيرة .
" فالنموذجان اللذان يختلفان هكذا ، بسبب اختلافهما في ترتيب عناصر
الثقافة ، لا يتطوران في اتجاه واحد ، بل إنه في بعض الظروف تنشأ
بينهما مناقضات جذرية : حتى إن الأمر الذي لا يريد أحدهما – بل لا
يمكنه أن يريد – تحقيقه بسبب أخلاقي ، نرى الآخر يحققه بسبب جمالي
.
" و لنتخذ دليلا على هذا من حضارتين :
" 1 - إن المجتمع الغربي قد مارس من بين فنونه ، فن التصوير و
تصوير المرأة العارية بخاصة بسبب الدافع الجمالي . بينما ى نرى
الفن الإسلامي قد خلف آثارا في التصوير كذلك الذي نشاهده في متاحف
الحضارة الغربية ، لأن الرادع الأخلاقي في المجتمع الإسلامي لا
يطلق العنان للفنان أن يعبر عن كل ألوان الجمال و على وجه الخصوص
المرأة العارية .
" 2 – إن تطور الملابس في المجتمع الغربي قد انطلق من نقطة معينة ،
هو إبراز جمال المرأة في الشارع بكل ما يمكن أن يوضح مظهره ، بينما
نجد أن تطور الملابس في المجتمع الإسلامي قد اتخذ اتجاها مخالفا
تمام الاختلاف ، إذ هو يهدف أساسا بوسائل ( ملاية اللف ) أن يخفي
جمال المرأة في الشارع [ علّق ابن نبي في الهامش قائلا : عندما
تظهر المرأة المسلمة بالبكيني على البلاج العمومي ، فإن هذا لا
يعني أن المجتمع الإسلامي قد غيّر ملبسه ، بل إنه قد بدأ يغير
اتجاهه الأصيل مستعيرا دوافع التعبير من مجتمع آخر دون أن يشعر ] .
" و ليس الأمر في هذين الاتجاهين أمر تفكير و اختيار، و إنما هو
أمر تقليد يخضع للوراثة الاجتماعية و للعادات و التقاليد ، و ليس
يعني أن الثقافة الإسلامية تفقد عنصر الجمال ، و إنما تضعه في مكان
آخر في سلم القيم .
" فكل ثقافة تتضمن عنصر ( الجمال ) و عنصر ( الحقيقة ) ، غير أن
عبقرية إحداهما تجعل محورها الجمال ، بينما الأخرى تفضل أن يكون
محورها الحقيقة .
" و الاختلاف هذا يعود إلى الأصول البعيدة . فالثقافة الغربية قد
ورثت ذوق الجمال من التراث اليوناني الروماني ، أما الثقافة
الإسلامية فقد ورثت الشغف ( بالحقيقة ) من بين ميزات الفكر السامي
.
" فكان رواد الأولى و حملة لوائها زعماء الفن من ( فيدياس Phidias
) إلى مخائيل انجلو Michel Angelo ) بينما قادة الأخرى أنبياء من
إبراهيم و محمد عليهما الصلاة و السلام . و من هنا لم يكن من محض
الصدفة أو من لغو الحديث ، أن مؤرخي النهضة الأوربية يحددونها
بأنها ( رجوع إلى الحضارة الرومانية اليونانية ) .
" ................................. .
" و على العكس من ذلك فإن الأدب العربي و الأدب الإسلامي بصفة عامة
، لم ينتج التراجيديا و لا القصة ، بل لم يحاول أن ينتجهما إلا في
القرن العشرين ، و في صورة تدعو أحيانا للأسف.
" و عليه فإن كل ثقافة تتضمن علاقة ( مبدأ أخلاقي – ذوق جمالي )
تكون ذات دلالة من نوع عبقرية مجتمع معين . و هي ليست تطبع إنتاجه
الأدبي بطابع خاص فحسب و إنما تحدد اتجاهه في التاريخ أيضا .. "
أهــ (99)
من أجل ذلك حارب الإسلام أولئك الشياطين الذين برعوا في فن القول -
حماية للمجتمع الإسلامي من سمومهم الزعاف - فسلّط عليهم أقسى
العقوبات ، و زجرهم أشد الجزر – كما قال القرطبي - ، فقد أهدر
النبي صلى الله عليه و سلم دماء كثير من هؤلاء حتى فرّ بعضهم خوفا
من سيف الإسلام البتار، و منهم من مات في استتاره ، و سار على هذه
"الحسبة" الخلفاء الراشدون و خلفاء بني أمية و خلفاء بني العباس
إلى غاية الخليفة المهدي – رحمه الله – ( كما يقول الدكتور هاني
السباعي في كتابه "زنادقة الفكر و الأدب" ) ، إذ تغير الحال في
نهاية القرن الثالث الهجري و بداية القرن الرابع و ظهر الفساد و
عطلت الحدود و درست الشريعة ، فنطق الرويبضة و نبتت نابتة هؤلاء
الحقراء ، فرتعوا و عاثوا فيها فسادا فكان منهم أبو نواس و عجرد و
بشار بن برد و صالح بن عبد القدوس و غيرهم كثير ..
يقول الأستاذ أبو أسامة الجزائري في موقعه بمدونات مكتوب :
" في العصر العباسي انتشرت المعارف، وكثر الإقبال على البحث
والتدوين، وأنشئت المكتبات وراجت أسواق الكتب وقد وضعت المؤلفات في
مختلف فروع المعرفة ، في التاريخ والجغرافيا، والفلك والرياضيات،
والطب والكيمياء والصيدلة، والصرف والنحو، واللغة والنقد، والشعر،
والقصص والدين، والفلسفة والسياسة، والأخلاق والاجتماع وغير ذلك ..
ويكفي أن نقرأ كتاب الفهرست لابن النديم لنعرف إلى أي مدى كانت
حركة التأليف مزدهرة .. وأقبل الأدباء على الثقافات الجديدة
يكتسبون منها معطيات عقلية، وقدرة على التعليل والاستنباط وتوليد
المعاني، والمقارنة والاستنتاج .. فالأدب العباسي جاء أغنى مما
سبقه، ويدلنا على هذا الغنى ما نراه في شعر أبي نواس وأبي تمام
وأبي الطيب والمتنبي وأبي علاء، وما نراه في نثر ابن المقفع
والجاحظ وبديع الزمان وسواهم .. ثم إن عمق الثقافة ساعد على عمق
التجربة الانسانية، فجاء الأدب العباسي زاخراً بالمعطيات الانسانية
من حيث تصويره لجوهر الانسان وما يتعقب على النفس من حالات اليأس
والأمل، والضعف والقوة، والحزم والفرح وغير ذلك .. كما رسم الأدب
العباسي المشاكل العامة في الاجتماع والفكر والسياسة والأخلاق ..
وهذا كله ظهر في خمريات أبي نواس وخواطر ابن الرومي، وحكم المتنبي،
ووجدانيات أبي فراس، وتأملات المعري، وأمثال ابن المقفع، وانتقادات
الجاحظ .. فضلاً عن ذلك عرف العصر مدارس أدبية شعرية ونثرية، منها
مدرسة أبي نواس ومدرسة أبي تمام، ومدرسة أبي العتاهية، ومدرسة
المعري في ميادين الشعر.
وفي النثر عرفت مدرسة ابن المقفع، ومدرسة الجاحظ، ومدرسة القاضي
الفاضل، ومدرسة بديع الزمان الهمذاني وكل من هذه المدارس خصائصها
واتجاهاتها، وقد كان لها الفضل في إعلاء شأن الحياة الأدبية في
العصر العباسي.
ازدهر الشعر السياسي في العصر الأموي لأسباب متعددة أهمها قيام
الأحزاب السياسية وتناحرها .. ولكن هذا اللون انحسرت أهميته في
العصر العباسي بسبب ضعف الأحزاب والعصبيات القبلية .. وقد ازدهر
بالمقابل شعر المدح بفعل ازدهار الحياة الاقتصادية وتطور الحياة
الاجتماعية، مع ميل الخلفاء إلى الترف وحب الإطراء .. فأقبل
الشعراء يمجدون الخلافة والأمراء وأصحاب النفوذ، مقابل العطايا
السنية وهذا ما جعل الشعراء يحلمون بالثروات الطائلة، فيقصدون
بغداد والعواصم الأخرى للإقامة في جوار القصور .. وقوي الهجاء كذلك
بدافع تحاسد الشعراء،وإلحافهم في طلب الجوائز، وضمنوا هجائهم
الكلام المقنع أحياناً.
أما الغزل فقد مال به أصحابه بصورة عامة، إلى التهتك والإباحية،
والفحش في الألفاظ ، وكثر في العصر العباسي الخلعاء من الشعراء
الماجنين، وأهمهم أبو نواس، وحماد عجرد، ومطيع بن إياس، والضحاك، و
والبة بن الحباب .. إلا أن فئة من المتعففين حافظ أفرادها على
العذرية في الشعر، من أمثال البحتري وأبي تمام وابن الرومي وأبي
فراس الحمداني والشريف الرضي فهؤلاء جاءت قصائدهم الغزلية صادرة عن
وجدان صحيح فيه الصدق والبراءة والمحافظة على الآداب العامة .. ثم
إن الفخر الذي بني في الجاهلية على العصبية القليلة ضعف شأنه مع
ظهور الإسلام، إلا ما كان منه جماعياً وبالدين الإسلامي وأهله ..
أما العصر العباسي فقد تحول فيه الفخر إلى العصبية العنصرية أو
القومية، ولكنه لم يكن قوياً في العصر الأول و الثاني.
وقد ازدهر الفخر في العصر الثالث مع اضطراب الأحوال السياسية وكثرة
المغمرين والاعتداد بالنفس وأبرز شعراء الفخر أبو الطيب المتنبي
وأبو فراس و الشريف الرضي .. وهذه الموضوعات الشعرية كانت معروفة
في العصور السابقة وحافظ الشعراء العباسيون على قوتها إلا أن
البيئة العباسية ساعدت على ازدهار فنون جديدة كانت من قبل ضعيفة أو
غير معروفة .. وأهم هذه الفنون"شعر المجون" الذي كان وليد انتشار
الزندقة وتفشي الفساد بفعل اختلاط الشعوب ، وإتيان الأعاجم بفنون
من الخلاعة والفحش وردء العادات .. أما شعر الخمر فقد ارتقى على
أيدي أبي نواس وصحبه ، وأصابه من معطيات العصر ما جعل الشعراء
يبدعون فيه .. ومن دوافع ازدهار شعر الخمر الثقافة التي تيسرت
للعباسيين فعمقت تجربتهم وكثفت شعرهم .. فأبو نواس تجاوز الأعشى
والأخطل والوليد بن يزيد في هذا الفن ، واهتدى إلى معان وصور وآفاق
وأساليب صار معها حامل لواء التجديد في الشعر العباسي وجعل من
الخمريات رمزا لهذا التجديد وأساسا لنشر الآراء وفلسفة الحياة
والوجود .. وبعد أبي نواس استمرت الخمريات فنا شعريا راقيا اشتهر
فيه ابن المعتز ومعز الدولة البويهي والغرائي وسواهم.
ومن الفنون الشعرية التي حافظت على رواجها وتطورت في العصر العباسي
فن الوصف التي شمل الطبيعة المطبوعة والطبيعية المصنوعة .. ولهذا
اهتم الشعراء بالرياض والقصور، والبرك، والأنهار، والجبال،
والطيور، والمعارك، ومجالس اللهو، وغير ذلك.
في العصر العباسي تطورت المعاني الشعرية عمقاً وكثافة ودقة في
التصوير، فجاءت شاملة للحقائق الانسانية وقد انصرف الشعراء عن
المعاني القديمة إلى معان جديدة، يساعد على ذلك ما كسبه العقل
العباسي من الفلسفة وعلم الكلام والمنطق، وما وصلوا إليه من أساليب
فنية قوامها المحسنات اللفظية والمعنوية ، ومثال ذلك أن أبا تمام
يجمع في قصيدة "فتح عمورية" بين العملية الفكرية والعملية الفنية،
فأخرج من القصيدة شعراً جديداً راقياً، فيه من القديم مسحة ومن
الجديد أخرج معاني وصوراً طريفة ، وكثرت في الشعر العباسي الأمثال
والحكم (المتنبي والمعري)، وبرز فيه المنطق والأقيسة العقلية،
وترتيب الأفكار (أبو تمام، وابن الرومي، المتنبي). كما ظهر الإبداع
في التصوير والإعراب في الخيال، ومجاراة الحياة والفنون في الزخرفة
والنقش، والاهتمام بالألوان (ابن الرومي، والبحتري )
امتاز الشعر العباسي بدقة العبارة وحسن الجرس والإيقاع، وذلك
بتأثير الحضارة ورفاه العيش كما امتاز بخروجه على المنهجية القديمة
في بناء القصيدة وترتيب أجزاءها. وكثيراً ما ثار الشعراء على
الأساليب القديمة، وفي ذلك يقول المتنبي:
إذا كان شعر فالنسيب المقدم *** أكل بليغ قال شعراً متيم
وتمتاز القصيدة العباسية بوحدة البناء، وفيها صناعة وهندسة، مع
استخدام الصور البيانية، فضلاً عن التجديد في الألفاظ المستعملة
والموحية.
