|
"تمايز" جيش المجاهدين: إلى أين؟
1 ، 2 ، 3
د. أكرم حجازي
27/7/2008
كما كان متوقعا فقد انسحب جيش المجاهدين (في بيان صدر بتاريخ
2/7/2008) من تحالفاته في إطار جبهة الجهاد والإصلاح والمجلس
السياسي للمقاومة العراقية. وكما كان تحالفه مع الجيش الإسلامي
عاصفا حين تشكيل الجبهة فقد خلف انسحابه عاصفة أشد لدى التيار
السلفي الجهادي الذي شن مناصروه هجوما عنيفا جدا على جيش المجاهدين
بعد صدور كتاب له بعنوان: "يا عباد الله تمايزوا – 24/7/2008" بسبب
ما اعتبروه اتهامات باطلة ومغرضة ضد التيار السلفي عموما ودولة
العراق الإسلامية خصوصا.
الكتاب الذي أصدره الجيش ووقع في 61 صفحة تضمن أسباب انسحابه من
الجبهة وتعليقا مطولا على رد المجلس السياسي للمقاومة على بيان
الجيش بالانسحاب من الجبهة. ولا شك أن انسحابه من الجبهة أدى إلى
تفككها لدرجة أن بيان الرد على خطوة الجيش صدرت عن المجلس السياسي
وليس عن الجبهة التي لم يعد لها وجود فعلي. ورغم أن الكتاب
"التمايز" كشف عن تورط قوى في الجبهة والمجلس في علاقات مفضوحة مع
الأمريكيين إلا أنه، في نفس الوقت، نأى بمصدريه عما اعتبرهم "أهل
الغلو" في إشارات ضمنية مكثفة إلى دولة العراق الإسلامية وردت في
اثني عشر موضعا دون أن تفلت جماعة أنصار الإسلام من "البغي" مع وعد
بالرد على "سفر الحقيقة" الذي أصدرته قبل بضعة أيام من كتاب
التمايز لجيش المجاهدين.
وبدا جليا من مضمون الكتاب وردود الفعل عليه أن جيش المجاهدين، في
إصداره هذا، يدفع بالساحة الجهادية في العراق، شاء أم أبى، إلى
مزيد من "التمايز" القائم على الانقسامات وتوتير الساحة أكثر مما
يسعى إلى لملمة شتاتها. ولا ريب أن مثل هذا الأمر يثير التساؤل عن
الدور المنتظر أن يلعبه الجيش وعن مقاصده وتوجهاته في المرحلة
القادمة خاصة وأنه صنف نفسه ضمن تيار "الوسط" مبتعدا عن: "الركون
إلى الذين ظلموا" أو " تكفير المسلمين واستباحة دماء الأبرياء".
فما هي أطروحة "التمايز"؟ وما هي ردود الفعل عليها؟ وأي آثار
ستخلفها حرب الوثائق على الساحة الجهادية في العراق خاصة وأن قوى
أخرى لم تقل كلمتها بعد؟
أُطروحة التمايز (1)
في مقارنة منهجية، على مستوى الموضوع، مع "سفر الحقيقة" لأنصار
الإسلام فالموضوع الوحيد لكتاب التمايز اقتصر على تبرير استمرار
جيش المجاهدين في تحالفاته إلى وقت متأخر. وبالتالي، وخلافا
للسِّفر، لم يقدم الكتاب أية أطروحة سياسية خاصة أو عامة يمكن أن
تشكل إضافة لما جاء به السفر من بيان لحقيقة الحرب على المشروع
الجهادي والأطراف الداخلة فيها واستراتيجيات عملها. والملفت
للانتباه أن "التمايز" الذي أهدي لأشخاص بعينهم هم في ذمة الله
وإلى: "جميع شهداء جيش المجاهدين وشهداء الفصائل جميعاً" لم يجر
تصديره لأية جهة كانت سواء على مستوى العراق أو على المستويين
العربي والإسلامي، ولم يتضمن، في ثناياه، لا تاريخ الإصدار ولا
الجهة المصدرة له. وقد تبدو مثل هذه المسائل شكلية إلا أنها تعكس
أكثر من حقيقة أقلها أن جيش المجاهدين في "تمايزه" يخاطب نفسه أكثر
مما يخاطب أية جهة أخرى، فضلا عن كونه ظهر أقرب إلى "التبرئة"
و"التزكية" من أي أمر آخر.
المهم أن الكتاب يعرض لخمسة أسباب (دواعي) لـ: "مفارقة" الجيش
لتحالفاته مع جبهة الجهاد والإصلاح وكذلك مع المجلس السياسي
للمقاومة الذي يضم الجبهة وجماعتي حماس وجامع العراقيتين. وهذه
الأسباب هي: (1) إنكاراً للمنكر و (2) تعذر تحقيق غاية التعاون و
(3) إنقاذ نور الجهاد من الانطفاء و (4) تصفية الصفوف و (5) إنقاذ
إخوة من الهلاك.
بداية فقد لاحظنا أن التمايز أورد عددا من المنكرات التي دفعت
بالجيش إلى المفارقة، وفي نفس الوقت لم يحدد جهات بعينها وقعت في
المنكر. واكتفى بتقسيم القوى إلى ثلاثة أقسام (الأول) رجال مجاهدون
ليس لهم صلة بالمحتل وهم على العهد ولم يبدلوا تبديلاً و (الثاني)
كانوا مجاهدين، لكنهم وقعوا في فخ المفاوضات والهدنة، وانضموا إلى
مجالس الصحوات و (الثالث) أفراد قليلون فيما نعلم قد وقعوا في
الردة. وغني عن البيان أن القسمين الثاني والثالث هما من وقع
عليهما الإنكار، فما الذي ارتكبوه من المنكرات؟ سؤال نطرحه قبل
مناقشة الكتاب ومعاينة ردود الفعل عليه.
وقبل الإجابة يجب التنويه إلى أن الاتهامات أو المثالب أو المآخذ
أو المنكرات: (1) لم ترد في "التمايز" بشكل منسق وثابت، فهي
متناثرة على امتداد الصفحات، وزيادة على ذلك فقد (2) اتخذت صيغا
لغوية متعددة كالتقرير والاستفهام والتعجب والاستنكار وحتى التهكم.
وهو أسلوب خطابي ينم عن الغضب أكثر مما يبعث على الإدانة، كما أنها
منكرات (3) لا تتعلق بجبهة الجهاد والإصلاح ولا بالمجلس السياسي من
قريب أو من بعيد بقدر ما تتعلق بكل جماعة على حدة. وهذا يعني أن
المجلس والجبهة، في مستوى القرارات الصادرة عنهما، ليستا موضع نقد.
وعليه فالمنكرات حيثما وردت فهي بحق بعض القيادات وبعض الأفراد رغم
أن هذا "البعض" يتحول في موضع آخر إلى "أغلب" الجماعات وليس كلها،
وبحق "الكثير" من أفرادها وليس "القليل"، وهو موضوع سنعود له في
مواضع أخرى. أما الآن فسنعرض لمجموعات المنكرات التي وردت
"التمايز". فما هي؟ وما هو مضمونها؟
المجموعة الأولى من المنكرات وردت في صورة:
1) "المفاوضات التي ابتدأت منذ زمن بين الصليبيين المحتلين و بين
هؤلاء". أما هؤلاء فقد وصفهم "التمايز" بـ : "الانحراف والمنافقين"
لكونهم "طلاب مفاوضات وصحوات"، وأصحاب "منهجية الهدنة مع المحتل
ومنهجية الصحوات ولو في بعض المناطق".
2) وجود "بعض القيادات التي تسرح وتمرح في المنطقة الخضراء"
والمناورة في عدم فصلهم. ومن بينهم" في غرفة القيادة الرئيسية بعض
قياداتكم".
3) قتال أهل الغلو بالاستعانة بالصليبيين، أو من أصبح دليلا على
عورات المسلمين أو سلاحهم و نحو ذلك.
