|
|
غزو مـن الداخـل
7 / 8
حول الفصل بين العلم و الدين
الجريمة
نظرة عامة |
| [بقلم: (محمد طيايبة)] |
|
| بسم الله الرحمن
الرحيم |
بـسم الله الرحمن
الرحيم
غزو مـن الداخـل
7 / 8
حول الفصل بين العلم و الدين
الجريمة
نظرة عامة
بقلم : محمد طيايبة
القسم الأول ( 1 / 4 )
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده .
يجمع جمع من الباحثين أن الشرارة الأولى للغزو الفكري اتقدت في ذهن
"لويس التاسع" (1214م - 1270م/611هـ - 669هـ) ملك فرنسا وقائد آخر
حملتين صليبيتين كبيرتين على العالم الإسلامي؛ فحينما هُزم في
الحملة الصليبية السابعة، وأُسر بالمنصورة سنة 1250م (648هـ) أتيحت
له فرصة التأمل والتدبر، فوضع مخططاً من أربعة محاور لغزو جديد
(سلمي) للعالم الإسلامي ..
" يقول المؤرخ النصراني "جوانفيل" الذي رافق لويس: إن خلوة لويس في
معتقله بالمنصورة أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسة التي
كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء المسلمين، وقد انتهى تفكيره إلى:
إن النعرة الدينية في الغرب لم تعد كافية لإثارة الحروب ضد الإسلام
والتغلب على المسلمين، فالحروب الصليبية أنهكت قوى الغرب البشرية
والمالية، ثم إن قوى الصليبين في الشرق أخذت في الاضمحلال
والانهيار ومات في قلب الصليبي ذلك الحافز الروحي الذي كان يحفزه
على خوض الحروب، ولا مطمع له فيها غير نصرة المسيحية.
كما أشار لويس إلى موقف مندوب البابا وحرصه الدائم على فوز الكنيسة
بأكبر نصيب من غنائم الحروب الصليبية.
ثم تساءل لويس: هل في وسع المسيحية أن تواصل وحدها الاضطلاع
بمحاربة الإسلام؟ وكان جوابه: أنه لم يعد في وسع الكنيسة أو فرنسا
وحدها مواجهة الإسلام وإن هذا العبء لا بد أن تقوم به أوروبا كلها
لتضييق الخناق على الإسلام، وتقضي عليه فيتم لها التخلص من هذا
الحائل الذي يحول دون تملكها لآسيا وأفريقية.
وهنا يضع لويس خيوط المؤامرة الجديدة على الإسلام والتي تقوم على
الأسس التالية:
أولا : تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية
تستهدف ذات الغرض، لا فرق بين الحملتين إلا من حيث نوع السلاح الذي
يستخدم في المعركة.
ثانياً:تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم
الاسلام ووقف انتشاره، ثم القضاء عليه معنوياً واعتبار هؤلاء
المبشرين جنودا للغرب.
ثالثاً:العمل على استخدام مسيحيي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب.
رابعاً:العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق الإسلامي يتخذها
الغرب نقطة ارتكاز لقواته الحربية ولدعوته السياسية والدينية، وقد
اقترح لويس لهذه القاعدة الأماكن الساحلية في لبنان وفلسطين.
" و يقول المستشرق (هانوتو) وهو مستشار سياسي لوزارة المستعمرات
الفرنسية في أواخر القرن التاسع عشر: "لقد تركزت أهداف الحروب
الصليبية قديماً في استرداد بيت المقدس من المسلمين البرابرة، ومما
يزعج الغرب المسيحي بقاء لواء الإسلام منتشراً على مهد الإنسانية،
ولذا يجب أن نعمل على نقل المسلمين إلى الحضارة الأوروبية بقصد رفع
الخطر الكامن في الوحدة الإسلامية وأفضل طريق لتثبيت ولاية
المستعمر الأوروبي على البلاد الإسلامية هو تشويه الدين الإسلامي،
وتصويره في نفوس معتقديه بإبراز الخلافات المذهبية والتناقضات
الشعوبية والقومية والجغرافية مع شرح مبادئ الإسلام شرحاً يشوهها
وينحرف بها عن قيمها الأصلية، وتمجيد القيم الغربية والنظام
السياسي والسلوك الفردي للشعوب الاوروبية"
وكان ما أراد .. حيث جند الغرب جيوشاً من المبشرين والمستشرقين
ودعاة التغريب من المفكرين والصحفيين والإعلاميين الذين قاموا
بحركة تشويه للإسلام بهدف تشكيك المسلمين فيه.
كما قاموا بإنشاء قاعدة نصرانية لهم في لبنان، ويهودية في فلسطين،
بالإضافة إلى ما قاموا به من تمزيق وحدة العالم الإسلامي عن طريق
إشاعة النعرات العصبية في العالم الإسلامي. (140)
يقول الأستاذ خالد أبو الفتوح في دراسة بعنوان "جذور العلمانية و
التغريب في العالم الإسلامي" :
" ففي أرض مصر إذن بدأ المخطط يدور في رأس لويس التاسع ملك فرنسا،
وبعد أكثر من 500 عام، وعلى ثغر الإسكندرية من أرض مصر أيضاً نزل
القائد الفرنسي نابليون بونابرت يُنفِّذ الحملة الفرنسية (علمانية
العقل صليبية القلب) على العالم الإسلامي سنة (1213هـ/1798م).
لم تستغرق هذه الحملة عسكرياً أكثر من ثلاث سنوات، ولكنها خلفت
وراءها زلزالاً كبيراً كانت أعدت له عدته، وكانت أحوال المسلمين
مهيأة له؛ وأهم ملامح هذا الزلزال ما يلي:
أولاً: أنها ابتدئت بالتلبيس بادعاء تحلي نابليون وجنوده بحُلَّة
الإسلام والمبادئ والأهداف السامية؛ فقد كان أول منشور لنابليون
متصدراً بما يلي: «بسم الله الرحمن الرحيم، لا إله إلا الله لا ولد
له ولا شريك له في ملكه»، وفيه أيضاً:« يا أيها المصريون، قد قيل
لكم إنني ما نزلت بهذا الطرف إلا بقصد إزالة دينكم؛ فذلك كذب صريح
فلا تصدقوه، وقولوا للمفترين: إنني ما قَدِمْت إليكم إلا لأخلِّص
حقكم من يد الظالمين، وإنني أكثر من المماليك أعبد الله ـ سبحانه
وتعالى ـ وأحترم نبيه والقرآن العظيم، وقولوا أيضاً لهم: إن جميع
الناس متساوون عند الله، وإن الشيء الذي يفرقهم عن بعضهم هو
(العقل) و(الفضائل) و(العلوم) فقط(!!)... أيها المشايخ والقضاة
والأئمة... قولوا لأمتكم إن الفرنساوية هم أيضاً مسلمون مخلصون،
وإثبات ذلك أنهم قد نزلوا في رومية الكبرى وخرَّبوا كرسي
البابا...» .
لقد كان هذا الأسلوب خطاً ثابتاً في سياسة نابليون أينما حل؛ فقد
كان يحرص في مثل هذه المسائل أن يستعمل دواءً من جنس الداء!، ولما
كان نابليون يُشخِّص داء الشعب المصري في تدينه؛ حيث إن «الأفكار
الدينية كانت على الدوام مسيطرة على الشعب المصري في شتى العصور»
... كان دواء هذا الداء عند نابليون هو استخدام «لقاح ضد الدين»،
فسياسة نابليون كانت قائمة على (ترويض) الدين لا مقاومته، وهذه
السياسة ذات أبعاد خطيرة، وسيكون لها أثرها الذي لا يستهان به في
آلية إدخال العلمانية والتغريب إلى العالم الإسلامي.
ولكنا نشير هنا إلى الثغرة التي حاول نابليون ورجال حملته
استغلالها لاختراق الفكر والشعور الإسلامي، ألا وهي الفكر
الإرجائي؛ إذ يبدو أن نابليون وقواده ـ وخاصة ساعده الأيمن (فينتور
دي بارادي) الذي قضى أربعين سنة يتجول في العالم الإسلامي قبل أن
يلتحق بالحملةـ كانوا يدركون جيداً تأثير الفكر الإرجائي على مشاعر
المسلمين ومواقفهم؛ ولذا: كانوا يستغلون رصيد انفصال القول (أو
الشعارات) عن العمل بمهارة واطمئنان، وقد كانوا أيضاً ـ امتداداً
لهذه السياسة ـ حريصين على إنفاذ الحج وإقامة الموالد! وإظهار
البهجة بأعياد المسلمين واحترام شعائرهم.
ثانياً: بدء تنحية الشريعة وإحلال بعض التنظيمات والدواوين (مجالس
الشورى) مكانها، وقد أسندوا معظم الدواوين إلى أناس غير علماء
بالشريعة، بل إن بعضها كان يرأسه نصارى؛ فمن ذلك ما يحكيه الجبرتي:
«شرعوا في ترتيب ديوان آخر وسمَّوْه محكمة القضايا، وكتبوا في شأن
ذلك طوماراً [أي: وثيقة] وشرطوا فيه شروطاً ورتبوا فيه ستة أنفار
من النصارى القبط، وستة أنفار من تجار (!) المسلمين، وجعلوا قاضيه
الكبير ملطي القبطي... وفوضوا إليهم القضايا في أمور التجار
والعامة والمواريث والدعاوى، وجعلوا لذلك الديوان قواعد وأركاناً
من البدع السيئة...» ، بل وصل الأمر إلى حد مناقشة النصارى الأقباط
والفرنج للمشايخ في مدى صلاحية أحكام شرعية منصوص عليها في القرآن
ومقارنتها بقوانينهم.
ثالثاً: التوجه إلى تهميش القوى الإسلامية المناهضة للتبعية للغرب
وتنحيتها، الذي تطور بعد ذلك إلى محاربة تلك القوى، كما وضح التوجه
إلى تدجين بعض المشايخ واستمالة أصحاب النفوذ والتأثير بشد وثاق
متين بينهم وبين الغرب وإدخالهم في نطاق التبعية لفرنسا، ومن
الحوادث ذات الدلالة على ذلك: محاولة نابليون تقليد شيخ الأزهر ـ
باعتباره رئيساً للديوان ـ وشاحاً يحمل ألوان علم فرنسا ورَفْض شيخ
الأزهر لذلك...
ومنذ ذلك الحين يحرصون على ألا يرقى الرئاسة إلا من يضع على صدره
وسام الرضى الغربي!.
رابعاً: في مقابل ذلك: ظهر التوجه الواضح إلى إبراز دور النصارى
والأقليات الدينية الأخرى وإعلاء قدرهم وإشراكهم في مراكز التأثير
واتخاذ القرار بصورة ملحوظة، وأحداث الحملة الفرنسية زاخرة
بالدلالة على ذلك.
خامساً: كما أشاعوا الفجور والتحلل الأخلاقي بواسطة نسائهم
وبغاياهم، وشجعوا الفسقة وضعاف النفوس من المسلمين على الخوض فيه
والتبجح به، وكان واضحاً حرصهم على إخراج المرأة المسلمة من إطارها
المعتاد.
سادساً: تدشين عهد النبش في الحضارات القديمة السابقة على الإسلام،
وإثارة النعرات الوطنية وروح الفخر بهذا الماضي الوثني، مع عد
المسلمين ضمن الغزاة لمصر؛ فمن ذلك قولهم في أحد المنشورات الموجهة
إلى الشعب المصري: «...وإن العلوم والصنائع والقراءة والكتابة التي
يعرفها الناس في الدنيا أُخذت عن أجداد أهل مصر الأُوَل، ولكون قطر
مصر بهذه الصفات طمعت الأمم في تملكه، فملكه أهل بابل وملكه
اليونانيون والعرب والترك الآن...»، وهذا أحد أسباب بذل جهودهم
المعروفة في التنقيب عن الآثار الفرعونية وإبرازها والاهتمام بها،
ومن ضمن هذه الجهود تأسيس معهد الآثار الفرعونية.
سابعاً: ظهور الحملة الفرنسية بمظهر الدولة الحديثة من تنظيمات
إدارية وعسكرية وعمران مدني، بل بمظهر الحرص على الرحمة والعدل بين
الناس في بعض الأحيان، تلك المظاهر التي بَعُد عهد المسلمين بها في
عهود تخلفهم وانحطاطهم، ففوجئوا بها تأتيهم على يد (الكفار).
ثامناً: وفي مقابل ذلك: وضح استعراض الحملة لقوتها العسكرية
وقدرتها العلمية؛ وذلك من خلال مظاهر البطش والتنكيل وإحراق القرى
والبيوت وإذلال المسلمين الذي كان أبرز أحداثه اقتحامهم الأزهر
بخيولهم وسكرهم وتغوُّطهم فيه، كما كانوا يتعمدون إظهار الفارق
العلمي بينهم وبين المسلمين، وذلك بإجراء بعض التجارب الكيميائية
والفيزيائية التي كان المسلمون يومها يحارون في تفسيرها.
تاسعاً: حاول نابليون إيجاد قاعدة دعائية له ولمبادئه العلمانية
التغريبية بإرسال (بعثات) إجبارية لبعض الأشخاص؛ ليشكلوا بعد
عودتهم تياراً يدعو إلى التغريب ويغير من تقاليد البلاد وعاداتها،
كما عمل على غزو المسلمين اجتماعياً باستخدام (الفن) والتمثيل، وقد
ذكر ذلك صراحة في رسالة بعث بها بعد رحيله من مصر إلى خليفته
كليبر، يقول في ختامها: «ستظهر السفن الحربية الفرنسية بلا ريب هذا
الشتاء أمام الإسكندرية أو البرلُّس أو دمياط، يجب أن تبني برجاً
في البرلس.
اجتهد في جمع (500) أو (600) شخص من المماليك، حتى متى لاحت السفن
الفرنسية تقبض عليهم في القاهرة أو الأرياف وتسفِّرهم إلى فرنسا،
وإذا لم تجد عدداً كافياً من المماليك فاستعض عنهم برهائن من العرب
أو مشايخ البلدان، فإذا ما وصل هؤلاء إلى فرنسا يُحجزون مدة سنة أو
سنتين، يشاهدون في أثنائها عظمة الأمة (الفرنسية) ويعتادون على
تقاليدنا ولغتنا، ولـمَّا يعودون إلى مصر يكون لنا منهم حزب يضم
إليه غيرهم . "
و يواصل الأستاذ خالد أبو الفتوح :
" وقد ظلت هذه الملامح نفسها هي ملامح الحملات العلمانية
(المحلية!) اللاحقة، ونلاحظ في نتائج هذه الملامح أنها ولَّدت
الآثار المطلوبة لقيام العوامل المساعدة بدورها التفاعلي، فإذا كان
الغزو الفكري المنظم لم يظهر بصورة كاملة، فإن الحملة حققت نجاحاً
ملحوظاً في الغزو النفسي والاجتماعي للمسلمين، وهو ما أدى إلى
هزيمة نفسية أمام الغرب لدى كثير من المسلمين، ومن ثم استعدادهم
للتلقي عن هذا المنتصر (حضارياً)، فالحملة الفرنسية أطلقت قبل
رحيلها رصاصة العلمانية والتغريب التي أصابت عقل الأمة بعد حين من
هذا الرحيل، أو بعبارة أخرى: قلَّبت الأرض الهامدة وأثارتها حتى
تهيأت لغرس البذور الفكرية الأولى للعلمانية والتغريب، وقد تولى من
جاء بعد الحملة مهمة غرس هذه البذور ورعايتها ثم قطف ثمارها. " (
أنظر موقع : مجلة البيان )
و هكذا .. لم ترحل جيوش الاستعمار من بلاد العالم الإسلامي حتى
أبرزت القيادات العلمانية السياسية و الفكرية التي " تقود مرافق
الحياة كلها في العالم الإسلامي، و تقوم " بتحضيره "، نعم ، و لكن
على أسس غير إسلامية ..
" و لم تنسحب حتى كانت قد " حررت " المرأة المسلمة .. حررتها من
دينها و أخلاقها و تقاليدها و أخرجتها إلى الشارع فتنة لنفسها و
للرجل على السواء ..
" و لم تنسحب حتى كانت قد بذرت في الأرض الإسلامية كل البذور
السامة الموجودة في العالم الغربي ، و لكن بدون عوامل القوة
الإيجابية التي تؤخر الدمار هناك ، بذرت الفوضى و التحلل الخلقي و
التمزق الأسري و الضياع الروحي و التمزق النفسي و القلق والإنتحار
و الأمراض العصبية و الخمر و الجريمة و الفردية الجانحة و
الإستهتار بالقيم و البحث عن المتاع المادي و الإستغراق فيه ..
" هل كان يتوقع لتلك الشعوب وقد بذرت فيها كل تلك البذور السامة أن
تنهض حقيقة ، و تتقدم حقيقة، و تسير حقيقة، على خط القوة و الصعود
؟..
" أم كان يتوقع لها الانتكاس الدائم و الضعف المستمر ، رغم كل
مظاهر التقدم المادي التي تطفو على السطح ؟ ..
" لقد رأى " العقلاء " بوادر ذلك كله و أنذروا شعوبهم ، فلم تستفق
هذه الشعوب لصوت النذير - إلا من رحم ربك – و ظلت تلهث كالمجنون
تستزيد من بذور السم و كلما أخذت جرعة تطلب المزيد " اهـ محمد قطب
" واقعنا المعاصر" ص 526 دار الشروق
" و العلمانيون في العالم العربي و الإسلامي كثيرون – لا أكثر الله
من أمثالهم – منهم كثير من الكتاب و الأدباء و الصحفيين، و منهم
كثير ممن يسمونهم بالمفكرين ، و منهم أساتذة في الجامعات، و منهم
جمهرة غفيرة منتشرة في وسائل الإعلام المختلفة، و تسيطر عليها، و
منهم غير ذلك .
" و كل هذه الطبقات تتعاون فيما بينها، و تستغل أقصى ما لديها من
إمكانات لنشر العلمانية بين الناس، حتى غدت العلمانية متفشية في جل
جوانب حياة المسلمين، نسأل الله السلامة و العافية. " (141)
و العلمانيون قسمان :
قسم يطلق عليهم العلمانيون الملحدون، ممن ينكرون الدين جملة و
تفصيلا ، و هؤلاء لا يلتفت إليهم باعتبار أن الإلحاد لا يستحق منا
دراسة جادة ، إذ لم يعرف عن أحد إنكاره وجود الخالق – سبحانه –
حقيقة ، حتى أن ما اشتهر عن فرعون في إنكاره وجود الله – سبحانه –
باطل و لا أساس له ، فقد كان يخلو ليلا بصنم يدعى "آمون" ليعبده ..
( راجع إن شئت : شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي ، و
معه فصل "الإلحاد" في كتاب مذاهب فكرية معاصرة لمحمد قطب ) ؛ بل إن
مروج الإلحاد "فلادمير لينين" راح يزحف على أربع في حجرة مظلمة ،
يرفع يديه إلى السماء الفينة بعد الأخرى ، و هو يصرخ : " اللهم
أنقذ روسيا " !! كان ذلك بعد أن أجمع الطغاة المجرمون الروس على
ترك الناس أن يذهبوا للكنائس ، و أن يعتقدوا في الله كما يحبون ..
و من يدري ؟ لعل الله استجاب للمسلمين فأنزل الثلوج لتصد زحوف
الجيش النازي على روسيا !! و هؤلاء الحكم بكفرهم أمر ظاهر ميسور
لكافة المسلمين ، و إن كان خطرهم عظيم من حيث محاربتهم الدين و
التنكيل بأولياء الله المؤمنين .
يقول الشيخ محمد قطب – حفظه الله - :
" إن كون الله هو الرب، وهو الخالق، عقيدة لا تحتاج إلى إرسال
رسول، فهي كامنة في أعماق الفطرة : { وإذ أخذ ربك من بني آدم من
ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا}
الأعراف 172
" و ما أرسل رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها، فالفطرة تعرف ذلك
بغير رسول. ولا أرسل رسول قط ليقول للناس إن هناك إلها فاعبدوه.
فالفطرة تتجه تلقائيا إلى عبادة الإله الذي تؤمن به.
" إنما أرسل الرسل جميعا ليقولوا للناس : ((اعبدوا الله ما لكم من
إله غيره} هود 50 – 84 – 61.
" ذلك أن مشكلة البشرية الكبرى لم تكن إنكار وجود الله، إنما كانت
هي الشرك. ودعك مما سرى في الجاهلية المعاصرة من إلحاد ينكر وجود
الله، فقد نشأ من ظروف خاصة، وله شياطينه الذين ينفخون فيه. ولكنه
لون خاص من الانحراف لم يقع بصورته تلك في أي جاهلية من جاهليات
التاريخ.