أما النثر العباسي : فقد خطا خطوات كبيرة، فواكب نهضة العصر وأصبح
قادراً على استيعاب المظاهر العلمية والفلسفية والفنية كما أن
الموضوعات النثرية تنوعت فشملت مختلف مناحي الحياة .. فالكتابة
الفنية توزعت على ديوان الرسائل والتوقيعات وغيرها .. وكان
المسؤولون يختارون خيرة الكتاب لغة وبلاغة وعلماً لتسلم الدواوين،
ولاسيما ديوان الرسائل الذي كان يقتضي أكثر من غيره إتقان البلاغة
والتفنن ، و مستوى رفيع من الثقافة فضلاً عن ذلك النثر الفني القصص
و المقامات و النقد الأدبي ، و النوادر ، و الأمثال و الحكم ، و
التدوين ، و الرحلات ، و التاريخ، و العلوم.
وظهرت الرسائل الأدبية التي تضمنت الحكم و جوامع الكلم و الأمثال و
الفكاهات و كانت موضوعات الرسائل تتراوح بين الأخبار و الأخوانيات
، والاعتذار وغير ذلك وراجت الرسائل الطويلة في العصر العباسي
فتناولت السياسة والأخلاق والاجتماع، كرسالة الصاحبة لابن المقفع،
ورسالة القيان ورسالة التربيع والدوير للجاحظ، ورسالة الغفران لأبي
العلاء المعري.
وعظم شأن القصص في العصر العباسي، فاتسع نطاقه وأصبح مادة أدبية
غزيرة، وتنوعت المؤلفات القصصية فأقبل الناس على مطالعتها وتناقلها
ومنها ما اهتم بالحقل الديني ككتاب قصص الأنبياء المسمى بالعرائس
للثعلبي، وقصص الأنبياء للكسائي، وقصة يوسف الصديق،وقصة أهل الكهف،
وقصة الإسراء والمعراج ومنها القصص الاجتماعية والغرامية والبطولية
ككتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني، وقصص العذريين، وسيرة عنترة،
وحمزة البلوان، وسواها ومنها القصص التاريخية التي تناولت سير
الخلفاء والملوك والأمراء كما عرف العصر العباسي القصص الدخيلة
المنقولة، نذكر منها كليلة ودمنة، وكتاب مزدك، وكتاب السندباد،
وبعضاً من ألف ليلة وليلة، وأكثره خيالي خرافي يدور بعضه على ألسنة
الحيوان.
" وإلى جانب القصص الشعبي عرف هذا العصر النثر الفكاهي الذي دار
حول النقد الاجتماعي للعادات والتقاليد والنقد السياسي لممارسات
بعض الحكام. وكتاب الفاشوش في حكم قراقوش نموذج لهذا اللون من
القصص الفكاهي، الساخر من قراقوش قائد صلاح الدين الأيوبي ونائبه
بمصر إبان الحروب الصليبية. فقد كان الرجل جادًا ملتزمًا في عمله
إلى حد القسوة أحيانًا، مما جعل ابن ممّاتي يحمل عليه ويصوّره، في
هذا الكتاب، بصورة ساخرة مبالغ فيها. " أهـ
ماذا نلاحظ ؟
العصبية القبلية .. الفخر الأجوف .. التكسب بمدح المفسدين في الأرض
.. المجون و الفسق و التشبيب بالنساء و المردان .. الخمر و تمجيدها
( لعن الله شاربها ) .. التشاؤم و التشكك ( المعري ) .. الأدب
الشعبي ( ألف ليلة و ليلة ، و سندباد البحر ي ، و كليلة و دمنة ..
الخ ) .. الغناء أو السماع الشيطاني ( الموشحات و الموسقى ) ..
الحلول و الاتحاد و العشق الصوفي ( ابن الفارض و غيره ) الفكاهة
تحت مسمى " الأدب الساخر ( السخرية من أعظم مجاهد في جيش الناصر
صلاح الدين ) .. الخ
و بالتالي نسأل مجرد سؤال ..
هل هذا ازدهار ؟
هل هذا هو الأدب النظيف ؟ أو الأدب الإنساني كما يحلو للبعض أن
يسميه ؟
أترك الإجابة للقارئ .. و ننتقل إلى المعري ..
هذا "الشاعر الكبير" الجريء ، رهين المحبسين ..
لماذا يتشبث به العلمانيون من الحداثيين العرب، و النظر إليه كرمز
للحداثة و الاستنارة ؟
هل كل من شكّك في حقائق العقيدة و طعن في الأحكام المعلومة من
الدين بالضرورة و استهتر بالأوامر و النواهي بات عند "القوم" ملهما
موهوبا ؟
هذا "النباتي" الذي يحرّم ما أحله الله من لحوم الحيوان ، ليس على
نفسه فقط ، بل على الناس كافة ..
هذا الشاعر الذي حطم كل الكوابح فراح يقرض شعرا يقطر إلحادا ..
فما خبر هذه "النباتية" ؟
قرر أبو العلاء الانقطاع عن الدنيا ومفارقة لذائذها ، فكان يصوم
النهار ويسرد الصيام سردًا لا يفطر إلا العيدين، ويقيم الليل ولا
يأكل اللحوم والبيض والألبان ولايتزوج، وكان يكتفي بما يخرج من
الأرض من بقل وفاكهة..
قال السلفي : ومن عجيب رأي أبي العلاء تركه أكل ما لا ينبت حتى نسب
إلى التبرهم ، وأنه يرى رأي البراهمة في إثبات الصانع وإنكار الرسل
، وتحريم إيذاء الحيوانات ، حتى العقارب والحيات ، وفي شعره ما يدل
عليه
فلا تأكلن ما أخرج الماء ظالمًا * ولا تبغ قوتًا من غريض الذبائـح
ولاتفجعن الطير وهي غوافل * بما وضعــت فالظـلم شر القبائح
ودع ضَرَبَ النحل الذي بكرت له * كواسب من أزهار نبت صحائح
من أين أخذ المعري هذه العقيدة البرهمية ، و التي منها هذه
"النباتية" ؟ هل نصحه الطبيب بالامتناع عن أكل اللحم و الشحم
للتقليل من نسبة "الكوليسترول" في الدم ؟ ..
لا شك أن المعري اتصل بإخوان الصفا عندما كان في بغداد، و كان يحظر
مجالسهم التي كانوا يعقدونها كل يوم جمعة في بيوتهم ..
يقول الدكتور زكي نجيب محمود – بعد أن نقل ذلك الحوار الطويل الذي
دار بين زعيم البهائم و ملك الجن ( الحكيم بيراست ) و الإنسي، و
ذلك في معرض تغطيته الفكرية لرسائل إخوان الصفا - : " هكذا لبث
الحوار قائما و ممتعا ، حتى إذا ما فرغ الفريقان مما أراد قوله ،
سـأل ملك الجن مستشاريه من الحكماء ، فكاد الرأي يلتقي عند فكرة
رأوها عادلة ، و هي أن الحق في جانب الحيوان ، و أن بني آدم جائرون
؛ إذن فالصواب هو أن يأمر الملك البهائم و الأنعام الأسيرة في أيدي
بني آدم أن تهرب كلها في ليلة واحدة ..
لكن رئيس الحكماء نبّه الحاضرين إلى أمر يجعل ذلك الهرب مستحيلا ،
لأن الآدميين يقيدون ما في حوزتهم من بهائم و أنعام ، أثناء الليل
و يغلّقون دونها الأبواب ؛ فاقترح أحدهم أن يبعث الملك بقبائل من
الجن يفتحون الأبواب المغلقة و يفكون القيود و يخبلون حراسها إلى
أن تبعد البهائم و تنجو ....
" لكن ما أردنا الإشارة إليه هو هذا الشبه الشديد بين الصورة التي
رسمها ( الإخوان ) لمجتمع الحيوان و هو يشكو ظلم الإنسان به و
استغلاله له و بين تلك التي رسمها "أورويل" لهذا المجتمع الحيواني
في كتابه (مزرعة الحيوان) .. " (100)
و عليه ؛ فلا تشك – أخي القارئ – في المنبع الذي خرجت منه فكرة
"إيلام الحيوان"
يقول العلامة ابن القيم – رحمه الله - :
" و لما انتهى أبو عيسى الوراق ( محمد بن هارون من متكلمي الشيعة )
إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات فطاش عقله و لم يتسع لحكمة
إيلام الحيوان و ذبحه صنف كتابا سماه ( النوح على البهائم ) فأقام
عليها المآتم و ناح و باح بالزندقة الصراح .
" و ممن كان على المذهب أعمى البصر و البصيرة كلب معرة النعمان
المكنى بأبي العلاء المعري ، فإنه امتنع عن أكل الحيوان، زعم لظلمه
بالإيلام و الذبح .. " (101)
هل تجنّى الإمام ابن قيم الجوزية على أبي العلاء المعري ؟
يقول الدكتور محمد أبو الفضل بدران (جامعة الإمارات العربية
المتحدة )
"أيها الغرّ إنْ خُصِصْتَ بعقلٍ فاتّبعْهُ ، فكلّ عقلٍ نبي"
من هذه الرؤية ندخل إلى عالم أبى العلاء المعري ونظرية الشك لديه ،
حيث نرى رؤيته الشكية في كل ما يجرى من حوله ، فلا جوامد ثابتة أو
غير قابلة للتحليل والنقد ، وربما كان العمى عند أبى العلاء عاملا
نحو رؤية الأشياء مجردة ، وهذا ما نراه في اشتقاقاته اللغوية التي
نراها في مؤلفاته ، حيث تجري على الأقيسة اللغوية حتى لو لم تكن
مستعملة في عصره ، فاللغة ليست مقدسة عند أبى العلاء بل هي قابلة
للتأليف والنسخ والحذف والإضافة .
يصرح المعري في "رسالة الفصول والغايات" بتأرجحه بين القبول والرفض
للحياة فيقول : " نفس تأمرني بذلك ، ونفس تنهاني" وربما كان يعني
التخلص من الحياة ولذا فهو يصرح في رسالة الغفران:"قد كدت ألحق
برهط العدم ؛ من غير الأسف ولا الندم، ولكنما أرهب قدومي على
الجبار"
وكيف أنه ضاق بالعالم من حوله " طفت الآفاق ، فإذا الدنيا نفاق ؛
ومللت من مداراة العالم بما يضمر غيره ما يظهره الفؤاد، فاخترت
الوحدة على جليس السوء"
ولقد شُغل عدد كبير من الباحثين العرب بالمعري ولعل أشهر هذه
الدراسات كتاب الجامع في أخبار أبى العلاء وآثاره لمحمد سليم
الجندي؛ لكن هذه الدراسة لم تكن إلا تجميعا لآراء المؤلفين العرب
القدامى وعلى هذه الطريقة جمع الدكتور طه حسين وآخرون أخبار أبى
العلاء في كتاب أطلق عليه " تعريف القدماء أبى العلاء " وهو تجميع
لمعظم تراجم أبى العلاء في التراث العربي والفارسي ولكننا لا نرى
فيها نقدا أو تحليلا. أما كتاب إبراهيم السامرائى "مع المعري
اللغوي" فقد حفل بالأخطاء المنهجية على نحو ما وضحت في كتابي "
قضايا النقد والبلاغة في تراث أبى العلاء المعري" ..
في مؤلفات طه حسين حول المعري:"صوت أبي العلاء " و " مع أبي العلاء
في سجنه " نلمح الأديب طه حسين ويختفي الناقد ويظل المدافع عن
المعري دائما ، وقد نحى الملوحي الطريق ذاته وهو الدفاع عن أبى
العلاء إذ جاء كتابه "دفاع عن أبى العلاء المعري" في مسلك الدفاع
إذ قسمه إلى قسمين : أولهما أبو العلاء مؤمن مسلم ؛والآخر شاعرية
أبى العلاء .
ومن عجب أن آخر ما نشر حول أبى العلاء من الدكتورة بنت الشاطئ جاء
دفاعا عن أبى العلاء أيضا.
وتأتى أبحاث المستشرقين حول أبى العلاء المعري ولعل أهم هذه
الأبحاث هو ما كتبه Fischer A. حول Der Koran des abu al-Ala a
al-Maarriالذي حاول أن يدفع عن المعري تهمة كتابة رسالته " الفصول
والغايات " كمعارضة للقرآن لكنه وإن كان قد ألقى الضوء على هذا
الكتاب النادر إلا أنه لم يستطع أن يفهم النصوص الأدبية فهما عميقا
ويحللها تحليلا نقديا وربما كانت صعوبة لغة أبى العلاء وغموض
تركيباته أحيانا سببا في هذا التناول من Fischerالذي رأى في المعري
الشاعر العظيم والمفكر الكبير مما يوحي بإعجابه بالمعري.