4) القعود عن الجهاد.
وبطبيعة الحال فقد وردت تفصيلات كثيرة على امتداد التمايز، لكن في
تعليق الجيش على بيان المجلس السياسي للمقاومة الذي صدر ردا على
بيان انسحاب الجيش وردت تفاصيل أوضح قليلا في صيغة التقرير
والاستنكار على النحو التالي:
المجموعة الثانية من المنكرات أقرت أن:
5) "أغلب فصائل المجلس انحرف كثير من أفرادها وخرموا بعض الثوابت
الشرعية.
6) قرارات كبرى تبناها بعض قياداتكم داخل جماعاتكم في مسائل
الصحوات والهدنة.
7) الدلالة على عورات أهل الغلو فلم تكن من أعمال الجبهة أو المجلس
وقد بينا لكم الحق في هذه المسائل مرارا وتكرارا.
8) وعليه فإن لكم في المفاوضات مع المحتلين سعة ولو لم يكن اتفاق
ولا توافق! ولكم سعة في التنازلات منفردين! ولكم سعة في المشاركة
في الصحوات منفردين! ولكم سعة في الهدنة منفردين!"
المجموعة الثالثة من المنكرات استنكرت:
9) إعاقة المجاهدين عن الجهاد. فـ: "بأي وصف كانت الآيات تصف من
يعوق شخصًا واحدًا عن الجهاد في سبيل الله؟".
10) الاستعانة بالكافر على المسلم. فـ: "ما حكم الكتاب والسنة
وإجماع العلماء في نصرة الكافر على المؤمن ولو كان فاسقا؟ ألم ينصر
بعضكم الكافرين على المسلمين المجاهدين من أهل الغلو؟ ألم تتحقق
هذه النصرة في الميدان واقعًا أم لم تتحقق؟".
11) الصمت والخيانة. "ألا يوجد فيكم حتى هذه اللحظة قيادات موغلة
فيما ذكرنا؟ والغريب حقا أنكم لم تتبرؤا منهم حتى الآن ... فكيف
وأمر العلاقات أخذ أبعادًا ما بين بعض قياداتكم والصليبيين؟ كيف
ومنهم من يتبختر في المنطقة الخضراء ذاهبًا وآيبا..؟ أتنكرون هذا
أم تريدون أسماءً؟".
كل هذه المنكرات وغيرها مما لم يصرح به "التمايز" ألزمت الجيش بـ
"مفارقة" التحالف خشية الوقوع في خيانة لله ولرسوله وللمؤمنين خاصة
بعد أن استفرغ الوسع في النصح والتبليغ. لكن هل قدم "التمايز" أي
حكم شرعي في أية قضية طرحها بما فيها الموقف من بعض التقسيمات التي
استعانت بالكفار على قتال المسلمين؟
يتبع ...
المقالة الثانية
"تمايز" جيش المجاهدين: إلى أين؟
ملابسات الخطاب (2)
د. أكرم حجازي
29/7/2008
بلا شك، فقد أوقع جيش المجاهدين نفسه، منذ زمن، بمفارقات بالغة
الحرج سواء مع النص الشرعي ومع نفسه كجماعة جهادية ومع قواعده أو
مع جماعات جهادية أخرى نظرت بعين الريبة إلى تحالفات لا تتفق مع
تاريخ الجيش وعقيدته ومنهجه الجهادي. وبدلا من إزالة الريبة
والشكوك والغموض ووضع النقاط على الحروف جاء كتاب التمايز، ليلحق
المزيد من الضرر في مصداقية الخطاب السياسي والشرعي.
فمن جهة، أظهر "التمايز" الجيش كما لو أنه المعصوم من الخطأ
والخطيئة بينما هو غارق في أطر سياسية شارك في صناعتها قبل غيره،
وعاين فيها سيلا جارفا من المنكرات قبل أن يفارقها، ومن جهة أخرى
قدم "المناصحة" كمبرر وحيد لطول بقائه في تحالفاته متجاهلا سلسلة
طويلة ومؤلمة من الكوارث التي حلت بالمشروع الجهادي. وهو مبرر أضعف
من أن يصمد أمام أي مستوى من المحاججة حتى لو كان مصدرها، باعتراف
الجيش، عامة الناس وليس خاصتهم فحسب. وأكثر من ذلك، فـ "التمايز"
طرح العشرات من القضايا والأسئلة، بصيغة غاضبة، لكنه لم يجب على
واحدة منها ولو أن الكثير منها ورد أيضا في صيغة استنكارية أو
تهكمية كما قلنا سابقا. ولأن المعاينة تكشف الكثير من التناقضات
حتى في سياق الجملة وليس فقط في سياق الخطاب فإن أقل ما يقال في
"التمايز" أنه خطاب ملتبس بامتياز، وهذا يكفي لإثارة الشبهات
وتعريض الجيش وقواعده، على كل مستوى، إلى استنزاف خطير إنْ لم
يتدارك الأمر. أما الآن، وبعيدا عن الأطروحة السلفية الجهادية،
فلنعاين بعض الأطروحات مثار الجدل.
أولا: غياب "الأدلة اليقينية"
صدر البيان الأول عن جبهة الجهاد والإصلاح في 2/5/2007، أي بعد أقل
من شهر على صدور بيان الجيش الإسلامي ضد القاعدة (5/4/2007). وهذان
التاريخان يتوافقان مع بروز ظاهرة الصحوات وتأسيس مجالس الإنقاذ
خاصة في الأنبار، وقبلهما التسريبات المتعلقة بالتفاوض مع
الأمريكيين ولقاء مندوبين أو قادة من الجيش الإسلامي مع زعماء عرب.
أما قصة أبي وائل وأبي سجاد اللذين ساهما بتأسيس الجبهة باسم
الهيئة الشرعية لأنصار السنة آنذاك فقد شاعت أخبار اختراق
الأمريكيين لهما وتحميلهما مشروع الوحدة بين فصائل المقاومة في
العراق ووقف إطلاق النار وتأمين مرور القوات الأمريكية في مناطق
سيطرة السنة قبل أن يصدر بيان الجيش الإسلامي. ومع أن الشواهد أكثر
من أن تحصى إلا أن جيش المجاهدين الذي يعلم على ما يبدو بهذه
الأحداث والوقائع يصر على أن: "هذه المنكرات لم تثبت عنده حين
التأسيس".
لكن الثابت الأهم أن "التمايز" لم يصرح بأي تأريخ لأية واقعة.
والمهم أن الجيش، عبر الجبهة، مضى في توسيع تحالفاته إلى أن أُعلن
عن تأسيس المجلس السياسي للمقاومة العراقية في 10/10/2007. إلا أن
الجيش انسحب من الجبهة بتاريخ 2/7/2008، أي بعد سنة وشهرين بالضبط،
وبعد أكثر، قليلا، من تسعة أشهر من تأسيس المجلس السياسي، وبعد نحو
تسعة أشهر من إصداره دراسة "من يغسل عار العشيرة؟" و"وصفة الصياد"
على خلفية ما:"نمي إليه في حينه من نية البعض الدخول في الصحوات
والهدنة" كما يبوح به "التمايز". لكن لماذا تأسست الجبهة؟ ومتى
انسحب المؤسس؟ لنتابع برفق.
يقول الجيش في "التمايز": "يعلم الجميع أننا ما تنادينا بادئ ذي
بدءٍ لهذا التحالف إلا (1) تعاونًا على البر والتقوى، و (2) حرصاً
على تكثيف العمليات العسكرية ضد العدو المحتل وأعوانه، ... و (3)
قطعاً للطريق على من كان يحرص أن يكون بطانة لهم من الحزب
الإسلامي، وجبهة التوافق، ومنافقين غيرهم من هنا وهناك". أما مبرر
البر والتقوى فلندع الوقائع تتحدث عنه.
