المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   

7 / 8
حول الفصل بين العلم و الدين
الجريمة
مناقشة نظرية الدورة الثلاثية
للفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (1)

القسم الثاني ( 2 / 4 )

[بقلم:  (محمد طيايبة)]
بسم الله الرحمن الرحيم
 


غزو مـن الداخـل
7 / 8
حول الفصل بين العلم و الدين
الجريمة
مناقشة نظرية الدورة الثلاثية
للفيلسوف الفرنسي أوغست كونت (1)


بقلم : محمد طيايبة


القسم الثاني ( 2 / 4 )


الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده


من خصائص الإسلام التي يتميز بها عن سائر الأديان و المبادئ الأرضية و النظم البشرية خاصية "الشمول" ؛ الشمول التام بكل معاني كلمة الشمول، إذ يستوعب كيان الإنسان كله، و الحياة البشرية كلها، كما يستوعب الزمن كله ..
فالإسلام رسالة الإنسان كله، عقله و روحه و جسمه، فهو ينظر إلى الإنسان على أنه كيان موحد، برغم ما في طبيعته من ازدواج ..
" كيان موحد .. كل ما ينبعث عنه من نشاط فإنما يصدر عن كيانه الموحد المتشابك المعقد التركيب !
" أعمال الإنسان كلها ذات ترابط وثيق و إن بدت منفصلة في بعض الأحيان .
" النشاط المادي و النشاط المعنوي .. النشاط العملي و النشاط التعبدي .. النشاط الاقتصادي و الاجتماعي و السياسي، و النشاط الفكري و الروحي .. النشاط الفردي و الجماعي ..


" و من حيث يستعرض الإنسان حقائق الحياة البشرية فهو لابد واصل إلى هذه النتيجة في النهاية، و هي : ارتباط النشاط البشري كله بعضه ببعض، و تأثره كله بعضه ببعض .
" و هذه الحقيقة الواقعة في الحياة هي انعكاس للحقيقة النفسية الداخلية العميقة .. و هي توحد الكيان البشري و ترابطه، برغم ما في طبيعته من ازدواج . " (167)
هذا بخلاف الأديان الأخرى – ومعها سائر المذاهب و النظم البشرية – التي راحت تشطر الإنسان شطرين : شطر روحي يوجهه للدين، و هذا الشطر من اختصاص الكهنوت يتحكم فيه، و يقود الإنسان من خلاله من يافوخه إلى أخمص قدميه . و شطر مادي لا سلطان للدين و لا لرجال الكهنوت عليه، و لا مكان لله فيه ، " فهو شطر للدنيا، للسياسة و المجتمع و الدولة، و هذا في الواقع هو الجزء الأكبر من حياة الإنسان " .
و هذا – عينه - هو الذي تولت أوربا كبره ، حينما راحت تعلي جانب المادة على حساب جانب الروح ، فوصلت إلى ما يشبه الحيوانية في صلات الناس بعضهم ببعض : من استعمار و استعباد و استغلال . و هبوط خلقي و روحي في أمور الجنس خاصة .. حيوانية لا تليق بالإنسان . [ حتى أنني سمعت بشحمة أذني سيدة فرنسية حول مائدة مستديرة في القناة الثالثة الفرنسية تقول بملء فيهها : ( لكن انتظروا .. نحن كلنا حيوانات ) !! .. هذا ما تريده بروتوكولات خبثاء صهيون !.. كان موضوع تلك الحصة حول "المخادنة" !.. في حين تقرع طبول الحرب حول "تعدد الزوجات" ] .


يقول العلامة محمد قطب – حفظه الله - :


" ثم إن أوربا المادية هي التي فصلت بين القيم المختلفة : فأقامت السياسة و الاقتصاد بمعزل عن القيم الروحية، و أقامت شؤون الجنس بمعزل عن الأخلاق، و شؤون الدنيا بمعزل عن الآخرة، و شؤون الحياة بمعزل عن الدين . و كانت النتيجة تصادم هذه القيم المقطوعة من جذورها المشتركة، و الصراع المدمر العنيف، و الشد و الجذب في داخل النفس بصورة تتلف المشاعر و تمرض الأعصاب . فوصلت حوادث الجنون و الانتحار و ضغط الدم و الأمراض العصبية و النفسية إلى درجة لا مثيل لها في التاريخ .
" و كل ذلك لأنها لم تتعرف على هذه الحقيقة النفسية و لم تصخ إليها : حقيقة توحد الكيان البشري ، و الترابط في داخل النفس الإنسانية بين الروح و الجسد، و الترابط فيما يصدر عنهما من إشعاعات .
" و الإسلام – كلمة الله إلى الأرض – هو وحده الذي تمشى مع الفطرة البشرية كما خلقها الله .
" الفطرة البشرية هي قبضة الطين و نفخة الروح العلوية في ذلك الطين، و امتزاجها به و توحدها فيه .
" و الإسلام هو النظام الذي يربط بين كل ألوان النشاط البشري، و يوحد بينهما في الاتجاه . " أهـ . (168)


على أساس هذه الحقيقة تتحدد خصائص التفسير الإسلامي للتاريخ، و التي منها خاصية الشمول .


يقول العلامة عماد الدين خليل – حفظه الله - :


" الشمولية: ينفتح التفسير الإسلامي للتاريخ على كافة (القوى الفاعلة) في الحركة التاريخية: المنظورة وغير المنظورة، العقلية والوجدانية، المادية والروحية، الطبيعية والغيبية.. ويرفض تجزؤ الرؤية وعزل الأرض عن موقعها الصحيح في الكون وارتباطاتها الشاملة بما حولها.
" إن معظم مذاهب التفسير التاريخي، وضعية كانت أم دينية (محرفة)، قدّمت معطياتها متخطية الإجابة عن هذا السؤال المهم: ما هي العلاقة بين الله سبحانه وبين الطبيعة، بما فيها القوى المادية، والإنسان، بما أنه روح وجسد، في صنع التاريخ وإقامة الحضارات؟ وهل من المحتم أن تتكئ أحداث التاريخ على عامل واحد من بين هذه العوامل الثلاثة، ويُلغى العاملان الآخران، أو على الأقل يغدوان ظلالاً باهتة لفاعلية العامل الرئيس؟ ولماذا هذه الجدران التي أُقيمت بين الله والطبيعة والإنسان؟
" إن معظم مذاهب التفسير تخطت الإجابة عن هذا السؤال، تاركة في طريقها ثغرة عميقة، ومنغلقة، في بحثها عن الفرضية التي تمنح صفة الفاعلية لعامل واحد، تلغي العوامل الأخرى إلغاء. ومن ثم برز التفسير السحري للتاريخ، وتطوّر ليعبر عن نفسه بالتفسير (اللاهوتي) الذي ساد تفكير مثقفي العصور الوسطى الأوروبية، كما برز التفسير الفردي (البطولي) للتاريخ، والتفسير العقلي (المثالي)، والتفسيرات الطبيعية التي بلغت أقصى حدّتها في (المادية التاريخية) التي يصفونها (بالعلمية).
" إن تفسير التاريخ البشري يجب أن ينبثق عن موقف موضوعي شامل، يربط ويوازن ويدرك العلاقة المتبادلة بين سائر القوى التي تصنع التاريخ: مادية وروحية.. طبيعية وغيبية، ولن يتحقق هذا بطبيعة الحال إلا في نطاق (الموقف الإسلامي) حيث تعمل كافة القوى، بانسجام وتوافق، في الصيرورة التاريخية بدءًا وانتهاء. " (169)


نعم .. قد يبرز جانب دون سائر الجوانب في عالم النفس .. فهل معنى ذلك إلغاء سائر الجوانب الأخرى ؟ !


يوضح لنا العلامة محمد قطب هذه النقطة – بالذات – قائلا :
" الأمور كلها مرتبطة في داخل النفس، و إشعاعاتها في الحياة قد تصل إلى آماد واسعة و آفاق مترامية بعيدة جدا عن منبعها في داخل النفس . و لكنها تظل مترابطة متشابكة، لأنها صادرة عن كيان موحد مترابط متشابك معقد التركيب !
" كل ما في الأمر أنه يحدث في لحظة من اللحظات بروز في جانب من الجوانب في حياة الإنسان : يبرز العمل الاقتصادي في لحظة .. و يبرز العامل الروحي في لحظة .. و يبرز العامل الجنسي في لحظة ..
" و ذلك انعكاس طبيعي لبروز بعض الجوانب الإنسانية و تواري بعضها الآخر . و لكن الحقائق الثلاث التي تصدق في عالم النفس تنعكس بدورها على الحياة البشرية : أن بروز هذا الجانب أو ذاك لا يفصله في أية لحظة عن بقية الجوانب. و أن النفس تتبادل البروزات و الانحسارات على الدوام، فلا تثبت على بروز واحد أو انحسار واحد إلا في حالات الاختلال . و أن هذا التداول المستمر يساعد على إحداث التوازن في النفس .. و في الحياة . (170)
و قل مثل ذلك في المجتمع ..