وقد جاء Richard Hartmann في كتابه " Zu dem Kitab al-Fusul wa al
Ghayat des Abul alaa al-Maarryليتبع Fischerفي رؤيته تجاه كتاب
الفصول والغايات إلا أن أهمية كتابه فيما أرى ترجع إلى إشارته إلى
أن كتاب المعري " الفصول والغايات " محاولة ضد الكتابات النثرية في
عصره ؛ إلا أن أبحاث Margoliouth ( مرجيليوث ) حول أبي العلاء لا
تكتسب أهمية لأنها ترديد لآراء بعض النقاد العرب القدامى وأحيانا
دون فهم ، وربما كانت محاولته في تحقيق رسائل أبى العلاء ونشرها
أفضل ما قام به على الرغم مما ثبت من أخطاء وقع فيها في التحقيق إذ
لا تخلو صفحة من تحقيقه من أخطاء .
وقد تناول Gabrieli F. و K.Brockelmannو A.Mezو Arthur wormhoudt
في أبحاثهم أبا العلاء و ترجموا له نقلا عن تراجم العرب . وقد جاء
مقال Nicholson في Enzyklopaedie des Islam مقالا مقتضبا حول
المعرى وردد حوادث ثبت عدم حدوثها وقد أشار في مقاله إلى نقد
المعري للتراث التقليدي في عصره . إلا أن مقال P.Smoorفي
Encyclopaedia of Islamحول المعري يترجم ما حكاه القفطى وياقوت
الحموي ، ورغم أنه كان مقالا abstractإلا أنه ساهم في عرض مؤلفات
المعري بشكل واضح بُني عن فهمه لهذه المؤلفات . وقد تناولت
Renataالمعري في ثلاث صفحات وركزت على قضية الزمن عند المعري
وأهمية التركيب اللغوي لديه. ولقد قامت عائشة عبد الرحمن (بنت
الشاطئ) بأفضل تحقيق لرسالتي أبى العلاء المعري : "رسالة الغفران"
و "رسالة الصاهل والشاحج" ولا يستغنى عن تعليقاتها المصاحبة
للتحقيق فقد كانت رسالة الغفران محققة تحقيقا سيئا من قبلها وقام
باحث بسرقة تحقيقها ( للأسف لم يذكر الدكتور بدران اسم هذا السارق
) ونسبه لنفسه فيما بعد .
ومن عجب أن معظم المستشرقين لم يتوقفوا أمام نصوص أبى العلاء بل
كان معظم اهتمامهم هو محاولة إثبات أثر الفلسفة الهندية والإغريقية
على حياة أبى العلاء وتراثه ..
" إن الشك عند أبى العلاء المعري منهج معين يسير عليه نحو الوصول
إلى الحقيقة ، والتناقض الظاهري لديه لا يعنى إلا مرحلة التردد بين
اليقين وعدم اليقين ؛ بين المنقول والمعقول ، بين المتعارف عليه
والجديد، بين التقليد والتجديد ، ويصطدم المعري في منهجية الشك
لديه بكل ما هو متوارث ، فالمعطيات لديه ليست مقدسة والفضل - ليس
كما قال القدامى - للمتقدم بل إنه يستطيع كما قال عن نفسه" : وإني
وإن كنتُ الأخيرَ زمانه لآتٍ بما لم تستطعهُ الأوائلُ "
لكننا نتساءل ما الهدف الذي سعى إليه المعري من خلال الشك كمنهج
لديه؟ أظن إن المعري قد استخدم الشك طريقا للوصول إلى قناعة داخلية
، إنه في صراع أبدي مع نفسه ، مع مجتمعه ، مع السلطة ، مع الأديان
، إنه يشعر أن قوة داخلية تطارد فكره كي يرتقى إلى منزلة اليقين
وفى خلال رحلته القلقة يصطدم مع كل المؤسسات القائمة ويسعى إلى
تقويمها أو تحطيمها إن لم يجد إلى تقويمها سبيلا. .
وعندما ننظر إلى هذا الكم الهائل من مؤلفات المعري ( وما احتوته من
فكر ) نجد أن أهم ما يدعو إليه المعري هو إعمال العقل " فكلُّ عقلٍ
نبيُّ " وفى مرحلة تنبيه العقل ينمو الشك لديه في كل ما حوله ويتخذ
عند المعري ثلاثة أشكال :-
أ ) الشك في الأديان .
ب) الشك في التراث الأدبي.
ج) الشك في المجتمع .
وسوف نتوقف هنا عند الشك في البنية الدينية فقط .
الشك في الأديان
القارئ لتراث المعري الشعري والنثري يفاجأ بهذا التناقض الشكلي بين
المعري الكافر ، الزنديق ، الملحد وبين المعري المؤمن ، التقى
الورع .
وفى الأدب العربي القديم نفتقد بشكل كبير زمنية التأليف ويزيد من
حجم المشكلة أن المخطوطة الواحدة قد تكتب في عدة سنوات ويبقى أمام
الباحث التشبث بإشارات التأريخ وهذه لا تسعف الباحث أحيانا في
التحديد الدقيق ، وتزداد المشكلة تعقيدا لدى المعري الذي كثرت
مؤلفاته وتضخمت ، ولا يعرف زمنية تأليفه ، وعلى سبيل المثال فقد
كان الظن لدى معظم الباحثين أن ديوان سقط الزند هو أول ديوان ألفه
المعري في حياة الصبا ؛ إلا أننا عندما نقرأ الديوان بتمعن نفاجأ
أن الديوان قد أُلف عبر حياة المعري وأن بعض قصائده يعود زمنيتها
إلى أواخر عمر المعري ، وأقصد من ذلك أن أقول إن التردد أو التناقض
في مواقف المعري في الكتاب الواحد لا يعطى دليلا على أن الشك كان
في مرحلة زمنية معينة من حياة المعري بل يؤكد أن الشك صاحَب المعري
في معظم حياته.
وينبغي قبل أن نورد أمثلة من أقوال المعري أن أركز على أن المعري
يشكك أحيانا في جزئيات الأديان كنظرية لكن معظم شكه ونقده ينصب على
متاجري الأديان ؛ فهاهو يردد : "ما أنا بالملحد الكفور ولا أسأل
مولاي غير إلحاد"
العقل في مواجهة ما وراء العقل : ( أي الغيب )
يؤمن المعري بالعقل ويتخذه نبيا ، وينادى في اللزوميات :
يرتجي الناسُ أن يقـومَ إمــامٌ * ناطقٌ في الكتيبة الخرســاء
كذب الظنُّ لا إمام سوى * العقل مشيرا في صبحه والمســاء
فإذا ما أطعـتــه جلب * الرحمة عند المسير والإرســـاء
إنما هذه المذاهب أسبـــاب * لجذب الدنيا إلى الرؤسـاء
وينادي : ولا تصدق بما البرهان يبطله فتستفيد من التصديق تكذيبا
ويصرح بأن الحكم الأول والأخير يجب أن يكون للعقل فيقول :
جاءت أحاديثُ إن صــحتْ فإن لها شأنـا ولكن فيها ضعف إسنادِ
فشاور العقل واترك غيره هـــدرا فالعقلُ خيرُ مشيٍر ضمّه النادي
أو قوله :
في كل أمرك تقليدٌ رضيتَ به حتى مقالك ربي واحدٌ ، أحدُ
وقــد أُمرنا بفكرٍ في بدائعه وإن تفكر فيه معشر لحدوا ؟
ويردد المعري الكثير من آراء "ابن الراوندي" تجاه العقل فقد أورد
ابن الراوندي موقفه الرافض لكل ما يخالف العقل ، يقول ابن الراوندي
: " إن الرسول شهد للعقل برفعته وجلالته ، فلمَ أتى بما ينافره إن
كان صادقا ؟ "
ويمضى قائلا : "والعقل هو الذي يمتحن قيمة النبوة ، فإما أن تتفق
تعاليم النبي مع العقل وحينئذ فلا لزوم لها ؛ وإما أنها تتناقض
وإياه وحينئذ فهي باطلة" وعلى هذا فإن المعري يرى أن العقل هو
الحكم والفيصل في الأديان وأن كل ما هو مقدس يجب أن يخضع للعقل .
العقل في مواجهة النقل :
يطرح المعري قضية الألوهية بشيء من الإنكار تارة وتارة أخرى بشكل
إيماني عميق ،فالشك يبدأ لديه في مواجهة ما تناقله الفقهاء
والمفسرون ولذلك يقول في اللزوميات :
قلتم لنا خالقٌ حكيم *** قلنا صدقتم كذا نقـولُ
زعمتموه بلا مكانٍ *** ولا زمانٍ ألا فقولــوا
هذا كلام له خبـئٌ *** معناه ليست لنا عقولُ
و يقول :
أما الإله فأمرٌ لست مدركه فاحذر * لجيلك فوق الأرض إسخاطا
ويتعجب المعري لماذا لا يتألم الله لعذاب الناس :
"لو أنى كلب لاعترتني حمية لجروي أن يلقى كما يلقى الإنس"
أو قوله : "رأيت سجايا الناس فيها تظالم ولا ريب في عدل الذي خلق
الظلما"
وأن هنالك تناقضا في الأحكام فيخاطب الله قائلا :
"أنهيتَ عن قتل النفوس تعمدا وبعثت أنت لقبضها ملكين؟
وزعمت أن لنا معــادا ثانيا ما كان أغناها عن الحالي"
ويخاطب الله متسائلا :
"إن كان لا يحظى برزقك عاقــل وترزق مجنونا وترزق أحمقا
فلا ذنب يارب السماء على امرئ رأى من ما يشتهي فتزندقا"
لكن الشك لديه يجعله مترددا بين الإيمان والكفر ولذا نفاجأ عندما
نراه يردد:
"سأعبد الله لا أرجو مثوبته لكن تعبد إعظام وإجلال"
وعندما ينظر المعري في بعض أحكام الفقه يجد أن هنالك أحكاما لا
يقبلها العقل مثل حكم دية اليد إذا قطعت بخمسمائة دينار ذهب وإذا
سرق أحد من الناس ربع دينار تقطع يده فيعترض قائلا :
تناقضٌ ما لنا إلا السكوت له وإن نعوذ بمولانا من النـار
يد بخمس مئين عسجد فُديت ما بالها قُطعت في ربع دينار
ولأنه يعيش في مرحلة الشك فإنه في شوق إلى اليقين بيد أنه هيهات:
أما اليقين فـلا يقين وإنما أقصى اجتهادي أن أظن وأحدسا
أو قوله : وقد عدم التيقن في زمان حصلنا من حجاه على التظني
بل إن المعري عندما يفكر بعقله ويصطدم مع الشافعي أو مالك فإنه لا
يأبه بذلك ويرى أن من حقه أن يجتهد طالما هو قادر على التفكير
"وينفر عقلي مغضبا إن تركته سدى وأتبعت الشافعي ومالكا"
ويفاجئنا المعري بأن العقل ينكر الأديان السابقة:
هفت الحنيفة والنصارى ما اهتدت ويهود حارت والمجوس مضللهْ
اثنان أهل الأرض : ذو عقـل بلا ديــن وآخر ديِّن لا عقل لهْ
وينكر أن يكون آدم واحدا
وما آدم في مذهب العقل واحـد ولكنه عند القيــاس أو آدم
ويشكك المعري في تدين الناس من حوله ويرى أنه تدين متوارث
وينشأ ناشئ الفتيان منــا على ما كان عوّده أبوه
وما دام الفتى بحجى ولكن يـعلمه التدين أقربوه
الشك في الديانات والمذاهب :
لا يسلم دين أو مذهب من نقد المعري والتشكيك في أصوله فاليهودية
محرفة والمسيحية لا تقوم على أساس عقلي والحنيفية خرجت عن مسارها
والمذاهب جميعها متطاحنة وأن الأديان والمذاهب هي المسئولة عن
الصراعات الموجودة في العالم وان الأديان هي تأليف من القدماء فلا
أنبياء ولا وحي في رؤية المعري الشكية :
"أفيقوا أفيقوا يا غواة فإنما دياناتكم مكرٌ من القدماء"
وقوله :
"ولا تطيعن قوما ما ديانتهم * إلا احتيال على أخذ الإتاوات
وإنما حمل التوراة قارئهـا * كسب الفوائد لا حب التلاوات
إن الشرائع ألقت بيننا إحنا *وأودعتنا أفانين العـــداوات
وقوله :
مسيحية من قبلها موسوية حكت لك أخباراً بعيد ثبوتها
ويسخر المعري من الأيام المقدسة فيقول :
وجدنا اختــــلافا بيننا في إلهنا وفى غيـره عزَّ الذي جل واتحـد
لنا جمعة والسبت يدعى لأمـــة طافت بموسى والنصارى لها الأحد
فهل للبواقي السبعة الزّهر معشر يجلونها ممن تنسك أو جحــــد
تقرب ناس بالمدام وعنـــدنا على كل حـال أن شــاربها يُحَد
ويرى أن الأديان قد فشلت في خلق عالم مثالي :
أمور تستخف بها حلوم *** وما يدرى الفتى لمن الثبور
كتاب محمد وكتاب موسى *** وإنجيل ابن مريم والزبـور
نهت أمما فما قبلت وبارت *** نصيحتها فكل القوم بور
وعندما يصل الشك لدى المعري منتهاه يقول :
توافقت اليهود مع النصارى على قتل المسيـح بلا خلاف
وما اصطلحوا على ترك الدنايا بل اصطلحوا على شرب السلاف
ويرى أن المسيح لا يكون منطقيا ابنا لله :
عجبـا للمسيــح بين أناس و إلى الله والد نسبوه