" والذين حكى القرآن عنهم أنهم قالوا : { ما هي إلا حياتنا الدنيا
نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر} الجاثية 24. وسموا بالدهريين،
كانوا على وجه اليقين منكرين للبعث، ولكن الآية لا تدل دلالة قاطعة
على أنهم كانوا ينكرون وجود الله. فقد نسبوا الموت إلى الدهر بمعنى
مرور الزمن، أي أنهم يولدون، ويحيون حياتهم، ثم يهلكون بمرور
الزمن، ثم لا يبعثون مرة أخرى بعد الموت. وهؤلاء كانوا مطموسي
البصيرة بلا شك. ولكنا لا نستطيع أن نقطع بأنهم كانوا منكرين لوجود
الله، وإن أنكروا قدرة الله على البعث. فقد كان مشركو العرب ينكرون
البعث، ولكنهم مع إنكارهم هذا – إذا سئلوا ((من خلق السموات
والأرض)) يقولون الله. وإذا سئلوا من خلقهم يقولون الله، كما سجل
القرآن عليهم : { ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}
لقمان 25 .{ ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} الزخرف 87.
" وأيا كان الأمر، فلئن وجد في القديم قلة من الناس ينكرون وجود
الله - وهو أمر مشكوك فيه – فلم يحدث قط – إلا في الجاهلية
المعاصرة – أن أصبح هذا اللون من الإلحاد (دينا) يدين به ملايين من
البشر، لظروف بيناها في غير هذا الكتاب [ راجع – إن شئت – فصل
"الإلحاد" في كتاب مذاهب فكرية معاصرة ]، وقام شياطين الإنس بنشره
في الأرض، وتبنته الشيوعية دينا رسميا لدولتها. ولكن ما أن انهارت
الشيوعية حتى عاد الناس في روسيا ذاتها إلى معتقداتهم الدينية
السابقة، وأقروا بوجود الله، أيا كان في معتقداتهم من انحراف!
" المرض الأكبر إذن في الجاهليات هو الشرك، وهو الذي أرسل كل رسول
لينتزعه من نفوس قومه. ثم أرسل الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم
لينتزعه من قلوب البشرية جمعاء، فآمن به من قدر له الهدى، وأبى من
أبى بقدر من الله . " أهـ محمد قطب ( لا يأتون بمثله ) الإعجاز
الدعوي ..
القسم الثاني : و هم العلمانيون الغير ملحدون ، و هؤلاء لا ينكرون
وجود الله ، و إنما ينكرون تدخل الدين في شؤون الحياة الدنيا ، و
ينادون بعزل الدين عن الدنيا ، و هنا مكمن الخطر !!
يقول الأستاذ محمد شاكر الشريف : " و هذه الصورة أشد خطرا من
الصورة السابقة من حيث الإضلال و التلبيس على عوام المسلمين ، فعدم
إنكارها لوجود الله ، و عدم ظهور محاربتها للتدين، يغطي على أكثر
عوام المسلمين حقيقة هذه الدعوة الكفرية، فلا يتبينون ما فيها من
الكفر لقلة علمهم و معرفتهم الصحيحة بالدين، و لذلك تجد أكثر
الأنظمة الحاكمة اليوم في بلاد المسلمين أنظمة علمانية ، و الكثرة
الكاثرة و الجمهور الأعظم من المسلمين لا يعرفون حقيقة ذلك .
" و مثل هذه الأنظمة العلمانية اليوم تحارب الدين حقيقة ، و تحارب
الدعاة إلى الله ، و هي آمنة مطمئنة أن يصفها أحد بالكفر و المروق
من الدين ؛ لأنها لم تظهر بالصورة الأولى ، وما ذلك إلا لجهل كثير
من المسلمين ، نسأل الله سبحانه و تعالى أن يعلمنا و سائر
المسلمين، وأن يفقه الأمة في دينها حتى تعرف حقيقة هذه الأنظمة
المعادية للدين.
و العلمانية في جميع صورها و أشكالها هي في الحقيقة ملحدة سواء
منها ما ينكر وجود الله ، و ما لا ينكر ؛ لأن أصل الإلحاد في لغة
العرب معناه : العدول عن القصد و الميل إلى الجور و الانحراف. و
إنما قلنا علمانية ملحدة، و غير ملحدة ، جريا على ما اشتهر عند
الناس اليوم : أن الإلحاد يطلق على إنكار وجود الله فقط ." اهـ
(142)
ها هم "بني علمان" اليوم يسيطرون على مقاليد الحكم في كافة أقطار
العالم الإسلامي ، يسوسون الشعوب المسلمة بحثالة أفكارهم و زبالة
أذهانهم في كافة المجالات السياسية و الاقتصادية و الاجتماعية و
العلمية و الفنية .. الخ. ما تركوا مجالا إلا داسوه و أفسدوه ، حتى
مجال الأحوال الشخصية لم يسلم من إفسادهم – عليهم سخائم اللعنة –
هذا فضلا على إذلالهم للمسلمين بمحاربة شبابهم و شيوخهم و نساءهم ،
بسفك دماءهم و نهبهم لثرواتهم و تقديمها لقمة سائغة لسيدهم الصليبي
، بلا مقابل سوى البقاء في الحكم ..
لقد وصل الأمر ببني علمان أن راحوا يسعون جادين – بإخلاص و تفاني –
للتمكين لليهود في أرض المسلمين بأن جندوا رؤوس المسلمين لحماية
إسرائيل و إمدادها بالزفت ، في الوقت الذي تغرق فيه غزة – غزة هاشم
- الصامدة ( مليون و نصف مليون نسمة ) في الظلام و الشلل حتى هلك
الأطفال و كثير من المرضى، و الدليل على ذلك هو قمة بيروت المنبطحة
و قمة الرياض المنسلخة ، و التي من بنودها وقف كل عمل عسكري ضد
اليهود لعنهم الله .. بمعنى آخر إعلان الحرب على كل من تسول له
نفسه جهاد اليهود و كنسهم من فلسطين الحبيبة ، و اعتباره بالتالي
"إرهابي" يستحق الإعدام أو المؤبد على أقل تقدير ..
أخي القارئ : إنني أخط هذه السطور، و أمامي صحيفة على صدر صفحتها
الأولى " أن مكتب التحقيقات الفدرالي ( أفـ بـي أي ) يسعى لفتح
مكتب له في الجزائر على هدى المغرب و مصر " لماذا يا ترى؟ لملاحقة
" قاعدة الجهاد في بلاد المغرب الإسلامي " لما – حسبهم – تلحقه من
أخطار و تهديد بالمصالح الغربية بمنطقة الشمال الإفريقي !! [ منذ
أكثر من شهرين كنت أتصفح منتدى جهادي ( البراق ) فإذا بصورة
بورنوغرافية أشد استفزازا مكتوب تحتها بالبنط العريض و باللون
الأحمر "مكتب التحقيق الفدرالي أف بـ أي" تطلع و تتلف كل ما حضرته
للتحميل – لعنهم الله – مما جعلني أعيد الإشعال ..! ]
إن العلمانية كفر بواح لا شك فيها و لا ارتياب، و أن من آمن بأي
صورة منها و قبلها فقد خرج من دين الإسلام و العياذ بالله ، فضلا
عن أنها نظام طاغوتي جاهلي يتنافى مع شهادة التوحيد "لا إله إلا
الله " من ناحيتين : كونها حكما بغير ما أنزل الله .. و الثانية :
كونها شركا في عبادة الله ..
و رغم ذلك ؛ مُنِعنا من التكفير .. و إلى المشتكى و لا حول و لا
قوة إلا بالله .
يسعى الطواغيت من بني علمان – لعنهم الله – على الإبعاد من الجيوش
و مراكز القرار – خاصة - كل من يشم له رائحة "تدين" أو "التزام"
خوفا أن يخرج الزرع شطأه و يستغلظ و يستوي على سوقه !
و قل مثل ذلك في الأوساط الإعلامية و التعليمية و التربوية ، تمكين
للمخانيث من الزناة و الزواني و اللوطية و السحاقيات من رقاب الأمة
، و لذلك ترى كثير من المتهوكين الذين فعل الانبهار بالغرب بهم
الأفاعيل سواء كانوا تربويين أو إعلاميين أو أكادميين يتبجحون
بأقوال ما أنزل الله من سلطان و لا سمعنا عنها في آبائنا الأولين
من السلف الصالح – رضي الله عنهم – و إنما وفدت عليهم أو معهم من
الغرب الكافر الذي يتخبط اليوم في عقده و يكتوي بنار علمانيته ..
من هذه الأقوال الفجة : القول بفصل العلم عن الإيمان !
و رغم أن الغرب بدأ يراجع نفسه في هذه المقولات حسب دراسات و أبحاث
كثير من أهل الغرب، إلا أن القرود و الببغاوات طغوا في بلادنا
فراحوا كما يقول أبو سليمان المنطقي السجستاني – رحمه الله - :
" تعبوا و ما أغنوا ، و نصبوا و ما أجروا ، و حاموا و ما وردوا ، و
غنّوا و ما أطربوا ، و نسجوا فهلهلوا و مشطوا ففلفلوا "
و ها هو الدكتور المصطفى تاج الدين أستاذ اللسانيات و الترجمة في
جامعة ظفار يردد طرفا من هذه المقولات في رده على الباحثة ( سهام
عبد الرزاق ) و الذي "أثاره" موضوعها و انزعج من منطلقاته حسب قوله
!
يقول صاحبنا الدكتور :
" لقد فات الباحثة الكريمة أنها خلعت جبة العالمة وارتدت لباس
المؤمنة، فمقدمتها المنطقية الأولى لا يسلم بها إلا من هم داخل
دائرتها الإيمانية " ........... إلى أن قال : " وفي الإطار
الإسلامي الضيق فإن القصص القرآني ينبغي النظر إليها من زاوية
الإيمان لا زاوية العلم حتى يقوم الدليل التاريخي بإثبات القصص دون
أن يعني هذا تشكيكا في صدقيتها التاريخية. " ..
إن صاحبنا الدكتور يردد نفس النغمات التي يعزفها الغرب، و كأن هذه
النغمات تصدر عن عازف واحد في أبواق متفرقة ، والعازف هو الغرب
المستعمر فعلاً ، والأبواق هم صنائعه المتفرقين في البلاد
الإسلامية .
يقول الدكتور محمد إدريس الطعان – حفظه الله - :
" لقد عبر "سارتر" عن هذه الصناعة بصراحة مدهشة عندما قال : "كنا
نُحضر أبناء رؤساء القبائل وأبناء الأشراف والأثرياء والسادة من
أفريقيا وآسيا ، ونطوف بهم بضعة أيام في لندن وباريس وأمستردام ،
فتتغير ملابسهم ، ويلتقطون بعض أنماط العلاقات الاجتماعية الجديدة
، ويرتدون السترات والسراويل ، ويتعلمون لغتنا وأساليب رقصنا وركوب
عرباتنا ، وكنا نزوج بعضهم من أوربا ، ونلقنهم أسلوب الحياة على
أثاث جديد ، وطرز جديد من الزينة ، واستهلاك أوربي ، وغذاء أوربي ،
كما نضع في أعماق قلوبهم أوربا ، والرغبة في تحويل بلادهم إلى
أوربا ، ثم نرسلهم إلى بلادهم حيث يرددون ما نقوله بالحرف تماماً
مثل الثقب الذي يتدفق منه الماء في الحوض ، هذه أصواتنا تخرج من
أفواههم ، وحينما كنا نصمت كانت ثقوب الأحواض هذه تصمت أيضاً ،
وحينما كنا نتحدث كنا نسمع انعكاساً صادقاً وأميناً لأصواتنا من
الحلوق التي صنعناها ، ونحن واثقون أن هؤلاء المفكرين لا يملكون
كلمة واحدة يقولونها غير ما وضعنا في أفواههم ، وليس هذا فحسب ، بل
إنهم سَلبوا حق الكلام من مواطنيهم".
لله در الأستاذ محمد إدريس الطعان على هذا النقل الواصف !
ويعلق - حفظه الله – في الهامش على هذا النص للعبثي "سارتر" و الذي
أخذه من كتاب "العلمانية بين الخرافة و التغريب" ص 27 للدكتور .
يحيى هاشم فرغل : "هذا الكلام الذي يتكلم به "سارتر" ينطبق تماماً
بالذات على بعض الحكام العرب الذين ما إن تنطق أمريكا بكلمة حتى
تجدهم كالخراف التي تجيب أمهاتها بالثغاء يرددون كل ما تقوله دون
خجل مثل ضرورة إخلاء المنطقة من أسلحة الدمار الشامل ، ووجوب تنفيذ
قرارات الأمم المتحدة عندما تكون ملزمة للعرب ومحاربة الإرهاب وغير
ذلك مما تراه أمريكا " .(143)
و الآن ندلف مباشرة لمناقشة صاحبنا الدكتور ..
إن صاحبنا الدكتور راح يفصل بين نزعتين فطريتين على هدى أسياده
الأنسنيين من الأكروباتيين و الشقلباظيين العرب و "البربر" بدون
تريث و لا روية ؛ فهو يقول بالنص :
" لقد فات الباحثة الكريمة أنها خلعت جبة العالمة وارتدت لباس
المؤمنة "
و المعروف أن الغرب هو أبو عذرة هذا الفصل المشين، إذ راح يفصل بين
نزعتين فطريتين متكاملتين : نزعة التعلم و نزعة العبادة، و ينشئ
بينهما عداوة لا وجود لها في أصل الفطرة ، و صداما لا ينبغي أن
يوجد في النفس السوية ، و ربما كان لهذا الفصل مبررات عندهم ، و إن
كانت مبررات واهية كما سيتبين لنا بعد قليل ..
و يحسن أن نبسط مسألة الفصل بين العلم و الدين كما حدثت في أوربا
حتى تنجلي لنا الهوة التي يهوي فيها القوم ، أو كما يقول المثل
الإنجليزي " حتى تتسلل الهرة من الحقيبة "
بيد أنه ينبغي لنا التأكيد أن العالم الإسلامي و منذ نزول سيدنا
جبريل عليه السلام على سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم في غار حراء
إلى حد اللحظة لم يعرف هذا الفصل المشين بين العلم و الإيمان، عدا
النشاز الذي يحدثه بني علمان منذ قرن على الأقل، بل إن تخلفنا يعود
بصورة مباشرة إلى هذا الفصل الذي استوردناه بلحمه و شحمه في القرن
الأخير، بل إن العالم الإسلامي و منذ قرنين يعيش تخلفا علميا فظيعا
بسبب بعده عن الإسلام ، و تسلط الطغاة على رقاب شعوبه بالتجهيل
المبرمج و التضليل المقنن .. و إلى المشتكى.
أشرنا في الجزء الثاني من هذه الدراسة إلى أن أوربا عاشت الطغيان
بكافة صوره من طغيان روحي و عقلي و علمي و مالي و سياسي و اجتماعي
.. الخ
أما الطغيان العلمي فيأتي متأخرا في الترتيب الزمني، إذ حدث في
القرن السادس عشر و السابع عشر الميلاديين، بينما كانت ألوان
الطغيان الروحي و العقلي و المالي و السياسي قائمة في العالم
المسيحي قبل ذلك بعدة قرون، و هو لون جديد من الطغيان غير الطغيان
العقلي الذي كان سائدا من قبل بمنع المناقشة و التفكير في أمر
الأسرار المقدسة المتصلة بالعقيدة، فقد كان هذا الطغيان الجديد
يفرض على العقول ألا تفكر في "أمر الكون" المادي بما تقتضيه
الملاحظات و المشاهدات العلمية، و أن تلتزم بالتفسيرات الكنسية لما
جاء من إشارات في التوراة على شكل الأرض و عمر الإنسان، و لو خالفت
هذه التفسيرات كل حقائق العلم النظرية و العلمية على السواء ..
يقول العلامة أبو الحسن الندوي – رحمه الله - :
" و لم يكتف رجال الدين بما أدخلوه في كتبهم المقدسة، بل قدسوا كل
ما تناقلته الألسن و اشتهر بين الناس، و ذكره بعض شرّاح التوراة و
الإنجيل و مفسريها من معلومات جغرافية و تاريخية و طبيعية، و
صبغوها صبغة دينية، و عدوها من تعاليم الدين و أصوله التي يجب
الاعتقاد بها و نبذ كل ما يعارضها ، و ألفوا في ذلك كتبا و تآليف،
و سموا هذه الجغرافية التي ما أنزل الله بها من سلطان الجغرافية
المسيحية، و عضوا عليها بالنواجذ و كفّروا كل من لا يدن بها " أهـ
" فارتكبت الكنيسة بذلك خطأين فادحين في آن واحد :
أحدهما : تحريف حقائق الوحي الإلهي و خلطها بكلام البشر .
الثاني : فرض الوصاية الطاغية على ما ليس داخلا في اختصاصها.
أما الخطأ الأول : مسؤول عن تسرب الخرافات الوثنية و المعلومات
البشرية – البولصية – إلى كثير من تعاليم المسيحية إذ جعلتها
الكنيسة عقائد إلهية تدخل في صلب الدين، و عدت الكفر بها كفرا
بالوحي و الدين .
و الخطأ الثاني : نشأ عن ضيق صدر الكنيسة بما يخالف تعاليمها
الممزوجة، و إصرارها الأعمى على التشبث بها ، فكان الامتداد
الطبيعي للطغيان الديني طغيانا فكريا عاما و حاسبت الناس، لا على
معتقدات قلوبهم فحسب، بل على نتائج قرائحهم و بنات أفكارهم، و
توهمت أن في قدرتها أن تملك ما لا تستطيع أية قوة طاغية أن تحتكره،
و هو "الحقيقة العلمية" فيما يتعلق بالتجربة المحسوسة أو النظر
العقلي السليم، و بذلك أقحمت نفسها في متاهات كانت غنية عن عبورها،
و أثارت على نفسها حربا ضروسا لا هوادة فيها و لا تمييز، و أول عمل
مارسته الكنيسة في هذا المجال هو احتكارها للعلم و هيمنتها على
الفكر البشري بأجمعه ،و قد كان أصحاب الميول الفلسفية في الدولة
الرومية سواء من رجال الكنيسة أو من المسيحيين العاديين متأثرين
بتراثهم الإغريقي في ميادين العلم و الفلسفة لا سيما آراء أرسطو و
بطليموس ، و قد بذلوا جهودهم في التوفيق بين معتقداتهم الدينية و
آرائهم الفلسفية، و نشأ عن ذلك فلسفة مركبة تسمى بـ "الفلسفة
المسيحية" ، و كانت هذه الفلسفة تشمل على معلومات تفصيلية عن
الكون، و كان لديها معلومات طبية تعتمد على إقامة الطقوس لطرد
الشياطين التي تجلب المرض و رسم إشارة الصليب و وضع صور العذراء و
القديسين تحت رأس المريض ليشفى . " (144)
و كانت هذه هي بداية الصراع المشؤوم بين الدين و العلم و الذي
انهزم فيه الدين المسيحي هزيمة منكرة و سقط رجاله سقطة لم ينهضوا
بعدها أبدا، فقد انفجر بركان العقلية في أوربا و حطم علماء الطبيعة
هذه النظريات الكنسية ، و أعلنوا اكتشافاتهم العلمية التي أثبتتها
التجارب الواقعية ..
"بدأت القصة ، أو بدأت الزوبعة حين قال العلماء : ( إن الأرض كروية
و أنها ليست مركز الكون ) و يعرف التاريخ الأوروبي من أبطالها
ثلاثة أسماء شهيرة غير الأسماء الأخرى التي لم تلمع على صفحات
التاريخ، و هؤلاء هم ( كوبرنيكوس ) و ( جوردانو برونو ) و (
جاليليو )
الأول : عالم فلكي بولندي عاش ما بين 1473 و 1543 .
الثاني : فيلسوف إيطالي عاش ما بين 1548 و 1600 .
الثالث : عالم فلكي إيطالي عاش ما بين 1564 و 1642 . .. " (145)
أما الأسماء التي لم تلمع على صفحات التاريخ الأوروبي – و إن كان
لها التأثير البالغ – فنذكر منها – على سبيل المثال – "كبلر" و
"نيوتن"
الأول : عالم فلكي و فيزيائي و رياضي يدعى "يوهانس كبلر" Johannes
Kepler ألماني عاش ما بين 1571 و 1630 م ، اشتهر بصياغته و تحقيقه
للقوانين الثلاثة لحركة السيارات و الكواكب، هذه القوانين هي الآن
معروفة تحت اسم "قانون كبلر" .
قبل و أقر "كبلر" نظرية كوبرنيكوس معتقدا بساطة و طبيعة نظام حركة
السيارات و الكواكب لكوبرنيكوس التي تقتضي أنها كانت مقصد "الإله"
الخالق ، نشر كتابه "سر الكون" 1596 و أيضا "تناسق العالم" سنة
1619 .