قد يبرز جانب دون سائر الجوانب في المجتمع .. فهل معنى ذلك إلغاء الجوانب الأخرى و توديعها إلى غير رجعة ؟ !
لقد حاولت ذلك الشيوعية أن تقضي على رغبة التملك و الاستحواذ – و قد خرجت بطرا و رآء الناس – بكل وسائل البطش و القهر، و استخدمت في ذلك سياسة الحديد و النار ، و أقامت من أجل ذلك إمبراطورية الجوسسة العالمية .. فهل أفلحت في انتزاع هذه الرغبة الفطرية ؟
و حاولت الرهبانية المبتدعة أن تلغي دافع الجنس [ بالرغم من أنه يشكل الرقعة الأوسع في خارطة النفس البشرية ] فهل أفلحت في انتزاع هذه الرغبة الفطرية ؟ بل إن آثار ذلك كانت أشد تدميرا على البشرية، و يكفي دليلا على ذلك : "استقذار الدافع الجنسي" و الذي جعل اللعين فرويد يخرج من جحره و يفرك يديه سرورا و يجحض عينيه – على طريقة النجار صانع التوابيت في أفلام الكوبوي – و من ثم يؤسس عليه مدرسة الفاحشة ..


و حاولت النظم الفاشية و الشيوعية أن تلغي النزعة الفردية في الإنسان على حساب النزعة الجماعية .. فهل أفلحت في ذلك ؟ و ماذا كانت النتيجة ؟
كلا .. غلبت و تغلب الفطرة دائما جميع التوجيهات و الظروف المضادة لاتجاهاتها، المنافية لطبيعتها، و لو خضعت لضغطها القاهر فترة من الوقت تقصر أو تطول ! و إنما الظروف و التوجيهات كما قلنا تعمل في حدود تقوية بعض الجوانب الموجودة بالفعل و إضعاف بعضها الآخر ..
و قل مثل ذلك في معالجة المشكلات المؤرقة ..


قد تبرز في فترة زمنية ما مشكلة عويصة تستعصي على الحل، و تصبح – بالتالي – هي "أم المشكلات" ، فتنفجر القرائح الفكرية و الأدبية في التنقيب عن الحلول ، و بالتالي "تحديد" طريق الخلاص .. فهل معنى ذلك أن سائر المشكلات الأخرى أفلت إلى غير رجعة ؟ !
كلا .. فلكل عصر مشكلاته التي تؤرق ذوي القرائح من أهل الإصلاح، فيهبون حياتهم – دما و عرقا و حبرا - في سبيل الإصلاح و التجديد ..
و كمثال على ذلك نختار ثلاث فترات زمنية ندلل بها على هذا الأمر ..


لنبدأ بزمن شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - ؛ ففي هذه الفترة برزت مشكلات جمة، كان لها أسوأ الأثر في عقائد الناس و سلوكهم، و في توجيه المجتمع الإسلامي في طريق ضلال بعيد عن العزة و القوة و الفلاح و الهدى، و التمكين في الأرض و الأمن و غيرها من الصفات و الأحوال التي جاءهم بها الإسلام الصحيح من عند ربهم . " حتى تكالبت عليهم الأعداء من كل حدب ينسلون . فالصليبيون عدوا عليهم، و غزوهم مرات من البحر، و نالوا منهم أسرى و قتلى كثيرين، و بلادا على الساحل، و في داخل البلاد . و التتار عاثوا في الأرض فسادا. و هم مقيمون في قلب البلاد الإسلامية، لا يفتئون يشنون الغارة تلو الغارة على دمشق و غيرها محاولين الاستيلاء عليها، و الصوفية الأصيلة – متمثلة في النصيرية و الرافضة – منبثة في السواحل عيونا و أرصادا للصليبين . و في داخل البلاد عيونا و أرصادا للتتار و غيرهم من كل متجرئ على المجتمع الإسلامي، مستهين بكل مقدرات هذا المجتمع الذي أصبح كغثاء السيل لما ضربه من الوهن و الضعف و الصغار و الذلة ك بإعراضه عن الإسلام الحق الذي نزل به الكتاب الكريم من عند ربهم، و بما بينه الرسول الصادق الناصح الأمين بقوله و عمله بأمر الله و هدى الله ، و بإعلانهم المشاقة لله و لكتابه و لرسوله و لدينه في كل ناحية – عقيدة و عملا، و خلقا و حكما – في استهتار و توقح شنيين .. ( من مقدمة الشيخ محمد حامد الفقي – رحمه الله – على كتاب الاقتضاء ) ..


كانت ثمة مشكلات كثيرة ، بل آطام يتقزز منها ذوي الألباب .. كان التقليد الأعمى قد أطل بقرنه ، فانعكس ذلك إلى إيمان بالناس و كتب الناس و قول الناس و آراء الناس و رياسة الناس ، و غنى الناس و عطاء الناس و منع الناس، و أخيرا بقبور الناس .. فكان من آثار ذلك على هؤلاء المقلدة بأن قتل عقولهم ، و سلب إنسانيتهم المفكرة المميزة، و صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه . فقد فتنوا به أشد من فتنة الجاهلية الأولى بتقديسهم الشيوخ و الآباء و الرؤساء ..
و كانت الصوفية الوثنية بسحبها الخانقة و انسحابيتها البليدة و البدع التي اختلقتها .. و كان الرفض بطعونه و تحريفاته و عداوته لأهل السنة .. و كانت الفلسفة اليونانية و الهندية و الفارسية و منطقها المريض .. و كان – فضلا عن ذلك – استبداد الحكام و ظلمهم بما غرقوا فيه من جهالات و سفاهات و بما فقدت الأمة من حيوية الإنسان الكريم ..


بيد أن المشكلة "الأبرز" التي غطت سائر المشكلات و استوعبتها كانت هي : الالحاد في الأسماء و الصفات .. و كانت هذه المشكلة – بالذات – هي التي انتصب لها شيخ الإسلام و وقف حياته كلها عليها ، حتى إنه – طيب الله ثراه – يُسِرّ و يبوح لتلميذه ابن القيم – و كان قد سمع منه شيئا كثيرا من تحقيقاته في أعمال القلوب – قائلا : " شغلتني الفرق " ..


لقد وقف شيخ الإسلام – رحمه الله – ككاسر الأمواج في مواجهة الفرق الضالة التي عاثت في العقيدة الإسلامية الصافية فسادا ، من معتزلة و أشعرية و خوارج و مرجئة و شيعة و غيرهم .. و كان هذا الانشغال لابد منه لصد خطر تلك الفرق على عقيدة المسلمين ..
فهل معنى ذلك أن شيخ الإسلام لم يولي اهتماما بسائر المشكلات الأخرى التي ابتلي بها أهل زمانه ، أم أنه – رحمه الله – كان يرى أن كل المشكلات تنضوي تحت أم المشكلات و تتفرع عنها و هي الانحراف في توحيد الأسماء و الصفات ؟


أما الفترة الزمنية الثانية فهي فترة الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب – رحمه الله – و هي الفترة التي استفحلت فيها عبادة القبور و الأضرحة ، فضلا عن التحاكم في المنازعات إلى سدنة القبور الذين يحكمون بمحض آراءهم و وساوس شياطينهم – فقد راعه ما رأى في بلده "نجد" و البلاد التي زارها من الشرك و الخرافات و البدع، و تقديس القبور التي تتنافى مع الإسلام الصحيح ؛ فقد سمع النساء في بلده يتوسلن إلى فحل النخل و يقلن ( يا فحل الفحول أريد زوجا قبل الحول ) و رأى في الحجاز من تقديس قبور الصحابة، و أهل البيت و الرسول ما لا يسوغ إلا لله ، فقد سمع في المدينة استغاثات بالرسول و دعائه من دون الله ، مما يخالف القرآن و كلام الرسول ، فالقرآن يقول { و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك ، فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين } يونس . و الرسول صلى الله عليه و سلم يقول لابن عمه عبد الله بن عباس : " إذا سألت فاسأل الله ، و إذا استعنت فاستعن بالله "


قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب يدعو قومه بدعوة التوحيد و دعاء الله وحده ، فوقف المبطلون من أهل البدع و الأهواء ضده ، و لا غرابة في ذلك فقد وقف أعداء التوحيد في زمن الرسول و قالوا مستغربين : { أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب } ص . و راحوا يحاربون الشيخ ، و يختلقون الأكاذيب ، و يتآمرون على قتله و الخلاص من دعوته إلى الأبد ؛ و لكن باءت كل المحاولات بالفشل، فقد قيض الله من يحمي دعوته و ينصره نصرا مؤزرا .. و بذلك انتشرت دعوة التوحيد في بلاد الحجاز و في غير الحجاز من أرض الله ..