أسلمته إلى اليهود النصارى واقروا بأنهم صلبــوه
يشفق الحازم اللبيب على الطفـــل إذا ما لداته ضربوه
وإذا كان ما يقولون في عيسى صحيحا فأين كان أبوه
كيف خلّى وليدَه للأعادي أم يظنون أنهم غلبوه ؟
ويتساءل المعري وهو في قمة شكه أي الأديان هو الصحيح :
في اللاذقية ضجةٌ ما بين أحمد والمسيح
هذا بناقوس يدق وذا بمئـذنة يصيح
كل يعظّم ديـنه ياليت شعري ما الصحيح ؟ ( أستغفر الله )
وفى شك المعري وتحكيمه للعقل كفيصل وحيد نحو الوصول إلى اليقين
يشكك المعري في وجود الوحي :
فلا تحسب مقال الرسل حقا *** ولكن قول زور سطّروه
وكان الناس في يمنٍ رغيدٍ *** فجاءوا بالمحال فكدروه
ويشكك في تناسق الأديان ووحدتها بل يشكك في الدين الواحد الذي
تتشعب منه المذاهب المتعارضة والمتناقضة على نحو ما نرى في أبيات
اللزوميات والتي لا داعي لذكرها هنا وأنه يعيش في شك لأنه لا يرى
الهدى وإنما :
"دين وكفر وأنباء تقص وفرقان وتوراة وإنجيل
في كل جيل أباطيل ، يدان بها فهل تفرد يوما بالهدى جيل ؟
وقال عبدالسلام القزوينى :" اجتمعت به ( أي المعري ) مرة فقال لي :
لم أهج أحدا قط ! قال : صدقت إلا الأنبياء ! فتغير وجهه "
وقد ألف المعري رسالة الفصول والغايات التي لم يصل إلينا سوى الجزء
الأول منها وهو ما يساوى ثلثها تقريبا وأسماها " الفصول والغايات
في محاذاة السور والآيات " كما يرى البعض بينما يرى الآخرون أنها
في تمجيد الله والمواعظ ( قلت : هكذا قال محقق كتاب الفصول و
الغايات و هو الأستاذ محمود حسين زناتي ، و قد أنكر العنوان الأول
، وأشار أن محب الدين الخطيب هو الذي عثر على المخطوطة في إحدى
المكتبات و الذي شجعه على تحقيقها هو احمد حسن الزيات صاحب تاريخ
الأدب العربي ) ويروى أنه قيل له : ليس هذا مثل القرآن ، فقال : لم
تصقله المحاريب أربعمائة سنة . ترى ماذا يفعل الناقد أمام هذه
المقولة التي يقولها المعري وأمام شعره الذي يقول فيه:
أقيم خمسي ، وصوم الدهر آلفه وأدمن الذكر أبكارا بآصال
عيدين أفطر في عامي إذا حضرا عيد الأضاحي يقفو عيد شوال
( قلت : لعل صوم الدهر هذا و اعتزال الناس و عدم الصبر على آذاهم
هو الذي أوصله إلى الشك في الأديان .. ألم ينهى النبي صلى الله
عليه و سلم عن صوم الدهر و التبتل و الترهبن .. و قال " من رغب عن
سنتي فليس مني " يراجع تفصيل المسألة جيدا عند الإمام أبي إسحاق
الشاطبي في "الاعتصام" الجزء الأول . )
الشك في الفرائض :
يقف المعري موقفا رافضا للحج ويرى أنه ليس فرضا على العجائز
والعذارى طالما بقى هؤلاء الناس الأشرار حول الكعبة :
أقيمي لا أعد الحج فرضا ** على عجز النساء ولا العذارى
ففي بطحاء مكة شر فقوم ** وليسوا بالحماة ولا الغيـارى
وكذلك قوله :
هل تزدهي كعبة الحجاج إذا فقدت ** حسا بكثرة زوار وسدان
فالحج في نظر المعري هو تقليد لا يقف أمام العقل :
وما حجى إلى أحجار بيت كؤوس الخمر تشرب في زراها
إذا رجع الحكيم إلى حجاه تهاون بالمذاهب وازدراها
(قلت : لا حول و لا قوة إلا بالله .. هل هذا أيضا منسوب إليه ..
نسأل الله السلامة .. حول قيمة الحج في الإسلام راجع "الأركان
الأربعة" للندوي و أضواء البيان للشنقيطي فقد أطال كثيرا و ذكر
منافع و فوائد جمة لا يحصيها العدد . أنظره في سورة البقرة و سورة
الحج )
ويردد آراء بعض الناس أن طقوس الحج طقوس وثنية :
ما الركن في قول ناس لست ** أذكرهم إلا بقية أوثان وأنصاب
وكذلك قوله :
أرى عالما يرجون عفو مليكهم ** بتقبيل ركن واتخاذ صليب
ونستطيع أن نقول إن هذا الرأي يبدو متطابقا مع رأى ابن الراوندي
تجاه الحج حيث يقول ابن الراوندى : " فما الفرق بين الصفا والمروة
إلا كالفرق بين أبى قبيس وحرى (جبلان بمكة ) ، وما الطواف على
البيت إلا كالطواف على غيره من البيوت" ويتفق مع رأى الكندي الذي
يقول " هذا فعل الشمسية والبراهمة الذي يسمونه النسك لأصنامهم
بالهند ، فإنهم يفعلون في بلدهم هذا الفعل بعينه الذي يفعله
المسلمون اليوم من الحلق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف"
(102)
لا حول و لا قوة إلا بالله .. لا حول و لا قوة إلا بالله .. لا حول
و لا قوة إلا بالله .. "
هذا هو المعري الذي يتشبث به الأنسنيون العرب
أين هي الشروط التي اشتملتها آية الشعراء من الإيمان و العمل
الصالح و الانتصار بعد ظلم و ذكر الله كثيرا ؟
إلى هنا نكون قد أعطينا صورة – و لو موجزة – عن القرن الرابع الذي
يحبه أركون .. القرن الذي تقطعت فيه أوصال الملك، الواسع الأرجاء
سياسياً بعد أن كان كالبنيان المرصوص مرجعه عاصمة كبرى حيث الخليفة
العباسي، رمز القوة والوحدة والسلطان. فأعقب ذلك ما يعقب كل كيان
آل إلى الضعف والانحلال من مظاهر الفوضى والتسلط وفساد العلاقات،
حتى عد هذا العصر من أكثر العهود اضطراباً وأغناها بالفرق والمذاهب
والحركات السرية والعلنية وتيارات التصوف والزندقة ..
القرن الذي سعى فيه الأوغاد من الفلاسفة و إخوان الصفا و الملاحدة
و الزنادقة و الشياطين من الشعراء – كما سماهم النبي صلى الله عليه
و سلم – أن يوحدوا بين المسلم و اليهودي و النصراني و المجوسي و
البوذي و البرهمي تحت راية "الأنسنة" .
و هذا الأخير هو الذي يطلق عليه بـ "أنسنة العلاقات" مما يدعونا
إلى إبرازه و تجليته باختصار .. و إلا فإن الأمر يحتاج إلى سفر ..
"أنسنة العلاقات" هو استبعاد المضمون الديني في صياغة علاقات
المسلمين مع غيرهم من الأمم .. ممّا يعني سلخ – كما يقول الأستاذ
إبراهيم السكران – عشرات بل مئات الآيات القرآنية و الأحاديث
النبوية الصحيحة التي تحدد علاقة المسلم بغيره ، بل سلخ القرآن كله
على اعتبار أن القرآن الكريم وحدة موضوعية كما قال تعالى : { و لو
كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } النساء 82 فكونه
"وحدة" متكاملة يصدق بعضه بعضا ، لا تناقض فيه و لا اختلاف دليل
واضح على صدق الذي جاء به ..
يقول العلامة عمر سليمان الأشقر :
" لقد تعرضت الشخصية الإسلامية عبر القرون إلى حملات آثمة غادرة
استهدفت إزالتها و تدميرها ، كما استهدفت – إذ عجزت عن الإزالة و
المحو – تشويهها و مسخها ، و قاد هذه الحملة أعداء الإسلام بما
ألقوه من شبهات ، و بما جاؤوا به من فلسفات و ثقافات ، أرادوا من
أن يزاحموا الإسلام في نفوس المسلمين ، و بذلك لا يستقل الإسلام
ببناء الإنسان ، و لا يكون هو المسلم الحق الذي يريده الله ، و لقد
شوهت عقائد الإسلام و تصوراته ، و خالط العقيدة علم الكلام و
الفلسفة ، و زعم أقوام أنهم يستمدون علمهم من تجليات قلبية ، و
إلهامات و سبحات، أنزلوها منزلة الوحي و اختلطت على المسلمين السبل
..
" و الشخصية الإسلامية اليوم تمثل في ذاتها ذلك التراث الذي ورثته
عن الآباء و الأجداد عبر قرون طويلة و هو تراث ضخم شارك في إيجاد
اتجاهات مختلفة ، بعضها لا يريد بالإسلام و بأهله خيرا. أضف إلى
هذا أن الصراع اليوم متجه إلى امتلاك فكر الإنسان و التأثير على
تصوراته .. و للدول الكبرى و المذاهب المختلفة في هذا الباب غرام
شديد و من أجله سخرت إذاعاتها و صحفها و برامجها و إليه وجهت
الكتاب و أصحاب الفكر و الممثلين و أنفقت في سبيل ذلك أموالا كثيرة
تكفي لإثراء الفقراء و إزالة أسباب التعاسة و محاربة المرض و الجهل
، و لكن الإنسان يحرص على بث فكره و حمل الناس عليه و دعوتهم إليه
حرصا يصغر – أحيانا – بذل نفسه فضلا عن ماله و صدق الله العظيم إذ
يقول { و كذلك زينا لكل أمة عملهم } .. أهــ (103)
قلت : و هذا الذي يقوله الشيخ الأشقر من حرص الكفار على سلخ
المسلمين عن دينهم و صهرهم في مصهر التميع و الذوبان حق تؤيده
الشواهد الكتاب و السنة و الواقع المعاش ..
يقول شيخ الإسلام – رحمه الله - :
" قال الله تعالى : { و لقد آتينا بني إسرائيل الكتاب و الحكم و
النبوة و رزقناهم من الطيبات و فضلناهم على العالمين و آتيناهم
بيّنات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم
إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون، ثم جعلناك
على شريعة من الأمر فاتبعها و لا تتبع أهواء الذين لا يعلمون، إنهم
لن يغنوا عنك من الله شيئا و إن الظالمين بعضهم أولياء بعض، و الله
ولي المتقين } أخبر سبحانه أنه أنعم على بني إسرائيل بنعم الدين و
الدنيا و إنهم اختلفوا بعد مجيء العلم بغيا من بعضهم على بعض .
" ثم جعل محمدا صلى الله عليه و سلم على شريعة من الأمر شرعها له و
أمره بإتباعها ، و نهاه عن إتباع أهواء الذين لا يعلمون، و قد دخل
في الذين لا يعلمون كل من خالف شريعته . و "أهواءهم" هي ما يهوونه
و ما عليه المشركون من هديهم الظاهر : الذي هو من موجبات دينهم
الباطل و توابع ذلك فهم يهوونه . و موافقتهم فيه : إتباع لما
يهوونه ، و لهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم و
يسرون به و يودون أن لو بذلوا مالا عظيما ليحصل ذلك .. " أهـ كلام
شيخ الإسلام (104)
و يقول الله سبحانه - جل و علا –
{ و لن ترضى عنك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم }البقرة . و
بهذا يسعى أعداء الله من اليهود و النصارى و غيرهم لتمييع المسلمين
و إدماجهم في ملتهم و مجتمعاتهم بدعاوى شتى منها دعوى العالمية أو
"الإنسانية" و هي دعوى براقة لمّاعة يراد منها تحقيق هدفين اثنين :
الهدف الأول : إزالة استعلاء المسلم الحق بإيمانه الناشئ من إحساسه
بالتميز عن الجاهلية المحيطة به في كل الأرض لكي تنبهم شخصيته و
تتميع .
الهدف الثاني : هو إزالة روح الجهاد من قلبه ليطمئن الأعداء و
يستريحوا .
و بذلك تضمن الجاهلية الأمن و الاستقرار لكيانها الجاهلي فلا يقف
الإسلام عقبة في طريقها لاستعباد البشر و تحقيق مآربها و مصالحها
الباطلة ، فتقتل و تسفك الدماء كما تشاء و تنهب كما تشاء و تدّعم
للذائذها الخسيسة كما تشاء ، و هذا الذي من أجله تقيم المؤتمرات و
تنصب الموائد و تسلط الأضواء و تنفق الأموال الباهضة – كما قال
الشيخان ابن تيمية و الأشقر – فترفع رايات شتى و تدعو بدعاوى شتى ،
و تنظّر نظريات شتى ، و منها الدعوى البراقة الخادعة ذات الرنين ..