ففي 30 / 5 / 2007، بعد ثلاثة أسابيع من تأسيس الجبهة، تفجرت أحداث
العامرية بين الجيش الإسلامي والقاعدة، وذهب ضحيتها العشرات وربما
المئات من المجاهدين اعتقالا أو قتلا، وتلقت القاعدة اتهامات
بالعمالة للقوات الأمريكية من د. إبراهيم الشمري أدلى بها لقناة
الجزيرة. لكن في اليوم التالي تبين أن قوات أبو العبد أمير الجيش
الإسلامي في المنطقة هي من أطلقت الفتنة وبدأت القتال بدعم من
القوات الأمريكية التي وقفت تراقب الموقف كما لو أنها في قاعة عرض
سينمائي! ولم يصدر جيش المجاهدين أي بيان تجاه الأحداث.
ويعلم الجيش علم اليقين أن حماس العراق خرجت من رحم كتائب العشرين
على خلفية فتنة دموية، وكانت الشبهات تحوم حولها لجهة المبررات
التي دفعتها للانشقاق والدور القادم الذي ستلعبه كربيبة للحزب
الإسلامي أو جبهة التوافق ورموز المنطقة الخضراء إلا من رحم الله.
وفعليا لم يطل وقت الاختبار، ففي 19 / 6 / 2007، بعد شهر ونصف من
تأسيس الجبهة، شنت القوات الأمريكية والحكومية رفقة الحزب الإسلامي
وقوات بدر وغيرها حربا طاحنة على مقاتلي السلفية الجهادية في
ديالى، ومنذ اليوم الأول صدرت التصريحات الأمريكية تباعا وهي تروم
صيد عصفورين بحجر واحد عن مشاركة كتائب العشرين في المعارك ضد
القاعدة، وآنذاك عرف العالم أجمع أن المقصود هي حماس وليس الكتائب
التي أصدرت البيان تلو البيان وهي توضح وتحذر من استغلال اسمها
وتنكر أي تواجد لها في ديالى مشيرة ضمنا إلى تواجد حماس العراق في
المنطقة دون جدوى، إلى أن أعيتها البيانات فسمتها بالاسم مثلما
فعلت هيئة علماء المسلمين عبر تصريحات الضاري أو الفيضي.
هذه بعض أبرز الوقائع التي جرت قبل إعلان الجبهة وغداتها بأسابيع
قليلة إلى حين تأسيس المجلس السياسي. ولا شك أن أي محلل سيصل إلى
نتيجة حاسمة في هذا السياق وهي أن جيش المجاهدين لم يكن في وارد
النصح حتى إصداره "وصفة الصياد" في 20/10/2007! فعن أي مستوى من
البر والتقوى يمكن الحديث؟ وبأي منطق يوقع الجيش على قرار تأسيس
المجلس (4/9/2007) الذي أُعلن عنه في 10/10؟ وفجأة بعد عشرة أيام
أخرى بالضبط تصدر "وصفة الصياد"؟ فلماذا يوافق الجيش على البقاء في
مجلس بعض قياداته وأعضائه يرومون الدخول في مشروع الصحوات والهدنة؟
اللهم إلا إذا كان علم بالأمر في العشرة أيام التي تلت الإعلان،
وهذا مما لا يقبله عقل.
ألم يكن من الأولى بالجيش الانسحاب بدلا من توسيع تحالفاته رغم ما
تناهى إليه من شبهات؟ لا شك أن السؤال مشروع لو لم تتجمع بعض
المعطيات التي تتجه نحو تقرير بعض الأمور المثيرة. ففي سياق
"التمايز" يشير الجيش إلى معارضته قتال "أهل الغلو" بالاستعانة
بالصليبيين، لكنه لم يشر إلى موافقته على ذلك بدون الصليبيين، ومع
أن لازم القول ليس بلازم إلا أن أحداث ديالى والعامرية كانت كافية
له للانسحاب. ولأنه لم يفعل فقد بدا أن الجبهة ضالعة فيما يحدث من
قتال دموي حتى لو لم يكن جيش المجاهدين طرفا مباشرا فيها، وهذا ما
أشار إليه أبو عبد الله الشافعي أمير الأنصار لما عرض عليه أبو
وائل وأبو سجاد تشكيل تحالف "للوقوف بوجه القاعدة"، بالإضافة إلى
سفر الحقيقة الذي كشف النقاب عن خلفية تأسيس الجبهة بهدف "قتال
القاعدة". وهذا الأمر بالذات يلقي على جيش المجاهدين مسؤولية كبرى
في توضيح هذه النقطة بالذات خاصة وأنه عارض الصحوات وأنكر المنكرات
لكنه لم يقاتلها، فهل قتال القاعدة أولى من قتال الصحوات؟ وهل لهذا
علاقة بفشل جهود الجبهة في ضم جبهة الجهاد والتغيير إليها خاصة
كتائب العشرين وجيش الراشدين؟
كان من الممكن أن يكون الجيش أكثر وضوحا وأكثر صراحة فيما قدمه من
مبررات، لكنه آثر الصمت من جهة وقدم نصا فوضويا يشوبه الكثير من
الغموض. فالأدلة لا تحتاج إلى التثبت كل هذا الوقت فيما الأحداث
تسير بسرعة البرق. فما الذي أبقى الجيش كل هذه الفترة؟ سؤال لم يجب
عليه الجيش بعد.
ثانيا: التناصح وسط العاصفة
في الحقيقة لم يصدر حتى الآن رد رسمي من أية جماعة أو حزب على كتاب
"التمايز" مع أن الجميع معني في الرد بما أن أحدا لم يفلت من
"التمايز". لكن كيف يبرر الجيش بقاءه في تحالفاته حتى اللحظات
الأخيرة من شبه انهيارها؟
يقول "التمايز": "نؤكد أن بقاءنا معهم في المدة السابقة كان
صورياً, لمصالح شرعية معتبرة عندنا كالنصح وغيره ... ". أما عن
"المفارقة" فوقعت عند الجيش بعد أن: "بانت لنا حقائق خطيرة, وكان
بعضها يُقال، لكنها لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية, فلما
ثبتت عندنا استفرغنا الوسع في النصح فلم ينتهوا, وقد بقينا معهم
طوال هذه المدة محاولين الإصلاح ظنّا منّا أن نصحنا لهم ونحن معهم
في جبهة واحدة أو مجلس واحد أكبر تأثيرًا". أما البقاء الصوري
فيرده "التمايز" إلى: "نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة"!
لسنا بوارد الرد الشرعي على هذا التبرير للمفارقة، فهو من حق أهل
الاختصاص. لكننا نكاد نجزم أنه لو كان لدى الجيش مبررات أقوى مما
احتواه "التمايز" لما قصّر في إيرادها. وعليه فلنثبت بعض الملاحظات
عساها تفسر بعض المواقف أو تساهم في الكشف عنها:
• إن ما وصفه "التمايز" بـ "الحقائق الخطيرة" هي عينها المنكرات
التي صنفناها، في ثلاثة مجموعات من الجزء الأول من المقالة.
وبالتأكيد فإن ما خفي أعظم مما ذكر. لكن الغريب هو احتجاج الجيش
بعبارة: " لم تثبت عندنا بوسائل الإثبات الشرعية"! فهل يعقل
الاحتجاج بمقولة ينفيها "التمايز" نفسه؟ وهل يعقل أن يستمر الجيش
في البحث عن "الأدلة اليقينية" للمنكرات بينما يقول عنها في موضع
آخر من "التمايز": "أنها لم تعد تحتاج إلى أدلة عند كل عراقي عامي
وغير عامي ..." لإثباتها؟
بهذا المعنى من المؤكد أن الجيش انسحب من الجبهة، فقط، بعد أن عرف
العامة و"طفت المنكرات على السطح"، وهذا لا يستقيم مع ما تلقاه
الجيش من "نصيحة كثير من أهل العلم والتجربة" ولا مع كون الجيش يعج
بـ "العلماء وطلبة العلم" إلا إن كانت النصيحة إياها من داخل الجيش
نفسه.