أما الثاني : فهو أكثر من معروف، إنه الفارس "إسحاق نيوتن" Sir
Isaac Newton اشتهر بنظرية الجاذبية ، عاش ما بين 1642 و 1727
رياضي و فيزيائي و فلكي انجليزي، يعتبر أحد كبار العلماء الطبيعيين
في التاريخ الأوروبي .
ولد "نيوتن" في السنة التي توفي فيها "غاليليو" و يعد عمله تتميما
لما بدأه غاليليو .. فقد كان هذا الأخير قد تكلم عن فكرة السرعة
التي كان يخلطها بفكرة التسارع ، ويوهانس كبلر أوضح أن الكواكب
تحوم حول الشمس على مدارات ذات شكل إهللاجي Elliptique فالحسابات
مستحيلة بواسطة رياضيات ذلك الزمن . يجب الآن على نيوتن أن يخترع
فرعا من الرياضيات و الذي يسمى حاليا حساب "التكامل و التفاضل" و
أن يعمق نظرية القوى و الحركات التي أسسها غاليليو ..
إذن .. هذين الإسمين لم يتعرضا لما تعرض له العلماء الثلاثة من
اضطهاد و حرق بعد محاكمات تاريخية شهيرة تحت الرعاية السامية لرجال
الدين ..
و كان من سوء طالع الكنيسة أن النظريات الكونية سبقت النظريات
الإنسانية في الظهور، و هي نظريات أثبتت الأيام صحتها – إجمالا –
بخلاف الأخرى، و بذلك قُدر للكنيسة أن تصطدم بالصحيح قبل الزائف ،
فلما خسرت معركتها معها سهلت الهزيمة أمام الأخرى ..
أول نظرية هزت الكنيسة نظرية كوبرنيكوس أو كوبرنيق الفلكية ، و قبل
هذه النظرية، كانت الكنيسة تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض
مركز الكون، و تقول : أن الأجرام السماوية كافة تدور حولها..
و للأمانة التاريخية نقول : أن نظرية كوبرنيق تعود إلى الفيلسوف
"فيتاغورس" كما نص على ذلك العلامة محمد فريد وجدي رحمه الله ، حيث
قال : " و لقد كان فيتاغورس 569 – 470 ق م رياضيا من الطبقة الأولى
، و ينسب إليه جملة نظريات هندسية و هو أول من قال بحركة الأجرام
السماوية حول الشمس، و هو الأمر الذي ثبت بالحس في القرن الخامس
عشر بواسطة الفلكي كوبرنيق " أهـ كلام وجدي .
فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديرا أن يقع في
قبضة محكمة التفتيش ، و لم ينج من ذلك لأنه كان قسيسا، بل لأن
المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل ، فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته
إلا أن الكنيسة حرمت كتابه الموسوم "حركات الأجرام السماوية" و
منعت تداوله و قالت أن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح
الإنجيل.
و ظنت أن الأمر قد انتهى ، و لكن رجلا آخر هو "جوردانو برونو" بعث
النظرية من جديد فقبضت عليه محكمة التفتيش و أودعته السجن ست ( 6 )
سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة 1600 م و ذرت رماده في الهواء
و جعلته عبرة لمن يعتبر ..
و لد جوردانو برنو Bruno Giordano في سنة 1548 في بلدة نولا في
نواحي نابل بإيطاليا و أعدم حرقا سنة 1600 م . اسمه الحقيقي فيليبو
برونو ، اطلع على فلسفة أرسطو ، و العقيدة التوماوية نسبة إلى توما
الاكويني ، كما انضم و انضوى إلى المذهب الكالفاني اللاهوتي
البروتستانتي الفرنسي ، خالط دكاترة جامعة أكسفورد ، كما جال في
البلدان الأوروبية و خاصة الجرمانية ، استضافه البطريق "زوان
موسينيكو" Zuane Mocenigo فرجع إلى بلده إيطاليا، و أصبح الوصي و
الممثل للبطريق البندقي ... بيد أنه في 1592 م أبلغ البطريق
البندقي عنه محكمة التفتيش التي حكمت عليه بسبب الهرطقة ، و أحرقته
حيا في 17 فيفري 1600 م في معتقل "داي فيرو" بـ "فلورنس" .. و يقال
: أنه قبل أن يشعلوا النيران قدموا له الصليب أمام عينيه ، فكان
يشيح بوجهه مصرا على موقفه الرافض ..
و بعد موته ببضع سنوات توصل "غاليليو" إلى صنع "التلسكوب" فأيّد –
تجريبيا – ما نادى به أسلافه نظريا ، فكان ذلك مبررا للقبض عليه و
محاكمته .. و هذه نبذة عن حياته لا بأس من ذكرها – هنا – حتى يتجلى
لنا بشاعة النظام الكهنوتي الجائر الغاشم . [ أرجو من القارئ
الكريم أن يتمالك أعصابه ]
"غاليليو غاليلي" 1564 – 1642 هو العالم الإيطالي و المسؤول الأول
عن تطوير المناهج العلمية أكثر من أي إنسان آخر . ولد في مدينة
"بيزا" Pise في 15 فيفري سنة 1564 م ، و درس في جامعاتها ، ثم توقف
عن إكمال دراسته لأسباب مالية، و رغم ذلك ، فقد حصل على وظيفة مدرس
في الجامعة 1589 م ، و بعدها بسنوات التحق بالتدريس في كلية "بادو"
و ظل هناك حتى سنة 1610 م و في تلك الفترة أنتج أعظم أعماله
العلمية ..
و أهم إنجازاته العظيمة كانت في الميكانيكا ، انتقد أرسطو في سرعة
سقوط الأجسام بعد أن قام بتجارب عديدة على ذلك ..
الجديد في تجارب "غاليليو" أنه وضع لها قواعد رياضية تصف حركة سقوط
الأجسام و سرعتها ، ثم إنه اكتشف قانون القصور الذاتي ، فقد آمن
بأن الجسم يبطئ في حركته إلا إذا تدخلت قوى أخرى و دفعته إلى
الحركة .. و لكن "غاليليو" اكتشف العكس أن الجسم يظل متحركا إلى ما
لا نهاية إلا إذا اعترضه جسم أو أي عامل آخر كالاحتكاك بالأرض أو
الهواء ، و هذا الاكتشاف الذي جعله "نيوتن" بعد ذلك القانون الأول
للحركة كان اكتشافا علميا ..
و في سنة 1629 م أثبت "غاليليو" أن الفلكي كوبرنيكوس على حق و أن
الشمس هي مركز الكون أو مركز عالمنا نحن ..
و في ذلك الوقت سمع "غاليليو" على أنهم اخترعوا "التلسكوب" في
هولندا فاستعان به و أدخل عليه تعديلات كثيرة، ثم وجهه إلى السماء،
و اهتدى إلى اكتشافات كثيرة ، نظر إلى القمر و اكتشف أنه ليس جسما
مستويا، و كذلك كل الأجسام السماوية .. كما نظر إلى "الطريق
اللبني" في السماء فلم يجد طريقا و لا لبنا ، و إنما هي مجموعة من
نجوم لا نهاية لها بعيدة جدا لا تدركها العين .. و نظر إلى الكواكب
و إلى الشمس ، و تجشم الصعاب و راح ينشر أبحاثه و اكتشافاته ضاربا
بمقررات الكنيسة عرض الحائط .
كل ذلك أعلنه دليلا على صحة نظرية كوبرنيكوس من أن الأرض و الكواكب
الأخرى تدور حول الشمس ..
فما الذي حدث ؟
عارضته الكنيسة في ذلك الوقت، و لما مات "البابا" جاء من بعده واحد
من المعجبين بـ "غاليليو" فتركه يمارس حريته العلمية ، و أمضى ست
سنوات أكمل فيها كتابه الشهير "حوار حول النظامين الفلكيين
المشهورين" .. و لم يكن يظهر هذا الكتاب حتى ثارت الكنيسة و قدمته
لمحاكم التفتيش باعتباره خارجا عن الكنيسة – أي مهرطقا -
أما الحكم الذي صدر ضده فلم يكن السجن ، و إنما فقط أن يلزم بيته،
دون أن يزوره أحد في بيته الأنيق ، أما العقوبة الأخرى التي كان
عليه أن ينفذها فهي : ( أن الشمس هي التي تدور حولها ) !! و كان في
التاسعة و الستين من عمره ، و يقال أنه نظر إلى الأرض و قال هامسا
: " و لكنها هي التي تدور " .. و الفضل العظيم لغاليليو هو إيمانه
بالتجربة و ليس بما يقوله الأقدمون أيا كانوا فلاسفة أو كانت
الكنيسة .
و على الرغم من أنه مات متدينا حتى آخر لحظة من حياته، فإنه رفض ما
تدعيه الكنيسة من أنها على حق و أن التجارب العلمية و الملاحظات
الفلكية كلها كاذبة ..
و يقال أن غاليليو حكم عليه سبعة من الكرادلة بالسجن وأمر بتلاوة
مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات حتى أشرف على
الهلاك، و خشي على حياته أن تنتهي مثل نهاية "برونو" ، حينها أعلن
ارتداده عن رأيه، و جثا على ركبتيه أمام "البابا" أريان الثامن، و
النطق بالاعتراف الآتي :
(( أنا غاليليو، في السبعين من عمري ، سجين جاثي على ركبتي و بحضور
فخامتك و أمامي الكتاب المقدس الذي ألمسه الآن بيدي : أعلن أني لا
أشايع بل ألعن و احتقر خطأ القول و هرطقة الاعتقاد بأن الأرض تدور
)) . فتراجع ظاهريا عن معتقداته و إن ظل مقتنعا بها في الحقيقة.
جاء في كتاب " الله أو الدمار " ما يلي :
" و لقد حكم ديوان التفتيش على غاليليو و هو في السبعين من عمره
لأنه رفض أن يتراجع – في البداية – عن نظريته العلمية بدوران
الأرض، و هذا هو نص الحكم الذي صدر ضده منذ حوالي أربعمائة سنة :
(( يا غاليليو ، ابن المرحوم فنسان غاليو من بلدة فلورنس البالغ من
العمر سبعين عاما : بناء على ما بلغ المجمع المقدس سنة 1615 من أنك
تؤمن بصحة المذهب الذي يدعو إليه الكافرون ،و هو أن الشمس هي مركز
العالم ،و أنها ثابتة ، و أن الأرض تتحرك حركة يومية فإن المحكمة
رغبة منها في منع الفوضى و الأضرار الناجمة عن ذلك، و التي تمنع
التصدي للإيمان المقدس، و بناء على أوامر سيدنا "بولص" الخامس و
أصحاب النيافة الكرادلة في هذه المحكمة العالمية العليا، يرى
اللاهوتيون أصحاب الرأي في التعريف أن القضيتين المتعلقتين بسكون
الشمس و حركة الأرض مناقضتان للعقل، و مغلوطتان في اللاهوت.
(( فالأولى : هرطقة صريحة ، و الثانية : خطأ في الإيمان ، فنحن
نقول و نرفض و نحكم و نعلن أنك أنت غاليليو المذكور أصبحت في نظر
المجمع المقدس محل شبهة قوية بالهرطقة ، باعتقادك و تمسكك بنظرية
خاطئة مناقضة للكتب الإلهية المقدسة ، و نحن نأمر بمصادرة كتاب
"محاورات غاليليو" بموجب مرسوم علني و نحكم عليك بالسجن الصريح
بالمدة التي سنرى تحديدها .. ))
صادر عنا نحن الكرادلة الموقعين أدناه .. " أ هـ
هذا .. و من العلماء الذين تعرضوا للحرق نذكر منهم "جون هس" 1415 و
"جيروم البراحي" و "جان دارك" 1598 و "فانيني" 1619 و غيرهم كثير
..
يقول الأستاذ محمد إدريس الطعان – حفظه الله - في دراسة قيمة حول
جذور العلمانية في أوربا ( نشر : منتدى التوحيد ) :
" لم يكن" جيوردانو برونو" أول من يعدم حرقاً ، فقد أعدم حرقاً
قبله "جيو فروي فاليه" أحد نبلاء فرنسا بتهمة الإلحاد مع أنه في
الواقع لم يكن ملحداً بل كان يقر بالألوهية ، ولكنه كان يناصب
الأديان العداء لأنها بنظره تبث الهلع في النفس البشرية ، ويرفض
اعتبار المسيح قدوة ونموذجاً يُحتذى به ، فأعدم حرقاً سنة 1574 م.
" وفي سنة 1587م أعدم "بومبو نيو راستيكو" في روما لأنه ذهب إلى أن
الحكايات الواردة في الكتاب المقدس لا تستحق غير الاستخفاف
والاستهزاء.
كان هذان الشخصان قبل "برونو" ، وقد أُعدم بعده عدد من المفكرين
ففي عهد الملك جيمس الأول 1566 – 1625 م أُحرق شخصان من المارقين
على الكنيسة الكاثوليكية هما "بارثو لوميو ليجات" ، "وإدوارد
وايتمان" ، أعدم الأول حرقاً سنة 1612م لأنه أنكر ألوهية المسيح
،واعتبره مجرد إنسان ، ولم يمض شهر واحد في نفس العام حتى أحرق
الثاني ، لأنه تشكك في التثليث ، ونفى أن يكون الله [ عز وجل ]
ثلاثة أقانيم ، ورفض قدسية العشاء الأخير ، وأنكر تعميد الأطفال .
" ثم خرج "جوليو سيزار فانيني" 1585 – 1619م على الناس بهرطقاته
الإلحادية فهو ينفي وجود الله لكي لا ينسب إليه الشر : ويقول : ""
كيف يمكن لإله غير مادي أن يخلق عالماً مادياً ؟ وينتهي إلى أن
العبادة الحقة ليست عبادة الله بل عبادة الطبيعة ، ويؤمن بخلود
المادة ، ويرى أن الحياة خرجت من الحرارة والعفونة ، وأن الأديان
من اختراع الحكام والكهان لاستذلال العباد . قُبض عليه وأعدم حرقاً
في مدينة "تولوز" وهو لا يتجاوز الرابعة والثلاثين من عمره.
" وفي فرنسا أُعدم قسيس اسمه "فيرانت بالافيسينو" سنة 1644 م لأنه
يعتبر الكنيسة تحتكر المعرفة ، وتعمل على تجهيل الناس لكي لا
يدركوا الحقيقة ، كما رأى أن الإباحية الجنسية شيء طبيعي .
" وفي اسكتلندا أنكر "جون الاسكتلندي" التثليث وألوهية المسيح وسخر
بالأديان ، وتجرأ على الذات الإلهية فقيل له ذات يوم : ألا تذهب
إلى الكنيسة ؟ فقال : ليذهب الله [ جل شأنه ] إلى حبل المشنقة .
قُبض عليه وأُدين سنة 1651 م فذهب هو إلى حبل المشنقة.
" هذه الإعدامات المتعددة في أنحاء أوربا للمفكرين هي نماذج
ذكرناها فقط لبيان أن واقع الكنيسة كان يفرض على المجتمع والأمة أن
تتكاتف وتتخلص من منابع الاستبداد والقهر والاضطهاد التي تعتمد
عليها الكنيسة ولم يكن ذلك إلا في " الدين " وهو ما بدأ الغرب يسعى
للتخلص منه وإلا فإن القتل كان بأعداد هائلة فقد قدر "لورنتي"
سكرتير التفتيش في إسبانيا عدد الضحايا فيها الذين تم إحراقهم من
سنة 1790 م إلى 1792 م بنحو ثلاثين ألف شخص . "
و يقول العلامة محمد قطب – رفع الله قدره و أمد في عمره- :
" و يقول التاريخ الأوروبي أن الكنيسة قد فزعت فزعتها تلك حفاظا
على كيانها الذي يقوم على الخرافة و يستند إلى انتشار الجهل بين
الجماهير، و أنها خشيت على هذا الكيان أن يتصدع و ينهار إذا انتشر
العلم ، و تبين الناس أن ما تقوله الكنيسة ليس هو الحقيقة المطلقة
في كل شيء . و لا شك أن هذا في جملته صحيح . و لكن هذه المقالة
تغفل شيئين مهمين في هذا الشأن ، أولهما : عن غفلة و الثاني : عن
قصد :
" أما الأول : فهو أن آباء الكنيسة و رجالها كانوا مخلصين في
صيحتهم – في أول الأمر على الأقل – لأنهم كانوا يتصورون أن ما جاء
في التوراة حقيقة ، و أن تفسيرهم له هو الصحيح ، و سبب ذلك هو
الجهالة التي كانت مخيمة على أوربا كلها، و على رجال الدين فيها
بصفة خاصة فقد كانوا من أقل الناس ثقافة و من أبعدهم عن تعلم العلم
الصحيح – إن وجد – اكتفاء بالمجد الروحي و السلطان الطاغي و
الأموال الطائلة التي يتمتعون بها بوصفهم " رجال الدين " . إنما
يجوز بالفعل أن يكونوا قد استمروا في حرب العلم – عن وعي و عمد –
فيما بعد خوفا على سلطانهم أن يتصدع حين يكتشف الناس أن شيئا مما
يقولونه كاذب لا أساس له، فيكون وجودهم كله عرضة لأن يوضع موضع
التساؤل و المساءلة .. فينهار !
" أما الأمر الثاني الذي يغفله المؤرخون الأوروبيون – عن عمد – رغم
ظهوره، فهو أن هذا "العلم" الذي قامت الكنيسة بحربه كان آتيا من
مصادر إسلامية، و كان يحمل معه خطر انتشار الإسلام في أوربا و من
ثم انهيار الكنيسة ذاتها حين ينهار الدين الذي تمثله و تدعي حمايته
!
" و أيا كان السبب فقد وقفت الكنيسة من العلم و العلماء ذلك الموقف
الشائن الذي ترتبت عليه – ككل خطايا الكنيسة و أخطائها – نتائج
بعيدة المدى في الحياة الأوروبية حتى اللحظة الراهنة ( سنتكلم فيما
بعد عن تأليه العلم ) فقد بدأ منذ تلك اللحظة الفصام الأحمق بين
العلم و الدين الذي ما يزال يغشى بدخانه الأسود حياة أوربا حتى
اليوم " (146)
كما أنه ينبغي لنا – و نحن بصدد الحديث عن الطغيان العلمي – أن لا
نغفل القول – إجمالا – عن ذلك الغول البشع الذي أقامته الكنيسة في
محاربتها العلم و العلماء ؛ ألا و هو "محاكم التفتيش" .
يقول المؤرخ الإنجليزي الشهير "ويلز" :
" شهد القرن الثالث عشر تطور منظمة جديدة في الكنيسة هي محكمة
التفتيش البابوية ؛ ذلك أنه جرت عادة البابا قبل ذلك الزمان بأن
يقوم في بعض الأحيان بتحقيقات أو استعلامات عن الالحاد في هذا
الإقليم أو ذاك ، و لكن "إنوسنت الثالث" وجد الآن في عقد الرهبان
الدومينيسكيين الجديد أداة قوية للقمع، و من ثم نظمت محاكم التفتيش
كأداة تحقيق مستديمة تحت إرادتهم ، و بهذه الأداة نصبت الكنيسة
نفسها لهاجمة الضمير الإنساني بالنار و العذاب، و عملت على إضعافه
مع أنه مناط أملها الوحيد في السيادة على العالم ..
" و قبل القرن الثالث عشر لم تنزل عقوبة الإعدام إلا نادرا
بالملاحدة و الكفار . فأما الآن فإن كبار رجال الكنيسة كانوا يقفون
في مائة ساحة من ساحات الأسواق في أوربا ليراقبوا أجسام أعدائها –
و هم في غالبية الأمر فقراء لا وزن لهم – تحترق بالنار و تخمد
أنفاسهم بحالة محزنة ، و تحترق و تخمد معهم في نفس الحين الرسالة
العظمى لرجال الكنيسة إلى البشرية فتصبح رمادا تذروه الرياح . "
(147)
و يصف لنا الشيخ عبد الرحمن سفر الحوالي – عفا الله عنه – بشاعة
محاكم التفتيش قائلا :
" و كانت هذه المحاكم تهاجم الوادعين في بيوتهم، فيحمل الرجل في
جوف الليل، و يعتقل الأشهر بل السنين ، و هو لا يدري ما هي التهمة
التي سيتهم بها ، لأن خصما له من الجيران قد أبلغ لمحكمة بأنه سمعه
يقول كيت و كيت عن الرؤيا أو عن الثالوث أو عن المعجزات، ثم إذا
أصر المتهم على إنكار ما ينسب إليه من التهمة جاز للمحكمة تعذيبه
بأن تقطعه أشلاء شلوا بعد شلو أمام عينيه و أن تقرض لحمه بالمقراض،
و أخيرا تحرقه !! .. و بفضل هذا الإرهاب عاش الناس تلك الأحقاب
ترتعد قلوبهم و ترتجف أوصالهم عند ذكر الكنيسة، بل وقف كبار
الفلاسفة و النقاد مبهوتين مطرقين لا يجرؤ أحدهم على التصريح بأنه
لا يؤمن بالمسيحية مهما كانت أرائه مخالفة لتعاليمها ..