دعوى حوار الحضارات و حوار الأديان أو ما يسمى زمالة الأديان ..
يقول الأستاذ سيد قطب – تقبله الله في الشهداء - :
" لقد نزل القرآن ليثبت الوعي اللازم للمسلم في المعركة التي
يخوضها بعقيدته لتحقيق منهجه الجديد في واقع الحياة ، و لينشئ في
ضمير المسلم تلك المفاصلة الكاملة بينه و بين كل من لا ينتمي إلى
الجماعة المسلمة و لا يقف تحت رايتها الخاصة ، المفاصلة التي لا
تنهي المفاصلة الخلقية .. فهذه صفة المسلم دائما ، و لكنها تنهي
الولاء الذي لا يكون في قلب المسلم إلا لله و رسوله و الذين آمنوا
.. الوعي و المفاصلة اللذان لا بد منهما للمسلم في كل أرض و في كل
جيل ..
" إن الذين يحاولون تمييع هذه المفاصلة الحاسمة باسم التسامح و
التقريب بين أهل الأديان السماوية يخطئون فهم معنى الأديان كما
يخطئون فهم معنى التسامح ، فالدين هو الدين الأخير وحده عند الله ،
و التسامح يكون في المعاملات الشخصية لا في التصور الاعتقادي و لا
في النظام الاجتماعي .. إنهم يحاولون تمييع اليقين الجازم في نفس
المسلم بأن الله لا يقبل دينا إلا الإسلام ، و بأن عليه أن يحقق
منهج الله الممثل في الإسلام و لا يقبل دونه بديلا . " أهـ
لقد تحددت أهداف الحوار بين الحضارات في اجتماع "لجنة الخبراء في
الدراسات المقارنة للحضارات" التي اجتمعت في ( اليونيسكو ) في
نوفمبر 1949 م و التي قرر تقريرها أن مشكلة التفاهم الإنساني هي
مشكلة العلاقات بين الثقافات ، و من هذه العلاقات لا بد أن ينشأ
مجتمع عالمي جديد يقوم على الفهم و الاحترام المتبادل ، و هذا
المجتمع ينبغي أن يتخذ شكل مذهب إنساني جديد و الذي يمكن فيه
للعالمية أن تتفق من خلال الاعتراف بالقيم المشتركة بين مختلف
الحضارات ..
لقد أصبح موضوع عالمية القيم أو "الثقافة العالمية" موضوعا رئيسيا
في اجتماعين اثنين انعقدا لمناقشة الأبعاد الثقافية لحقوق الإنسان
في "أكسفورد" عام 1965 م و في باريس جويلية 1968 م
و الحق أن هذا لا يعدو "نشازا" صاخب يؤذي الأذن .. إذ يفصح
الشياطين اليهود في بروتوكولاتهم بما يلي :
أ ) إن القنوات ( أي وسائل الإعلام ) التي يجد فيها الفكر الإنساني
ترجمانا له يجب أن تكون خالصة في أيدينا .
ب ) إن أي نوع من أنواع النشر أو الطباعة يجب أن يكون تحت سيطرتنا
.
ج )الأدب و الصحافة هما أعظم قوتين إعلاميتين و تعليميتين خطيرتين
يجب أن تكون تحت سيطرتنا .
د ) يجب أن لا يكون لأعدائنا وسائل صحفية يعبرون فيها عن آرائهم ،
و إذا وجدت فلا بد من التضييق عليها بجميع الوسائل التي نمنعها من
مهاجمتنا .
هـ ) لن يصل طرف من خبر إلى المجتمع من غير أن يمر علينا فالأخبار
تتسلمها وكالات قليلة تتركز فيها الأخبار من كل أنحاء العالم و
حينما نسيطر عليها لن ننشر إلا ما نختاره نحن من هذه الأخبار .. "
من البروتوكول الثاني عشر
قلت : فالمتأمل في هذه التوصيات الجهنمية اليهودية يدرك – حتما –
أسباب المعركة التي اندلعت و التي كان من جراءها انسحاب أمريكا من
اليونيسكو و التي رفعت شعار "حرية تدفق المعلومات" في وجه الشعار
الذي رفعته دول العالم الثالث حول ضرورة تحقيق "التوازن في
المعلومات" ..
يقول الدكتور محمد السويدي :
" تتنوع الثقافات في الزمان و المكان أي أن الثقافات تختلف اختلافا
كبيرا من بيئة لأخرى ، بل و في المجتمع الواحد من جيل إلى جيل ؛
فإذا كان الإنسان أينما وجد و إلى أي ثقافة ينتسب يطلب الأكل و
النوم و الغريزة الجنسية للمحافظة على البقاء ، فإن الأساليب التي
يتبعها في تلبية مطالبه هذه تختلف من ثقافة لأخرى ، و من منطقة
جغرافية إلى أخرى ..
" و إلى جانب الاختلافات المذكورة و الناتجة عن الانفصال و
الانعزال ، فهناك اختلافات أخرى لها نفس الأهمية أساسها الجوار، و
هي تعود إلى الرغبة في المعارضة و التميز ؛ إذ هناك عادات كثيرة قد
نشأت لا من حاجة داخلية أو من طارئ طبيعي أو اجتماعي ، و إنما من
الرغبة في معارضة مجتمع مجاور ، و الوقوف ضد ثقافته حتى لا تتسرب
إلى ثقافة ذلك المجتمع المجاور.
" إن الثقافة هي عملية تكامل دائمة ما دامت تتغير ، و إن مقومات
تكاملها تدور حول المعتقدات و الأهداف ( الغايات ) و القيم و من ثم
فإن التكامل معناه : التوافق المتبادل بين مختلف العناصر الثقافية
و عدم وجود صراع و اضطراب بينهما ؛ أي وحدة المعتقدات و الأفكار و
الأفعال ، و لذلك كان التكامل الثقافي أمرا صعبا للغاية .... " أهـ
( 105)
فنحن إذا تأملنا هذا التحليل وجدنا ما يلي :
1- التضاد التام بين الثقافة الإسلامية و الثقافة الغربية من جهة و
الثقافية الشرقية الفارسية .
2- عدم إمكانية التكامل بين الثقافات و ذلك لاختلاف مقوماتها و
أهدافها .
و بالتالي نعتقد جازمين أن الذين يسعون إلى إقامة نسق قيمي عالمي ،
إنما هم يحلبون في إناء مثقوب ، و يسلكون طريقا مسدودا ..
يقول الأستاذ إبراهيم السكران :
" لقد بين كتاب الله بشكل جلي واضح أن الإنسان إذا أعرض عن الإسلام
والوحي فقد تكريمه الفطري الكوني الذي ذكره تعالى في قوله {ولقد
كرمنا بني آدم}وأصبح مهاناً منحطاً في نظر الله ونظر أهل الإيمان،
ولذلك لم تأت الشريعة بالمدح والتعظيم المطلق لـ"الإنسان" كما
يتوهم بعض غلاة المدنية، بل إن القرآن بين في مواضع كثيرة ذم
"الإنسان" إذا فقد شرف الإيمان ومن ذلك قوله تعالى : {قُتِلَ
الإنسان مَا أَكْفَرَهُ}[عبس:17] وقوله تعالى :{وَكَانَ الإنسان
كَفُورًا} [الإسراء:67] وقوله تعالى :{إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ
مُبِينٌ} [الزخرف:15] وقوله تعالى :{إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ
لَكَنُود} وقوله تعالى: {كَلا إِنَّ الإنسان لَيَطْغَى} [ العلق ]
ومن تدبر المواضع القرآنية التي ورد فيها مفهوم "الإنسان" وجد أن
الله سبحانه وتعالى يذم جنس الإنسان بمذام متنوعة ثم يستثني من
عموم هذا الذم أهل الإيمان.
ومن ذلك أن الله تعالى تعالى أقسم بالزمان على أن الإنسان في خسارة
تامة كما قال تعالى : {وَالْعَصْرِ, إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ}
ثم أتبعها باستثناء أهل الإيمان من هذه الخسارة فقال: {إِلا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا
بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ}
وذم الله جنس الإنسان بصفة الهلع والجزع والشح ثم استثنى أهل
الإيمان كما قال تعالى: {إِنَّ الإنسان خُلِقَ هَلُوعًا, إِذَا
مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا, وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا,
إِلا الْمُصَلِّينَ} [المعارج:19-22].
وذم الله جنس الإنسان بصفة القنوط والجحود والبطر ثم استثنى أهل
الإيمان كما قال تعالى: { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا
رَحْمَةً ثُمَّ نزعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ,
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ
لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ
فَخُورٌ, إِلا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ}
وذم الله جنس الإنسان بصفة الظلم والجهل, ثم أعقب ذلك بالتمييز
التفصيلي في جنس هذا الإنسان الظلوم الجهول على أساس الموقف الديني
فقال تعالى: {وَحَمَلَهَا الإنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا
جَهُولا, لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ
وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى
الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا
رَحِيمًا}
وهذا المعنى المتضمن ذم جنس "الإنسان" ثم استثناء أهل الإيمان له
نظائر كثيرة في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، بل إن
الله هدد الإنسان تهديداً مدوياً بقوله تعالى:
{يَا أَيُّهَا الإنسان مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ}
ولذلك لما سمع الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رجلاً يقرأ هذه الآية
قال: (غره والله جهله) والذي يبدوا أن عمر استنبط هذا المعنى من
الآيات التي وصفت "الإنسان" بالجهل كما سبقت الإشارة لبعض تلك
الآيات.
فكيف يقال بعد ذلك أن الله كرم "الإنسان" وفضل "الإنسان" بغض النظر
عن هويته الدينية، وأن الأديان لا تؤثر في كرامة الإنسان إيجاباً
ولا سلباً، وأننا يجب أن نعمل لمفهوم "الإنسان" بغض النظر عن
عقيدته, أو قول بعضهم لا تجعلوا الرأي الشخصي يفرق بين أبناء آدم،
أليس في ذلك مشاقة لكلام الله سبحانه وتعالى الصريح ؟ .. " (106)
و لسنا نفهم - في الحقيقة – عن أي "أنسنة" يتحدث الشقلباظيين و
الأكروباتيين من الحداثيين العرب ؟ .. أهي أنسنة الغرب الذي يسفك و
ينهب و يدمر ؟
و هل عند الغرب – صراحة – أنسنة بالمفهوم الذي يروج له كبير
الأكروباتيين أركون ؟ أركون الذي يدعو الغرب إلى أن يكون أكثر
وحشية – مما هو عليه الآن – و أكثر عنفا كما تقول الكاتبة
البحرينية "فوزية رشيد" في مقال تعقّب فيه على محاضرة أركون التي
ألقاها بالمحرق في مارس 2007 م بعنوان "ما بين الأنسنة و الحداثة
شرقا و غربا" ..
و هذا التحريش الأركوني يذكرنا بما خطه يراع الدكتور محمد عباس –
حفظه الله - في مقاله الأخير "عرس الشهيد" إذ قال في عبارة صريحة
هللت لها ملائكة الرحمن قبل تهليل ليوث الوغى :
" ليست المشكلة في العنف ؛ بل المشكلة أن ليس ثمة عنف "
و لو تنازلنا بعض الشيء للقوم ؛ فهل لأركون و أذنابه من عبيد
الشهوات أن يقدموا لنا إجابة شافية عن أنسنة الغرب ؟ بمعنى آخر :
هل أنسن الغرب علاقته بالشعوب ؟ هذا هو السؤال الفاصل ..
ماذا فعلت أمريكا بالهنود الحمر ؟
تقول الدكتورة زينب عبد العزيز في مقال خطير نشرته "الشعب" المصرية
الالكترونية بتاريخ 27 ماي 2007 م
" ومساء يوم الجمعة ، 18 مايو الحالى ، أعلن هوجو شافيز ، رئيس
فينزويلا ، فى حديث معلن فى الإذاعة والتليفزيون ، مطالبا البابا
بنديكت السادس عشر بتقديم إعتذاره لهنود أمريكا اللاتينية عن تلك
التصريحات التى قالها عن تبشير القارة ، موضحا : " لقد جرى شىء
أكثر بشاعة من المحرقة التى وقعت أثناء الحرب العالمية الثانية ،
ولا يمكن لأى شخص إنكار ذلك ، ولا يمكن لقداسته أن ينكر محرقة
الأبوريجين على هذه الأرض ".
وإذا ما ترجمنا الحدثين بالأرقام ، فإن محرقة العصر الحديث تقدّر
بستة آلاف شخصا ، أما المحرقة التى سببها الغزاة الكاثوليك الإسبان
فتتعدى الثمانين مليونا من البشر. وقد إختتم شافيز حديثه قائلا : "
إن قول الحق لا يهين أى أحد " !.