و كانت في فترة الشيخ ( 1115هـ ) مشكلات كثيرة تغص بها الجزيرة من تخلف و تقهقر حضاري و جهالة علمية و استكانة لسدنة الأضرحة و تقليد بغيض و ما إلى ذلك من مشكلات .. بيد أن المشكلة الأبرز التي شغلت الشيخ كانت هي شرك القبور و الأضرحة .. أي التوجه بالدعاء من استغاثة و استعانة و استشفاء إلى البشر الأحياء منهم و الأموات، هذا فضلا عن الذبح لغير الله ، و الحلف بغير الله ، و التعلق بالطيرة ، و الخوف من الجن .. الخ من صور شرك العبادة ..


فهل كان الشيخ على جهالة بالمشكلات التي كانت سائدة آنئذ ؟ أم أنه – رحمه الله – كان يرى أن قطع دابر المشركين و غسل الجزيرة – و غير الجزيرة – من نجاسة المشركين هو طريق الخلاص ؟ ..


و نخلص إلى الفترة الزمنية الثالثة ، و هي الفترة المعاصرة و التي تجللها شخصيات ثلاث كان لها الأثر البالغ في تحديد "أم المشكلات" و بالتالي طريق الخلاص .. هذه الشخصيات الثلاث هي : العلامة أحمد شاكر – رحمه الله – ، و العلامة أبو الأعلى المودودي – رحمه الله - ، و شهيد الإسلام الأستاذ سيد قطب – رحمه الله –
و كانت المشكلة الأبرز التي وضع هؤلاء العلماء أصابعهم عليها هي "الحكم بغير ما أنزل الله و التحاكم في الدماء و الأموال و الأعراض إلى الطاغوت" ، و كانت هذه المشكلة هي أم المشكلات التي يعاني العالم الإسلامي من ويلاتها و آثارها المدمرة .. فهل معنى ذلك أن هؤلاء العلماء ألغوا سائر المشكلات الأخرى ؟ !، أم أنهم – رحمهم الله – كانوا يرون أن كل المشكلات التي يتخبط فيها المسلمون ستتلاشى و تذوب كما يذوب السكر في الماء حينما يهب المسلمون هبة رجل واحد لتحكيم شريعة ربهم و إقامة الخلافة و استئناف الحياة الإسلامية على هدى السلف الصالح رضي الله عنهم ، فيفوزون بسعادة الدارين ..
فلم يكن هؤلاء العلماء الأشاوس على جهالة بمشكلات العصر و لا بأمراضه في كافة المجالات و الميادين ؛ كلا .. لقد درسوا كثيرا مشكلات العصر و حددوا طريق الخلاص ممثلا في تحكيم شريعة الله في واقع الحياة، و بالتالي عمارة الأرض وفق المنهج الرباني .. و لم يكن هؤلاء العلماء و هم يدعون إلى تحكيم شريعة الله يقصدون – فيما يقصدون – إقامة الحدود من قطع و جلد و رجم و قتل أو تعزير كما يتبادر إلى كثير من الأذهان حينما يُدعَون إلى تحكيم الشريعة ! كلا .. ثم كلا ..
لقد أفصح الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – لعلمه أن المناوئين و المستشرقين و ضيقي النظر سيثيرون هذه المسألة محاولة منهم إعاقة أي دعوة جادة ناجحة تسعى لخير البشرية .. فقال في "المعالم" ص 119 طبعة 1409-1988 دار الشروق :
" و لا بد أن نبادر فنبين أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية – كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة الشريعة – فالتصورات و المناهج ، و القيم و الموازين ، و العادات و التقاليد .. كلها تشريع يخضع الأفراد لضغطه . و حين يصنع الناس – بعضهم لبعض – هذه الضغوط ، و يخضع لها البعض الآخر منهم في المجتمع ، لا يكون هذا المجتمع متحررا ، إنما هو مجتمع بعضه أرباب بعض و بعضه عبيد – كما أسلفنا – و هو – من ثم – مجتمع متخلف .. أو بالمصطلح الإسلامي .. "مجتمع جاهلي" ! ".


و قال بعدها في فصل "التصور الإسلامي و الثقافة" ص 135:
" إن مدلول الحاكمية في التصور الإسلامي لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده . و التحاكم إليها وحدها . و الحكم بها دون سواها .. إن مدلول "الشريعة" في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية ، و حتى أصول الحكم و نظامه و أوضاعه . إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول "الشريعة" و التصور الإسلامي !
إن "شريعة الله" تعني كل ما شرعه الله لتنظيم الحياة البشرية .. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد، و أصول الحكم ، وأصول الأخلاق ، وأصول السلوك ، و أصول المعرفة أيضا.


يتمثل في الاعتقاد و التصور – بكل مقومات هذا التصور – تصور حقيقة الألوهية ، و حقيقة الكون ، غيبه و شهوده ، و حقيقة الحياة ، غيبها و شهودها ، و حقيقة الإنسان ، و الارتباطات بين هذه الحقائق كلها ، و تعامل الإنسان معها .
و يتمثل في الأوضاع السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية، و الأصول التي تقوم عليها، لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده .
ويتمثل في التشريعات القانونية، التي تنظم هذه الأوضاع. و هو ما يطلق عليه اسم "الشريعة" غالبا بمعناها الضيق الذي لا يمثل حقيقة مدلولها في التصور الإسلامي .
و يتمثل في قواعد الأخلاق و السلوك ، و في القيم و الموازين التي تسود المجتمع ، و يقوم بها الأشخاص و الأشياء و الأحداث في الحياة الاجتماعية .
ثم .. يتمثل في "المعرفة" بكل جوانبها ، و في أصول النشاط الفكري و الفني جملة .
و في هذا كله لا بد من التلقي عن الله ، كالتلقي في الأحكام الشرعية – بمدلولها الضيق المتداول – سواء بسواء .. " أهـ كلام سيد .


و قد زادنا الدكتور إبراهيم عوض – حفظه الله - توضيحا و تجلية لهذه المسألة كما كتب عنه الأستاذ أسامة الهيتمي إذ قال :


" أما فيما يخص القول بإرجاء تطبيق الشريعة الإسلامية فيتساءل الدكتور عوض: ما المقصود بتطبيق الشريعة الإسلامية؟ إذا كان المقصود هو تطبيق العقوبات فسوف تكون غلطة رهيبة أن نسارع إلى تطبيقها الآن، لأنه ليس من العدل ولا من الحكمة ولا من الحصافة بل ليس من الدين أن أعاقب الناس على أخطاء لم أوفر لهم سبل الامتناع عن ارتكابها: فمثلا كيف أطبق حد الزنا، والشباب لا يجدون ما يتزوجون به؟ ترى هل يعقل أن يعيش شاب بمائة وعشرين جنيها، وهو المرتب الذي يحصل عليه كثير من الخريجين؟ وهذا إن وجدوا عملا بعد تخرجهم أصلا. إن مثل هذا المرتب لا يكفى إطعام قطة، فضلا عن إنسان. ولا ينبغي أن يقل مرتب الخريج عن ألف جنيه، بالإضافة إلى توفير المسكن الملائم بأجرة معقولة ودون حاجة إلى شرائه، اللهم إلا إذا أقرضته الدولة ثمن المسكن على أن يكون الدفع مقسطا، وبعائد بسيط للغاية. كذلك كيف ندعو إلى قطع يد السارق، وعندنا لصوص كبار لا يسرقون إلا المليارات، وهذه المليارات هي أموال من سنقطع أيديهم؟ فلنعد الحقوق إلى أصحابها أولا ونوفر لهم سبل العيش الكريم، وبعدها فلنفكر في تنفيذ الحدود. هكذا يقول العقل والمنطق والدين. ولهذا لم نر الرسول يطبق أية عقوبات في مكة، ولا طبقها بمجرد انتقاله إلى المدينة، وإنما ابتدأ تطبيقها بعد أن استقامت الأوضاع، وصار بمكنة كل مسلم أن يعيش عيشة كريمة تُكْفَل فيها حاجاته. والواقع أنني أفهم تطبيق الشريعة بمعنى آخر، وهو تطبيق المبادئ والقيم الإسلامية أولا، كالجد والاجتهاد والسعي وراء العلم والعمل على امتلاك أسباب القوة في عالم لا يعترف إلا بالأقوياء: القوة الاقتصادية، والقوة العلمية، والقوة الحربية، والقوة الاجتماعية... أريد من المسلمين أفرادا وجماعات أن يكونوا كخلية النحل منذ أن يطلع عليهم الصباح إلى أن يخلدوا إلى فراشهم. أما ما نراه الآن فعبث في عبث في عبث، ولن يقوم للإسلام به قائمة. وبعد ذلك يأتي تطبيق الحدود العقابية، أما لو بدأنا الآن بتطبيق الحدود دون تمهيد فلسوف تكون كارثة بكل المقاييس، ولا أظن الله ورسوله يرضيان بهذا. " (171)