" كانت المحكمة عبارة عن سجون مظلمة تحت الأرض بها غرف خاصة
للتعذيب و آلات لتكسير العظام و سحق الجسم البشري، و كان الزبانية
يسحقون عظام الأرجل أولا ثم عظام الصدر و الرأس و اليدين تدريجيا
حتى يهشم الجسم البشري كله ، و يخرج من الجانب الآخر كتلة كتلة من
العظام المسحوقة و الدماء الممزوجة باللحم المفروم، و كان لدى
المحكمة آلات تعذيبية أخرى، منها على آلة على شكل ثابوت تثبت فيه
سكاكين حادة، يلقون بالضحية في التابوت ثم يطبقونها عليه فيتمزق
جسمه إربا إربا ، و آلات كالكلاليب تغرز في لسان المعذب ثم تشد
فتقصه قطعة قطعة و تغرز في أثداء النساء حتى تتقطع كذلك ، و صور
أخرى تتقزز منها النفوس و تشمئز لذكرها .. " أهـ (148)
قلت : و هذه الصور التي ذكرها الشيخ سفر الحوالي قد شاهدتها بنفسي
في موسوعة "نادي أون كارتا" الفرنسية 2004 ، بل ثمة صورا أخرى أشد
بشاعة ، و عليه – أخي القارئ – إن كان حسك مرهفا أنصحك بعدم
مشاهدتها .. و لا حول و لا قوة إلا بالله . أما إن وددت رؤية هذه
الصور، فضع في محرك البحث في المرجع المذكور العبارة التالية : "
Trubunal d;inquisition "
و يقول الأستاذ الإمام محمد عبده – رحمه الله – واصفا موقف الكنيسة
من العلم و العلماء و الحريات :
" ... أنشئت المراقبة على المطبوعات، و حتم على كل مؤلف أو طابع أن
يعرض مؤلفه أو ما يريد طبعه على القسيس أو المجلس الذي عين
للمراقبة، و صدرت أحكام المجمع المقدس بحرمان من يطبع شيئا لم يعرض
على المراقب أو ينشر شيئا لم يأذن المراقب بنشره ..
" أنشئت محكمة التفتيش لمقاومة العلم و الفلسفة عندما خيف ظهورهما
بسعي تلامذة ابن رشد ، خصوصا في جنوب فرنسا و إيطاليا. أنشئت هذه
المحكمة الغربية بطلب الراهب "توما توركمادا" سنة 1481 و قامت
المحكمة بأعمالها حق القيام ، ففي ثمانية عشر سنة ( 18 ) من 1481
إلى 1499 حكمت على ( 10220 ) عشرة ألاف و مائتين و عشرين شخصا ،
بأن يحرقوا و هم أحياء ، فأحرقوا، و حكمت على (6860) ستة ألاف و
ثمانمائة و ستين شخصا بالشنق بعد التشهير، فشهروا و شنقوا، و على
سبعة و تسعين ألفا و ثلاثة و عشرون (97023) بعقوبات مختلفة فنفذت ،
ثم أحرقت كل توراة بالعبرية ..
" اشتدت محكمة التفتيش – بفروعها – المنتشرة في أوربا في طلب
المجرمين ( أي : طلاب العلم ) ، و نيط بها كشف البدعة و الحكم فيها
مهما اشتد خفاؤها : في المدن ، في البيوت ، في السراديب ، في
الأنفاق ، في المخازن ، في المطابخ ، في المغارات ، في الغابات ، و
في الحقول ، فوفت بما كلفت به ..
" و زيد على ذلك بأن قرر مجمع "لاتران" أن يكون من وسائل الاطلاع
على أفكار الناس، و الاعتراف الواجب أداؤه على المذهب الكاثوليكي
أمام القسيس في الكنيسة – الاعتراف بالذنوب لغفرانها – تذهب البنت
أو الزوجة أو الأخت لأجل الاعتراف بين يدي القسيس يوم الأحد، فيكون
مما تسأل عنه : عقيدة أبيها أو زوجها أو أخيها، و ما يبدر في لسانه
في بيته و ما يظهر في أعماله بين أهله ، فإذا وجد القسيس "متلقي
الاعتراف" شيئا من الشبهة في طلب العلم غير المقدس على من سأل عنه
، رفع أمره إلى المحكمة ، فينقض شهاب التهمة عليه و يوضع تحت
التعذيب حتى يعترف ..
" لقد أوقعت هذه المحكمة المقدسة من الرعب في قلوب أهل أوربا و ما
خيل لكل من يلمع في ذهنه شيء من نور الفكر ، إذا نظر حوله أو التفت
وراءه أن رسول الشؤم يتبعه ، و أن السلاسل و الأغلال أسبق إلى عنقه
و يديه من ورود الفكرة العلمية .. " أهـ (149)
" لقد كانت محاكم التفتيش و ما صاحبها من الفظائع عميقة الأثر في
الحس الأوروبي، و سيئة النتائج بالنسبة للحضارة الجاهلية التي
انبثقت منذ عهد النهضة .. لقد أصبح عداء الدين المتمثل هناك في
الكنيسة و رجالها أمرا لازما لكل صاحب فكر حر أو ضمير حي .. لأن
هذا العداء هو أبسط تعبير عن الثورة ضد الذل و المهانة التي تفرضها
الكنيسة على الكرامة الإنسانية كما تفرضها على العقل الذي خلقه
الله ليفكر لا ليمتهن بالحبس داخل سدود و قيود ما أنزل الله بها من
سلطان، و إنما هي من صنع بشر يبدو للعقول المفكرة مدى تفاهة
تفكيرهم و عجزهم، و غطرستهم الطاغية في ذات الوقت و لئن كان كل ما
ارتكبته الكنيسة من الخطايا كان جريمة في حق الدين، فإن هذه
الخطيئة البشعة كانت و لا شك من كبريات الجرائم التي سجلها التاريخ
" (150)
و لنا في التاريخ عبرة ..
إن الطغيان سواء تمثل في "فرد" و قد استفحل في ذاته داء "جنون
العظمة" فبات قلبه كجلمود صخر حطه السيل من عل ، أو تمثل في "طغمة"
مجرمة و قد تقاسموا بالله أو بالشيطان على عقر الإنسان ، يحرص أشد
الحرص على التجهيل و التضليل و يجد و يجتهد في ذلك.. حتى إذا أتت
أغلب الوسائل الحقيرة و الخسيسة على نهايتها لجأ إلى آخر وسيلة ، و
أبشع وسيلة ؛ وسيلة التقتيل و التذبيح .. و التنكيل و التمثيل .. و
إلا فما هذه الجهالة المتفشية في العالم الإسلامي في كافة الميادين
؟ هل هذا التسرب المدرسي ظاهرة صحية أم مرضية ؟ هل هذا الضعف في
التحصيل العلمي طبيعي ؟ إنك لتجد مئات المتعالمين لا يكادون
يرتجلون الكلام بالفصحى و لو لدقائق بدون ورقة، لا أقول طلبة
العلم، بل أساتذة الجامعات ! هل هذا الأمر طبيعي ؟ لولا أن في
الأمر "إن" و أخواتها و عماتها و خالاتها ! . إن قراءة متأنية لفصل
" الاستبداد و العلم " لعبد الرحمن الكواكبي تنير لنا و تكشف لنا
التخطيط الجهنمي الخبيث الذي يطبقه الطغاة على الشعوب ..
و انتهز –هنا – هذه السانحة لأحيل القارئ – لزاما – على قراءة
مقالة الدكتور نجم الباز حول الوضع السيئ و المزري للتعليم الذي
خلفته المناهج الطاغوتية الجاهلية في كافة أقطار العالم الإسلامي ،
فضلا عن الأمور التي دبرت بليل من أجل زعزعة "العقيدة" و النظام
الأخلاقي المنبثق عنها .. ( أنظر – لزاما – "صفعة جديدة في وجه
الدولة العلمانية الجاهلية في العالم العربي" نشر : موقع المقريزي
.
يقول الأستاذ ديلمي مسعود .( أكاديمي مقيم بفرنسا ) في مقال له
نشرته جريدة "القدس العربي" بتاريخ 5 أفريل 2008 حول وضع التعليم
العالي في الجزائر :
" إن تركيزنا علي الجامعة الجزائرية نابع من أننا نعرفها جيداً
بحكم تخرجنا منها دراسةً وتدريساً، بعد ما كانت في الستينيات
والسبعينيات من أحسن الجامعات في إفريقيا والوطن العربي، حيث كانت
قبلة الطلبة الأفارقة، لكن منذ أواسط الثمانينيات تغيّر مستواها
نحو الأسفل؛ فأصبح التعليم العالي يعيش الكارثة، فلا إستراتيجية
واضحة ولا إصلاح بيِّناً وحتى المكتسبات تم طمسها، فديمقراطية
التعليم شعار استهلك وأضحي لا يعكس تحديات المرحلة. فالجامعة لم
تعد تمارس فيها الوظيفة الحقيقية التي هي تنمية المعرفة بالبحث
وتوصيل العلوم، فآلاف من الطلبة يتخرجون سنويا دون تأهيل رصين،
يقذف بهم نحو سوق البطالة، زادهم الوحيد هو الطموح الذي يتكسر علي
صخر الواقع المرّ. منْ منّا ليس له أقرباء تخرجوا ولم يحصلوا علي
وظيفة بعد سنوات من الجهد والمعاناة؟ وللأسف لا توجد إحصائيات عن
أصحاب الشهادات المتخرجين، عددهم وأنواع تخصصاتهم، ونسبة من يعمل
منهم، أو عدد من واصل دراساته العليا، أو من يعمل في غير تخصصه،
ونسبة النجاح في كل جامعة، ووفق كل تخصص وعلي المستوي الوطني؛
وربما مسيرو التعليم العالي يعلمون ذلك ولا ينشرونه مخافة التوبيخ
بأن يكون إدانة لتسييرهم السيئ، أو لا تهمهم الأرقام والإحصائيات
التي هي مقياس التطور.
" و يمكن القول إن المتخرجين من جميع التخصصات تنقصهم روح المبادرة
إذ هم غير مهيكلين في أطر تجمعهم للدفاع عن مصالحهم، مثلما هو
موجود في الجامعات الغربية حيث يبقي التواصل مستمرا بين الجامعة
وخريجيها في ما بينهم، حتي بعد دخولهم الحياة العملية، خاصة وأن
وسائل الاتصال الحديثة سهلت ذلك كثيرا.
" إن الجامعة الجزائرية تعيش الكارثة بعوامل متداخلة، فالكثير من
مسيريها تنعدم بهم الكفاءة، والأساتذة والطلبة محبطون ولا وازع
يدفعهم للعمل وينقصهم التكوين وظروفهم الاجتماعية والمهنية جدّ
صعبة مثل بقية جميع شرائح المجتمع، فالكثير منهم يشعرون بوضعهم
المأسوي ولكن الوضع العام منعهم من تغيير مجري الأمور.
" وتخدع الدولة كثيرا الطلبة بجعل الخدمات الاجتماعية مجانية
كالوجبة الغذائية والنقل خوفا من رد فعلهم فالمستفيد الأول لن يكون
الطلبة حتما، فالدولة هنا تشتري سكوتهم. ينبغي رفع المنح وفي
المقابل تحسين الخدمات لتكون في مستوي الميزانية المخصصة.
" أيضا انتشار ظاهرة الغش والمساومة علي النقاط والنتائج، والضعف
اللغوي حتى في اللغة العربية فما بالك باللغات الأجنبية وعدم
التمكن من المنهجية؛ فبعض الأساتذة اكتفوا بالراتب الشهري ومكانة
اجتماعية صورية ودخلوا في روتين قاتل جمّد فيهم كل نشاط وطموح علمي
فانحدر مستواهم إلي الأسفل، وآخرون راحوا يجرون وراء المناصب
لتحقيق مكاسب متناسين مهمتهم كنخبة ترشد المجتمع والدولة. ومنهم من
جعل قضية الإشراف علي أطروحات الدكتوراه عملا تجاريا، فمن غير
المعقول أن يشرف أستاذ علي أكثر من ثلاثين بحثا، إذ لا يتحكم حتي
في محتوي موضوعاتهم، وجلها غير موجهة لإيجاد حلول لمشاكل البلاد
بأبعادها السياسية والثقافية الاقتصادية والاجتماعية.
" و كثيرا ما تجد الشركات صعوبة في توظيف عمال مهرة في مختلف
المستويات، إطارات وأدني من ذلك. وإن عدد الخريجين بإجازات علمية
تقديرية في تراجع مستمر، فأحسن العناصر تقوم باستقطابهم الشركات
الأجنبية أو قد هاجروا إلي الخارج للعمل في ظروف مادية ونفسية
حسنة. كما أن السياسات المتبعة والنداءات الموجهة للباحثين في
الخارج لم تجد صداها بالعودة إلي الوطن، زد علي ذلك غياب شركات
متخصصة في الابتكار والإبداع من القطاعين الخاص والعام تهتم
بالمبدعين والمخترعين.
جامعاتنا مكتباتها فقيرة ولا تلبي حاجات طلاب، وسائل بيداغوجية
بدائية، مراحيض بدون ماء، مدرجات مكتظة بدون مكيفات حرارية شتاءً
وصيفًا وبدون فاعلية علمية، وأحياء جامعية دون نشاط ثقافي... أما
التعليم في المدرجات فيقوم علي التلقين وينتهي بامتحانات، بعد ما
كان يعتمد علي التفكير ومعالجة الإشكاليات ساهم في انتشار ظاهرة
الغش والمساومة علي النقاط والنتائج، ويظهر الضعف اللغوي حتي في
اللغة العربية فما بالك باللغات الأجنبية. وظاهرة سلبية أخري هي
عدم التمكن من المنهجية والتباعد بين التخصصات، فالطالب في التاريخ
لا يعرف عن علم الاجتماع أو علم الاقتصاد شيئا والعكس صحيح. زد علي
ذلك أن الجامعة تغلق أبوابها مبكراً فكيف يفعل الطالب الذي يريد أن
يحسن مستواه في مادة ما أو في تخصص آخر؟ بينما في الجامعات الغربية
يشجع الطالب علي الالتحاق بتخصصين في نفس الوقت. ويبدأ قبول الطلاب
بالجامعات أثناء السنة النهائية للتعليم الثانوي. ظاهرة النقابات
الطلابية وتجاوزها لحدودها بأن تتدخل في عمل الإدارة وفي الأمور
البيداغوجية بالمساومة والتهديد للإدارة والأساتذة لصالح مناضليها
للحصول علي مكاسب كالنجاح في مسابقات الدراسات العليا، وبأي حق
تتدخل هذه النقابات بطلب الإعفاء عن طلبة ضبطوا في حالة غش؟ لقد
وقفت علي عينة بنفسي حين كنت أدرس بالجامعة. " أهـ القدس العربي
نعم .. ذلك أن العلم ليس نورا فحسب ، بل حركة ..
فهو" حركة " في الذهن تتبعها حركة في واقع الحياة، و ما دام الذهن
يعمل و يتحرك و يعرف جديدا كل يوم ، فلا سبيل للركود الجامد و لا
الثبات الجاثم ، و إنما السبيل للتغيير و التطوير و التحوير و
التبديل ..
" و لقد كانت الكنيسة الأوروبية قيّمة على هذا الجهل حريصة عليه.
فأي شيء كالجهل يمكن أن يضمن لها استنامة الجماهير لسلطانها
الطغياني، و أي شيء يمكن أن تحذره أكثر من العلم الذي يحرر الأرواح
و النفوس ؟ و من هنا كان الدور الطبيعي للكنيسة من موقفها الذي
ترصد منه الحياة الأوروبية ؛ أن تحافظ على الجهل أطول مدة
تستطيعها، و تمنحه سلطان الدين و عنوانه ، و أن تحارب العلم ما
وسعتها المحاربة و تسمه بالعصيان و المروق ، و تطرده من رحمة الله
، كذلك فعلت مع كوبرنيكوس و جوردانو برونو و غاليليو ، و مع كل
عالم تجرأ أن يناقض جهالتها المقدسة و يفتح الباب للعلم كي ينير
الطريق " (151)
و لئن تعرض الضمير المسيحي – على يد رجال الدين – لقمع روحي و قمع
عقلي ، فإنه في هذه المرة قد تعرض لقمع علمي ، و بون شاسع بين
القمع العقلي أو الفكري و بين القمع العلمي أو المعرفي .. فكما تلح
فطرة الإنسان على ذلك التساؤل الفطري و تدفعه إليه دفعا لأن يجد
تفسيرا يطمئن إليه ، فكذلك ينزع الإنسان بفطرته إلى التعلم و
المعرفة .
" لقد خلق الله الإنسان مفطورا على حب المعرفة كما خلقه مفطورا على
العبادة . قال الله تعالى : { و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم
ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم ، قالوا بلى شهدنا }
الأعراف 172 . و قال تعالى : { و علم آدم الأسماء كلها } البقرة 31
. و قال تعالى : { إقرأ باسم ربك الذي خلق ، خلق الإنسان من علق ،
إقرأ و ربك الأكرم الذي علم بالقلم ، علم الإنسان ما لم يعلم }
العلق 3 .
" و في النفس السوية تتجاور النزعتان و تتكاملان بلا تصادم و لا
تضاد، فالفطرة تتطلع إلى ربها لتعبده ، و الفطرة تتطلع إلى الكون
من حولها تحب أن تتعرف عليه ، و أدواتها هي الحس و العقل . قال
تعالى : { و الله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا و جعل لكم
السمع و الأبصار و الأفئدة لعلكم تشكرون } النحل 78 .
" و تلتقي نزعة الإيمان بالغيب و الإيمان بما تدركه الحواس ، و
تؤديان مهمتهما معا في تشكيل إنسانية الإنسان على الصورة التي
أرادها الله له، و كرمه بها و فضله على كثير من الخلق . " (152)
يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - :
" و قبل أن نمضي إلى نهاية الشوط نقف لحظة أمام قوله تعالى : { قل
انظروا ماذا في السموات و الأرض و ما تغني الآيات و النذر عن قوم
لا يؤمنون } يونس 101 .
" إن المخاطبين بهذا القرآن أول مرة لم يكن لديهم من المعرفة
العلمية بما في السموات و الأرض إلا القليل، و لكن الحقيقة الواقعة
التي أشرنا إليها مرارا هي أن بين الفطرة البشرية و بين هذا الكون
الذي نعيش فيه لغة خفية غنية و أن هذه الفطرة تسمع لهذا الكون حين
تنفتح و تستيقظ و تسمع منه الكثير .
" و المنهج القرآني في تكوين التصور الإسلامي يتكئ على ما في
السموات و الأرض و يستلهم هذا الكون، و يوجه إليه النظر و السمع و
القلب و العقل، و ذلك دون أن يخل بطبيعة التناسق و التوازن فيه، و
دون أن يجعل من هذا الكون "إلها" يؤثر في الإنسان أثر الله ! كما
يجدف بذلك الماديون المطموسون و يسمون ذلك التجديف مذهبا
"علميا"يقيمون عليه نظاما اجتماعيا يسمونه الاشتراكية العلمية ، و
العلم الصحيح من ذلك التجديف كله بريء !
" و النظر ما في السموات و الأرض يمد القلب و العقل بزاد من
المشاعر و التأملات ، و زاد من الاستجابات و التأثرات ، و زاد من
سعة الشعور بالوجود ، و زاد من التعاطف مع هذا الوجود ، و ذلك كله
في الطريق إلى امتلاء الكينونة البشرية بالإيقاعات الكونية الموحية
بوجود الله و بجلال الله، و بتدبير الله ، و بسلطان الله، و بحكمة
الله و علم الله ..
" و يمضي الزمن ، و تنمو معارف الإنسان العلمية عن هذا الكون ،
فإذا كان هذا الإنسان مهتديا بنور الله إلى جوار هذه المعارف
العلمية ، زادته هذه المعارف من الزاد الذي تحصله الكينونة البشرية
من التأمل في هذا الكون ، و الأنس به، و التعرف عليه، و التجاوب
معه ، و الاشتراك معه في تسبيحه بحمد الله { و إن من شيء إلا يسبح
بحمده و لكن لا تفقهون تسبيحهم } و لا يفقه تسبيح كل شيء بحمد الله
إلا الموصول قلبه بالله و أما إن كانت هذه المعارف العلمية غير
مصحوبة ببشاشة الإيمان و نوره فإنها تقود الأشقياء إلى مزيد من
الشقوة حين تقودهم إلى مزيد من البعد عن الله و الحرمان من بشاشة
الإيمان و نوره و رفرفته و رياه . { و ما تغني الآيات و النذر عن
قوم لا يؤمنون } يونس 101 (153)
و عليه – أخي القارئ- فالفطرة السوية لا تفصل بين الدين و العلم ،
لأن كلا منهما نزعة فطرية سوية لازمة للكيان البشري ، و لازمة
لمهمة الخلافة التي وجد الإنسان من أجلها في الأرض .