وأول ملاحظة نبدأ بها هى : التعتيم على تلك الوقعة فى وسائل
الإعلام وحصرها بسرعة لافتة ، خاصة طلب الرئيس هوجو شافيز من
البابا ليقدم الإعتذار عن تصريحاته التى تخالف الحقيقة التاريخية
المعاشة ، كما تم سحبها من أغلب المواقع الإلكترونية التى نشرتها.
لذلك يبدو من المفيد والهام معا أن نرجع إلى كتابات الأب لاس كازاس
، إلى ذلك القس الفرانسيسكانى الذى كان قد سافر مع الغزاة عام 1502
للإشتراك فى عمليات التبشير ، لكنه سرعان ما أصابه الهلع والإعياء
من العنف والوحشية التى مارسها إولئك الغزاة على الأهالى وعدم
الإكتراث بحياة الهنود ، خاصة فى كوبا ، حيث بدأت رحلته وشاهد من
المذابح ما أصابه بالجذع . فراح يدوّن ما عاصره فى عمل ضخم مكون من
ثلاثة أجزاء تضم 2310 صفحة. وكان المخطوط قد ظل ممنوعا من النشر
لمدة ثلاثة قرون. ثم تم نشره بالإسبانية عام 1986 ، ثم تمت ترجمته
إلى الفرنسية ونشر عام 2002.
وكان الأب بارتولوميه قد قام بالعديد من المحاولات للدفاع عن حياة
السكان الأصليين. ففى عام 1531 كتب "رسالة إلى مجلس الأمريكتين" ،
حيث تساءل فيها : "لماذا إذن بدلا من إرسال خراف آمنة لتنصير
الذئاب ، أرسلتم ذئابا جائعة ، مستبدة طاغية ، قامت بتقطيع الأهالى
، وقتل وإزلال وإرهاب الحملان الوادعة ؟"..
إلا أنه واجه مقاومة شديدة من الغزاة المستعمرين وثورتهم عليه. وقد
هوجم حتى إضطر إلى الإستقرار فى أحد الأديرة ليكرس حياته للكتابة.
وبخلاف ذلك الكتاب المكون من ثلاثة مجلدات ، كان لاس كازاس قد كتب
"إختصار شديد لهدم الأمريكتين" عام 1552 ، وأرسله إلى ملك إسبانيا
دون فيليب ، وتم نشره أثناء حياته. وهو عبارة عن وثيقة إتهام كتبها
من واقع الحياة من حوله ، وضمّنها كل الأهوال والبشاعات والمآسى
التى إرتكبها الغزاة وأطماعهم. الأمر الذى ضاعف من مواقف العنف ضده
حتى بعد وفاته.
فقد رأينا الإستشهاد ببعض الفقرات الواردة بهذا الكتاب الصغير ،
المكوّن من 154 صفحة ، لنعطى فكرة سريعة عن مجرى الأحداث آنذاك ،
آملين أن نعيد الحياة إلى صرخات الأب لاس كازاس ، الذى تم إعتباره
عن وجه حق ، أول المدافعين عن حق الهنود الحمر المقهورين. وتجدر
الإشارة إلى أنه لم يتناول المذابح التى دارت على تلك القارة بصورة
إجمالية ، وإنما تناول ما حدث فى كل جزء منها حتى فى أصغر الجزر :
" ما أن وصل الإسبان إلى تلك الحملان الوادعة حتى انهالوا عليهم
كالذئاب والنمور والأسود الضارية الجائعة. ومنذ أربعين عاما وحتى
اليوم ، لم يكفو عن تقطيعهم وقتلهم ومضايقتهم وابتلائهم وتعذيبهم
وتهديمهم بطرق وحشية غريبة ، مبتدعة ومتعددة، لم نرها ولم نقرأ
عنها ولم نسمع عنها من قبل. سأقص بعضا منها فيما بعد. ولقد كانت
هذه الجرائم من البشاعة حتى أنه من ثلاثة ملايين نسمة على هذه
الجزيرة لا يبقى منهم اليوم حوالى مائتين " (صفحة 50 ).
" خلال هذه الأعوام الأربعين مات هنا أكثر من اثنى عشر مليونا من
الرجال والنساء والأطفال ظلما وعن غير وجه حق ، بسبب طغيان
المسيحيين وأعمالهم الجهنمية. أنه رقم صحيح صادق. وفى الواقع انه
أكثر من خمسة عشر مليونا" (صفحات 51 – 52 ).
" بدأ المسيحيون المجازر وأعمال العنف البشعة باحصنتهم وسيوفهم
وحرابهم ضد الهنود. كانوا يدخلون القرى ولا يتركون فيها حيا لا
أطفال ولا مسنين ولا نساء حوامل أو مرضعات إلا وبقروا بطونهم
ومزقوهم إربا ، وكأنهم يهاجمون قطيع من الخراف المختبئة فى
حظائرهم. وكانوا يتراهنون على من منهم يمكنه شق رجل بضربة سكين ،
أو أن يقطع عنقه بضربة سيف ، أو يدلق أمعاؤه بطعنة واحدة! وكانوا
ينزعون الأطفال وهى ترضع ويمسكونها من أقدامها ويهشمون رؤسهم على
الصخور. وكانوا يلقون بغيرهم فى النهر وهم يضحكون ، وعندما يسقط
الطفل فى الماء يصيحون : " إرتعص أيها الغبى !" . وكانوا يخرقون
الأطفال وإمهاتهم وكل من معهم بالسيوف. ويقيمون المشانق الطويلة
ويعلقون عليها جماعات مكونة من ثلاثة عشر شخصا ، تحية للمسيح
وحوارييه ، ويشعلون نيرانا خافتة تحتهم حتى يحترقون ببطء وهم
أحياء. بينما يقيدون غيرهم على كومة من التبن الجاف ويشعلون فيهم
النيران ، بينما يفصلون أيدى البعض ويتركونها مدلاه من الجلد
ويطلبون منهم إبلاغ الرسالة للفارين من عذاب الغزاة .. أما رؤساء
القبائل فكانوا يشعلون لهم راكية بالسياخ كشى الخراف ويشعلون تحتهم
النيران الخافتة حتى يموتوا بصيحات وآلام مرعبة " (صفحة 55).
" لقد أدخلوا الأهالى بحيلة ماكرة فى هنجر للقش وأشعلوا فيهم
النيران واحترقوا جميعا وهم أحياء. أما الباقون فقد قتلوهم بالحراب
وبالسيوف. أما الملكة أناكاونا فقد أعدمها الغزاة تكريما لها. وكان
بعض المسيحيين يأخذون بعض الأطفال بزعم حمايتهم ثم يردفونهم على
الجياد ويأتى أحد الإسبان بحربة ويدفعها لتخترق الطفل حتى رأسه.
وإذا ما وجدوا طفلا على الأرض بتروا له ساقيه بالسيف " (صفحة 60 ).
" إن هذا الحاكم وفرقته قد اخترعوا وسائل جديدة من الوحشية
والتعذيب لإجبار الأهالى على الكشف عن الذهب وتسليمه لهم. وخلال
حملة من هذه الحملات قام أحد ضباطه بقتل أكثر من أربعين الف شخصا
لسرقة ما لديهم من ذهب قبل إبادتهم بفرقته. وقد كان القس فرانسيسكو
سان رومان حاضرا وشاهد المذبحة بعينيه. وكان الضابط قد أمر بالقتل
بالسيف وبالحرق أحياء ، وقذف بهم إلى الكلاب الوحشية المدربة على
نهش الآدميين بعد أن نكّل بهم بأشد أنواع العذاب " (صفحة 70 ).
" عند الفجر وبينما كان الأبرياء نائمون بجوار زوجاتهم وأبنائهم ،
قام الغزاة بحرق القرية وكلها من القش فاحترق الجميع أحياء أطفالا
ونساء ورجالا قبل أن يفيقوا من الصدمة. كانوا يقتلون من يشاؤن ،
ويعذبون حتى الموت من يأسرونهم أحياء لكى يدلوهم على الطريق إلى
القرى الأخرى التى بها الذهب. ومن بقى منهم قاموا بكيّهم بالنار
وجعلهم عبيدا. وعند إنطفاء الحرائق بدأ الإسبان فى البحث عن الذهب
الموجود تحت أنقاض البيوت. وبهذا الأسلوب الهمجى وبتلك الأفعال
المشينة تصرف القائد وكل المسيحيين الذين كانوا تحت إمرته ، وذلك
من 1514 إلى 1521 أو 1522 (...). وكان ضباط الملك يقومون بنفس
الشىء ، وكل واحد منهم يرسل خدمه للحصول على الذهب ، ورئيس
الأساقفة فى هذه المملكة كان يرسل خدمه أيضا للحصول على نصيبه من
الغنيمة"(صفحة 71 ).
" فى عام 1518 أخذ من يقولون على أنفسهم أنهم مسيحيون ، راحوا
ينهبون ويقتلون بينما يدّعون أنهم يعمّرون هذه البلاد. ومن 1518
وحتى اليوم ، فى 1542 ، قد مارس المسيحيون فى بلاد الإنديز من
الظلم والعنف والطغيان ما فاق الوصف. وذلك لأن المسيحيين قد فقدوا
خشية الله وخشية الملك ونسوا من هم أصلا. إن عمليات النهب والوحشية
والإغتيالات والهدم وتهجير الأهالى ، والسرقات والعنف وأعمال
الطغيان التى مارسوها فى عدة ممالك من هذه الأرض من الكثرة
والأضرار البالغة بحيث أن كل ما قلته فيما سبق لا يعد شيئا
بالمقارنة بما تم فى هذه المنطقة ، حتى وإن قلت كل شىء ، لأننى
أكتم الكثير. فهو لا يقارن لا عددا ولا من حيث الأضرار ، من سنة
1518 حتى يومنا هذا فى 1542 " ( صفحة 78 ).
" لقد ذهب أحد الإسبان لصيد الغزلان أو الأرانب مع كلابه ، ولم يجد
شيئا يصطاده. وفى طريق العودة كانت كلابه جائعة ، فأخذ طفلا من أمه
وراح يقطع ذراعيه وساقيه والقى لكل كلب نصيب أولا ، ثم القى بباقى
الجسد على الأرض لينهال عليه الكلاب" (صفحة 101 ).
" تلك هى أفعال الإسبان الذين ذهبوا إلى بلاد الهنود الحمر ، وما
أكثر عدد المرات التى باعوا فيها المسيح أو أنكروه من أجل تعطشهم
للذهب" (صفحة 104 ).
" على جميع المسيحيين الحقيقيين ، أو حتى من هم ليسوا كذلك أن
يعلموا ما يلى ، ويحكموا إن كانوا قد سمعوا من قبل على مثل هذا
الحدث : لكى يطعم الإسبان كلابهم كانوا يأخذون معهم فى الطريق
الكثير من الهنود الموثقين بالسلاسل ويسيرون كقطيع الخنازير. وكان
الإسبان يقتلون منهم ويقيمون مجزرة علنية من اللحم البشرى ، ويقول
أحدهم للآخر : إقرضنى ربع من أحد هؤلاء الأغبياء لأطعم كلابى إلى
أن أذبح آخرا ! وكأنهم يتبادلون أرباع من الخنازير أو من الخراف "
(صفحة 148 ).
"أننى أعلن أمام الله وبكل ما أومن به أننى لم أشر إلا إلى أقل من
عُشر ما حدث من حيث العنف والكم والقتل والخسائر والتهجير والسرقات
والنهب والقسوة والفظاظة، وخاصة العنف والظلم الذى وقع على الأهالى
فى هذه البلاد فيما مضى وحتى يومنا هذا" ( صفحة 148).
" لقد إنتهيت من هذا الكتيّب فى بلدة فالنس فى 8 ديسمبر 1532 ، فى
الوقت الذى لا يزال فيه العنف والقهر والطغيان والمذابح والسرقات
والهدم والخراب والدمار والإبادة والعذاب والمصائب التى أشرت إليها
لا تزال تمارس بكل قوة وفى كل مكان فى الإنديز وحيث يوجد مسيحيون.
إن المسيحيين أكثر وحشية وبغضا فى بعض المناطق أكثر من غيرها " (
صفحة 154 ).
أمن ضرورة لتحديد أنه لا تخلو صفحة من صفحات هذا الكتيّب المرير
المستفذ ، من مثل هذه النصوص البشعة التى إقترفها المسيحيون باسم
الصليب لفرض مسيحية الفاتيكان ، - وهى مآسى لا تزال ترتكب حتى
يومنا هذا بلا هوادة.. " (107)
أرأيت أخي القارئ ..
هل أتحدث عن مجازر الفرنسيين في الجزائر .. ؟
هل أتحدث عن مجازر الأمريكيين في فيتنام .. ؟
هل أتحدث عن مجازر الروس في أفغانستان و الشيشان .. ؟
هل أتحدث عن ضحايا الثورة البلشفية الثلاثين مليون الذين أبادهم
ستالين ..؟
هل أتحدث عن مجازر اليهود في فلسطين و لبنان .. ؟
هل أتحدث عن تصريحات القرصان المجرم بوش ( عضو جمعية الجماحم و
العظام) و الديوث الخنثى "بلير" حول صناعة "الأسمدة الزراعية" أم
أسكت ؟ من الأفضل أن أسكت ..