• كان بوسع الجيش الانسحاب مبكرا عملا بمبدأ شرعي يقضي بـ "اتقاء
الشبهات" لكنه لم يفعل، وفضل النصح رغم أن الحدث العراقي،
بالمقارنة مع أحداث عالمية كثيرة وخطيرة جدا، بدا ولمّا يزل حتى
الآن يمتاز بسرعة التقلب. فالوضع العراقي ليس هو الوضع الفلسطيني
ولا الوضع اللبناني ولا الأفغاني ولا الشيشاني حيث التغيرات في هذه
البلدان بطيئة، وقد تستغرق سنوات قبل أن تظهر آثارها. أما في
العراق فالأحداث شديدة التسارع ومخيفة جدا، فقد سقطت بغداد فجأة
وانقلبت الطوائف على بعضها بلمح البصر وظهر الجهاد فور وقوع
الاحتلال؛ فتفاجأت الأمة والأمريكيون والدول والمثقفون والخبراء
وأجهزة الأمن والمخابرات حتى أن الزرقاوي قتل وأغلب المثقفين
يشككون بوجوده فكيف بالعامة؟ وفي ظرف ثلاث سنوات لا أكثر كاد
الأمريكيون يفقدون صوابهم وهم يئنون تحت وقع ضربات ما شهدتها حرب
لا في فيتنام ولا في كوريا ولا غيرهما، فالحرب كانت ساحقة وماحقة
لا مساومة فيها ولا تسامح، أما د. أيمن الظواهري فقد أخذ يتغنى
بأمجاد العراق والحرب التي قصمت ظهر أمريكا. أما الرئيس الأمريكي
جورج بوش فقد صرخ بأعلى صوته مخاطبا الزعماء العرب: ماذا يريدون؟
لماذا لا يتحركون وأنظمتهم مهددة؟ وفعلا لم يتنفس الأمريكيون
الصعداء إلا على وقع اختراق الجانب السني في الصميم.
لذا فإن تشكيل الجبهة بلغة "التمايز" كانت كارثة، وبقاء الجيش
لأكثر من عام في أوج الإعصار يعتبر فترة طويلة جدا، وغير مبررة، لا
بالمناصحة ولا بإحسان الظن ولا بمشروعية البحث عن "الأدلة
اليقينية"، فالأمور تقاس بنتائجها. والنتائج تراجع المشروع
الجهادي. إذ لا يعقل أن ينشغل الجيش، إلى هذه الدرجة، بالتفتيش عن
الأدلة اليقينية ومن ثم الدخول في مناصحات عقيمة بينما تتضخم
الصحوات وتتحول إلى مشروع احتلال اجتماعي يحظى بغطاء من بعض
المشايخ، فيما المناطق والمدن والأحياء تسقط تباعا بيد الصحوات
الواحدة تلو الأخرى سواء في بغداد أو الأنبار أو ديالى أو سامراء
أو تكريت أو صلاح الدين ثم تتلقى الموصل هجوما جرارا عليها. فمن
يتحمل خطأ الاجتهاد؟ ومن يتحمل خطأ النصيحة؟ ومن يتحمل مسؤولية ضرب
المشروع الجهادي وإضعافه؟ ومن يتحمل أحداثا جسيمة بحجم العامرية
وديالى والأنبار ويظل على اجتهاده كما لو أنه آية؟
• لو راجعنا الهزات التي تعرضت لها جبهة الجهاد والإصلاح سنلاحظ أن
جيش الفرقان انشق عن الجيش الإسلامي، في وقت مبكر (18/7/2008) من
تأسيس الجبهة، وعلل انشقاقه بـ: "مخالفات شرعية" و "فتن صاغها
المحتل وأعوانه وأخرى هي من عند أنفسنا" و"استعجال قطف الثمرة
و"انحراف البعض عن المنهج النبوي" وأخذ الناس بـ: "بالشدة والغلظة
وعدم الرفق والحلم والتدرج وعدم مراعاة منازل الناس"، وعليه "نعلن
انفصالنا من الجيش الإسلامي ... ونتبرأ من كل ما خالف شريعة
الرحمن". أما جيش الفاتحين فقد أعلن انسحابه من الجبهة في بيان صدر
عن مكتب الإمارة بتاريخ 1/1/2008. وبرر انسحابه بالقول: "أن هذا
المشروع لن يحقق لنا هدفنا المنشود بسبب ما وجدنا من اختلاف بين
الواقع في الساحة الجهادية وبين ما تم الاتفاق عليه من منهج وثوابت
في الجبهة"، مشيرا" أننا بينا الخلل وحاولنا الإصلاح جاهدين ولكنا
وجدنا نفورا وتعاليا من الآخرين ... نحسب أنفسنا اجتهدنا ...
وأخطأنا ... راضين بكل ما قد يقال فينا من انتقاد". فهل تختلف
مبررات انسحاب جيش المجاهدين عن مبررات انشقاق الفرقان وانسحاب
الفاتحين؟
• في مقالة وصفها كاتبها بـ "الرسالة" لـ: محمد بن زيد المهاجر
بعنوان: "جيش المجاهدين بين سير الخالدين واستدراج الماكرين" صدرت
بتاريخ 7/1/2008. وعتبت الرسالة على تحالفات الجيش ومحاولات
الإيقاع به آملة أن يعود عنها في أقرب وقت. والحقيقة أن الرسالة
لاقت ترحيبا من الجيش الذي رد، عبر مكتبه الإعلامي، بـ "ملاحظات"
على الرسالة تضمنت تبريرا لتأسيس الجبهة والدخول فيها بحجة: "فقه
الاستضعاف"! بينما برر بقاءه في "التمايز" بالمناصحة. فهل جيش
الفرقان الذي وصفه د. إبراهيم الشمري بـ: "المجموعة الصغيرة" أقوى
من جيش المجاهدين؟ ثم كيف يكون استضعاف في حين ومناصحة في حين آخر؟
فها هو جيش المجاهدين انسحب من كل تحالفاته؛ فهل هو أقوى الآن من
ذي قبل؟ وهل سقط فقه الاستضعاف بعد الانسحاب؟ ألم يلاحظ الجيش، في
ضوء هذه الانسحابات والقراءات والمبررات أنه كان يغامر، بلا مبرر،
ببقائه في الجبهة؟ وأنه غامر بمصداقيته أكثر؟ حتى بعد انسحابه
العليائي؟
• لنعد إلى المبرر الثاني في تحالفات الجيش وهو: "الحرص على تكثيف
العمليات العسكرية ضد العدو المحتل وأعوانه". فقد ثبت بالقطع سقوطه
تباعا. إذ أن الإحصائيات تؤكد أن عدد قتلى القوات الأمريكية تراجع
بشكل غير مسبوق منذ تشكيل الجبهة وحتى انسحاب الجيش، والجدول
التالي لا يحتاج إلى تعليق ابتداء من شهر حزيران/ يونيو2007 وحتى
تموز / يوليو الجاري 2008:
قتلى الجنود الأمريكيين بحسب الشهر والسنة / المصدر
http://icasualties.org/oif/
Total Dec Nov Oct Sep Aug Jul Jun May Apr Mar Feb Jan Year
486 40 82 44 31 35 48 30 37 74 65 0 0 2003
849 72 137 64 80 66 54 42 80 135 52 20 47 2004
846 68 84 96 49 85 54 78 80 52 35 58 107 2005
822 112 70 106 72 65 43 61 69 76 31 55 62 2006
902 23 37 38 65 84 79 101 126 104 81 81 83 2007
219 0 0 0 0 0 11 29 19 52 39 29 40 2008
أما فيما يتصل بأعوان الاحتلال فلسنا ندري بالضبط من هو المقصود
بذلك. هل هم قوات الحكومة وشرطتها؟ أم هم الميليشيات الرافضية مثل
جيش المهدي وقوات بدر؟ أم هم العملاء والخونة؟ أم هم رجال الصحوات
ومجالس الإسناد والإنقاذ؟ فإن كان "المرتدون" من أهل السنة فلم
يكشف "التمايز" عن الحكم الشرعي بحقهم، لكن أغرب ما خفي في هذا