و الحق أن هذه المسألة – بالذات – ينفخ و يزايد فيها كثيرا من طرف التيار العلماني ، و إلا فما يتصور مسلم أن تعرض مفاهيم و تصوراته و حقائقه بدون تقديم التفصيل التام حول نظام العقوبات في الإسلام ، سواء من أجل التطبيق أو بإظهار عظمة الإسلام في نظامه الجنائي .
مهما يكن من أمر فإن المشكلة الأبرز في هذا العصر و التي بذل العلماء و الدعاة في سبيل حلها الغالي و النفيس ، و حملوا أرواحهم على أكفهم، كانت هي الحكم بغير ما أنزل الله و التحاكم إلى الطاغوت ..


و أزيد هنا – في هذه السانحة – أن العلماء و الدعاة كان مرادهم في الدعوة إلى تحكيم الشريعة : هو إقرارها في القلوب و العقول – أولا - قبل إقرارها في الواقع المادي .. ذلك أن القوى الصليبية و الصهيونية و القوى المنحرفة عملت على تنحية الشريعة ليس من واقع الحياة المادية فحسب ، بل تنحيتها من القلوب و العقول ، و اعتبارها أمرا ثانويا خارج عن أصول العقيدة !


تلك هي المسألة التي عالجها الأستاذ سيد قطب رحمه الله و بذل حياته في سبيلها .. نحسبه شهيدا و الله حسيبه .
إلى هنا كنا نتحدث عن خاصية الشمول في عالم النفس و عالم الواقع الاجتماعي كمقدمة – لا بد منها – لمناقشة نظرية الدورة الثلاثية للفيلسوف الفرنسي "أوغست كونت" ..


ذلك أن أي دراسة لا تنطلق من خاصية الشمول، هي دراسة مشوهة مختلة، لا تفي بالغرض المطلوب ، و ستكون النتيجة التي يخرج بها الدارس هي نفس النتيجة التي انتهى إليها الفكر الغربي من خبط و تخليط .. و كدليل على ذلك الدراسات النفسية الغربية .. حيث يقول الأستاذ محمد قطب :
" إن الدراسة الشاملة "للإنسان" لهي ضرورة أولية تسبق كل بحث تفصيلي في النفس البشرية .. و من جهة أخرى فإن هذه الدراسة الشاملة لن تعوق الدراسة التفصيلية و لن تفسد حريتها في الاستقصاء و البحث ؛ بل إنها في الواقع ستنير لها الطريق ، كما تنير الدراسة الشاملة لجسم الإنسان – مثلا – طريق البحث لمن يريد أن يتعمق في دراسة القلب أو غيره من الأعضاء . و سنجد – في أثناء الدراسة التي يقوم بها هذا الكتاب ( دراسات في النفس الإنسانية ) – أن المعرفة الأولية بالإنسان، و وظيفته، و دوره في الحياة، وحدود طاقته، ليست من صميم الدراسة النفسية فحسب ، بل إنها كذلك هي الضمان الوحيد لعدم الوقوع في العيوب المنهجية التي وقعت فيها أبحاث الغرب . ففيها الوقاية من تجزئة الإنسان إلى مزق متفرقة تخالف الواقع المتكامل للإنسان الحقيقي الذي يعيش في الأرض. و فيها الضمان أن تؤدى الجزئيات دلالتها الحقيقية الصادقة حين توضع في مكانها الصحيح من الكيان المتكامل ، فيبدو تناسق الجزئيات كما هو في حقيقته، و ينتفي ما قد يبدو فيها من تعارض – في الوقت الحاضر – حين تدرس كل جزئية على حدتها، دون مراعاة للروابط التي يرتبط بها الكيان الموحد الأجزاء ، و فيها الضمان للتمييز بين السوي و المنحرف من أنماط الناس . كما أن فيها الضمان كذلك لتصور الصورة الحقيقية لمكان الإنسان في الكون و مكانته في الحياة . " (172)


كما لا يفوتنا التذكير أن الطابع الذي يتسم به الفكر الغربي عموما هو النفور من الدين و النفور من الله – عز و جل – و رغبة محمومة في البعد عن ذكر الله في كل مجال يتعلق بشؤون "الإنسان" و من ثم لا تدرس النفس الإنسانية و لا الحياة البشرية قط موصولة بالله خالقها و محركها ، فلا تأثير لإرادة الله في حياة الإنسان ..
و لقد ولد "أوغست كونت" في بيئة معادية للدين ، و جو مختنق بالفرار من الدين – أي دين – كأنهم حمر مستنفرة فرت من قسورة .. لذا علينا و نحن نبحث جريمة الفصل بين العلم و الدين أن لا نغفل روح العصر الذي ولد فيه فيلسوف الوضعية و مبتدع دين الإنسانية .


ولد "أوغست كونت" في مدينة مونبلييه الواقعة على البحر الأبيض المتوسط الفرنسية سنة 1798 م بعد الثورة الفرنسية مباشرة. و يعتبر التلميذ الأنجب للفيلسوف الفرنسي" سان سيمون" الذي ينسب إليه مصطلح "الوضعية" في كتابه "مقال في علوم الإنسان" سنة 1813م فأوغست كونت هو مؤسس المذهب الوضعي القائل أن لا سبيل إلى المعرفة اليقينية إلا بالملاحظة و الخبرة. و بهذا فهو مؤسس الفلسفة الوضعية في أوربا و العالم أجمع .
كما يعد من مؤسسي علم الاجتماع. فهو من الذين بحثوا في نظرية المعرفة، و علم الاجتماع وإليه ينسب تأسيس مصطلح "السوسيولوجيا" وتعني علم الاجتماع ، فهو يقسم المعرفة البشرية جميعها ، أي علم كان ، سواء الفلسفة ، أو اللاهوت ، أو الرياضيات أو الفيزياء ، الكيمياء ، الاجتماع ، العلوم الإنسانية كلها ، إلى ثلاثة مراحل مرت بها ..


و حول مولد السوسيولوجيا يقول أحد الباحثين في علم الاجتماع :


" بداية فتيار المدرسة النظرية في علم الاجتماع لا يتوقف عند التاريخ القديم كثيرا ولا حتى عند التاريخ الأوروبي الحديث حينما يتعلق الأمر في علم الاجتماع إلا فيما يتصل منه بالتأريخ لتطور الفكر الاجتماعي والعلمي. وغالبا ما يؤرخ للنظرية ابتداء من المدرسة الوضعية التي دشن انطلاقتها العالمان الفرنسيان سان سيمون وأوغست كونت. وتعتقد هذه المدرسة أن فلسفة المجتمع ونموه وتطوره والظواهر المصاحبة أو المنبثقة عنه لا يمكن التعرف عليها إلا في ضوء التقنيات والوسائل المنهجية الصارمة التي وفرتها السوسيولوجيا تأسيسا على معطيات المنظومة المعرفية للفكر الوضعي ذاته.
" ففي ضوء اكتشافه لقانون الحالات الثلاث الذي مرت به البشرية أمكن لأوغست كونت أن يكتشف الحاجة الماسة ويؤسس لعلم يدرس الحياة الاجتماعية والإنسانية على أسس ومعايير عقلانية ليس للغيبيات أي حظ فيها. فالمعروف أنه قبل انطلاقة الثورة الفرنسية سنة 1789 لم يكن العلم والتعلم متاحا إلا لنفر يسير جدا من الناس هم في الغالب من طبقة الأسياد التي تحالفت تاريخيا مع الكنيسة والحكم في ظل مجتمع إقطاعي يتمتع بأطر معرفية غيبية ولا يحتل الإنسان فيه أية مكانة، وبعد انتصار الثورة وتحرر الإنسان والعقل الإنساني من الماورائيات أخذ أوجست كونت على عاتقه بناء شجرة العلوم أو بمعنى آخر حصر ما يتوفر من العلوم التي كانت شائعة سرا أو علانية حتى ذلك الحين فماذا وجد؟


" وجد أن العلوم الكائنة فعليا لا تتعدى عدد أصابع اليد الواحدة وهي الفيزياء والرياضيات والكيمياء والأحياء والفلك وكلها علوم صحيحة تقتصر الحاجة إليها على تفسير الظواهر الطبيعية، ومن الجلي أن أيا منها ليس بمقدوره تفسير الظواهر الإنسانية والاجتماعية، وأن أيا منها لم يعد له الحق في التطفل على ظواهر لم تعد تخصه.