هل أتحدث عن النفايات الجرثومية التي ترمى في بلدان العالم
الإسلامي .. ؟
هل أتحدث حول الشكوك التي تحوم حول "فيروس السيدا" و خرافة
إفريقيته .. ؟
هل أتحدث عن تصفية المخابرات الأمريكية لكثير من المثقفين من
الأدباء و المفكرين و الفنانين بعد أن أدوا الخدمة .. ؟
هل أتحدث عن تصريحات اللقطاء الأمريكيين من جنود المارينز في
العراق المجيد – حرره الله - .. ؟
يقول الدكتور محمد عباس في رسالته التي يعتب فيها على الدكتور
القرضاوي : الموسومة : " ألفظها فإنها مسمومة " :
" لقد كتب "جون بالزار" من صحيفة لوس أنجيلوس تايمز يصف ما حدث في
حرب الخليج فيقول أن العراقيين كانوا : " مثل قطيع من الغنم أُخرج
من حظيرته، كانوا مصعوقين ومرتعبين، استيقظوا فزعين فارين من خنادق
النار، كانوا يُذبحون واحدا بعد الآخر على أيدي مهاجمين لا
يستطيعون رؤيتهم أو فهمهم . ومزقت بعضهم انفجارات قذائف مدفعية
عيار ثلاثين ملم. وسقط جندي وتلوى على الأرض وحاول النهوض، ولكن
انفجارا آخر مزقه إربا " .. ويقول الطيار الأمريكي ريتشارد وايت عن
الغارات الجوية على العراق أنها كانت "…. تكاد تشبه إضاءة المصباح
في المطبخ ليلا فتنطلق الصراصير مسرعة فتقتلها …"
الطيار الأمريكي المجرم "رون بالاك" يفخر: " عندما عدت جلست على
جناح الطائرة ورحت أضحك، ربما كنت أسخر من نفسي، أتسلل إلى هناك و
أضرب هنا و أضرب هناك، اقترب رجل منى وربت كل منا على ظهر الآخر …
ثم قال : يا إلهى، ظننت أننا قصفنا مزرعة، بدا و كأن أحدا قد فتح
بوابة حظيرة الخراف" أما القرصان الضابط "براين ووكر" فقد كان
يتطلع إلى المزيد من نفس النوع من القتل : " لا يوجد ما يمكن أن
يُخرجهم من أماكنهم مثل الآباتشى( طائرة هجومية)، سيكون الأمر مثل
صيد البط" …
" أحدث العرض الشامل للأسلحة المتطورة مجزرة جماعية لعدو لا حول له
ولا قوة…(…) استعملت الجيوش الأمريكية والبريطانية قاذفة صواريخ من
طراز ( MLRS ) وكل عربة من هذا النوع تستطيع إطلاق اثنى عشر صاروخا
لمسافة تزيد على عشرين ميلا، ويطلق كل صاروخ من هذا النوع ثمانية
آلاف قنبلة مضادة للأفراد…(…) في المراحل الأخيرة من الحرب أطلق
الجيش الأمريكي عشرة آلاف قذيفة ( MLRS ) في حين أطلقت القوات
البريطانية 2500 قذيفة أخرى…
" قنابل روك آى العنقودية تحتوى الواحدة منها على 247 قنبلة يدوية
ضد الأفراد تنفجر إلى ألفى شظية عالية السرعة كالموسى تمزق
الأشخاص…"
لقد حدث هذا مع العراق.. ومثله الآن يحدث في أفغانستان.. ولنقرأ
هذا التقرير الصحفي:
شهود عيان قليلون يمكنهم وصف ماذا حدث لقرية خورم بجنوب أفغانستان
مساء الأربعاء الماضي.. لا يوجد أحياء كثيرون.
ولكن المشهد واضح.. أكواخ من الطين وحظائر الماشية علي مسافة نحو
60 كيلومترا من جلال أباد دمرتها عاصفة نارية.
قال مسؤولون في حركة طالبان الحاكمة أن القرية سويت بالأرض في
الغارة الجوية الأمريكية التي قتلت حوالي 200 قروي.
قال حسين خان الذي سقط أولاده الأربعة قتلي في القصف الجوي ونجا
بفضل فراره عند سماع صوت طائرة أطالب أمريكا ألا تقتلنا .
ويقول مسؤولون انه تم انتشال 160 جثة من تحت الأنقاض وأن قرويين من
نجوع مجاورة لا يزالون يبحثون عن مزيد من الجثث حتى الأحد عندما
قام صحفيون جاءوا من باكستان بجولة في المنطقة.
ولم يصدر تعليق من واشنطن علي التقرير بيد أن مسؤولين في وزارة
الدفاع (البنتاغون) قالوا أنه منذ بدء الحملة للقبض علي أسامة بن
لادن المشتبه به الرئيسي في الهجمات المدمرة علي أمريكا في الشهر
الماضي قنبلة واحدة فقط أخطأت الهدف وأن ذلك كان بالقرب من كابول.
قال ضابط علي متن الحاملة كارل فينسون التي تقلع منها طائرات لقصف
أفغانستان أن القنبلة التي أخطأت الهدف ووزنها 900 كيلوغرام يمكن
أن تسبب رد فعل حاد لأي متواجد في دائرة قطرها اكثر من كيلومتر
مربع. وقال قرويون أن 20 إلى 25 قنبلة أو صاروخا انهالت علي
المنطقة في موجتين من الهجوم. قال الفلاح طوراي وهو مذهول وقد نجا
لأنه كان خارج البيت فقدت بناتي الأربع وبني وزوجتي في هذا الهجوم
.وكان يمسك بشطية مكتوب عليها (قنبلة مجنحة موجهة ) وكانت رائحة
الموت تلف القرية. وبين أنقاض أحد البيوت برزت ذراع وفي مكان آخر
ظهرت ساق بالقرب من وسادة ملطخة بالدماء. وانتثرت في الحقول
المجاورة جثث ماشية نفقت في الهجوم تحوم فوقها أسراب من الذباب.
وهناك أسئلة تجتاح إلى أجوبة.. شاهد الصحافيون نحو عشرة قبور
محفورة حديثا قال مسؤولون أنها لأطفال قتلوا في الغارة. وغير معروف
ماذا حدث لجثث أخري قال مسؤولون أنها انتشلت من تحت الأنقاض. ولكن
معروف أن أحكام الإسلام تستوجب سرعة دفن الموت .. وفي أحد مستشفيات
جلال أباد عالج الأطباء نحو 71 مصابا في الهجوم بينما رقد ثلاثة
أطفال عجاف عمرهم 18 شهرا وسنتين وثلاث سنوات قالت ممرضة أن
عائلاتهم قتلت بأكملها في الهجوم. قال مصاب آخر اسمه محمد (سبع
سنوات) وهو يرقد والأربطة تلف عينيه في عنبر مزدحم بالمستشفي الذي
يضم 450 سريرا كنت نائما عندما سقطت القنبلة. لا أعرف من أحضرني
إلى هنا ." (108)
يقول مالك بن نبي – رحمه الله - : " ما التاريخ منذ قرن من الزمان
إلا ملحمة للفكر الاستعماري , فالطفل الذي يولد في أوربا يشعر في
استقباله الحياة كأنما سبقت تهيئته للإستعمار ، فإذا ما أخطأ وجهته
لم يصرفه ذلك عن تغذية ذهنه بأفكاره، كما يتغذى هو من خيرات
المستعمرات . و لكن سرعان ما يعود اللهب ... فلقد انقلب الاستعمار
في الضمير الأوروبي إلى قومية عمياء ، آلت بعد تصفيتها و تقطيرها و
تكريرها إلى أسطورة " الجنس المختار " ، التي ستتخذ فيما بعد ذريعة
إلى بلوغ قمة البربرية ، و بذلك أدى قيام الاستعمار على أساس
احتقار الأجناس إلى نشوء " جنس أسمى " بين سائر أجناس البشرية
" و هكذا يتجرد المستعمر من حضارته في هدوء فيتوحش و ينحط , من حيث
أراد أن يفعل ذلك بالمستعمر، و لكن " من حفر مغواة لأخيه وقع فيها
" ، و بذلك تتم النبوءة ، فالرجل الاستعماري هو نفسه قد أصبح اليوم
معزولا عن حضارته ، فلم يعد يفهم ماهية مشكلاتها , فإن تعصبه
العنصري قد هاج من " نزعته الفردية " في النطاق القومي، و أوقد
نزوعه إلى الحرب في النطاق العالمي
" و بهذا رأينا المستعمر الذي تخلى عن كل وازع أخلاقي , فلم يعد
يتحفظ في شيء داخل المستعمرات ، يوشك أن يتخلى عن كل وازع داخل
بلاده أيضا . " أهـ (109)
و يقول الأستاذ محمد الهادي الحسني ( عضو جمعية العلماء المسلمين
الجزائريين ) :
" و أما الغربيين فقد اعتبروا شعوب آسيا و إفريقيا "حيوانات" و
أطلقوا عليها اسم "الماشية الإنسانية" ( جي دوبوشير : تشريح جثة
الاستعمار ص 234 و ميشال دوفيز : أوربا في نهاية القرن 18 ج 1 ص257
) و حتى عندما تظاهروا بتحريم الرق كانوا يمارسونه فعليا ' فقد
ألغيت العبودية نظريا ، و لكنها ولدت من جديد في الواقع' ( تشريح
جثة الاستعمار ص 290 ) و كان الأوروبيون في بعض المستعمرات
الآسيوية يلزمون العاملين في المزارع و المناجم بإحضار أكفانهم
معهم ( مصدر سابق ص 257 ). إن الدول الأوروبية استعبدت من نهاية
القرن الخامس عشر إلى منتصف القرن التاسع عشر ما يقرب من مائتي
مليون من السود و رحلتهم عن أوطانهم ( مصدر سابق ص 235 ) و قد وصل
الأمر ببعض الأوروبيين إلى الادعاء بأن الإفريقيين [ قد خلقوا
للاستعمار ] ( تشريح جثة الاستعمار ص 225 ) .. و هل هناك أبشع و
أشنع و أوقح من قول "شارل مونتيسكيو" في كتابه الذائع الصيت 'روح
القوانين' عن الجنس الأسود : " ليس من الممكن أن نسلم بأن الله – و
هو الموجود ذو الحكمة – قد أسكن نفسا – و نفسا خيرة على الخصوص –
في جسد أسود ، و محال أن نظن أن هؤلاء القوم بشر، فإن نظنهم بشرا
نعتقد أننا لسنا بأنفسنا مسيحيين " ( روح القوانين لمونتيسيكيو ص
63 الطبعة 1934 ) أهـ (110)
و رغم ذلك يدعو الأنسني أركون أسياده أن يكون أكثر غطرسة و وحشية
..
" إن المذهب الإنساني في الحقيقة رؤية رومانسية حالمة, إذ لا يوجد
أصلاً دولة من الدول اليوم شرقيها وغربيها تعمل للإنسان المطلق, بل
تجدها تميز في الجنس الإنساني إما على أساس وطني أو قومي أو عرقي
أو غير ذلك من المقاييس, فكيف نتقبل تمييز هذه الأمم بين المواطن
وغير المواطن, ولا نقبل تمييز الله بين المسلم والكافر؟!
ومن قدر له أن يعايش بعض الغربيين ولو لفترة محدودة، ويحاورهم حول
تصوراتهم عن غاية الحياة، ومعنى السعادة، ووظيفة المال، وقيمة
الإيمان، وتفاصيل نظامهم الاجتماعي، فستتأكد له الصورة التي رسمها
القرآن عن شخصية الكافر .
من رأى أولئك الكفار لاهثين في لجام الملاذ، منكبّين على الموائد,
لا يبالون مأتاها ومخرجها، ولا يرفعون رأساً بطيباتها من خبائثها،
ويتضاحكون عالياً في ليلة غاب عنها القمر، ولم يستعدوا للقاء الله
طرفة عين، فسيفريه العجب فرياً وهو ينظر إليهم ويتذكر قوله وتعالى
في سورة محمد:
{وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا
تَأْكُلُ الأَنْعَامُ}
فعلاً والله.. ألا ما أعظم هذا التشبيه الإلهي، أرأيت كيف تغيب
رؤوس الأنعام في قلال العشب لا ترفع أعناقها إلا لتعود مرة أخرى,
ليست مهمومة بلقاء الله، ولا تفكر في خالق ولا نبي ولا وحي ولا
عبادة ولا بعث ولا حساب ولا عذاب ولا مستقبل أخروي حتى يفجئها يومٌ
يقتص فيه للشاة الجلحاء من الشاة القرناء, فتلك حياة الكافر.