السياق قد يجيب على سبب هذا الغياب، فـ: "التمايز" تحدث عن
منافقين، وعمن "وقعوا" في الردة، وتساءل، مستنكرا، عمن يتحمل أوزار
الجموع، لكنه لم يتحدث عن مرتدين ولا عن أية فئة يجب قتالها. وغلى
هنا فلنسأل سؤالا بسيطا: هل ثمة ما يبرر "قتال القاعدة"؟ وهل ثمة
مصلحة شرعية في ذلك؟ بينما قتال أهل "الردة" أو من و"وقعوا فيها"
يترتب عليه مفسدة؟ وهل "أهل الردة" أولى بالنصح من "أهل الغلو"؟
ثالثا: بعض القيادة؟ أم اغلب الجماعات؟ ما الفرق؟
• يتحدث "التمايز" عن انحراف "أغلب" أفراد الجماعات. والمدقق في
العبارة لا بد وأنه توقف عندها مستفسرا عن ماهيتها. وبدون إطالة
فالجبهة، بعد انسحاب جيش الفاتحين منها، ظلت تحتضن كل من الجيش
الإسلامي وجيش المجاهدين والهيئة الشرعية لأنصار السنة بقطع النظر
عن حجمها وملابسات انضمامها. وإذا تحدثنا بصيغة المجلس السياسي
للمقاومة يمكن ضم جماعتي حماس العراق وجامع. وصيغة "البعض" التي
استعملها النص بكثرة ليست محددة على وجه الدقة إلا إذا اعتبرنا كل
الجماعات هي المقصودة ما عدا جيش المجاهدين. وبالتأكيد لم يكن
الجيش مقصودا بما أنه، وبشكل مبكر من "التمايز"، قد نأى بنفسه عن
ارتكاب أي من المنكرات سواء تعلق الأمر بالصحوات أو الهدنة. وهذا
يعني أنه أيا كانت المنكرات فليس للجيش يد فيها لا من قريب ولا من
بعيد. لكن أليست هذه صيغة فجة من تنزيه الذات؟ ألم يسع الجيش ما
وسع الفرقان والفاتحين؟ بل ألم يسعه الاعتراف ولو بخطأ واحد كما
فعل جيش الفاتحين الذي انضم للجبهة رغم ما سيتعرض له من نقد وانسحب
منها وهو راض بما سيقال عنه؟ لا شك أن الوقوع بالخطأ ليس بخطأ،
لكنه يظل خطأ طالما أنه يعبر عن وضعية غير صحيحة بقطع النظر عن
هوية المتسبب بها. ففي أي سياق يمكن قراءة موقف الجيش هذا، وكأن ما
حصل من كوارث لا علاقة له بها حتى لو لم يكن الجيش متورطا بأي من
المنكرات؟ أهو منطق العصمة الجديد؟ أم هو منطق "الغلو"؟ أم هي
"العزة بالإثم"؟
• في التصنيفات الثلاثة للمجاهدين وصف "التمايز" الصنف الأول بـ:
"المجاهدين الثابتين" والثاني بأنهم: "كانوا مجاهدين"، والثالث بـ:
"الذين ارتدوا". وطبيعي أن لا خلاف على توصيف الصنف الأول، لكن كم
هو حجمه إذا كان الثاني هو الشائع والثالث قليل؟ أما وجه الالتباس
فواضح في عموم اللفظ وخصوصه. ففي أحد المواضع يقول "التمايز": "أن
أغلب فصائل المجلس انحرف كثير من أفرادها وخرموا بعض الثوابت
الشرعية"، وفي موضع آخر من أحد الهوامش يعلق "التمايز" على قلة من
"وقعوا في الردة" فيقول: "قيل إنهم كثر لكنَّ هذا لم يثبت عندنا
بوسائل الإثبات الشرعية". فما المقصود بالانحراف وخرم الثوابت
الشرعية؟ وهل هذا التوصيف ينطبق على من وقعوا في الردة؟
• لوحظ في "التمايز" تكرار عبارة "بعض القيادات" في أكثر من صيغة
كلما جرى الحديث عن مسؤولية القيادة عن المنكرات. ويقول الجيش أنه
حذر القيادة من "بعض القيادات" مرارا وتكرار، وفي كل مرة كان يتلقى
تبريرات مختلفة مثل: "أعطونا فرصة، هؤلاء أفراد ..." إلى أن:
"فوجئنا بأن ما قيل لنا لم يكن إلا مناورة علينا وعلى من تدّخل
بيننا، ولم تكن عهودهم التي عاهدوا بها إلا عهودًا للتسكيت
والتمرير !". فمن هو الذي يناور؟ قلّة؟ أم كثرة؟ وهل هو نهج؟ أم
اختراق؟ فـ "التمايز" يتحدث صراحة عن قيادات "تسرح وتمرح في
المنطقة الخضراء"، وأخرى "في غرفة القيادة الرئيسية"، وأن الخلاف
مع القيادة كان على خلفية: "هدنة بعضكم مع العدو، ودخول كثير منكم
مجالس الصحوات"، وعلى امتداد "التمايز" تكررت العبارة التالية: "
المنافقين الذين تخلَّلوا صفوفهم" وأن: "أمر العلاقات أخذ أبعادًا
ما بين بعض قياداتكم والصليبيين".
لكن في معرض التعليق على بيان المجلس السياسي ورد في "التمايز" هذا
القَسَم: "والله إنا نربأ بقادة وأفراد المجلس السياسي ومنتسبيه أن
يسكتوا على المفاوضات مع الصليبيين المحتلين التي أفرزت صحوات
النفاق، ويسكتوا على مشاركة بعضهم للصليبيين في مقاتلة أهل الإسلام
من أهل الغلو، ويسكتوا على من سلك هذا الخط، ويسكتوا على الانحدار
في هذا المهوى وهم لا يشعرون". فإذا كان الجيش، بنص "التمايز"، وفي
أكثر من موضع إشارة" قد عجِب لقيادة لم تتبرأ من هؤلاء! وراوغت في
فصلهم، بل: "أن المفاوضات والهدنة مع الصليبيين في بعض المناطق لم
تكن مجرد اجتهادات فردية بل هي ما ارتضته بعض تلك القيادات" فأي
قيادة يجري تنزيهها من قبل الجيش؟ ومن هي القيادة المقصودة بالضبط؟
وما هو حالها؟ وكيف يتحول الكثير من عناصرها إلى صحوات؟ ومن هو
صاحب القرار في المجلس؟ ومن هم الذين لهم سعة في التنازلات
منفردين؟ وسعة في المشاركة في الصحوات منفردين؟ وسعة في الهدنة
منفردين؟
للحديث بقية ...
المقالة الثالثة
"تمايز" جيش المجاهدين: إلى أين؟
"أهل الغلو" و "أهل الوسط" (3)
د. أكرم حجازي
2/8/2008
.... إذن ثمة مشكلة في الأدلة اليقينية، ومشكلة في المناصحة
والإصلاح، ومشكلة في القيادة المستهدفة. وفي المحصلة من هو البريء؟
ومن هو المتهم؟ ومن يحاسب من؟ لا أحد يدري، أما الجيش فوضع نفسه في
الوسط. لكن أي وسط؟ وما هو محتواه؟ أيضا لا أحدي يدري، أو أن أحدا
لا يريد أن يدري. وعلى هذا النحو سيقع القارئ لـ "التمايز"، بلا
شك، في حيرة من أمره وهو يفتش عن مكانة جيش المجاهدين في "الوسط
الجهادي"، فكل الجماعات الجهادية تتحدث بلغة شرعية وتعتبر الكتاب
والسنة مرجعيتها، وحتى الحركات العلمانية والوطنية تتحدث بلغة
شرعية إذا ما لزم الأمر. فأين يقع "وسط" الجيش بالضبط؟ وماذا يعني
تعبير "أهل الغلو"؟ ومن هم المقصودون في "التمايز" بـ "أهل الغلو"؟
وماذا يترتب على هذا التوصيف؟ ربما سندري بعد قليل.