" هذا هو السبب الجوهري والحاسم في ظهور علم الاجتماع. وحقيقة فالذي فعله أوغست كونت هو بلورة ما شعر به أستاذه سان سيمون من حاجة ماسة لعلم يدرس الإنسان والمجتمع فوضع عبارة " الفيزياء الاجتماعية " لتلبي الغرض، بيد أنه لم يكمل ما بدأه، فما كان من أوغست كونت إلا تحوير العبارة إلى لفظة " السوسيولوجيا " والتي باتت تعني علم الاجتماع الذي نعرفه اليوم . " اهـ
و يلخص لنا - في تلخيص جيد - الأستاذ حاتم ( العضو البارز في منتدى التوحيد قسم المذاهب المعاصرة ) فلسفة أوغست كونت في بدعته حول المراحل الثلاث فيقول :
" أما النموذج الفلسفي الذي نعنيه فهو فلسفة أوغست كونت التي رغم كونها من مخلفات بداية القرن التاسع عشر، فهي لا تزال تحتفظ براهنيتها على مستوى الثقافة الشائعة المهووسة بالنموذج العلمي. هذا على الرغم من تطور العلم، وانفلاته من المنظور الكلاسيكي واختلال أسس منهاجيته التجريبية القائمة على مفاهيم الحتمية واليقين.


" يندرج مفهوم العلم عند أوغست كونت ضمن تصور معرفي عام، يتمثل في قراءته لمجمل التطور الفكري البشري، حيث يحتل العلم عنده موقع التتويج في السياق العام لهذا التطور، ويتحدد باعتباره مؤشرا على نضج البشرية، واكتمال نموها العقلي، وذلك بفعل تطورها وانتقالها من المرحلة الدينية، حيث كان التفكير يفسر ظواهر الطبيعة بعوامل ما ورائية مفارقة للمعطى الطبيعي، إلى المرحلة الميتافيزيقية، حيث صار التفكير في لحظة مراهقته يفسر ظواهر الطبيعة تفسيرا ماهويا فلسفيا، ليس بإرجاعها إلى علل مفارقة، بل إلى علل محايثة، تمثلت في الجواهر والماهيات [ لاحظ أخي القارئ أن هذه المصطلحات الفلسفية هي هي التي نقدها شيخ الإسلام في "نقض المنطق" ]، وانتهاء بالمرحلة الوضعية التي يصل فيها العقل البشري إلى مستوى نضجه حسب كونت فيتخلى عن الأسئلة الميتافيزيقية، ويدرك استحالتها، ويفكر في المعطى الطبيعي، ليس بمفهوم العلة المحايثة المجردة، ولا بمفهوم العلة المفارقة بل بمفهوم علائقي يدرس العلاقات السببية الرابطة بين الظواهر دراسة علمية، تخلص به إلى بناء قوانين منسوجة في لغة علمية، مخلفا خلفه تلك اللغة الأفلاطونية الميتافيزيقية المشغولة بالماهيات والجواهر.
" فالعلم عند كونت يتسم بخاصية منهجية تقطع مع الأساليب التي انتهجها الفكر الإنساني من قبل، فإذا كانت الفلسفة تدرس الظواهر متقصدة الكشف عن ماهياتها، وإذا كان وجود العلم في الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية يرتهن بالحد الكلي الماهوي، فإن العلم عند كونت، وكذا في الفكر العلمي الكلاسيكي، يرتهن بالضبط بتجاهل هذا المطلب"الميتافيزيقي" مطلب الحد الماهوي، والاقتصار على ملاحظة الظواهر وتفسيرها، لا من خلال تعليلها بردها إلى علل أولى، وإنما برد بعضها إلى بعض، أي باكتشاف العلاقات الناظمة بينها.


" فمن تحديد العلل الأولى إلى تحديد القوانين، ومن بحث ماهيات الأشياء إلى وصفها والكشف عن علاقاتها، ترتسم نقلة إبستمولوجية كبيرة، في تحديد مفهوم العلم ووظيفته. ويأتي الحل الوضعي لإشكالية علاقة العلم بالفلسفة، كحل ينادي بتجاوز الفلسفة، مادام سياق التطور الطبيعي للفكر البشري يحتم هذا التجاوز، ويؤكد ضرورته. وتجاوز الفلسفة في المرحلة الوضعية، ليس فقط تجاوزا لمفهوم الفلسفة كمعرفة شمولية كلية، بل أيضا تجاوز أسلوبها المنهجي في التفكير، واستهجان نمطها في الاستفهام والتساؤل.


" فالسؤال الذي يسود اللحظة الوضعية هو سؤال الكيف، لا سؤال "لماذا". وتغييب هذا التساؤل الأخير لا يتأسس في الفلسفة الوضعية، وكذا عند دعاة الاتجاه العلموي، على تحديد لمفهوم العلم فقط، بل يتأسس أيضا على تحديد لطبيعة العقل البشري، إذ يرى النزوع الوضعي العلموي مستثمرا النقد الكانطي للعقل أن القدرة العقلية قاصرة عن بلوغ معرفة حقيقية عبر الاشتغال بهذا النوع من الاستفهامات الماورائية، أو بعبارة أدق، عاجز عن الإتيان بحقائق من وراء هذا الاشتغال. " اهـ كلام الأستاذ حاتم


إنهم يفرون من سؤال "لماذا" لأن هذا السؤال سيقودهم حتما إلى تحديد غاية الوجود الإنساني ، و هذا السؤال – بطبيعة الحال – يجيب عنه الدين و ليس الفلسفة أو العلم قمينين بالإجابة الصحيحة ؛ و لقد حاولت الفلسفة أن تجيب على هذا السؤال فأتت بالخبط و التخليط ( يراجع حول هذه النقطة بالذات "مقومات التصور الإسلامي" لسيد قطب و "العقيدة في الله" لعمر سليمان الأشقر ) و حول هذه النقطة يستطرد الأستاذ حاتم قائلا :
" في سياق هذا النقد لطبيعة العقل يقول كلود برنار: "إن طبيعة عقلنا تنزع بنا إلى البحث عن ماهية الأشياء، أو أسئلة "لماذا". و في هذا النزوع نقصد هدفا أبعد بكثير من الهدف الذي جعل عقلنا قادرا على بلوغه؛ لأن التجربة تعلمنا (....) بأننا لا نستطيع الذهاب أبعد من سؤال "كيف"، أي أبعد من السبب القريب، أو شروط وجود الظاهرة".


" وهذا التصور الذي يعبر عنه البيولوجي كلود برنار، والشائع مع الفلسفة الوضعية، نجد له في واقع الفلسفة جذورا عميقة، إذ يمكن أن نرى بعض ملامحه في النقد الكانطي لقدرات العقل، وعند فرنسيس بيكون أيضا، بل حتى عند العلماء، إذ عادة ما يخرجون مرارا من حقولهم العلمية، ليناقشوا مفهوم العقل وقدراته! ويتخذوا من نتائج بحثهم التجريبي، علامة على اقتدار العقل وتحقق إنتاجيته عندما يتخلى عن هذا النمط من التساؤل الماهوي والانشغال الماورائي، يقول نيوتن:"لقد فسرت لحد الآن الظواهر الفلكية، وحركات المد والجزر بقوة الجاذبية. ولكنني لم أحدد علة الجاذبية ذاتها".