" الإنسان عابد بفطرته ، راغب في المعرفة بطبعه . و لا تعارض في
الفطرة السوية بين نزعة العبادة و نزعة المعرفة ، و لا بين الإيمان
بالغيب و الإيمان بما تدركه الحواس .
" و لقد خلق الله الإنسان ليعبده : " {و ما خلقت الجن و الإنس إلا
ليعبدون } الذاريات . و جعل من بين العبادة عمارة الأرض : { هو
أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها } هود 61 . { هو الذي جعل لكم
الأرض ذلولا فامشوا في مناكبها و كلوا من رزقه و إليه النشور }
الملك. و جعل من الأدوات المعينة على عمارة الأرض العلم النظري في
صورة "معلومات" عن الكون و العلم التطبيقي في صورة تسخير طاقات
السموات و الأرض للإنسان كما قال تعالى : { علم بالقلم ، علم
الإنسان ما لم يعلم } العلق 4 . و قال تعالى : { و جعلنا الليل و
النهار آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا
فضلا من ربكم و لتعلموا عدد السنين و الحساب و كل شيء فصلناه
تفصيلا }الإسراء 12. و قال تعالى : { و سخر لكم ما في السموات و ما
في الأرض جميعا منه } الجاثية 12 .
" و من هنا يكون "العلم" ذاته جزءا من العبادة المطلوبة من الإنسان
يستوي في ذلك العلم بأمور الدنيا و العلم بأمور الدين فإن عمارة
بمقتض المنهج الرباني تحتاج إلى هذا العلم وذاك .. العلم الدنيوي
من أجل العمارة المادية و العلم الديني لجعل هذه العمارة المادية
مستقيمة على المنهج الرباني و تلك هي الخلافة الراشدة المطلوبة من
الإنسان .
" من أجل ذلك لا يوجد في الدين الصحيح و لا في الفطرة السوية تعارض
و لا تنازع و لا خصومة بين الدين و العلم ! إنما تعمل نزعة العبادة
و نزعة المعرفة في تناسق كامل في الفطرة السوية دون قلق و لا حرج و
لا تصادم و لا نزاع ... " (154)
و لقد مدّ الإسلام – و هو الدين الصحيح الوحيد و الأوحد – "الحركة
العلمية" مدا ، و احتفى بها و شجعها و أمدها بالمذهب التجريبي الذي
قامت على أساسه الحضارة الغربية ، فحث على طلب العلم و على النظر و
الاعتبار و الاستنتاج، و جعل شعار دعوته مثل قوله تعالى : { قل هذه
سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة } و قوله عليه الصلاة و السلام : {
أطلبوا العلم و لو بالصين } فكان هذا سببا في إطلاق الحرية العلمية
للناس جميعا ، و خاصة أهل الأخلاق منهم الذين هم الطبقة الوسطى في
كل أمة ، و الذين بهم قوام الأمة ، إذ يحملون ما فوقهم و يمنعون ما
تحتهم، و بذلك نضجت المنافسات العلمية و آتت ثمارها و اقتضى الأمر
في العلوم إلى ما وقع من الامتحان و الاختبار ثم الاختراع و
الاستنتاج. و هذا كله لم يعرفه أساتذة اليوم من الأوروبيين إلا في
القرن السادس عشر للميلاد ، و هم قد أخذوه و أخذوا كثيرا من
الفضائل الاجتماعية عن المسلمين و علمائهم ، لا يكابر في ذلك
منصفوهم و ذوو الأحلام منهم و إلى الله ترجع الأمور .
و نذكر من هؤلاء المنصفين - على سبيل المثال – الأستاذ الأمريكي
الشهير "درابر" إذ يقول في كتابه "النزاع بين العلم و الدين" :
" بعد انتقال محمد صلى الله عليه و سلم إلى الدار الباقية، ترجمت
إلى اللغة العربية أهم المؤلفات اليونانية ، و ترجمت القصائد
اليونانية الشهيرة "الإلياذة و الأوديسة" إلى اللغة السريانية
ليطلع عليها العلماء دون العامة لِما رأوه فيها من الأقاصيص
الخرافية عن آلهة اليونانيين مما يخشى على عقائدهم، و لما ولي
الخلافة أبو جعفر المنصور من سنة 753 – 775 نقل "تخت" الملك على
بغداد ، و جعلها عاصمة فخمة، فلم يأل جهدا من بذل الوسع في درس
العلوم الفلكية ، و تأسيس مدارس الطب و الشريعة، و لما جلس حفيده
هرون الرشيد على العرش سنة 776 ، اتبع أثر جده في هذه الفتوحات
العلمية، و أمر بإضافة مدرسة إلى كل مسجد في جميع أرجاء ملكه، و
لكن عصر العلم الزاهر في القارة الآسيوية لم يشرق في خلافة المأمون
الذي تولى الخلافة من سنة 813 إلى 832 فإنه جعل بغداد العاصمة
العلمية العظمى و جمع كتبا لا تحصى ، و قرب إليه العلماء، و بالغ
في الحفاوة بهم . " ذاق العرب من الفنون الأدبية كل ما من شأنه أن
يحد القريحة و يصقل الذهن، و قد افتخروا فيما بعد بأنهم أنجبوا من
الشعراء بقدر ما أنجبت الأمم كلها مجتمعة ..
" أما في "العلوم" فقد كان فوقانهم فيها ناشئا من الأسلوب الذي
توخوا في المباحث ، و هو أسلوب أخذوه على فلاسفة اليونان
الإسكندريين لا عن اليونان الأوروبيين، فإنهم قد تحققوا أن الأسلوب
العقلي و النظري، لا يؤدي إلى التقدم، و أن الأمل في وجدان الحقيقة
يجب أن يكون معقودا بمشاهدة الحوادث ذاتها ، و من هنا كان شعارهم
في أبحاثهم الأسلوب التجريبي و الدستور العملي الحسي [ قلت : راجع
أخي القارئ دراسة رائعة بعنوان "التجربة عند الجاحظ" في موقع
"رابطة أدباء الشام" فقد أكد الباحث أن الجاحظ سبق "بافلوف" بإثنا
عشر قرنا .. الله أكبر كبيرا و الحمد لله كثيرا و سبحان الله بكرة
و أصيلا ] و كانوا يعتبرون الهندسة و العلوم الرياضية أدوات و
معدات لعلم المنطق. و قد يلاحظ المطالع لكتبهم العديدة على
"الميكانيكا" و "الهيدروستاتيك" ( علم موازن السوائل و ضغطها ) و
نظريات الضوء و الإبصار ، بأنهم قد اهتدوا إلى حلول مسائلهم عن
طريق التجربة و النظر بواسطة الآلات ..
" هذا هو الذي قاد العرب بأن يكونوا أول الواضعين لعلم الكيمياء و
المكتشفين لجملة آلات للتقطير و التصعيد و الإسالة ( إسالة الجوامد
و التصفية ) ... الخ و هذا بعينه أيضا ، هو الذي جعلهم يستعملون في
أبحاثهم الفلكية الآلات المدرجة و السطوح المعلمة و الاسطربلات (
هي آلات لقياس أبعاد الكواكب ) أهـ . (155)
" ولقد كانت أوربا ترسل أبناءها ليتعلموا في مدراس المسلمين في
الأندلس و الشمال الإفريقي و صقلية و غيرها من أماكن العلم ،
فتعلموا هناك الطب و الهندسة و الرياضيات و الفلك و الكيمياء و
الفيزياء على أيدي الأساتذة المسلمين فتأثروا بهم ، و تأثروا
بالإسلام كذلك، فجن جنون الكنيسة من تأثير الإسلام الزاحف على
أوربا مع حركة العلم .. ومن ثم قامت تضع السدود بين الإسلام و
أوربا. " (156)
ذلك باختصار هو الطغيان العلمي الذي مارسته الكنيسة على يد رجال
الدين و بالأخص "الدوميناكيين" على الشعوب الأوروبية .
عند ذلك نشأ جيل من العلماء يعادي الكنيسة و يكره الدين ، و يظن أن
الحقائق العلمية تسير في خط مضاد للفكرة الدينية بحيث لا يمكن أن
يوجدا معا في نفس الإنسان و لا في واقع الحياة ، و إنه إما الدين و
إما العلم .. إما الدين في صورته البشعة التي تمثلها الكنيسة ،
تحرق و تعذب و تفرض الإتاوات و تلاحق الناس بالشر حيثما ذهبوا .. و
إما العلم الذي لا يخضع لسيطرة بشر ، و ليست له قيود يفرضها على
البشر ، و إنما هو يبحث و يجرب و يحدث الناس بما وصل إليه البحث و
التجريب ، و يهدف – فيما يهدف – إلى منفعة الناس : يوفر عليهم
الجهد البدني و يقيهم المرض و الأخطار .. و لم يكن ثمة مجال للتردد
حين توضع المسألة على هذا النحو ..
و اختار الناس – طبعا – العلم و نبذوا الدين و الكنيسة .. و الله !
و لقد كان العالم الإسلامي – كما أشرنا – الذي استقت أوربا منه
العلم ؛ كان فيه العلم و الدين يعيشان معا متساندين متعاونين بلا
تنازع و لا تنافر و لا خصام بل كان العلم في حقيقة الأمر نابعا من
العقيدة منبثقا عنها ، يعمل في خدمتها ، و مع ذلك كان له ذلك
المجال الواسع كله – وليس الضيق كما يقول صاحبنا الدكتور – الذي
يعمل فيه ، و الحرية التي يمارسها في البحث و تحصيل النتائج و
تدوينها ، و الثمار العملية المفيدة التي تقوم عليها نهضة علمية
زاهرة .
و لم يكن للعلم في نفوس المسلمين فتنة !
لا هو فتنهم عن الدين، ولا صار في حسهم إلها مكان الله !
لأنهم كانوا يتناولونه كما تتناوله الفطرة السوية ، التي تأخذ خطها
من العبادة كما تأخذ خطها من المعرفة العلمية و تطلب هذه و تلك بلا
تنافر بينهما و لا صدام .
وقد كان العالم الواحد – في كثير من الأحيان – عالما في الطب أو
الفلك أو الرياضيات......الخ و عالما بالعلوم الدينية في نفس الوقت
، متبحرا في هذه و تلك ، متوازنا في ذات الوقت لا يصرفه الدين عن
العلم ولا يصرفه العلم عن الدين" .
يقول الدكتور "أكرم محمد عبد الستار" أستاذ التاريخ و الحضارة و
الفن المشارك :
" يثير العقل عدة أسئلة حول : هل الإسلام متفق مع العلم روحا و
منهجا ؟ و ما هو مبلغ الاتفاق و مظاهره ؟ و إذا كان العلم الحديث
قد توصل في مجالات شتى إلى تكوين صورة معينة بل ملموسة عن هذا
الكون، كما أثبت قدرة الإنسان على تسخير كثير من القوى في الكون و
تطويعها لمنفعته، فإلى أي حد تكون نظرة الإسلام إلى هذا المجال ؟
" و المتأمل في آيات الكتاب العزيز وفق نظرة متأنية فاحصة، يجد
فيها توجيه للعقل إلى استخدام منهج متكامل في البحث في الكون،
يتكون من الآتي :
1) النظرة العلمية البحتة إلى الأشياء من خلال تحدي القرآن بالمنهج
العلمي و الحجة و الدليل كقوله تعالى : { قل هاتوا برهانكم إن كنتم
صادقين } البقرة 170. و قوله تعالى : { قل هل عندكم من علم فتخرجوه
لنا إن تتبعون إلا الظن و إن أنتم إلا تخرصون } الأنعام 148. و
قوله تعالى : { إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون
} الأنفال 22. و بهذا يتضح لنا أن القرآن الكريم يريد من الإنسان
أن لا يخطو خطوة إلا بالعلم و قد وهب الإنسان أدوات البحث و النظر
فيقول جل ذكره : { و لا تقف ما ليس لك به علم إن السمع و البصر و
الفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } الأنبياء . و كان ذلك بمثابة
"صيحة" وسط عالم كان يعبد الكواكب و يؤلهها، فحول الإسلام تلك
النظرة غير الواقعية إلى نظرة واقعية علمية ، فقال تعالى : { لا
تسجدوا للشمس و القمر و اسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون
} فصلت 37.
2) محاربة الدجل العلمي من قبل الرسول صلى الله عليه و سلم و
المتمثلة بالتنجيم و الكهانة و العرافة و غيرها، و اعتبار الكهان
ليس بشيء .
3) عدم الربط بين الظواهر الطبيعية و العالم ؛ أي نفي الربط بين
ظواهر الطبيعة و حركات العوالم، و نفع الناس و ضرهم، أو حياتهم أو
موتهم، فيوم وفاة إبراهيم ابن رسول الله صلى الله عليه و سلم حدث
كسوف الشمس، فظنه الناس معجزة حدثت لوفاته ، فرد ذلك الرسول صلى
الله عليه و سلم و نفاه و قال : { إن الشمس و القمر آيتان من آيات
الله لا ينكسفان لموت أحد و لا لحياته } مختصر صحيح مسلم للمنذري
445.
4) الإرشاد إلى المنهج الصحيح في المعرفة و من ذلك رد القرآن على
مؤلهة الكواكب في اهتداء إبراهيم – عليه السلام - : { و كذلك نري
إبراهيم ملكوت السموات و الأرض و ليكون من الموقنين * فلما جن عليه
الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين * فلما
رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن
من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر
فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون * إني وجهت وجهي للذي
فطر السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين } الأنعام 79.
فإبراهيم – عليه السلام – انطلق من نظرة علمية في نظرته للكواكب .
كما أن من طبيعة القرآن أن يقرر الأصول العامة للدلائل العقلية،
أما تفصيلاتها و كشف قوانينها و طرق استخدامها فهي وظيفة العقل
البشري . " أهـ (157)
" إن التصور الإسلامي للمعرفة متكامل لا يعرف التنافر، و لا يحتوي
على القطيعة المعرفية بين أجزائه، فهناك تكامل بين الوجود و الوحي
باعتبارهما مصدري المعرفة في التصور الإسلامي ، و تكامل بين النظر
و العمل و تكامل بين المعرفة العلمية و المعرفة الغيبية ، و كل ذلك
نابع من تجليات التوحيد في وحدة الحقيقة، و لقد كان ذلك على العكس
من التجربة الغربية الذي حدث فيه التعارض و التنافر بين المعرفة
العلمية و المعرفة الميتافيزيقية الدينية . " المعرفة في التصور
الإسلامي ( إسلام أون لاين )
و لذلك كان العلماء المسلمين يقدمون إنتاجهم العلمي باسم الله و
يحمدون الله و يشكرونه على فيض نعمه ..
و من ذلك نذكر – على سبيل المثال – ترجمة لأحد العلماء الأفذاذ
الذين جمعوا بين علوم الشرع و بين علوم الكون كالطب مثلا..
فمنهم شمس الدين الخوبي (تـ 637 هـ ) فهو الصدر الإمام العالم
الكامل قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس أحمد بن الخليل بن سعادة
بن جعفر بن عيسى من مدينة "خوي"، كان أوحد زمانه في العلوم الحكمية
(أي: الطبية) و علامة وقته في الأمور الشرعية، عارفا بأصول الطب و
غيره من أجزاء الحكمة، عاقلا، كثير الحياء، حسن الصورة، كريم
النفس، محبا لفعل الخير، لطيف الكلام، ملازما للصلاة و الصيام و
قراءة القرآن، يمضي إلى الجامع ماشيا للصلوات في أوقاتها .. رحمه
الله . " أنظر "عيون الأنباء في طبقات الأطباء" .
و يقول عبد الرحمن بن خلدون – رحمه الله - :
" ... و كان شيوخنا – رحمهم الله – يقولون ممارسة علم الهندسة
للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل الأقذار و ينقيه من الأوضار
و الأدران و إنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه و انتظامه .. " أهـ
المقدمة ص 305 .
و كان الحسن بن الهيثم – رحمه الله – الذي ظلت أوربا تدرس نظرياته
في علم الضوء (البصريات) إلى بداية القرن التاسع عشر لتفوقها و
تقدمها الباهر و الذي أثبت ملاحظة كانت بالقياس إلى وقته من أعجب
العجب، و هي انحناء الشعاع الضوئي عند ملامسته جسما منحنيا و عدم
سيره في خط مستقيم، كان على عبقريته العلمية تلك يقدم إنتاجه
العلمي باسم الله و يحمد الله و يثني عليه ..
و لا تشك أخي القارئ – في تأثير نظريات ابن الهيثم في تطوير نظام
المنارات في أواسط القرن التاسع عشر . جاء في كتاب "Manuel De
L;electromecanicien et du Gardien de Phare " في مقدمته تحت عنوان
"تاريخ منارة" ص 6
"En 1847 on construisit un nouveau phare , à cote et en
remplacement du premier . on modernisa le feu par l;emploi des
optiques realiseès par l;ingenieur FRESNEL . " خلاصته أن المهندس
فرشنل قام بتطوير الزوايا البصرية لنظام المنارة القديم " .. كان
ذلك في القرن التاسع عشر .. هكذا أخبرني أستاذ جامعي زار منارة و
هو في طريقه ....
فهل طرد أطبائنا و مهندسونا "الله" من عقولهم بحجة براعتهم في هذه
العلوم ؟! كما يقول "جوليان هاكسلي" : " لقد أوصلنا تقدم العلوم و
المنطق و علم النفس إلى طور أصبح فيه "الإله" فرضا عديم الفائدة و
طردته العلوم الطبيعية من عقولنا حتى اختفى كحاكم مدبر للكون .. "
(148)
هذا .. وقبل أن نتحدث عن تأثير "العلم" في الضمير الأوروبي و حجم
الخراب الذي أحدثه "تأليه" العلم في نفوس الأوربيين و ما تبع ذلك
من نظريات شيطانية لا تمت بصلة للعقل و المنطق، بل لا تعدو "شهوات"
جامحة تتستر وراء زخارف من القول كالعلوم الطبيعية و التجريبية ..
الخ قلت : قبل ذلك يحسن أن نلقي نظرة حول مسألة أخرى كان لها
التأثير البالغ في إيجاد الفصل بين العلم و الدين، ألا و هي "قانون
السببية"
فلئن فتنت أوربا بالعلم، فطغت و انتفخت و راحت في تبجح و عناد تدعي
" أن الاعتقاد في الله أدى كل ما يستطيع من فائدة، و ليس في وسعه
أن يؤدي أكثر من ذلك "، فإن اكتشاف قانون السببية جعل هذه الفتنة
العمياء تطل بقرنها و تزداد اشتعالا و تترك آثارها على كافة مناهج
الفكر الأوروبي.
يقول برنتون في كتاب "منشأ الفكر الحديث" :
" إن السببية تهدم كل ما بنته الخرافات و الإلهامات و المعتقدات
الخاطئة ( يقصد المعتقدات الدينية ) في هذا العالم ... "
و يقول : " الإله في عرف نيوتن أشبه بصانع الساعة و لكن صانع هذه
الساعة الكونية و نعني بها الكون ، لم يلبث أن شد على رباطها إلى
الأبد فبإمكانه أن يجعلها تعمل حتى الأبد ..
" أما الرجال على هذه الأرض فقد صممهم الإله كأجزاء من آلته الضخمة
هذه ليجروا عليها ، و إنه ليبدو أن ليس ثمة داع أو فائدة من الصلاة
إلى الإله صانع هذه الساعة الضخمة الكونية الذي يستطيع إذا ما أراد
التدخل في عمله ... " (149)
و من المفيد لنا قبل التفصيل في هذه النقطة – بالذات – أن نسجل هذه
الحقيقة ، و هي : " أن العلم ليس مقصورا على علم العقيدة و الفرائض
الدينية و الشرائع .. فالعلم يشتمل كل شيء، و يتعلق بالقوانين
الطبيعية و تسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة و الفرائض و
الشرائع .. و لكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية ليس هو
العلم الذي يعنيه القرآن و يثني على أهله ..
" إن هناك ارتباطا بين القاعدة الإيمانية و علم الفلك و علم
الأحياء و علم الطبيعة و علم الكيمياء و علم طبقات الأرض، و سائر
العلوم المتعلقة بالنواميس الكونية و القوانين الحيوية، إنها كلها
تؤدى إلى الله حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله ..