وانظر إلى كتاب الله كيف يعيد سبحانه هذا التصوير والتشبيه
بالأنعام مرة أخرى, مشيراً إلى علة ذلك وهي استغراق هؤلاء المساكين
عقولهم وحواسهم في تدبير معاشهم الحاضر والإعراض عن الاستدلال بها
على الله والاستعداد للقائه في الحياة المستقبلية القريبة, بل
جعلهم هذه المرة في مرتبة أحط من مرتبة الأنعام كما قال سبحانه في
سورة الأعراف:
{لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا, وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ
يُبْصِرُونَ بِهَا, وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا,
أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ, بَلْ هُمْ أَضَلُّ, أُوْلَئِكَ هُمُ
الْغَافِلُونَ}
بل زاد سبحانه وتعالى في بيان دناءة وخسة مرتبتهم فجعلهم سبحانه في
مرتبة أسوأ الدواب فقال في سورة الأنفال:
{إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ
لاَ يُؤْمِنُونَ}
وقال في موضع آخر من الأنفال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ
اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}
وفي موضع آخر من كتاب الله شبه الله سبحانه وتعالى نوعاً من الكفار
بأرذل من ذلك فقال سبحانه في سورة الجمعة:
{مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا
كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ
الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ}
وضرب الله سبحانه مثلاً آخر أشد بشاعة لنوع آخر من الكفار وهم
الذين بلغوا مرتبة من العلوم ولكنها لم تقدهم إلى الإيمان بالله،
فشبههم بما هو أقبح من كل ما سبق, فقال سبحانه في سورة الأعراف:
{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ
أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ
كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا}
فيا لله العجب، كيف صار كثير من الأذكياء في مرتبة الأنعام والدواب
في المعيار الإلهي؟! بل جعل بعض هذه أحياناً أشرف منهم! آيات
قرآنية كأنها ضرب من الخيال في عصر الأنثربولوجيا الفرانكفونية،
لكنها حقائق الوحي..
هذا بعض من صورة "الكافر" في كتاب الله، وهذه مرتبة الكافر في
المعايير الإلهية، وهي فقط نماذج أوردتها للمقارنة بفكرة المذهب
الإنساني الذي لا يفرق في جنس الإنسان على أساس الإيمان والكفر،
ليتبين حجم التناقض والهوة التي ارتكبها هذا المذهب البائس.
فكيف نكرم من قد أهانه الله، والله تعالى يقول:
{وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ
يَفْعَلُ مَا يَشَاء}.
يتيبس الذهول في نظرات المرء حين يرتطم بكارثة معاييره وموازينه
الشخصية وهي تتعارض مع معايير وموازين جبار السموات والأرض.
وإن كانت تلك المعايير والموازين الشخصية في كثير من الأحيان
معايير مضمرة غير معلنة, لكنها حقيقة غامضة تتنكر في زي التمدن،
وتمتح من نبع الهوى، وتظهر آثارها في خلجات الترحيب واستبشار
الوجوه.
هذه حقائق الوحي، وهذا حكم الله و قراره، وهذا قضاء جبار السموات
والأرض، إن كنا فعلاً نؤمن بالله، ونفخر بمضامين كلامه سبحانه،
ونلتزم بمقرراته، ونقدره حق قدره.
أما التحرج من حقائق الوحي، والتدسس عنها مجاملةً لوسائل الإعلام،
وتربيتاً على أكتاف الذوق الجماهيري الحديث، فلن تغير من حقائق
الوحي شيئاً إلا إن استطعت أن تحجب الشمس بكف أرعشها الخجل.
أفيكون ربنا سبحانه أهون الناظرين إلينا فنجاملهم على حساب وحيه
وحكمه وقضائه سبحانه، كيف ونحن نقرأ معيار صريح الإيمان (ثم
لايجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت)؟ " (111)
و ثمة حقيقة ذكرها الأستاذ إبراهيم السكران لا ينبغي أن تفوتنا في
هذه الدراسة لخطورتها إذ يقول :
" ومما انبنى على هذا "الميزان الإنساني" أن بعض غلاة المدنية إذا
تعرض لبعض الشخصيات غير المسلمة ذات الوزن التاريخي إما بسبب منجز
معرفي أو بسبب نزعة سلمية فإن بعضهم يتجرأ ويجزم بأنه في "الجنة"
وأنه لا يمكن أن يدخل "النار" حتى لو كفر بالإسلام.
ومن الإنصاف أن أذكر أن ثمة فئة من غير المسلمين صادقة في أحاسيسها
ومشاعرها، ومخلصة في بذلها لا تطلب مصلحة، ولا حمية لقومها، ولا
رياء وظهوراً، ولا حباً في الذكر الحسن، ولا جاهاً عند الناس، ولا
طلبا لاحترام الآخرين، وإنما هي نزعة إنسانية رؤوفة محضة من بقايا
الفطرة الربانية فيهم، وهذه الفئة المتجردة من حظوظ النفس -وان
كانت محدودة عزيزة الوجود بطبيعة الحال- إلا أنه ماذا ستنفعها كل
أخلاق الدنيا طالما أنها كافرة بـ "نبوة محمد" صلى الله عليه
وسلم؟! ماذا تنفع الإنسان كل أعمال الدنيا إذا كانت نفسه لم تعمرها
الضراعة والإخبات ولم تتزك بالعلم بالله ومعاملته سبحانه وتعالى؟!
هذا "أبو طالب" لم يؤذِ مسلماً واحداً، بل كان أذاه للكفار، فقد
كان سنداً لرسول الله صلى الله وسلم في دعوته فنصره وحامى عنه،
وتلطف له وأحبه، بل لقد كان في نفسه يعلم صدق خبر محمد عن نبوته،
وبذل جاهه وشيئاً من سمعته في سبيل الذود عنه، بل وأوذي فيه، وما
تطاول الكفار على النبي صلى الله عليه وسلم حتى مات أبو طالب، ومع
ذلك هو في ضحضاح من نار، بل لقد نهى الله ابن أخيه محمد صلى الله
عليه وسلم الذي انتفع بحمايته من أن يدعوا له، ولم يجعل ذلك أبسط
الوفاء له! وما ذاك إلا لأنه أعرض عن الانصياع التام لحكم الوحي.
وهذا عبد الله بن جُدعان ملأ الجزيرة العربية بالأعمال الإنسانية
المحضة من إغاثة الملهوفين وإيواء الضعفة ومع ذلك لم ينفعه ذلك
لأنه لم ينكسر يوماً بين يدي الله كما روى الإمام مسلم في صحيحه عن
عائشة قالت: قلت يا رسول الله ابن جدعان كان في الجاهلية يصل الرحم
ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟ فقال صلى الله عليه وسلم:
(لا ينفعه، إنه لم يقل يوما رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين)
وهذا حاتم الطائي كان يتعشق الإحسان للناس في جزيرة قاحلة، ويبذل
من ماله الخاص ليطعم الجائع ويكسو العاري، ومع ذلك لم ينفعه ذلك في
ميزان الله لا لشيء إلا لأنه لم يؤمن بالوحي، فقد روى أصحاب السير
أنه لما وصلت "سبايا طيء" وقفت ابنة حاتم الطائي وقالت لرسول الله
صلى الله عليه وسلم : إن أبي كان يحمي الذمار، ويفك العاني، ويشبع
الجائع، ويكسو العاري، ولم يرد طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم طيء،
فقال رسول الله :
(يا جارية هذه صفة المؤمنين حقاً, ولو كان أبوك مسلما لترحمنا
عليه..)
فليس لأعماله وزن في ميزان الله لأن "قبول هذه الأعمال معذوق
بالإيمان" كما يعبر ابن كثير رحمه الله .." (112)
قلت : و هذا حق .. ألا ترى قوله تعالى : { و ذر الذين اتخذوا دينهم
لعبا و لهوا و غرتهم الحياة الدنيا و ذكّر به أن تبسل نفس بما كسبت
ليس لها من دون الله ولي و لا شفيع و إن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها
أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم و عذاب أليم بما
كانوا يكفرون }الأنعام70.
قال الحافظ ابن كثير : " أي دعهم وأعرض عنهم وأمهلهم قليلاً فإنهم
صائرون إلى عذاب عظيم، ولهذا قال وذكّر به، أي ذكّر الناس بهذا
القرآن، وحذرهم نقمة الله وعذابه الأليم، يوم القيامة، وقوله
تعالى: {أن تبسل نفس بما كسبت} أي لئلا تبسل، قال الضحاك عن ابن
عباس ومجاهد وعكرمة، والحسن والسدي: تبسل تسلم، وقال الوالبي عن
ابن عباس: تفتضح. وقال قتادة: تحبس، وقال مرة وابن زيد: تؤاخذ،
وقال الكلبي: تجزى، وكل هذه الأقوال والعبارات متقاربة في المعنى,
وحاصلها الإسلام للهلكة، والحبس عن الخير والارتهان عن درك
المطلوب، كقوله { كل نفس بما كسبت رهينة * إلا أصحاب اليمين }
وقوله {ليس لها من دون الله ولي ولا شفيع} وقوله {وإن تعدل كل عدل
لا يؤخذ منها} أي ولو بذلت كل مبذول ما قبل منها، كقوله {إن الذين
كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهباً} الآية،
وكذا قال ههنا {أولئك الذين أبسلوا بما كسبوا لهم شراب من حميم
وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} " أهـ كلام ابن كثير
و يقول الله تعالى : { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا * الذين ضل
سعيهم في الحياة الدنيا و هم يحسبون أنهم يحسنون صنعا } سورة الكهف
الآية 103 – 104 .
قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" :
" و هذا حال أرباب الأعمال التي كانت لغير الله تعالى، أو على غير
سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم ، و حال أرباب العلوم و الأنظار
التي لم يتلقوها عن مشكاة النبوة ، ولكن تلقوها عن زبالة أذهان
الرجال و كناسة أفكارهم فاتبعوا أقوالهم و أفكارهم و أذهانهم في
تقرير لآراء الرجال ، والانتصار لهم ، و فهم ما قالوه و بثه في
المجالس و المحاضر، و أعرضوا عما جاء به الرسول صلى الله عليه و
سلم صفحا .. " أهـ
فكيف يريد لنا معشر الشقلباظيين و الأكروباتيين من الإنسانويين أن
نستظل تحت سقف واحد ؟؟ المسلم و الكافر ، المهتدي و الضال ، الطيب
و الخبيث ، السوي و الشاذ ؟ إن هذا لأمر عجاب ..
فإذا كان السادة العلماء شددوا على مجافاة أهل البدع و عدم
مجالستهم و مخالطتهم فكيف بالكفار و المشركين ؟؟
و نختم هذا الجزء بكلمة طيبة للأستاذ سيد قطب – رحمه الله - :
" إن الذين يتحدثون عن كرامة الإنسان. أو عن حقوق الإنسان. أو عن
حرية الإنسان. أو عن إنسانية الإنسان .. في ظل أنظمة و أوضاع من
صنع البشر ، يعبد فيها العبيد العبيد .. إنما يتحدثون عن خرافة . و
إنما يخدعون أنفسهم أو يخدعون غيرهم بأن لهم كرامة الإنسان ، و
حقوق الإنسان ، و حرية الإنسان ، أو حتى إنسانية الإنسان ..
" إن ( الإنسان ذاته ) ، لا يوجد في ظل نظام من صنع البشر ، يعبد
فيه العبيد العبيد .. إنما يوجد الإنسان يوم يدين الناس كلهم لإله
واحد ، يتلقون منه منهج حياتهم ، و لا يدين بعضهم لبعض ، في صورة
من صور الدينونة ، في حال من الأحوال .
" و كرامة الإنسان . و حقوق الإنسان . و حرية الإنسان . و إنسانية
الإنسان .. لا توجد إلا يوم يوجد الإنسان ..
" إن جميع المقاييس التي يقيسون بها "التقدم" و "الرقي" و
"الحضارة" مقاييس سطحية ، و جزئية ، و خادعة . إنها تقيس تقدم
الآلة ، و ترقي السلعة ، و حضارة العبيد ..
" إن الإنسان الذي تقاس حضارته و رقيه و تقدمه بمقاييس الإنسان لا
يوجد في هذه الأرض . إلا في ظل وضع خاص .. ذلك يوم أن يخرج الناس
من عبادة العباد – جملة – إلى عبادة الله وحده .. عقيدة و عبادة و
حاكمية .. و لقد توافر ذلك الوضع الخاص يوم أن لم يكن لأحد على أحد
من سلطان – إلا سلطان الله – و يوم لم تكن لأحد ألوهية على أحد .
لأن الألوهية كانت كلها لله . و يوم أن كانت الدينونة لله وحده على
العباد كلهم في الدنيا و في الآخرة سواء .
" و حين يتحقق هذا الوضع .. و حينئذ فقط .. يمكن أن تحتسب فتوحات
العلم، و تيسيرات الصناعة، و جمال الفن، و الإبداع في عالم المادة
، كسبا لـ "الإنسان". لأن الإنسان يومئذ يكون في مقامه الكريم ،
مقام المستخلف عن الله في الأرض . العابد لله وحده دون سواه.
المتحرر من سلطان غيره و من سلطان هواه." أهـ (113)
يتبع إن شاء الله
ملحوظة : فهرس المراجع و المصادر تجده – أخي القارئ- في الجزء
الأخير من هذه الدراسة و الله الموفق
|
|
|
|
|