إن نيوتن باستناده على قانون الجاذبية في تفسير ظواهر الكون، دون تفسير ماهية الجاذبية نفسها، يعبر بوضوح عن ذلك التحول الذي سبق أن أشرنا إليه، بخصوص مفهوم العلم، أي انتقاله من "الماهية" إلى"العلاقة"، كما يعبر عن النزوع الوضعي المؤكد على أن استبعاد"الماهية" لا يعني استبعاد إمكانية المعرفة والعلم، بل إن هذه الإمكانية ترتهن أصلا بهذا الاستبعاد ؛ لأنه بذلك يتم حفظ طاقة العقل من الاستنفاد والاستهلاك في دهاليز الماورائيات. ومن ثم يكون المنهج النيوتوني إرهاصا بالموقف والنهج الوضعي الذي سيلتمع لاحقا في القرن ال 19 أي ذلك النزوع إلى وصف ظواهر الكون بوصل بعضها ببعض، لا تفسيرها بردها إلى أصول وعلل كلية. وهذا ما نجد "لايبنز" في القرن ال 18 ينتبه إليه، فيصف النظرية النيوتونية بكونها تقوم على "فرضية كسولة"؛ لأنها يقول "لايبنز" هادمة "لفلسفتنا التي تبحث عن العلل المعقولة والحكمة الإلهية التي تصدرها ".


و يحسن الآن أن نذكر المراحل الثلاث – تفصيلا - التي بنى عليها كونت رؤيته الفلسفية للتاريخ الإنساني ممهدا بذلك لنحت و تنصيب أكبر صنم تعبده البشرية النافرة من الدين، الخارجة من ظلمات القرون الوسطى .


فيقول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني – رحمه الله - :


" زعم كونت أن العقل البشري مر منذ تاريخه الأول حتى عصر العلوم التجريبية بحالات ثلاث :
الحالة الأولى : هي ما أسماها "الحالة اللاهوتية" التي كان دأْبُ العقل الإنساني فيها البحث عن كُنه الكائنات ، وأصلها ، ومصيرها ، مُحاولاً إرجاع كل طائفةٍ من الظواهر إلى مبدأٍ مشتركٍ بعلل .


زعم أن هذه "الحالة اللاهوتية" تدرجت وفق ثلاث درجات:


(أ) أما الدرجة الأولى التي كانت في بَدءِ التصوّرات العقلية فيه "الفَتَشِيَّة –أو- الفِيتْشِيَّة ".وهي الإيمان بالأفتاش مفردها "فَتَش" وتُسمَّى أيضاً الْبُدُود ، مُفْرَدُها "بُدّ" وعرَّفتها المعاجم بأنها الشياء التي كانت الشعوب البدائية تعتبر أن لها قدرةً سحرية ،أو قدرةً غيبية غيرَ مدركة بالحواس ، على حماية صاحبها ، أو مساعدته .
أقول : إذن فهي كالأصنام والتمائم والأشياء الوثنية من حجارة وغيرها مما يؤمن أهل الأوثان بتأثيراتها الغيبية . فالفَتَشِيَّةُ على هذا هي الإيمان بالأفتاش والأصنام وأشباهها ، والتقرّبُ لها بالعبادة .والعقيدة الفَتَشِيَُّ (أو الوثنية بالتعبير العربي) تَعْتَبِرُ أَفْتاشَهَا (أي : أوثانها على اختلاف أشكالها وأنواعها) التي تَعْبُدُها كائناتٍ ماديةً من الطبيعة ذاتَ حياةٍ روحيةٍ شبيهة بحياة الإنسان ، فهي بها تحمي وتساعد ، إلا أنَّ حياتها هذه لا تُدْرك للناس ، فهي من الأمور الغيبية .
(ب) وأما الدرجة الثانية التي تطوَّر إليها العقل البشري في الحالة اللاهوتية فهي تعدّد الآلهة . وفي حالة تعدّد الآلهة تَصَوَّر العقلُ التَّصَرُّفات في الظواهر الكونية على أنها آثارٌ لموجوداتٍ غير منظورة ، وأن هذه الموجودات ذاتُ عَالَمٍ علوي .والعقل في هذه الحالة يَجْعَلُ هذه الآلهة التي تَصَوَّرَها عِللاً وأسباباً خارجةً عن الكون ومفارقًة له .
(ج) وأما الدرجة الثالثة التي تطوّر إليها العقل البشري في الحالة اللاهوتية فهي التوحيد ، أي : جمع الآلهة المتعدِّدة في إله واحدٍ مفارقٍ لكل الظواهر المادية الطبيعية . وزعم "أوغست كونت" أن حالة التوحيد هذه قد اتسعت فيها الشُقَّة وازداد التضاد بين الأشياء الكونية وبين المبدأ الذي هو الأصل ، والذي صدرت عنه الأشياء ، والذي يُفَسَّرُ بِه وُجُودُها ، وتُفَسَّرُ بِه ما يَحْدُث فيها من تَغَيُّرات ، إذِ الإله الواحد هو العلّة الوحيدة المفارقة للأشياء الكونية .
وزعم "كونت" أن الحالة اللاهوتية قد بَلَغَت قِمَّتَها في المسيحيّة الكاثوليكية ، التي تُعلِّلُ بها أو تُفَسِّر به وُجُودُها ، وتُفَسَّرُ به ما يَحْدُثُ فيها من تَغَيُّرات ، إذِ الإله الواحد هو العلة الوحيدة المفارقة للأشياء الكونية .
وزعم "كُونْت" أن الحالة اللاهوتية قد بَلَغَتْ قِمَّتها في المسيحية الكاثوليكية ، التي تُعلِّلُ بها أو تُفَسَّرُ كلُّ الظواهر الطبيعية الفائقة ، إذ تَجْعَلُها آثاراً لشيءٍ واحد ، يتمثل بفكرة إلهٍ واحد ، يُدبّر كلَّ شيءٍ بإرادته ، ويتصرَّف فيه بقدرته . وزعم "كونت" أن الحالة اللاهوتية ذاتُ خصائص نظريةٍ وعملية :


* فمن خصائصها النظرية :
(1) أن موضوعها مطلق ..
(2) وأن تفسيراتها للظواهر الطبيعية فائقة ..
(3) وأن منهاجها خيالي .
* ومن خصائصها العملية أنها ذات أساسٍ متين مُشتَرك للحياة الخلقية والاجتماعية في الاجتماع الإنساني .
فهي بسبب ذلك مفيدة ونافعة ، فاعترف هنا بفائدة الدِّين القائم على الإيمان بالإله الواحد ، من الناحية العملية .
الحالة الثانية : التي مرَّ بها العقل البشري في تَطَوُّره ، هي ما أسماه : "الحالة الميتافيزيقية " .وزعم "كونت" أن العقل البشري في هذه الحالة صرَف عن تصوُّره العِلَلَ المتعدِّدة وكذلك العلّة الواحدة ، إذا كانت مفارقة للطبيعة ، وجَعَل بدلَ ذلك عِللاً ذاتيَّة توهَّمها موجودةً في باطن الأشياء الطبيعية ، من وراء المنظور منها .وهذه العِلل ليست أكثر من معانٍ مجرَّدةٍ جَسَّمها له الخيال ، فقال العقل : "العِلّة الفاعلة – القوة الفاعلة – الجوهر – الماهية – النفس – الحرية – الغاية" ونحو ذلك . واندفع العقل بمقتضى هذا التصوّر إلى أن يعتقد بوجود قُوى متعدّدة في بواطن الأشياء ، من وراء المشهود منها ، بعدد أقسام الظواهر الطبيعيّة وطوائفها ، مثل : " القوة الكيميائية – القوة الحيوية " ونحو ذلك .


ثمّ انتقل العقل من تعدّدية هذه القوى إلى توحيدها ، في قوّة كليّة أوليَّة واحدة ، هي "الطبيعة" .
وزعم "كونت" أن هذه "الحالة الميتافيزيقيّة" قد بلغت أوجَها في مذهب "وحدة الوجود" الذي يجمع في "الطبيعة" جميع قوى الميتافيزيقية.
ورأى أن الفرق بين الحالة الثانية هذه وبين الحالة الأولى ، هو أنّ المجرّد في الحالة الثانية يحلُّ محلّ المشخّص في الحالة الأولى ، وأَنّ الاستدلال الفكري في الحالة الثانية ، يحلُّ محلَّ الخيال في الحالة الأولى .