كما اتجه المنهج الأوروبي في النهضة العلمية – مع الأسف – بسبب تلك
الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوروبي خاصة بين
المشتغلين بالعلم و بين الكنيسة الغاشمة ! ثم ترك آثاره العميقة في
مناهج الفكر الأوروبي، و في طبيعة التفكير الأوروبي، و ترك تلك
الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة – لا أصل التصور
الكنسي و حده و للكنيسة وحدها – في كل ما أنتجه الفكر الأوروبي، في
كل حقل من حقول المعرفة، سواء كانت فلسفة ميتافيزيقية أو كانت
بحوثا علمية بحتة لا علاقة لها – في الظاهر – بالموضوع الديني. "
(150)
يقول العلامة محمد قطب – حفظه الله - :
" كان اكتشاف قانون السببية بالذات باعثا من بواعث الإلحاد – كما
مرّ بنا من كلام برنتون – و المسؤول في ذلك هو الكنيسة !
"لقد ظلت الكنيسة تصرف الناس عن العلم عدة قرون، و توحي إليهم
بالاكتفاء بما عندها هي من العلم الذي لم يكن يتجاوز – كما قلنا –
أن الله خلق الأشياء على صورتها لحكمة يعلمها و لغاية يريدها، أي:
إرجاع الأمور كلها و الظواهر كلها إلى إرادة الله و مشيئته، و من
شأن الدين أن يركز دائما على هذا المعنى. أنظر إلى بعض ما جاء في
القرآن الكريم في هذا الشأن :
{ و إلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم * إن في خلق
السموات و الأرض و اختلاف الليل و النهار و الفلك التي تجري في
البحر بما ينفع الناس و ما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به
الأرض بعد موتها وبثّ فيها من كل دابة و تصريف الرياح و السحاب
المسخر بين السماء و الأرض لآيات لقوم يعقلون } البقرة 164. و قال
تعالى : { هو الذي أنزل من السماء ماءا لكم منه شراب و منه شجر فيه
تسيمون * ينبت لكم به الزرع و الزيتون و النخيل و الأعناب و من كل
الثمرات * .. إلى قوله : أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون * و إن
تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم } النحل 18.
" و حكمة ذلك واضحة .. فالدين يذكر الإنسان دائما بالله لكي يظل
قلبه معلقا بالله في جميع حالاته، فيحبه و يخشاه، و يتطلع إليه في
كل أمر من أموره، و بهذا وحده تصلح نفس الإنسان و تستقيم .. و لأن
الإنسان عرضة دائما أن ينسى فالدين الصحيح يلح في تذكيره حتى لا
تدركه الغفلة التي ينشأ عنها كل شر في حياة البشر على الأرض .. "
أهـ (151)
و حول هذا المعنى يقول العلامة محمد عبد الله دراز – رحمه الله - :
" و هكذا نرى – كما ألمحنا فيما سبق – أن قوة الفكرة الدينية لا
تكمن في أصالتها بل على العكس، في طابعها المتأصل، إنها تدفعنا إلى
الإيمان بها بنفس القوة التي تغوص بها جذورها في أعماق معتقدات
آبائنا الأولين الموغلة في القدم، و لهذا نرى القرآن – فضلا عن
التدليل المنطقي السابق – يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ
الأنبياء في كل الأزمنة السابقة كما قال تعالى : { قالوا نعبد إلهك
و إله آبائك إبراهيم و إسماعيل و إسحاق إلها واحدا } البقرة 133. و
قوله تعالى : { و اسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون
الرحمن آلهة يعبدون } الزخرف 45. فيتجلى لنا بوضوح أن العقل و
النقل يشاركان القرآن في إثبات عقيدة التوحيد، و رفض الوثنية و
الاشراك على اختلاف صورهما .
" ولكن كيف يمكن أن نفسر قضية مثل هذه، تستند إلى المنطق و رسوخ
الأصل، و تتجدد على الدوام بتعاليم الرسل الإيجابية ؟ كيف يمكن أن
تختفي بهذه السهولة من الأذهان لتحتل مكانها أفكار مناقضة لها ؟
" السبب هو الإنسان بطبيعته يشعر أنه مدفوع إلى الإعجاب "بالقوة
الخلاقة" أينما وجدها، و المرحلة من الإعجاب إلى العبادة متصلة و
لا تتضمن إلا اختلافا في الدرجة ، فالشمس التي تضيء لنا الدنيا و
تمنحنا الدفء و الحياة، والشجرة التي تحمينا بظلها و تمنحنا
ثمارها، و النبع الذي يتفجر بالماء من بين الصخور .. كل هذه القوى
الطبيعية التي تتحرك في سكون و فاعلية، عجائب تأخذ بألباب
المتأملين، و ما بالك بالخوارق تتم على يد ساحر أو صانع للمعجزات ؟
فبإرشاد من الحواس الخارجية يميل الإدراك بسهولة إلى أن ينسب منشأ
أية ظاهرة إلى المصدر المباشر الذي انطلقت منه، إنه ينسبها إلى
الشيء التي انطلقت منه كأثر لسبب حقيقي فعال و مستقل، و لا يرتفع
الإدراك من تأثير الظاهرة إلى مصدرها و من الملموس إلى المعقول إلا
بمجهود فكري إرادي و نادرا ما يبذل هذا الجهد، و من أول أهداف
القرآن تزكية هذا المجهود بقوة، إذ يذكرنا دائما باستحالة خروج أي
مخلوق من العدم من غير قوة خالقة، و باستحالة أن يخلق ذاته، أو أن
يخلق أي شيء على الإطلاق في السموات و الأرض و لا حتى أي حشرة على
فرض تظافر كل القوى و الجهود لهذا الغرض ..
" فالجميع – ما عدا الله سبحانه – لا يملكون مثقال ذرة في السموات
و لا في الأرض لا بالمشاركة و لا بالتبعية قال تعالى : { قل أدعوا
الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات و لا في
الأرض و ما لهم فيهما من شرك و ما لهم منهم من ظهير } سبأ 22.
" لا أحد سوى الله يستطيع أن يغير نظام الطبيعة و لا الإبقاء عليه،
إننا نطلق عبارة القوانين الأزلية على هذا النظام الدائم للأشياء
الذي لا نستطيع بتدخلنا أن نعدل منه شيئا، أما بالنسبة للخالق فهذا
الثبات و كل قوانين السببية متوقفة على كلمة واحدة من إرادته
سبحانه، فلو شاء لجعل ماء المطر ملحا أجاجا، و لأسقط السماء فوق
الأرض، و لأذهب الجنس البشري جميعه، و لجاء إلى الأرض بمخلوقات
أخرى مكانه، من ذا الذي يستطيع أن يعترض إرادة الله إذا أراد أن
يهلك من في الأرض جميعا، فللّه القوة جميعا، إذ أن الأسباب القريبة
و البعيدة و مقاليد الأمور كلها بيد هذا الخالق العظيم سبحانه و
إليه مصيرها و منتهاها ..
" بسماع هذا الحديث الكريم قد نميل إلى الاعتقاد في أن هناك قدرا
محتوما لا يجدي معه أي تدخل بشري، و إنما هي سلبية كاملة مفروضة
على العالم، حيث تختفي تماما أية رابطة سببية بين الأشياء، و هذا
الاعتقاد فضلا عن مجافاته للعقل و مناقضته للعلم، يتعارض مع
مجموعتين من الآيات القرآنية: فالمجموعة الأولى تدعو إلى بذل جهد
خلقي دائم، و المجموعة الثانية تفسر الظواهر الطبيعية و التاريخية
بعضها ببعض، و الحل السوي إذن هو الذي يحدد لكل حقيقته من الحقائق
المسلم بها مداها و مرماها، فلا نجرد الإنسان و العالم من أية قدرة
ذاتية مستقلة، و لا نصفه بالعجز المطلق، و هذا هو الوسط المعقول
الذي يبدو أن القرآن يدعونا إلى الوقوف عنده ، فالظواهر التي تتكرر
دائما في تسلسلها و نظامها الرتيب تمنحنا الحق في افتراض استمرارها
في المستقبل بنفس الدقة و نفس النظام، إذ لا غنى للحياة عن
الاعتقاد في نظام ثابت للطبيعة، و لكن هذا الثبات لا يرجع إلى جوهر
الأشياء بعيدا عن القدرة التي تدبرها و تنسقها، لأن وجود هذه
الظواهر و دوامها و قوتها و ثباتها خاضعا خضوعا مطلقا للإرادة
الدينية." أهـ (152)
من أجل ذلك لم يمنع الإسلام المسلمين من البحث عن "الأسباب
الظاهرة" في الكون المادي و في الحيات البشرية بلا تعارض في حسهم
بين هذا و ذاك، ذلك أن الدين الصحيح – كما يقول العلامة المربّي
محمد قطب أمدّ الله في عمره – و قد رد كل شيء بحق إلى مشيئة الله و
قدره – " نبّه البشر إلى أن هناك سننا كونية تعمل إرادة الله من
خلالها في الكون المادي كما أن هناك سننا أخرى تعمل تلك الإرادة من
خلالها في الحياة البشرية، و دعاهم إلى التعرف على هذه و تلك ..
الأولى : ليقوموا بتعمير – و هو جزء من مهمة الخلافة التي خلق
الإنسان من أجلها – و الأخرى : لتكون هذه الخلافة راشدة حين يتم
تعمير الأرض بمقتضى المنهج الرباني " .
ولقد دل القرآن الكريم على أن كل شيء يحدث بسبب سواء كان هذا الحدث
يتعلق بالجماد أو بالنبات أو بالحيوان أو بالإنسان أو بالأجرام
السماوية أو الظواهر الكونية المادية المختلفة. فقانون السببية أي
ربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها ، هذا القانون عام شامل
لكل ما في العالم ولكل ما يحصل للإنسان في الدنيا والآخرة. قال شيخ
الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى : " فليس في الدنيا والآخرة شيء
إلا بسبب ، والله خالق الأسباب والمسببات " .
فمن الأسباب المادية قوله تعالى : { وأنزل من السماء ماءا فأخرج به
من الثمرات رزقاً لكم }. ومن الأسباب المعنوية : (إن تتقوا الله
يجعل لكم فرقاناً }.
والقرآن الكريم – كما يقول ابن القيم – مملوء من ترتيب الأحكام
الكونية والشرعية والثواب والعقاب على الأسباب بطرق متنوعة ، فيأتي
بباء السببية تارة كقوله تعالى : { كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم
في الأيام الخالية } ، ويأتي باللام تارة كقوله تعالى: { كتاب
أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم }. ويأتي
بذكر الوصف المقتضي للحكم تارة كقوله تعالى :{ومن يتق الله يجعل له
مخرجاً }. فالله تعالى اقتضت حكمته ربط المسببات بأسبابها.
يقول الأستاذ محمد قطب :
" و لقد فهم المسلمون من التوجيهات المتكررة في القرآن أن الله
يدعوهم إلى التأمل في هذا الكون من حولهم، ليتعرفوا على قدرة الله
القادرة التي لا يعجزها شيء ، و ليتعرفوا كذلك على السنن الربانية
التي أودعها في هذا الكون، و الطاقات التي سخرها لهم فيه ليقوموا
بعمارة الأرض و يبتغوا من فضل الله .. { و جعلنا الليل و النهار
آيتين فمحونا آية الليل و جعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من
ربكم و لتعلموا عدد السنين و الحساب و كل شيء فصلناه تفصيلا }
الإسراء 12. { ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت فارجع البصر هل ترى
من فطور } الملك 3 .
" و من ثم انطلقوا "يدرسون" هذا الكون و يتعرفون على أسراره، فتقدم
العلم على أيديهم تقدما ضخما في الفيزياء و الكيمياء والفلك
والرياضيات والطب و غيرها من العلوم النظرية و التجريبية، و
اكتشفوا – من بين ما اكتشفوا – أن هناك سببا لكل شيء يحدث في الكون
المادي، من نور و ظلام و كسوف و خسوف، و رياح ومطر، و جدب و خصب
وزيادة و نقص .. الخ
" و لكن اكتشاف "السبب الظاهر" لم يكن فتنة لهم كما كان بالنسبة
لنيوتن و من بعده من العلماء . فلم يجعلوه بديلا من السبب الحقيقي
و هو الله سبحانه و تعالى ، و لم يستغنوا به عن الله ، و لم
يتصوروا أن له حتمية تقيد مشيئة الله الطليقة بحيث يعجز سبحانه عن
التصرف في الكون بما يشاء، كما توهم "نيوتن" و إنما عرفوا أن هذا
السبب الظاهر هو "السنة الجارية" التي تجري شؤون الكون المادي من
خلالها، و من ثم فهي ليست بديلا من الله سبحانه و تعالى، و هي جزء
من مشيئته، و لا تعارض بين تفسير أي أمر من أمور هذا الكون بسببه
الظاهر و تفسيره بأنه راجع إلى مشيئة الله ، ما دام السبب الظاهر
أو السنة الجارية من مشيئة الله ، و من ثم فلا تعارض بين ما سموه
"الطبيعة" و ما سموه "ما وراء الطبيعة" بحيث يمتنع عليك الإيمان
بهذه و تلك في آن واحد كما توهمت "عقلانية" ما بعد النهضة في
أوربا، نتيجة أن ما وراء الطبيعة في ظل السيطرة الكنسية و الحجر
على العقل كان ينفي الأسباب الظاهرة أو لا يعول عليها في تفسير أمر
من أمور الكون، و أن إكتشاف السبب الظاهر جاء في جو من العداء
للدين و الكنيسة فوضع - من ثم – مناهضا و معاديا لما وراء الطبيعة،
بالإضافة إلى أن القوم هناك ظلوا – في ظل الإيمان بما وراء الطبيعة
على الطريقة الكنسية – في جهل مطبق بكثير مما يحيط بهم في هذا
الكون، بينما جاء اكتشاف السبب الظاهر في وسط معلومات عن هذا الكون
تبهر العقول " أهـ (153)
و من ثم انقلبت أوربا من النقيض إلى النقيض دون التوقف عند نقطة
الوسط الموزون كما قال دراز – رحمه الله - : " و الحل السوي إذن هو
الذي يحدد لكل حقيقته من الحقائق المسلم بها مداها و مرماها، فلا
نجرد الإنسان و العالم من أية قدرة ذاتية مستقلة، و لا نصفه بالعجز
المطلق، و هذا هو الوسط المعقول الذي يبدو أن القرآن يدعونا إلى
الوقوف عنده ، فالظواهر التي تتكرر دائما في تسلسلها و نظامها
الرتيب تمنحنا الحق في افتراض استمرارها في المستقبل بنفس الدقة و
نفس النظام، إذ لا غنى للحياة عن الاعتقاد في نظام ثابت للطبيعة، و
لكن هذا الثبات لا يرجع إلى جوهر الأشياء بعيدا عن القدرة التي
تدبرها و تنسقها، لأن وجود هذه الظواهر و دوامها و قوتها و ثباتها
خاضعا خضوعا مطلقا للإرادة الدينية. " اهـ
فعلى قدر انسحاق الوجود الإنساني في جاهلية العصور الوسطى كان شعور
الإنسان بذاتيته في الجاهلية المعاصرة، و على قدر الجهل بالأسباب
العامة وجدت فتنة بالأسباب، و على قدر تفاهة العمل و تفاهة آثاره
في الحياة الواقعية وجدت فتنة بالعمل، و فتنة بآثاره في حياة الناس
..
و جاء التقدم العلمي و المادي الذي ولد مع "النهضة" و الذي استمدت
أوربا أصوله من المسلمين، فنفخ في هذه الفتنة الطامة، و خيّل للناس
في جاهليتهم المعاصرة أن العلم هو "الإله" و هو القدر، و هو الذي
ينشئ كل شيء و يحكم كل شيء .
و لم يعد للدين في حس الأوروبي صلة بحياته على الأرض، إنما صار في
حسه أنه هو – الإنسان – الذي يصوغ حياته كما يحلو له، و هو الذي
يكتب قدره بنفسه و هو الذي يصنع التاريخ و يصنع الأحداث !..
" و إلى جانب فتنته بنفسه إلى هذا الحد كانت فتنته في الوقت ذاته
بالأسباب الظاهرة ، فقد قال "العلم" إن هناك قوانين حتمية سموها في
أوربا "قوانين الطبيعة" لأنهم – و قد نبذوا الكنيسة – رفضوا أن
ينسبوا السنن الكونية إلى الله ، و نسبوها إلى إله جديد لا كنيسة
له و لا تكاليف، سموه "الطبيعة" و نسبوا إليه الخلق و التدبير .. و
ما دامت القوانين في حسهم حتمية فلا مجال للقدر إذن في تصورهم !
فماذا يصنع القدر إذا كان لا يملك أن يغير ما هو حتمي الوقوع ، و
نسوا - في غفلتهم – أن ثبات السنن الجارية في الكون هو ذاته قدر
مقدر من عند الله الخالق يوم خلق سبحانه السموات و الأرض ! و نفوا
من حسهم – في غفلتهم كذلك – إمكان تغيير هذه السنن بإرادة من الله
حيث يشاء، فنفوا المعجزات و الخوارق من جهة، و نفوا إمكان تغير
نظام الكون كله حين يشاء الله !.. " (154)
أي يوم تبدل الأرض غير الأرض و السموات .. يوم تكون الجبال كالعهن
المنفوش ..
أما المسلمون فلم ينفوا أو ينكروا "المعجزات" كما أنكرتها عقلانية
النهضة و ما بعدها، و أن الله تعالت قدرته عاجز عن التصرف في شؤون
الكون بمشيئته الطليقة لمجرد أنه ثبت سنته الجارية كما تصور نيوتن
..
" إنما عرفوا أن الله سبحانه و تعالى ثبت سنته – بمشيئته الطليقة –
رحمة بالإنسان، و إعانة له على القيام بدور الخلافة، و لكنه –
سبحانه جل و علا – طليق المشيئة يصنع في هذا الكون ما يشاء، لا
يقيد مشيئته شيء على الإطلاق، و لا ثبوت سنته الجارية، فإن شاء
سبحانه أن يغير شيئا من نظام الكون – لحكمة يريدها – ليظهر للناس
معجزة من معجزاته، أو يغير نظام الكون كله يوم القيامة كما أخبر
عباده في كتبه المنزلة، فلا يقف ثبوت السنة الجارية أمام مشيئته جل
و علا إذ السنة الجارية من مشيئته ، و السنة الخارقة من مشيئته ، و
هو سبحانه يستخدم هذه السنة أو تلك و قتما يشاء و كيفما يشاء، لا
قيد على مشيئته يمنعه من التصرف كيف يشاء . " (155)
و حول السنة الجارية و السنة الخارقة يقول العلامة محمد رشيد رضا –
رحمه الله - :
" آيات الله في خلقه نوعان :
النوع الأول : الآيات الجارية على سنته تعالى العامة المطردة في
نظام الخلق و التكوين، و هي أكثرها و أظهرها و أدلها على كمال
قدرته و إرادته، و إحاطة علمه و حكمته، و سعة فضله و رحمته ..
النوع الثاني : الآيات الجارية على خلاف السنن المعروفة للبشر، و
ربما كانت أدلها عند أكثر الناس على اختياره عز وجل في جميع ما خلق
و ما يخلق و كون قدرته و مشيئته غير مقيدتين بسنن الخلق التي قام
بها نظام هذا العالم ( راجع كلام دراز أعلاه ) ، فالسنن مقتضى
حكمته و إتقانه لكل شيء خلقه، و قد يأتي بما يخالفها لحكمة أخرى من
حكمه البالغة، و لولا هذا الاختيار لكان العالم كالآلات التي تتحرك
بنظام دقيق لا علم لها و لا إرادة و لا اختيار فيه، كآلة الساعة
الصغيرة التي تعرف بها أوقات الليل و النهار و آلات البواخر و
المعامل الكبيرة، و الماديون المنكرون لوجود الخالق، و الفلاسفة
الذين يسمونه العلة الفاعلة للوجود يعبرون عن هذا النظام "بنظرية
الميكانيكية" و هم يتكلفون اختراع العلل و الأسباب لكل ما يرونه
مخالفا لسننه المعروفة، و يسمون ما لا يهتدون إلى تعليله من الأمور
المخالفة لها بفلتات الطبيعة، و يقيسون ما لا يظهر لهم تعليله على
ما اقتنعوا بتعليل له و إن لم يقم عليه دليل يثبته .. " اهـ (156)
هذا .. كما أن الإعجاز في السنة الجارية هو هو في السنة الخارقة،
مصدرهما واحد و جوهرهما واحد ، هو القدرة الإلهية التي لا يعجزها
شيء في السموات و لا الأرض .