قلنا أن "التمايز" استعمل لفظ "أهل الغلو" اثنتي عشر مرة في مواضع
متفرقة. وهو توصيف قد لا يزيد عمره عن سنتين على الأكثر إذا ما
تعلق الأمر، على الأقل، في الساحة الجهادية العراقية. وقد سبقه
تعبير "الفئة الضالة" و "الخوارج" و "التكفيريين" كتعبير انطلق مع
انطلاقة المشروع الجهادي في العراق. وكان حسن نصر الله زعيم حزب
الله الشيعي في لبنان أشهر من استعمله (التكفيريين). وفي كل
الأحوال فإن كل التوصيفات هذه مصدرها خصوم سياسيون أو بعض العلماء
الرسميون وغير الرسميين أو حزبيون، وجميعها ليست حتى من توصيفات
الجيش الإسلامي الذي استعمل تعبير "الأخطاء" أكثر من أي توصيف آخر.
لا شك أن المراقبين لاحظوا أن أنصار السلفية الجهادية عبروا، في
ردودهم، عن غضب شديد على كتاب "التمايز" معتبرين أنهم المقصودون
بالتوصيف. لكن الثابت الأكيد أن "التمايز" لم يأت قط على ذكر
القاعدة بالاسم ولا على دولة العراق الإسلامية ولا على ذكر الأنصار
ولم يسمي أية جماعة سلفية جهادية بالاسم بحيث يمكن القول أن هذه
الجماعة بعينها هي المعنية بالقول دون غيرها. أما لماذا لم يكن
"التمايز" واضحا بالجهة المقصودة فهذا مما يبعث على الاستغراب حقا.
فإن لم يكن الجيش يخاطب نكرات، فهو قطعا تَقصّد الأمر، وهذه مسألة
تحتمل أكثر من تأويل لن ندخل في البيان منها.
لكن حين التحري وجدنا هذه العبارة: "هذا المنهج (منهج أهل الغلو)
الذي وقعت فيه بعض الفصائل فأساءت إلى الإسلام والجهاد أيَّما
إساءة". وهذا "البعض" يعني مبدئيا أن:
• أن كافة جماعات التيار السلفي الجهادي داخلة في التوصيف ولو
نظريا.
• وأن الأنصار لن تكون بمنأى عن التوصيف بعد إصدارها "سفر الحقيقة"
الذي استبقه "التمايز"، حين التعليق عليه، بعبارة "ما سمي بـ "،
وهي عبارة استنكارية صرفة، فالجيش يرى في "السفر": "غرائب
وافتراءات وأباطيل تخص جماعتنا, ... ورد فيه ... ظلم وبهتان
وتلبيس, ... فوالله لقد ظلمونا وبغوا علينا ورمونا بما نحن منه
براء، ... ".
• لكن دولة العراق الإسلامية ومن قبْلها القاعدة هي المعنية
بالتوصيف قبل غيرها، خاصة وأن أغلب مواضع التوصيف تشير إلى أن
القاعدة هي المقصودة بها دون غيرها. (راجع على التوالي صفحات 14،
16، 17، 18، 56، 58، 59). وهذا ما سنعتمده في التحليل.
أهل الغلو" في "التمايز"
1) مع تحفظنا الشرعي والتاريخي على المصطلح، فإن استعمال "أهل
الوسط" لتعبير "أهل الغلو"، في ضوء "التمايز"، هو توصيف جرى تنزيله
على المنهج. ومن أمثلة التنزيل ما ورد في صفحة رقم 16 على النحو
التالي: " نرى أن: أهل الغلو قد (1) أساؤوا كثيراً كثيراً و (2)
قتلوا الكثير بغير حق, و (3) شوهوا صورة الإسلام والجهاد, و (4)
انتهجوا سياسة بدعية في مسائل كثيرة كالتعامل مع المخالف وفتح
جبهات كثيرة لا طاقة للمجاهدين بها, و (5) تأمير الجهلة الأحداث, و
(6) عدم احترام أهل العلم, و (7) كانوا هم السبب الأكبر في فقدان
المجاهدين حاضنتهم الاجتماعية بسبب الأفعال السيئة لكثير من
أفرادهم".
هذه التوصيفات إذن هي: "منكراتهم العظيمة"، إضافة لأخرى سيرد ذكرها
في النقطة الرابعة. فهل هذا التنزيل، من ناحية شرعية لا سياسية،
يفترض جواز مقاتلة القاعدة أو الأنصار أو غيرهما بشرط عدم
الاستعانة بالصليبيين؟ ليس بالضرورة أن يكون الجواب إيجابيا. لكن
هل ثمة ما يمنع أن يتمخض عنه، لأية أسباب، "قتال خوارج" أو "قتال
بغي"؟ في الحقيقة ليس هناك ما يمنع بما أن بيئة الخلاف أصلا هي
بيئة قتال. أما ما هو أوضح من ذلك فيقع في وجه الخلاف بين جيش
المجاهدين وحلفائه حول الموقف من "أهل الغلو"، وبحسب "التمايز"،
فالخلاف يقع، فقط، في نطاق الاستعانة بالصليبيين، مما يعني أن
الجيش، بشروط معينة، لا يعارض مبدأ "قتال القاعدة" سواء اعتبروا
خوارج أو بغاة، وهو المبدأ الذي عبر عنه "التمايز" في أكثر من موضع
وفي ذات الصيغة. ومع ذلك فـ "التمايز" لم يكن صريحا تجاه هذه
النقطة بما يكفي من الوضوح. وأحسب أن الكثير من "أهل الغلو"، ممن
استفزتهم عبارة الاستعانة، سينتظرون الإجابة القاطعة من الجيش في
رده القادم على ما ورد في "سفر الحقيقة".
2) رغم أن التوصيفات بـ "الغلو" يجري إسقاطها على المنهج بوضوح إلا
أنه من السهل أن تُفهم، لدى السلفية الجهادية، وكأنها إسقاط على
العقيدة أيضا حتى لو لم يقل "التمايز" بذلك صراحة، وحتى لو رافق
تعبير "الغلو" توصيفات أخرى مرادفة مثل "الجهل والجهلة". فقد ورد
في التمايز" معادلة غامضة تحتمل أكثر من تفسير، وهي بالنص: "والله
لو كانت أخطاؤهم قليلة أو في مسائل اجتهادية لما تحدثنا عنها،
ولكنها أخطاء أساءت للمشروع الجهادي أيما إساءة". والحقيقة لا ندري
ما المقصود بالضبط في عبارة "مسائل اجتهادية". فقد تعني في ظاهر
القول بعض القضايا العقدية التي تحتمل الاجتهاد، لكن في قضايا
سياسية مثلا من نوع الإعلان عن إقامة دولة العراق الإسلامية؛ فنحسب
أنها مسألة اجتهادية محضة. لكن المشكلة تقع في مستوى الغايات وهي
تطبيق الحاكمية. إذ تغدو هنا مسألة في صميم العقيدة إذا ما كان
الموقف يترتب عليه إقامة الحاكمية. فإذا كان الجيش لم يحدد موقفه
منها فلأن "التمايز" تعمد هذا الغموض. بل، ومن وجهة نظر السلفية
الجهادية، فإن الخلاف، على مستوى العقيدة وليس المنهج، يقع في صلب
بيان تأسيس المجلس السياسي الذي بدا علمانيا صرفا، فضلا عن إقراره
لحكومة التكنوقراط، وهي مسألة عقدية خالصة وليست مسألة اجتهادية
عند السلفية. وهذا يعني أن الترويج، بين الجانبين، للخلاف وكأنه
على أساس المنهج يفتقد إلى الدقة خاصة وأن "التمايز" لم يأت على
ذكر مثل هذه المسائل.