ورأى أن العقل في الحالة الثانية يضعُ "معاني" أو "قُوى" موضع الإرادات المتقلبات ، فَيُضْعِف من سلطان القوى المفارقة للأشياء الطبيعية .
ورأى "أوغست كونت" أن الحياة الإنسانية بهذه الحالة الثانية قد تعرضت للانحلال ، بانتشار الشك والأنانية ، وبلجوء الفرد إلى أن يُقَطّع الروابط التي تربِطُهُ بالمجتمع الإنساني ، وإلى أن يُثَقِّف عقله على حساب عاطفته ، وأن يتصور الاجتماع البشريّ ناشئاً من التعاقد الاجتماعي الذي يكون بين الأفراد ، وأن تقوم الدولة على مبدأ سلطة الشعب ، وأن يحكمها القانون .[ لا شك أنه يقصد روسو و هوبز و لوك ، إلا أن روسو يختلف مع الآخرين في مذهبه حول العقد الاجتماعي ]
لقد كان كلّ ذلك باستبعاد فكرة الإله العليم المريد المدبّر القدير المتصرف بالظواهر الكونيّة . وقد ظهر لكونت أن هذه الحالة لا تصلح للمجتمع البشري ، بل هي مفسدة له .
الحالة الثالثة : التي مرّ بها العقل البشري في تَطَوُّره ، هي ما أسماه "كونت" : "الحالة الواقعية" .
وقد رأى "كونت" أن العقل في هذه الحالة يُدْرِك أن الحصول على معارف مطلقة أمرٌ متعذر غير ممكن ، لذلك فهو يقتصر على الاهتمام بأن يَتَعرَّف على الظواهر الكونيّة ، ويَبْحَث ليكتشف قوانين هذه الظواهر ، ويُرَتِّبَها من الخاص إلى العام .ورأى أنه في هذه الحالة تَحُلُّ الملاحظة للظواهر الكونية محلّ الخيال الذي كان في الحالة الأولى ، ومحلّ الاستِدلالِ الفكريّ الذي كان في الحالة الثانية ، وتأتي التجربة فتدعم الملاحظة أو تعدّلها أو تبدّلها .
وفي هذه الحالة الثالثة يجعل الفكر قوانين الطبيعة (أي : العلاقات المطردة بين الظواهر) بدل العلل والأسباب .
ويأتي العلم التجريبي ليجيب عن سؤال : "كيف؟" لا ليجيب عن سؤال : "لِمَ؟". [ راجع هذه المسألة أعلاه .. و سنزيدها بسطا إن شاء الله ] أي : كيف حَدَثَتِ الظاهرة ، مثل ظاهرة وجود الإنسان؟ ولا يجيب عن سؤال : لِمَ حدثت الظاهرة؟ مثل : لِمَ وُجدَ الإنسان؟. وما هي الغاية التي وُجِد من أجلها؟.
ورأى "كونت" أنَّ هذه الحالة الثالثة الواقعية مختلفة تماماً عن الحالتين الأولى والثانية ، في الموضوع ، وفي التفسير ، وفي المنهج .
ورأى أن هذه الحالة هي التي أفلحت في تكوين العلم ، وعلى هذا فيجب أن يحلَّ العلم محلّ الفلسفة ، فكلّما أمكن أن تُعالج مسألة ما بالملاحظة والتجربة انتقلت هذه المسألة من الفلسفة إلى العلم ، وبذلك يُعتبَرُ حلُّها حلاًّ نهائياً .


وزعم أن المسائل التي تقع خارج نطاق العلم ودوائر ملاحظته ، وتجربته ، هي أمور غير قابلة للحل .
ورأى أن هذه الحالة الثالثة تمتاز عن الحالتين الأولى والثانية بأثرها في قيام علم الاجتماع .[ بيد أنه قام في وسط معاد للدين ]
وفي نظرة كلّيّة جامعة لهذه الحالات الثلاثة ، رأى "أوجست كونت" أنها حالات متنافرة فيما بينها ، وأنَّها تتعاقب في كل إنسان :
* ففي طفولته الفكرية ، يقنع بالتفسيرات اللاهوتية بسهولة .
* وفي شبابه يحاول اكتشاف عِلَلٍ ذاتيةٍ في الأشياء

.
* وفي سن النضج يميل غالباً إلى اعتماد الواقع ، واستبعاد العِلَل والغايات[ من أين آتى كونت بهذه الهرطقة ؟ ] .
ورأى أيضاً أنه رغم التنافر بين هذه الحالات الثلاث ، فإن الإنسان الواحد قد يجمع بينها في وقت واحد ، فيقبل تفسيرات لاهوتية ، أو تفسيرات ميتافيزيقية في بعض الموضوعات ، مع قبوله العلم الواقعي في موضوعات أخرى هي على وجه العموم أقلّ تعقيداً .
كما أن هذه الحالات الثلاث قد تجتمع في مختلف الأفراد ، وفي مختلف الشعوب في الزمن الواحد من العصر الواحد .[ ينبغي الانتباه هنا جيدا فالمعروف عن كونت هو إلغاء المعاصرة بين الحالات كما سيأتي في معرض نقدنا لكونت ؛ و الذي يقصده الشيخ الميداني – رحمه الله – هو "قد" تكون ثمة معاصرة و لكن على أساس الفصل بين الدين و العقل و العلم ]


وانتهى الرأي لدى "أوغست كونت" إلى إثبات أن اللاهوت ينجم أولاً ، ثمّ تظهر الميتافيزيقيا فتعارضه ، وأخيراً يولد العلم الواقعي (أي : العلم القائم على الملاحظة والتجربة) الذي هو وحده القادر على البقاء ، لأن الحالتين السابقتين حالتان قائمتان على الخيال ، وبسبب ذلك كانتا دائماً مَبْعَثَ ظنونٍ جديدة ، ومناقشات جديدة .[ لم تحدث هذه الظنون و المناقشات إلا في أوربا .. نعم .. حاول ابن سينا و الفارابي أن يلعبا بالنار .. بيد أنهما اصطدما بالعقيدة المتوغلة في النفوس فرجعا القهقرى ]
بينما يقوم العلم التجريبي مستنداً إلى الواقع ، فيجمع العقول على وحدة الرأي ، ويحلُّ محلَّهُما تِلقائيّاً ، إذ تسقطان من أنفسهما .
وأضاف "كونت" أن التجربة ستبقى محدودة دائماً بالنسبة إلى الظواهر الطبيعية التي لا يستطيع حصرها ، لذلك فإن كثيراً من هذه الظواهر ستبقى خارج علومنا .
وبما أن الظواهر متباينة ، فإن من المتعذر علينا أن نرُد العلوم بعضها إلى بعض ، وكذلك من المتعذر أن نَرُدَّ القوانين إلى قانون واحد ، لذلك فلا يمكن أن تنتهي الحالة الواقعية إلى وحدة مطلقة ، مثل "الله" في الحالة اللاهوتية ، ومثل "الطبيعية" في الحالة الميتافيزيقية.
فالفلسفة الواقعية [ الوضعية ] هي جملة القوانين المكتسبة فعلاً بالتجربة ، وليست هي كل قوانين الوجود .غير أننا إذا لم نستطع البلوغ إلى وحدة موضوعية فبوسعنا أن نبلُغ إلى وحدة ذاتية تقوم على تطبيق منهجٍ واحدٍ بعينه في جميع ميادين المعرفة ، فننتهي إلى تجانس النظريات وتوافقها ، ومن ثمّ ننتهي إلى علم واحد .فالمنهج الواقعي يحقق الوحدة في عقل الفرد ، ويحقق الوحدة بين عقول الأفراد ، وهكذا تصير الفلسفة الواقعية هي الأساس العقلي للاجتماع .
وتوصل "كونت" بعد رحلته الفلسفية التي استخرج بها عُقد آرائه ، ونظم حياته بطريقة متسلسلة من وجهة نظره ، إلى أن المقابل الوحيد الممكن لمعنى (الله) ولمعنى (الطبيعة) هو (الإنسانية) فرأى أن يُؤلِّه الإنسانية ، ويدعوَ إلى عبادتها .