و "النظرية الميكانيكية" التي أشار إليها الشيخ محمد رشيد رضا، أو
ما يصطلح عليه "بالمذهب الميكانيكي" هو اسم يطلق على النظرية التي
ترى بأن الظواهر الطبيعية يمكن بل يجب تفسيرها بالرجوع إلى المادة
و الحركة و قوانينها .. إن هذا الاصطلاح يستعمل في معان مختلفة في
مواضع متعددة و مختلفة، و يتوقف ذلك على طبيعة الرأي المناهض الذي
يقصد من هذا الاصطلاح مناقضته و مناهضته، و من أمثلة هذا الاختلاف
في الاستعمال : الميكانيكية ضد المذهب الطبيعي الذي يسمى بلغة
الفلسفة Super Naturalism و الميكانيكية ضد الغائية ، و
الميكانيكية ضد المذهب الحيوي، و الميكانيكية ضد النشوء ..
و لعل أبرز مرحلة تاريخية اشتد فيها النشاط الفكري في هذه الناحية
من التفكير هي مرحلة القرن السابع عشر الذي شاعت فيه "الفلسفة
الميكانيكية"..
لقد كانت النهضة العلمية – بعد العصور الوسطى - على أيادي
كوبرنيكوس و كيبلر و برونو و غاليليو و أضرابهم من المعاصرين قائمة
إلى حد كبير على تطبيق الطريقة الميكانيكية في تفسير الطبيعة ..
أما النظرية الفلسفية الميكانيكية التي تسعى لتفسير العالم فمجملها
محاولة اعتبار العالم كله منظومة مقفلة من الأسباب و الآثار و
النتائج ( انتبه أخي القارئ و لاحظ .. أرأيت ؟! ) بحيث أن كل تغير
حادث في هذه المنظومة يمكن أن يعزى إلى تغير في الحركة، و من هنا
يتبين بأن المذهب الميكانيكي يرادف المذهب المادي مرادفة تامة من
الناحية الفلسفية هذه .
يقول الأستاذ مهدي كلشني :
" كانت محاكمة غاليلو من العوامل التي أدت إلى ابتعاد العلماء عن
الكنيسة في تلك المحاكمة، كان الكادرينال بيلارمينو يعتقد بأن
النموذج الكوبرنيكي في اعتبار مركزية الشمس يجب أن يعالج على انه
وسيلة، لا على انه مثال للواقع . غير أن غاليلو رفض ذلك .
" إن تصوير الآلية الطبيعية الذي وضع غاليلو خطوطه الرئيسة، قام
نيوتن وأتباعه في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي
بالتوسع فيه . في دنيا نيوتن يبدو العالم أشبه بماكنة معقدة تسير
وفق قوانين لا تتغير، وكل جزء فيها يمكن التنبؤ به . نيوتن نفسه
يقول أن هذه الماكنة من صنع الله، وكان يعتقد أن لله في هذا العالم
"الآلي" دورا دائميا، لأنه لم يكن يرى أن دور الله يقتصر على الخلق
البدائي، بل قال إن لله دورا مستمرا في إيجاد التوازن في المنظومة
الشمسية، كما انه كرر ذكر الله في مواضع أخرى أيضا .
" إلا أن "لاغرانج" و "لابلاس" قالا أن الاختلالات في المنظومة
الشمسية لا تتجاوز حدا معينا مطلقا، وهي تتكرر كل مليوني سنة، لذلك
لا حاجة لتدخل الله في مواقع سيارات المنظومة الشمسية والمحافظة
على المسافات بينها وبين الشمس . وسادت شيئا فشيئا الفكرة القائلة
بان الفراغات الموجودة في المعلومات العلمية ينبغي أن لا تملأ
بالتوسل بالله .
" في سنة 1662م أصدر المجمع الملكي البريطاني - الذي يتألف من
علماء ذلك البلد - بيانا جاء فيه أن على الأعضاء أن يوجهوا
دراساتهم نحو تعظيم قدرة الله وشانه في سبيل خير البشرية وصلاحها .
ولكن كلما بعد العهد بزمان نيوتن قل الكلام في هذا، وضعفت المساعي
الرامية إلى المطابقة بين المبادئ الفيزيائية والحكمة الإلهية،
وازداد الاتكاء على العقل عند الإنسان، بحيث أصبح العلم هو الحاكم
المطلق في أواخر القرن التاسع عشر .
" في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين ازداد الاعتماد
على العقل الإنساني وازداد الإعراض عن الدين، مما حدا بلابلاس إلى
الزعم بان المنظومة الشمسية أبدية البقاء ولا يحتاج ذلك إلى تدخل
من جانب الله . و عندما سأله نابليون لماذا لم يشر إلى الله بشيء
في كتابه، قال: "لست بحاجة إلى هذه الفرضية".
" وصلت الفيزياء إلى أوج كمالها في القرن التاسع عشر، وبظهور
الداروينية قال بعضهم إن الاختيار الطبيعي يمكن أن ينتهي إلى النظم
من دون أن يكون هناك أي منظم . وفيغضون ذلك ظهرت فلسفة "أوغست
كونت" المعارضة لما وراء الطبيعة .
" لقد أدت هذه العوامل، بالإضافة إلى نجاح العلم في الميدان
العملي، إلى أن يصبح العلم ذاته نوعا من الدين . وعلى اثر تفوق
العلمية سادت الفكرة القائلة بان العلم قادر على توضيح كل شيء أو
حادثة أو تركيب على وفق القوانين . . . من دون حاجة إلى تدخل الله
. " أهـ (157)
تلك – أخي القارئ – لمحة موجزة عن معتقد الحضارة الغربية – إن كانت
حضارة – في قانون السببية أو في "السبب الظاهر" .. نفي لإرادة الله
و مشيئته من جهة ، و إنكار للمعجزات و الخوارق من جهة أخرى .. و هو
الإلحاد بعينه ..
" و السبب الظاهر ليس بديلا عن السبب الحقيقي، لأنه يفسر فقط كيف
تحدث الأشياء على النحو الذي تحدث به، و لكنه لا يفسر لماذا كانت
الأشياء على هذا النحو ! .. فقانون السببية يفسر كيف يتحول الماء
إلى بخار بالتسخين، و لكنه لا يفسر لماذا كان التسخين يحول الماء
إلى بخار ! فلولا أن الله خلق الماء على النحو الذي يجعله التسخين
يتحول إلى بخار ما تحول !
" بعبارة أخرى إن العلم بخواص المادة يفسر لنا الظواهر التي تحدث
في عالم المادة، و لكنه لا يفسر لنا لماذا كانت المادة بهذه الصورة
و بهذه الخواص، ذلك أن هذه الصورة ليست هي الصورة الوحيدة الممكنة
عقلا .. بل هي إحدى الصور الممكنة، و قد كان يمكن – لو أراد الله –
أن تكون على صورة أخرى و ذات خواص مختلفة ؛ فالذي جعلها على هذه
الصورة و أعطاها هذه الخواص هو "مشيئة الله وحدها" و هذا هو "السب
الحقيقي" الذي لا يغني عنه معرفة السبب الظاهر .. و إلى ذلك تشير
سورة الواقعة :
{ أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون * نحن قدرنا
بينكم الموت و ما نحن بمسبوقين * على أن نبدل أمثالكم و ننشئكم في
ما لا تعلمون * و لقد علمتم النشأة الأولى فلولا تذكرون * أفرأيتم
ما تحرثون * أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون * لو نشاء لجعلناه
حطاما فظلتم تفكّهون * إنا لمغرمون * بل نحن محرومون * أفرأيتم
الماء الذي تشربون * أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو
نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون } الآية 70. (158)
إذن .. لا تأثير في الكون لشيء إلا لله سبحانه، " و أن كل ما
يتراءى لنا من مظاهر الأسباب و العلل إنما هو أسباب و علل جعلية،
جعلها الله عز وجل كذلك، و أن ما قد يجده الباحث فيها مما يسميه
العلم بالعوامل و المؤثرات و ما إلى ذلك ، إنما هو كذلك من حيث
الظاهر فقط، و العلم لا شأن له بالأشياء إلا أنه يصفها على ما هي
عليه في أدق مظاهر، ثم يمارس هذا الوصف بالتجربة في مجالات متكررة
، و إذا كان العلم إنما يصف واقعا لا يزيد عليه، فإن هذا الواقع لا
يزيد على المقارنة المستمرة، أما أمر الانفصال فشيء آخر، و هيهات
أن يتوصل العلم إلى أن مقارنة الأسباب بمسبباتها أمر حتمي لا مناص
من تلازمها و لا حيلة لانفكاكها . " (159)
من هذين التأثيرين : "الفتنة بالعلم" و اكتشاف "قانون السببية"
راحت أوربا تفصل بين العلم و الدين، أو قل بين العلم و الإيمان ،
وتقيم بينهما خصاما و عداوة لا أساس لها في صميم الفطرة، ممزقة
بذلك الكيان الإنساني إلى مزق شتى كان لها الآثار المدمرة التي
تعانيها – اليوم – البشرية ..
يقول العلامة عماد الدين خليل :
" في ظلال المجتمع العلماني يتمزق الإنسان بناء على تمزق مصيره، و
تزدوج شخصيته اعتمادا على الثنائية التي اصطنعها بين المادة و
الروح، و الجدران التي أقامها بين تجربتي الحس والوجدان، والجفاء
الذي باعد به زيفا بين عالمي الحضور والغياب، بين ما هو قريب مرئي
وما هو بعيد لا تراه العيون ، والتصور الذي يصدر عنه ذلك الإنسان
لا يوائم ــ بحال ــ بين العلاقات المعقدة المتشابكة التي تحكم
الكون و العالم و الحياة بل هو تصور يفصل بالقسر و العناد بين هذه
العلاقات جميعها يمزقها تمزيقا و يعمل فيها تقطيعا و تشويها فتغدو
طاقات الكون و الإنسان و الحياة و ما بينها جميعا من وشائج و
ارتباطات – تغدو في حس العلماني و تصوره فوضى يسودها الانفصال و
الصداء و الجفاء .. الدين يتناقض مع العلم، و الفلسفة العقلية ترفض
التشبث الطبيعي بالواقع الملموس و المذاهب الطبيعية لا تلزم نفسها
بقيم خلقية و إنسانية ..
" و هكذا .. سلسلة من المصادمات التي لا تقتصر آثارها السيئة على
العالم الخارجي فحسب بل في أعماق الإنسان، و تجربته الذاتية كذلك
.. ذلك أن كل قيمة و طاقة أو فاعلية مما ذكرنا ترسم له مصيرا معينا
و تسعى إلى شده إليه فيغدو بالتالي مشدودا إلى مصائر شتى متفرقة
متناقضة لا يسودها التوحد و الانسجام، و هذا هو السبب العميق الذي
يؤدي في العلمانية إلى التمزق و الازدواج، فالإنسان العلماني يقسم
فعاليته الحياتية إلى قطاعات و مساحات منفصلة يسعى في كل منها إلى
تشكيل مصيره في إطار ذلك القطاع أو تلك المساحة و بطريقة انعزالية
تماما عن سائر الفعالية، و هو خلال ذلك لا بد و أن يشعر بالتناقض
المرير بين فاعليات حياته جميعا .. و ينظر – أخيرا – فيرى حياته و
قد تشتت، و كيانه الذاتي و قد أصيب بالازدواج . " (160)
و في ثبج هذه الفتنة العمياء – الفتنة بالعلم و الفتنة بالأسباب –
خرجت الثعابين السامة من جحورها، و راحت تنفث سمومها الزعاف في
أوربا – بالذات – و تؤز المنسلخين من المسيحيين أزا .. كما قال
تعالى : { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا }
مريم 83. و يسندها في ذلك الواقع الفاسد الذي أحدثه ذلك الانسلاخ
التدريجي من المسيحية المحرفة .. فكما هو معروف أن اليهود – لعنهم
الله – لا ينشئون الأحداث ؛ فالله سبحانه جل و علا هو رب الأحداث و
هو المدبر المتصرف في شؤون الكون و الحياة و الإنسان.. إنما نقول
أن اليهود – لعنهم الله – يجيدون و يبرعون في استغلال الأحداث ،
ذلك هو ديدنهم عبر التاريخ كله .. و لقد سبق أن قلنا أن النظريات
الكونية سبقت النظريات الإنسانية في الظهور، و هي نظريات أثبتت
الأيام صحتها – إجمالا – بخلاف الأخرى، و بذلك قُدر للكنيسة أن
تصطدم بالصحيح قبل الزائف ، فلما خسرت معركتها معها سهلت الهزيمة
أمام الأخرى ..
يقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني – رحمه الله - :
" وانطلق اليهود وأجراؤهم وعملاؤهم وكلّ الذين يتأثرون بهم
ويتحرّكون بتوجيههم ، أفراداً ومنظمات ، ومعهم متبرعون كثيرون من
أهل الأهواء ، بنشاط واسع ، عقب تهيئة الظروف السياسية والاجتماعية
الملائمة ، لمحاربة الأركان التالية :
الأول : الدين ، وكل ما يتصل به ويصدر عنه ، ولو كان ديناً محرفاً
، كالمسيحية ، لأن الدين هو الناظم الوجداني لكل الذين يؤمنون به .
الثاني : الأخلاق ، وكل ضوابط السلوك النافعة المفيدة للأفراد
والجماعات ، وكل الروابط الاجتماعية التي تربط أفراد أمة واحدة في
هيئة اجتماعية ذات قوة متماسكة متعاونة .
الثالث : النظم السياسية والإدارية والاجتماعية ، الضابطة للشعوب
والأمم، والناظمة لهيئاتها الاجتماعية، ولو كانت غير عادلة .
الرابع : النظم الاقتصادية التقليدية عادلةً كانت أو جائرة .
الخامس : الطبقات التي لها سيادة اجتماعية تقليدية، سواءٌ أكانت
عادلة أو جائرة .
" وتُتَّخذ الانحرافات الجزئية والفردية ذرائع لمحاربة هذه الأركان
محاربة جذرية، ولنسفها من أصولها، بغية تفكيك الشعوب، وذرّها،
وإقامة الصراعات بينها .
" وبكل وسائل الإعلام والتعليم ، السرية والعلنية ، المباشرة وغير
المباشرة، تحركت هذه الحرب الشيطانية المدمرة ، وانطلقت :
1 - تنشر الإلحاد، وأفكار الحرية الفردية الناقمة الثائرة على
عقائد الإيمان بالغيب، والثائرة على القيود الأخلاقية
والاجتماعية،وسائر التقاليد . وتنشر كل ما يفرزه الفكر الإلحادي،
الذي ينكر وجود الله، ويؤمن بأزلية المادة، وخلو الوجود من الحكمة
والقصد، والعلم السابق والإرادة، والعمل الواعي، وينكر الدينونة
والحساب والجزاء، ويجعل حياة الإنسان قاصرة على هذه الحياة الدنيا،
ويطلق الرغبات والشهوات والأهواء على رعوناتها، دون أي قيد أو
ضابط، إطلاقاً متوحشاً نهماً متكالباً أنانياً، مسرفاً في ابتغاء
اللذات والأموال، ورغبات التسلط .
2 - تبث الآراء والنظريات والمذاهب المبهرجة المتناقضة فيما بينها،
ابتكاراً ووضعاً لها ولزيوفها وزخرف أدلتها . أو نبشاً عنها في
مقابر أفكار ومذاهب الأقدمين ، واستخراجاً لمحنَّطاتها الدفينة في
بطون أساطير الأولين .ثمّ تقوم بتجميع مجموعات بشرية حزبية على هذه
النظريات، المتناقضة فيما بينها، ثمّ تقوم بتهييج هذه المجموعات
الحربية، ودفعها إلى ثورات عمياء ضد أوضاع قائمة، ودفعها أيضاً إلى
صراعات فكرية ودموية، ضد المذاهب التقليدية، ودفع بعضها ضد بعض ."
أهـ (161)
و حول استغلال الأوضاع الفاسدة بغية التدمير العالمي الذي يسعى
إليه "شعب الله المختار" ! يواصل الشيخ الميداني قائلا تحت عنوان :
"حركات التضليل في العلوم الطبيعية" :
" الأصل في العلوم الطبيعية أن تخضع الأفكار والآراء والفرضيات
والنظريات فيها للملاحظة والتجربة والمشاهدة ، فما أثبتته التجارب
صحّ تقريره ضمن حدود الإثبات التجريبي، وأوصاف الظاهرة المشاهدة .
ولكن استطاع المضللون أن ينتقلوا من ملاحظة الظواهر وإجراء التجارب
وتقرير النتائج وفق أوصاف ظاهراتها ، إلى تفسيرات وتعليلات نظرية
فلسفية ، غير خاضعة للملاحظة ولا للتجربة ، ولا للمشاهدة ، وهي
تفسيرات وتعليلات فلسفية مجردة ، وليس من شأن العلوم الطبيعية
القائمة على الملاحظة والتجربة العملية أن تدل عليها بحالٍ من
الأحوال، إذ هي قضايا فكرية نظرية لا علاقة للعلوم المادية بها .
لكن المضللين حاولوا دسها ضمن العلوم الطبيعية المادية ، مع أنها
نظرات فلسفية تتعلق بأمور غير حسية ، ليوهموا أن العلم التجريبي قد
أثبتها .
وهذا خداع مقصود يشبه خداع الذئب إذ يندس في قطيع من الغنم ، وهو
يرتدي جلد خروف .
" كما وجد المضللون المفسدون في الأرض العلوم الإنسانية ميادين
رحبة ، وأرضاً ملائمة ، للقيام بنشاطاتهم فيها .
فاتخذوا منها مواقع و مراتع ، وأقاموا فيها مؤسسات توجيهية، ومدارس
تعليمية، لبثِّ أفكارهم وضلالاتهم، ونشطوا فيها نشاطاً شيطانياً
منقطع النظير .
" وسخروا أذكياء دهاةً من متخصصين في مختلف مجالات العلوم
الإنسانية ، لوضع وترويج أفكار ومذاهب مختلفة متناقضة، قائمة على
إطلاق الأهواء، والشهوات، والرغبات النفسية، والأنانيات الفردية
والقومية والأسرية والعنصرية والمذهبية، والعصبيات المتنوعة،
إطلاقاً أرعن طائشاً .
" وفعلاً قام هؤلاء الأذكياء الدهاة المسخرون بوضع أفكار ومذاهب
شتى، مزينة بزخرف القول، بغية إفساد العقول والنفوس والضمائر،
وبغية تدمير عقائد الدين ، ومبادئ الأخلاق وتطبيقاتها، وتدمير
النظم الاجتماعية النافعة، التي من شأنها المحافظة على كيان الشعوب
والأمم وترابطها، أو من شأنها إصلاح الناس وتقويمهم، وضمان أمنهم
ورخائهم وطمأنينتهم وتعاونهم وتفاهمهم وإقامة العدل فيما بينهم، أو
من شأنها ضمان سعادتهم العاجلة والآجلة، أفراداً وجماعات حكاماً
ومحكومين .
" وقد أدرك هؤلاء الشياطين المضللون المفسدون في الأرض، أن الناس
متى اعتنقوا هذه الأفكار المختلفة، والمذاهب المتباينة المتناقضة
أو المتضادة أو المتخالفة، وأخذ كل فريق منهم طائفة منها، وانطلقوا
على رعوناتهم وأهوائهم وشهواتهم وأنانياتهم وتناقضهم وتضادهم
وتخالفهم، فإنهم لا بد أن ينقسموا إلى انتهاب متاع الحياة الدنيا،
والاستئثار بكل لذاتها وزيناتها، والتكالب على امتلاك أشيائها
بأنانيات قذرة متوحشة . ثمّ لا بد أن يتصارعوا فيما بينهم صراعات
مدمرة .
" فإذا انطلقوا هذا الانطلاق الأحمق البَهَميّ ، توالت عليهم نكبات
رعوناتهم، فأفنى بعضهم بعضاً، وخربوا أجسادهم بالسموم التي
يتعاطونها في انطلاقاتهم البَهمِيّة ، لانتهاب اللذات ، أو أوهام
اللذات التي هي في الحقيقة هروب من القلق والضيق والضنك ، وكل ما
يعانون منه بسبب الأفكار والمذاهب المضلة المفسدة التي اعتنقوها ،
وانطلقوا وفق إغراءاتها ومفاهيمها .
" وخربوا أجسادهم ونفوسهم أيضاً بالأمراض التي تتكاثر فيهم، بسبب
انطلاقاتهم الجاهلة الرعناء، والتي جعلها الله عقوبات معجلة خاضعة
لسننه التكوينية في الحياة الدنيا، كأمراض الكبد الناتجة عن شرب
الخمور والأمراض العصبية الناتجة عن تناول المخدّرات ، والأمراض
الشنيعة الجلدية وغير الناشئة عن الزنا وممارسات الشذوذ الجنسي،
والأمراض النفسية والاجتماعية الناشئة عن القمار والميسر، ونحو ذلك
.
" واندست بمكر الشياطين المفسدين في الأرض ، الأفكار والآراء
والمذاهب المضلة المفسدة في العلوم والفنون التالية :
1 - علم النفس .