من جهة أخرى فقد جاءت التوصيفات أكثر اتساعا بالمقارنة مع بيان
الجيش الإسلامي (5/4/2007) حين اتهم القاعدة باستحلال الدم الحرام.
وحين التدقيق في لغة هذه البيانات يتبين لنا أنها ذات جذر مشترك،
كما أنها مجرد اتهامات تحتاج إلى إثباتات شرعية لن يستفيد الجيش من
إثارتها كثيرا حتى لو ثبتت عنده بـ "التواتر" ما لم تثبتها أو
تنفيها جهة قضائية بين الجانبين. وفي السياق تكشف خطابات قادة،
دولة العراق الإسلامية عن مقترحات علنية قمت في مناسبتين، على
الأقل، لحل الإشكالات المتعلقة بكل قضايا "الغلو" عبر محكمة شرعية
تتأسس للغرض، وفي أحد خطاباته أبدى البغدادي استعداده لدفع الثمن
حتى من دمه إن ثبت أن رجاله أصابوا دما حراما. وحتى الآن لم نسجل
أية ردود فعل رسمية من الجماعات الأخرى إلا من كتائب العشرين التي
قال ناطقها الرسمي، في أعقاب حوادث أبو غريب، أنهم جالسوا قادة
القاعدة لحل الإشكالات العالقة بينهما. فما الذي يمنع تقارب
الجانبين وكأنهما على طرفي نقيض؟ هل هو الغلو في المنهج؟ أم
الاستحقاقات العقدية في مسائل الحاكمية على وجه التحديد؟
3) من الملفت للانتباه أن خطاب الكثير من الجماعات تنصل من أي
اعتبار للرأي العام. فكل جماعة أو حزب أو تنظيم أو حركة، داخل
العراق أو خارجه، صار له مكّة خاصة به، وكل من أبدى رأيا مخالفا،
في قضايا عربية أو إسلامية أو وطنية، صار يُرجم بالمثل الشهير:
"أهل مكة أدرى بشعابها"، وهو المثل الذي بات كالسيف المسلط على كل
قول لا يعجب القوم. وهذا مؤشر على وجود أجندات خاصة بكل جماعة
بعيدا عن أي اعتبار كان إلا إن كان الرأي يصب في خانة القوم، وإلا
ما كانوا مضطرين للهروب إلى الأمام باستعمال عبارة غدت أوهى من بيت
العنكبوت خاصة في الزمن الرقمي.
أليس عجيبا فعلا أن يكون من حق الولايات المتحدة وقوى العدوان في
العالم وشتى أجهزة الاستخبارات ومئات الآلاف من فرق الموت المزروعة
في العراق، أن تعلم بتفاصيل كل شؤون أهل مكة وشعابها، وأن تعيث
فيها فسادا وإجراما وقتلا في الليل والنهار، وأن يجري التفاوض معها
والاستماع إليها كما لو أنه يحق لها ما لا يحق لغيرها؟ فهل هؤلاء
القادمون من شتى أنحاء العالم، ومن أقاصي الأرض هم من أهل مكة؟
بينما الآخرون من خارجها ملبس عليهم؟ ولا يعرفون الواقع؟
4) يقول "أهل الوسط" في "التمايز" أن: "أهل الغلو فيهم أفاضل أبطال
... وأن أكثر خيارهم قد قتل، أما من بقي الآن فكثير منهم يغلب عليه
الجهل وسوء الظن والحكم على الناس بلا تثبت وترويج الشائعات والغلو
في التكفير والاستهانة بالدماء والحزبية المقيتة". لكن من يستطيع
أن يحدد تاريخا زمنيا معقولا يمكن في ضوئه أن نحصر وقت وقوع
"المنكرات" كلها خاصة وأن "التمايز" اكتفى بالتوصيف دون أن يفصل أو
يحدد وقتا لظهور "الغلو" أو شيوعه؟ ولا شك أن سؤالنا نابع من كون
"المنكرات" يسمعها العامة عبر وسائل الإعلام منذ زمن، لكن أي زمن؟
فهل السنوات الثلاثة الأولى هي المقصودة؟ أم السنوات اللاحقة؟
باختصار: متى بدأ الغلو؟
لو أخذنا السنوات الثلاث الأولى سنلاحظ أن كافة الجماعات انهمكت
بخوض حرب ضارية ضد قوى الغزو، ولا يعقل أن يكون لدى الجماعات من
الوقت ما يفيض عن حاجتها كي تنهمك في التنطع للعامة وكأنهم هدفها،
بل أن "التمايز" يتحدث عن أن "أهل الغلو" أحدثوا نكاية عظيمة في
العدو ما من أحد بوسعه أن ينكرها، فهل كان لهؤلاء الوقت كي يصيبوا
دما حراما عن سبق إصرار؟ أما الجماعات فلم يصدر عنها ما يشير إلى
غلو في هذه الفترة بحيث يمكن الركون إليها كمصادر موثوقة. وحتى
الجيش الإسلامي، وهو أشد الخصوم، أصدر بيان نعي بالزرقاوي عقب
مقتله. وفي هذا السياق سيتبين لنا أن تصريحات د. إبراهيم الشمري عن
أن المشكلة لم تكن مع الزرقاوي بل بعده هي أطروحة عير دقيقة البتة،
إلا إذا كان يقصد مسألة إعلان الدولة.