2 - علم الاجتماع .
3 - علم الاقتصاد وإدارة المال وتنميته .
4 - علم السياسة وأنظمة الحكم والإدارة .
5 - علم القانون .
6- التاريخ وفلسفته وتحليلاته .
7 -الأدب ونظرياته .
8 -الفنون الجمالية .
إلى غير ذلك .
" وتصدى للتضليل في كل مجالٍ من هذه المجالات إمام أو أكثر من أئمة
الضلال في الأرض ، وليس على سبيل المصادفة أن يكون معظم هؤلاء من
اليهود ، بل هو أمر مرسوم ابتداء ، ومخطط له من جماعات منظمة ،
وقيادات يهودية تخفي نفسها ، ذات هدف مقصود ، وقد مكرت مكرها
العظيم السيء لإفساد الأمم وإضلالها ، بغية تدميرها ، والسيطرة
عليها ، وعلى كل ما تملك .
" فبرز على سبيل المثال من هؤلاء الأئمة اليهود: "ماركس" مؤسس
الشيوعية . و"فرويد" مؤسسة مدرسة التحليل النفسي ، و"دوركايم" أحد
أئمة علم الاجتماع ، وغيرهم .
" وأخذت أفكار هؤلاء المفسدين عنوان نظريات علمية زوراً وتزييفاً
للحقيقة، مع أنها إما مردودة مرفوضة علمياً، أو هي افتراضات لم
ترقَ بعدُ إلى مستوى النظرية، فضلاً عن أن تكون حقيقية علمية، كما
يزعم الجهلة المؤمنون بها من الأتباع العمي . " أهـ (162)
هذا .. و كان من آثار ذلك أن راجت لدى بعض المتهوكين المخبولين
نظرية "الأدوار الثلاثة" التي ذهب إليها الفيلسوف الفرنسي "أوغست
كونت" – مؤسس المدرسة الوضعية التقليدية – ( 1798 – 1857 ) ، و
تلقفها اللعين "فرويد" من بعده، و تتلخص في أن العقل الإنساني قد
مرّ بمراحل أو أدوار ثلاثة، هي : الدور اللاهوتي أو الديني، و
الدور الميتافيزيقي أو التجريدي، و الدور الواقعي أو الوضعي – و هو
الدور العلمي – و هذا هو ما يسمى "قانون الدورة الثلاثية" . (163)
أما فرويد فقد قسم تاريخ البشرية إلى ثلاث مراحل، عصر الخرافة، و
عصر التدين، و عصر العلم . ثم حمد الله كثيرا، أو حمد الشيطان، على
أننا تخلصنا من المرحلتين الأوليتين إلى الأبد ، و دخلنا المرحلة
الثالثة التي يظللنا فيها العلم، و تتفتح لنا أضواء المعرفة فتنير
لنا الطريق .
و قبل أن نناقش هذا الهراء يحسن أن نقدم بعضا من المغالطات التي
بنى عليها الملاحدة مفترياتهم حول وجود التناقض بين العلم و الدين
، و من ثم وجب إطراح الدين و نبذه و عدم الاعتماد عليه ! ..
يقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني :
" ولتثبيت دعوى التناقض بين العقل والدين ، وبين العلم والدين ،
والإقناع بأن ذلك واقع فعلاً استغل أعداء الدين ما يلي :
1 - أغاليط رجال الكنيسة النصرانية في مجالات العلوم الكونية ،
وتفسيرات ظاهرات العالم المادي ، وفي المجالات الفكرية الفلسفية ،
والتي نسبوها إلى الدين وأضافوها إليه افتراءً أو جهلاً .
2 - أغاليط اليهود وتحريفاتهم وافتراءاتهم على دين الله .
3 - خرافات أديان أخرى محرّفة عن أصولها المنزلة .
4 - خرافات أوضاع بشرية سمت أنفسها أدياناً وهي لا تمت إلى دين
رباني بصلة ، لا في تحريفاتها ولا في أصولها .
5 - أغاليط مفسري و شرّاح النصوص الدينية ، وما يجزمون بنسبته إلى
الدين من دلالات نصوص دينية غير ثابتة بصفة قطعية .
" حتى الإسلام خاتمة الرسالات الربانية استغل أعداء الإسلام بعض ما
ينسب إليه ، مع أنه لا يوجد في الإسلام نصٌّ أو تفسير أجمع عليه
علماء المسلمين ، مما يخالف قضية عقليةً مقطوعاً بها ، أو قضية
ثابتة بالوسائل العلمية الإنسانية مقطوعاً بها.
" ولكن قد يوجد فيما ينسب إلى الإسلام بوجه عامّ نصوص غير ثابتة
بصفة قطعية ، وآراء اجتهادية غير متفق عليها ، قد يتناقض بعضها مع
حقائق علمية ، أو مع حقائق ثبتت بوسائل العلم الإنساني ، ولكن هذه
النصوص وهذه الآراء الاجتهادية لا تمثل فكراً دينياً ثابتاً مجمعاً
عليه ، وغير قابل للتعديل .
" ولدى التبصر في هذه المغالطة التي تُسْتَغَلُّ فيها أغاليط الناس
، لتثبيت دعوى التناقض بين الدين والعقل ، ودعوى التناقض بين الدين
والعلم ، مع أن الدين الحق تنزيل رباني لا يصح نسبة أغاليط الناس
إليه ، ولا جعلها إحدى عناصره وبعض مكوّناته ، لدى التبصر في هذه
المغالطة ينكشف باطلها ، ويظهر زيفها ، فيرفضها العاقل الحصيف
المنصف ، وينبذها سخيفة مهما زينها المبطلون أعداء الدين الحق
المنزل من عند الله ، والذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من
خلفه . أهـ (164)
لقد سبق أن ذكرنا في الجزء الثاني ( 2 / 8 ) من هذه الدراسة أن
أوربا ورثت من الجاهلية الإغريقية عبادة العقل و تقديسه، و بالتالي
تحكيمه في سائر الأمور المادية منها و المعنوية ! ؛ بمعنى آخر
اتخاذ "العقل" إلها يعبد من دون الله ( و ليس مع الله .. هذا في
أوربا ) .. و كان من نتائج هذا الميراث الكريه أن راحت أوربا في
لهف و جنون تمجد العقل و تحمّله ما لا طاقة له، منحرفة به عن طريقه
السوي، متسترة به "حتى لا تتسلل الهرة من الحقيبة" ، تخفي به
شهواتها الجامحة ، و رغباتها المسعورة المنطلقة من عقالها الذي دام
قرونا طويلة، سميت – بحق – القرون المظلمة ..
يقول الإمام العلامة أبو الأعلى المودودي – رحمه الله و طيب ثراه -
:
" إن المذهب العقلي و المذهب المادي هما الأمران اللذان لا تزال
الحضارة الغربية تقوم بدعايتها لهما و إعلانهما بكل كل قوة و حماس
منذ القرنين الماضيين . إن قوة هذا الإعلان و شدته أمر لا يشك فيه
أحد، و أنى يمكن للمرء أن يجنب قلبه و ذهنه التأثر بشيء يعرض أمام
عينيه مرة بعد أخرى و يكرر على سمعه بصفة مستمرة . و إذن قد خضعت
الدنيا لتأثير هذا الإعلان فاعترفت بأن العلوم الغربية و المدنية
الغربية تقومان على أساس المذهب العقلي و المذهب المادي الطبيعي
فحسب . و الحال أن دراسة نقدية لحضارة الغرب توضح جليا أن أساسها
ليس النزعة العقلية و لا مراعاة نواميس الطبيعة، بل يقوم هيكلها
كله على الحس و الرغبة و الاحتياج . و أن النهضة العلمية الجديدة
لم تعد في الحقيقة أن تكون ثورة على العقل و الطبيعة، فإنها قد
هجرت المعقولات إلى ما يدخل تحت المادة و الحس، و جاءت تعتمد على
الحس بدل العقل، و ألغت التوجيه العقلي و الاستنباط المنطقي و
الوجدان الطبيعي و قررت – بدل ذلك – النتائج المادية المحسوسة هي
المقياس الحقيقي الصحيح لتقييم الأشياء، و ألغت إلهام الطبيعة و
إرشادها لتتخذ الرغبة الجامحة و الحاجة هي الهادية في شؤون الحياة
و جعلت كل شيء لا يمكن أن يوزن أو يذرع وهماً لا حقيقة له، و كل ما
لا يترتب عليه نفع مادي محسوس أمرا هينا لا يحفل به و كانت هذه
الحقيقة خافية على أهل الغرب أنفسهم في مبتدأ الأمر، فما زالوا
يزعمون على رغم مخالفتهم للعقل و الطبيعة في سلوكهم العملي، إن
"الاستنارة الفكرية" التي قد افتتح القوم عهدها الجديد ترجع في
أصلها و أساسها إلى المذهب العقلي و المذهب المادي الطبيعي . و برح
الخفاء بعد ذلك و افتضحت الحقيقة الواقعة و لكنه لم يجترئ أحد على
الاعتراف بها، و بقي القوم يخفون – بكل نفاق – كل ما هم عليه من
تقديس المادة و اتباع الأهواء و التعبد لمطالب النفس و الجسد تحت
ستار الاستدلال العقلي و ادعاء المذهب الطبيعي . و لكن قد تسللت
الهرة من الحقيبة – كما يقول المثل الانجليزي – و بلغ من مخالفة
القوم للمعقول و معارضتهم للنواميس الطبيعية أن لا يمكن أن يغطيها
ستار، فجاؤوا لذلك يعلنون بثورتهم على العقل و الطبيعة كل الإعلان
. " (165)
و نقف – هنا – عند قول المودودي : " و ألغت التوجيه العقلي و
الاستنباط المنطقي و الوجدان الطبيعي " فإن هذا مربط الفرس في
نقدنا للحضارة الغربية ، يفصله لنا الشيخ الميداني :
" مسايرة للمصطلح الغربي الرائج بين أوساط المثقفين الذي خصّ اسم
"العلم" وعنوان "الطريقة العلمية" بما يكتسب بالوسائل العلمية
التجريبية الحسيّة ، أفرّق بين الدين والعلم هنا .
" مع أن الدين الحق ليس قسيماً مغايراً للعلم ، بل هو علم عن طريق
الوحي ، فما جاءت به طرق الدين اليقينية هو من قبيل الحقائق
العلمية .
" وللحقائق العلمية طرق إثبات أخرى ، وطرق إثبات الحقائق العلمية
في الفكر الإسلامي تتلخص بما يلي :
" أولا : المعرفة المباشرة ، وهذه تكون بالإدراك الحسي ، ولو
بوسائل الأجهزة والآلات والأدوات الصناعية أو الطبيعية .
ثانيا : الاستدلال العقلي بمختلف طرقه الإستنتاجية والإستنابطية .
ثالثا : الخبر الصادق ، وهو قسمان :
* إنساني يعتمد عليه الناس في نقل الأخبار والمعارف المختلفة ،
بعضهم عن بعض .
* عن طريق الوحي الرباني الذي يختص الله به المصطفين من عباده ،
وثقة الناس بمن يبلغ من الناس عن الوحي مباشرةً ، مشروطةً بأن يكون
مؤيداً من الله بمعجزة ، فالمعجزة للنبي بمثابة الشهادة من الله له
بالصدق فيما يبلغ عنه.
" وعلى هذا فالمقابلة ليست بين الدين والعلم ، ولكن بين طرق اكتساب
العلم الذي يأتي به الدين ، وطرق اكتساب العلم بالوسائل الإنسانية
الحسية أو العقلية أو الخبرية .
" ولا غرو أن الوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية
لاكتساب المعارف ، وهي منحة من الله لعباده ، حتى يستخدموها في
اكتساب العلوم المختلفة ، ولذلك كان الإنسان مسؤولاً عنها عند الله
في مجال اكتساب العلم ، والدليل على ذلك قول الله عزّ وجلّ في سورة
(الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ
وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولـئِكَ كَانَ عَنْهُ
مَسْؤُولاً}. ولا تَقْفُ : أي ولا تتّبع .
" إن هذه الطرق والوسائل الإنسانية تقدّم شهادة يقينية بالحقائق
التي توصلت إليها ، أو شهادة ترجيحية بالمعارف التي ترجحت لديها
بغلبة الظن .
" كذلك الوحي الجامع لطرق اكتساب العلم الذي يأتي به الدين ، هو
أيضاً منحة من الله لعباده ، وقد جعله الله للناس طريقاً لاكتساب
طائفة من العلوم ، وهي التي يطلق عليها اسم علوم الدين ، ونلاحظ أن
أهم ما يختص بها العلوم الغيبية التي لا تدركها الحواس الإنسانية ،
ولا تستطيع العقول بوسائلها إثباتها مستقلة عن أنباء الدين ، وكذلك
التكاليف الربانية التي يكلف الله عباده العمل بموجبها أمراً أو
نهياً ، إلزاماً أو ترغيباً .
" ويلاحظ أن معظم التكاليف الدينية معقولة المعنى ، وهي تحقّق
بالتجارب العلمية مصالح العباد ، وإن كان الهدف الأساسي منها
امتحان طاعة العباد لبارئهم ، وما لا يدرك الناس الحكمة منه فحسبه
أنه طريقة لامتحان طاعة الإنسان المكلف للذي له الخلق والأمر وهو
على كل شيءٍ قدير .
" أما الحقيقة بالنسبة إلى الأمور الوجودية (غير الاعتبارية وغير
النسبية والتي ليست من قبيل تكاليف الابتلاء) فهي واحدة . والإدراك
الحسي يقدم شهادة بما توصل إليه من نتائج نحوها ، ويرافق الإدراك
الحسي الوسائل المادية التي يستخدمها الحس ، كالملاحظة والتجربة
والتطبيقات المتكررة ، مع الأدوات والآلات والأجهزة الصناعية
والطبيعية التي تثبت صحة شهاداتها ، كالمقاييس ، والموازين ،
والكواشف المختلفة ، وذوات الإحساس المادي غير الإرادي الكيميائي
والفيزيائي ، حتى الذري والالكتروني .
" والاستنتاج أو الاستدلال العقلي يقدم أيضاً شهادة بما توصل إليه
من نتائج نحوها .
" ولا يمكن أن تتناقض نتائج الإدراك الحسي ونتائج الاستنتاج العقلي
إلا وأحدهما أو كلاهما مصاب بالخلل ، كما لا يمكن أن تتناقض الحواس
الخمس فيما بينها إلا وأحدها أو أكثر مصاب بالخلل ، فإذا أدرك حسُّ
اللمس الشيء واحداً ، وأدركه البصر اثنين فقد يكون البصر أحول ،
وقد يكون الغلط من اللمس . وطبيعة الحواس أن تتكامل فيما بينها ،
كذلك وسائل المعرفة التي منحها الله للناس ليكتسبوا معارفهم
وعلومهم عن طرقها أو باستخدامها .
" إنها جميعاً منح ربانية وضعها الخالق بين أيدي الناس وفي ملكهم
ليعرفوا بها حقائق الأشياء ، كما سخر لكل منها في كونه وسائل
تساعدها على اكتشاف الحقائق ، وتقدم لها شهاداتها عن مشاهداتها ،
أو تكشف لها عن المؤثرات التي أثرت فيها ، وعن مبلغها من القوة ،
وغير ذلك من مقاديرها .
" إن الطرق الصحيحة التي تتجه للتعرف على شيء واحد ، أو تهدف
للوصول إلى غاية واحدة ، لا بد أن تكون نتائجها متطابقة ، أو
متكاملة غير متناقضة .
" فالشيء الواحد قد تقدم عنه العين معلومات لا تقدمها الأذن ولا
يقدمها الذوق ولا يقدمها الشم ، وكل حاسة تقدم معلومات لا تقدمها
الحاسة الأخرى ، ولكنها لا تتناقض فيما بينها بل تتكامل .
" كذلك ينبغي أن تكون طرق الإدراك الحسي مع طرق الاستدلال العقلي
مع طرق الخبر الإنساني مع طرق الوحي ، إذ الأصل فيها أن تتكامل
وتتوافق لا أن تتناقض ، فإذا تناقضت فلا بد أن يكون في بعضها أو في
جميعها خلل ، والصحيح منها هو الذي يعطي صورة صادقة عن الحقيقة
بمقدار ما يقدم من جلاء ووضوح وإثبات .
" وأية وسيلة مهما كانت صادقة وصحيحة فإن الغالب في شأنها أن تكشف
جزءاً من الحقيقة ، وقلما تكشف كامل الحقيقة ، وقد قال الله عزّ
وجلّ في سورة (الإسراء/17 مصحف/50 نزول):
{وَمَآ أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}
" والوحي الذي هو منحة من الله لعباده عن طريق النبوة هو طريق من
طرق المعرفة الصحيحة ، وهو يقدم شهادة بالحقيقة ، عن الشيء أو
الأمر الذي أخبر عنه . ومتى كان الخبر عن الوحي خبراً يقينياً
مقطوعاً به فإنه لا يمكن بحال من الأحوال أن يتناقض مع اليقين الذي
تُوصِلُ إليه الوسائل الإنسانية الحسية أو العقلية أو الخبرية .
ولو أمكن أن تتناقض لكان معنى ذلك أن الفاطر الحكيم لم يضع بين
أيدينا الوسائل الصحيحة التي تكسبنا المعارف والعلوم الحقة ، أو لم
يصدقنا فيما أخبرنا به عن طريق الوحي ، وكل من الأمرين مستحيل
عقلاً وشرعاً .
" إن الله عزّ وجلّ قد جعل وسائل المعرفة فينا مسؤولة في ميدان
المعرفة والبحث العلمي ، ومسؤوليتها هذه رهن بأنها من الطرق
الموصلة إلى الحقيقة ، كما جعلنا مسؤولين عن التسليم بما يخبرنا به
عن طريق الوحي ، لأن برهان العقل قد قام لدينا بأن ما يخبرنا به
الرسول عن الوحي صدقٌ وحق ، والجامع بين الأمرين هو أن كلاً منهما
يقدم شهادة بالحقيقة ، وبما أن الحقيقة واحدة فإنه لا يمكن أن
تتناقض نتائج الطرق الصحيحة الموصلة إليها . ومتى ظهر التناقض فلا
بد أن يكون ذلك لخلل أصابها أو أصاب واحداً منها .
فمن الأمثلة ما يلي :
" لقد أخبرنا الله أنه لا إله إلا هو ، وهذا خبر جاءنا به الوحي ،
فقدم لنا شهادة بحقيقة وحدانية الخالق تبارك وتعالى ، والبحث
العقلي والبحث العلمي بالوسائل الإنسانية في هذا المجال لا بد أن
يوصلا إلى هذه الحقيقة نفسها ، ولذلك قال الله عزّ وجلّ في سورة
(آل عمران/3 مصحف/89 نزول): {شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ
إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً
بِالْقِسْطِ...*}.
" فلدينا إذن حول هذه الحقيقة شهادة الله ، إذ أخبرنا بوحدانيته عن
طريق الوحي الذي بلغنا به الرسول المؤَيَّدُ من الله بالمعجزات
الباهرات ، ولدينا أيضاً شهادة أولي العلم الذين توصلوا إلى هذه
الحقيقة عن طريق البحث العلمي ، والدلائل العقلية البرهانية .
" فمن الغفلة الكبيرة ، والجهل بأصول المعرفة ، إقامة الصراع
والنزاع بين ما يأتي من المعارف الكونية عن طريق الدين ، وما يأتي
منها عن طريق الوسائل الإنسانية ، مع أن هذه وتلك شواهد ربانية ،
أقامها الله بين يدي الإنسان ليعرف بها الحقيقة . وهل يشهد الله
عزّ وجلّ شهادتين متناقضتين ؟! أو يضللنا سبحانه وتعالى فيضع لنا
وسيلتين تعطي كلٌّ منهما نتيجة متناقضة للأخرى في موضوع واحد؟!.
" هذا أمر لا يكون في حالٍ من الأحوال ، وحكمة الله العليّ العليم
الحكيم القدير تأباه .
" وواجبنا لدى البحث عن الحقيقة أن نحرر تحريراً دقيقاً ما تأتينا
به الوسائل الإنسانية من المعارف ، وما يصلنا من أخبار الوحي ."
(166)
بسماع هذا التحليل نناقش تخرصات الوضعيين كـ "هيوم" و "أوغست كونت"
و سائر المتأثرين به كلودفيج فويرباخ (1804 – 1872 ) و سيجموند
فرويد حول قانون الدورة الثلاثية ..
انتهى بحمد الله القسم الأول و ننتقل إلى القسم الثاني و الله ولي
التوفيق .
يتبع إن شاء الله
ملحوظة : تجد – أخي القارئ – ثبت المراجع و المصادر في الجزء
الأخير من هذه الدراسة و الله الموفق .
|
|
|
|
|