فبعد مقتله ببضعة أشهر قليلة جدا بدأت الاتهامات تتصاعد إلى أن
أسفرت عن حملة إعلامية منسقة، وواسعة النطاق ضد القاعدة. فكيف يمكن
للخلاف أن يظهر بينما الخصومة ابتدأت بحزمة اتهامات حافلة بعيد
مقتل الزرقاوي بقليل؟! إن منطق الإجابة ومجريات الحملة تشير إلى أن
الاتهامات تتصل بالفترة التي كان الزرقاوي فيها حيا يرزق لأن الغلو
وأهله لا يمكن أن يظهرا في فترة قصيرة جدا. فالزرقاوي قضى في
8/6/2006، وبيان الجيش الإسلامي الذي دشن الإعلان عن الخصومة صدر
في 5/4/2007. والسؤال: هل هذا يعني أن تكون كل الخلافات بين
القاعدة وأقرانها وما تبعها من سيل للاتهامات الموجهة ضدها قد وقعت
في أقل من سنة؟ أو أن القاعدة فقدت صوابها بعد مقتل الزرقاوي؟
ربما! فـ "التمايز" يرى أن "الأخيار" قد قضى الكثير منهم، وأغلب من
بقي من القاعدة هم من "الجهلاء"، وهذا سبب إضافي للجيش كي تستمر
الخصومة. لكن إلى أي مدى يمكن لهذا التبرير أن يصمد وسط عاصفة
التشويه الإعلامي واختراق المشروع الجهادي والسيل العرمرم من
الصحوات؟ وكيف يمكن إقناع العامة بأن ما جرى الحديث عنه لأكثر من
عام على تشكيل الجبهة ثم الإعلان عن "المفارقة" هو الحقيقة؟
من جهة أخرى، فإنْ كانت القاعدة من "أهل الغلو" فعلا؛ وأن أخطاءها
لعبت الدور الأكبر في فقدان المشروع الجهادي لحاضنته الشعبية؛ وأن
الخصوم تداعوا عليها من كل حدب وصوب؛ فهل يعقل ألاّ تترك الحرب
الشعواء عليها أثرا في الحد من غلوائها أو تدفعها إلى تعديل
سلوكها؟ إننا نطرح هذه التساؤلات في ضوء التضخم العالمي في شعبية
القاعدة باعتراف مؤسسة راند، وفي ضوء اتهامات مكرورة، وكأنها لازمة
من اللوازم التي لا تفارق القاعدة، وفي ضوء أن الغلو غدا وكأنه صفة
بنيوية تنسحب على القاعدة دون سواها، سواء كانت ضعيفة أو قوية. وفي
ضوء غياب حقيقة صافية لا لبس فيها، وفي ضوء الغموض الذي يميز كل
الخطابات الإعلامية والسياسية والشرعية التي تلازمت مع الشبهات
والأجندات أكثر مما عبرت عن حقائق. فلماذا لم يكشف "التمايز"ما
ينتظره الملايين من المسلمين واكتفى بالمشهد العائم وسط بحر من
التناقضات؟
لا ريب أن توصيفات أهل الوسط" كانت موضع طعن من أقرانهم خاصة وأنها
قريبة أو حتى مطابقة لتوصيفات "الأعداء" سواء "القريبين" منهم أو
"البعيدين". ولعله من الطريف أن يصف "التمايز" أهل العراق بتوصيف
جدير بالتأمل ثم يعرض عنه في التعامل مع "أهل الغلو" حين يقول: "
نحن أهل العراق – وللأسف الشديد – معروفون ومنذ القرون الأولى أنه
إذا دخل الخبر عندنا شبراً خرج ذراعاً، هذا في القرون الأولى, أما
الآن فيخرج مئة ذراع - ص18". فلماذا لا تكون "الإساءات" و
"المنكرات" من قبيل الذراع الذي تحول إلى مائة ذراع؟ أم أن التوصيف
الذي وسع أهل العراق لقرون طويلة عجز أن يتسع لما يشاع عن "أهل
الغلو" وبـ "التواتر"؟
أخيرا
بعد انسحاب الجيش من جبهة الجهاد والإصلاح وانزواء الجيش الإسلامي
ما الذي ينتظر الساحة الجهادية في العراق؟ وأين سيذهب جيش
المجاهدين في ساحة شديدة التعقيد؟
في الحقيقة فإن الجيش لم يقطع شعرة معاوية مع حلفائه رغم الغضب
الشديد الذي عبر عنه تجاههم كما ورد في "التمايز". فهو "يربأ"
بقادة المجلس عن السكوت على الأخطاء، فينزههم رغم "المنكرات" وشدة
التناقضات حول مسألة القيادة، وهو يناشدهم ويدعوهم للعودة! فالجيش
فارق حلفائه لأنه يرى أن المفارقة: " لزمت شرعًا ونصحًا، وسدّاً
للذريعة، وذبّاً عن سمعة الدين والجهاد ورجاله"، ولأنها تعني
بالنسبة له: " تعاونًا على البر والتقوى"، ولأنها: "نوع من الزجر
بالهجر بعد أن لم تُجدِ أساليب اللين، ونوع من النصح العلني بعد أن
لم تُجدِ كل الأساليب الخاصة والخفية، ونوع من النصح العملي بعد أن
لم تنفع الأساليب القولية مشافهة وكتابة، ونوع من النصح بالإشهاد
العام بعد أن لم يُجدِ الإشهاد الخاص، ونوع من النصح من الخارج بعد
أن لم يُجدِ النصح من الداخل ... فإنْ نفع الفراق وعاد الأخوة
أفرادًا وجماعات؛ ... فـ ... هل يتبرأ الأخ من أخيه إذا ندم على
خطئه أو نهض من عثرته؟".
إذن الجيش ما زال، بهذا المعنى، "يناصح"، ولعله ينتظر تحقيق أمر ما
قد تكشف عنه الأيام. لكن الجيش أيضا يحذر من أنه أبرأ ذمته: " قد
أعذرنا إلى الله". وهكذا تبدو مفارقته أقرب إلى القطيعة بنفس القدر
الذي يبدو فيه الجيش الإسلامي أقرب إلى الإخوان المسلمين ابتداء من
إخوان العراق وانتهاء بالجماعة الأم في مصر. فهذه الوضعية ستوفر له
عمقا ملائما لسياساته وتوجهاته التي لا يمكن أن تغطيها أية جهة
أفضل من جماعة الإخوان.
أما جيش المجاهدين، وبحكم "الوراثة"، فسيستحوذ على تركة الجيش
الإسلامي الذي خسر دعم رموز التيار السروري بسبب سياساته المدمرة
في الساحة العراقية والمحرجة لحلفائه. وليس من المستبعد أنه يمهد
لتحالفات جديدة مع قوى أخرى لم يذكرها سلبا أو إيجابا كالقوى
الوطنية عامة وجبهة الجهاد والتغيير خاصة أو الإعلان عن تشكيل
جديد. ومع أنه ثمة خلافات فكرية بين الجيش والجبهة إلا أنه ثمة
توافقات فيما يخص سقف المشروع الجهادي. فبعض فصائل الجبهة باتت
تتحدث صراحة عن "دولة عدل ومساواة" لا تتجاوز حدود العراق وهو ما
لا يختلف عن الجيش في شيء. فإذا ما تغلب الطرفان على العوائق
الفكرية بينهما فليس هناك ما يحول بينهما والتوحد.
وفي كل الأحوال فإن "التمايز" بين الجماعات الجهادية سيشتد حدة
ووضوحا في الأسابيع القادمة، وبالنسبة لجماعات السلفية الجهادية
ستبدو كما لو أنها مدعوة للحسم في قضايا مصيرية على الساحة. فـ
"التمايز" وضعها في سلة واحدة. ولا نظن أن الأنصار سيردون على
تعليق الجيش المقتضب على "السفر"، فهم قدموا قراءتهم، وألقوا الكرة
في الملعب، أما "الدولة" فليس من المتوقع أن ترد على الجيش إلا إذا
قررت الدخول في مفاصلة وكشف بعض ما لديها من أوراق بحيث تتكشف
الحقائق وتتضح المواقف أكثر. أما لماذا؟ فلأن تيارات السلفية قد
تكون، في المستقبل القريب، عرضة لحملات إعلامية جديدة تستهدف هذه
المرة ليس فقط تشويهها بل عزلها. ولأنها قد تمتلك الكثير من
الأوراق فقد تعمد إلى استخدامها بما في ذلك مفاجأة التوحد إذا ما
شعرت أنها تجابه خطرا استئصاليا، وحينها ستختلف موازين القوى جذريا
على الساحة.
يبقى القول الثابت أن مشكلة "أهل الغلو" ليست واقعة في "الأخطاء"
أو "المنكرات" وما إلى ذلك من التوصيفات بل في وضوح المقالة
العقدية بخلاف الجماعات الأخرى أيا كانت عقائدها أو مناهجها.
فالسلفية الجهادية تسعى إلى إقامة الحاكمية، بكل ما يترتب عليها من
أعباء، عبر خطاب عقدي صريح لا لبس فيه، ولا يحتمل التأويل، ولا هي
تحاول إخفاءه. وهو ذاته مصدر غموض "التمايز" خاصة ممن "يزعمون"
تبنيهم ذات الخطاب فيما تكتفي السلفية الجهادية بتصنيفهم ضمن
"أدعياء السلفية". بل هو الذي يستفز "أهل الوسط" ويحرجهم ويسبب لهم
وجع الرأس. ولعلها ملاحظة جديرة بالانتباه الإشارة إلى أن خصوم
السلفية الجهادية، في إطار المشروع الجهادي، واقعة حصرا مع
الجماعات الجهادية ذات المرجعية الإسلامية أكثر مما هي واقعة مع
جماعات المقاومة الوطنية، وهي ملاحظة تعكس مرجعية هذه الجماعات
الداخلية والخارجية سواء على المستوى الشرعي أو السياسي وبالتالي
مستوى التدخلات في المشروع الجهادي في العراق.
|