ونظر إلى العلوم الواقعية فظهر له منها ستَّة علوم أساسية مكتسبة بالاستقراء ، وهي مرتبة كما يلي من أكثرها بساطة وكليّة ، إلى أقلها بساطةً وكلية ، وأكثرها تركيباً وتعقيداً :
-1 علم الرياضيات : فهو أقل العلوم تعقيداً وتركيباً وأكثرها بساطة وكلية .
-2 فعلم الفلك .
-3 فعلم الطبيعة.
-4 فعلم الكيمياء .
-5 فعلم الحياة .
-6 فعلم الاجتماع الإنساني ، وهو أكثر العلوم تركيباً ، وأقلها كلية ." (173)
المناقشة ( و ما توفيقي إلا بالله )


أول ما يلاحظه الدارس أن ثمة تطرفا علمويا فظيعا، و توثينا للعلم شنيعا، و أن هذا التقسيم التاريخي هو الواجهة أو الشعار المتوج لجريمة الفصل بين العلم و الدين من جهة، و بين العقل و الدين من جهة ثانية، و بين العقل و العلم من جهة ثالثة ، و الدلالة البارزة التي يستشفها الدارس هي شدة العداوة للدين و النفور من الله .. و لأوغست كونت أن يتبجح كما يحلو له، و يتجرأ كما يريد، فقد ولد في عصر كان مسبوق بإندلاع الثورة الصناعية، أو على الأقل إرهاصاتها الأولية ، فقد اخترعت آلة النسيج ثم تلاها اختراع آلة الغزل المستمر .. الخ فقد بهرته العلوم و سحرته و أخذت بلبه ، فراح ينفث مكبوتاته اللاشعورية التي تراكمت عبر القرون المظلمة ، مناديا بتأليه العلم في الوقت الذي لم يبق للكنيسة أي سلطة أو نفوذ، أو كما يقول الدكتور محمد عباس على لسان رجل الأعمال المصري المرتعب من رجال الأمن : " أغمد خنجرك يا حقير .. فلقد انهار القيصر " ( من رواية "مباحث أمن الوطن" لمحمد عباس ) ..


و لسنا نقول – بطبيعة الحال – أن اندلاع الثورة الصناعية في أوربا لم يحدث تغيرات عميقة في "صورة" الحياة الأوروبية .. تغيرات تأخذ بالألباب و تسحر العقول .. كلا .. لا نقول ذلك و لن نقول .. لأننا إذا قلنا مثل هذا يرفع عنا القلم ، و تسقط عنا التكاليف !
و لكن أين "الإنسان" بُعيد اندلاع الثورة الصناعية ، و كثافة الاختراع حينئذ ؟ .. و ما ذنب الآلة .. الآلة المظلومة ..


إن تطور الأدوات و أساليب الإنتاج هو تحقيق للفطرة و ليس تغيير لها.. تحقيق للفطرة بتنمية إمكانياتها العملية على الدوام ، المتمثلة في رغباتها الفطرية الموجودة من قبل في حالة كامنة ، فالتطور هنا هو النمو ليس إلا .. حين يفتح الكشف أو الاختراع الجديد آفاقا جديدة لم تخطر بتفصيلها في بال الإنسان من قبل ، فإنه على الدوام يسعى لتحقيق رغبة عامة من رغبات الفطرة ، كالرغبة في القوة ، و الرغبة في السيطرة ، و الرغبة في الخلود، و الرغبة في استشفاف الحجب ، و الرغبة في البروز ، و الرغبة في الملك .. إلى آخر هذه الرغبات العامة الموجودة في الفطرة [ و المقدورة من لدن خالقها حين خلقها و وهب إمكانيتها ] .
إن الاختراع و الاكتشاف مزية بشرية في صميم الفطرة الإنسانية .. تلك بديهية ..


لقد ظل الإنسان ينتقل من اختراع إلى اختراع ، و هو يتنقل في مدارج الرقي ، وكانت صورة الحياة تتغير إثر كل اختراع تغيرا – جزئيا أو كاملا – و تختلف عن صورتها قبل ذلك ، و كان الإنسان يعتبر ذلك نصرا عظيما بالنسبة له ، و ممّا لا شك فيه أن نشوة لا حد لها قد تملكته و أحس أن الأرض على سعتها و رحابتها لم تسعه .. و لنعطي مثالا على ذلك : "الألة.


لقد أودعت الفطرة الإنسانية القدرة على التصور، و من ثم القدرة على الاكتشاف و الاختراع ، و من ثم القدرة على استخدام الآلات ، و القدرة على تحسين الآلات .. كما أودعت في الوقت ذاته "القيم" ، و القدرة على ربط الأعمال – بما فيها استخدام الآلات – بقيم نفسية و اقتصادية و اجتماعية و خلقية و دينية .
لا يوجد عاقل على ظهر البسيطة يقول : أن "الآلة" حين اختراعها لم تغير شيئا في حياة الإنسان .. فالعالم قبل اكتشاف المحراث العظمي أو الخشبي غيره بعد الاكتشاف .. و العالم قبل اكتشاف المغزل غيره بعد الاكتشاف .. و العالم قبل استخدام الأحجار المسنونة المشطوفة على هيئة سكين غيره بعد الاستخدام .. و العالم قبل اختراع و استخدام أي أداة أو "آلة" غيره بعد ذلك .. تلك بديهية .. و كان الإنسان - في كل اختراع و اكتشاف - يحقق بذلك رغباته الفطرية الكامنة و طاقاته النظرية في عالم الواقع و يحقق أحلامه المتطلعة إلى القوة و السيادة على محتويات الكون العريض – أو السيطرة على الطبيعة كما يحلو لكثير من الناس هذا التعبير - ..
فبعد اختراع الآلة البخارية حدث تغير هائل كان له كبير الأثر على الحياة الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية .. فقد تراجعت المعامل الحرفية الصغيرة و الصناعات المنزلية لتحل محلها المصانع الضخمة بآلياتها وحجم عمالها ، فتغيّرت طريقة العمل ولم يعد العامل يقوم بكل مراحل التصنيــع وإنما اقتصر عمله على القيام بحركة واحدة لإنجاز نفس العمل لغاية ربح الوقــــــــــــت ، وتعرف هذه الطريقة بالتيلرة – نسبة لتايلور- كما أثّرت هذه السياسة الجديدة على الصناعة إذ ارتفع استهلاك الفحم الحجري في العالــم نتيجة استهلاكه في صناعة النسيج التي ارتفع إنتاجها، كذلك الفولاذ .. كما استفادت الفلاحة بالعلوم الجامعية مما أدّى إلى التنوع والتضخم في الإنتاج . و نتيجة لوفرة الإنتاج وتنوعه نشطت التجارة العالمية فارتفعت قيمتها ، وقد هيمنت عليـــها الدول الصناعية الكبرى كانجلترا ، فرنسا، ألمانيا، هولندا وبلجيكا . و بعد أن كان معيار الثراء في النظام الإقطاعي ملكية الأرض تحول مع اندلاع الثورة الصناعية إلى امتلاك رأس المال التجاري والصناعي الذي دعّم طبقة من صغار التجار قـــــــــبل الثورة الصناعية عرفوا بالبرجوازية مما زاد من نفوذهم المالي داخل وخارج أقطارهم على حساب بقية الطبقات .
و نتيجة الانتشار الكبير للصناعة برزت طبقة عمّالية تشتغل في ظروف قاسية كطول ساعات العمل مقابل الأجر الزهيد.. دفعت هذه الظروف إلى تكتل العمال في تنظيمات للمطالبة بالرفع في الأجور والتقليص من ساعات العمل . و بالتالي تجاوزت تأثيرات الثورة الصناعية القطاع الصناعي لتحدث تغيّرات جذرية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية ..


كلا .. لا يقول عاقل أن "الآلة" ليس لها دور في تغير صورة الحياة البشرية ..
إلا أنّ " التغير " في الظروف الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية ، و التغير في الموازين الفكرية و الأوضاع الشعورية ، و ما تأخذه و تصطبغ به من ألوان الصلاح و الحسن ، أو ألوان الفساد و السوء .. ليس وقفا على "الآلة" بحد ذاتها .. فهي – كطاقة فطرية محققة – آلة صماء ، لا تعي و لا تعقل و لا تحس .. بمعنى أنها طاقة بشرية محايدة .. محايدة بين الخير و الشر ، لا لون لها في ذاتها . و لكن " التوجيه " الذي يقع لها هو الذي يحولها إلى طاقة خيرة أو طاقة شريرة ، و في حالتيها تلك تبقى هي هي "الآلة" ..
و هذا – بالذات – الذي حدث في أوربا ..
فسائر التغيرات التي نجم عنها الفساد و السوء ، ليست الآلة مسؤولة عنه .. بل المسؤول الأول و الأخير في كل ما نجم عن " التكنيك الآلي " المندفع، من فضائع و جرائم ودمار . هو – بكلمة أدق – " الإنسان " ..


و هنا – بالضبط – ينتفض التطوريون على اختلاف مدارسهم و يحيصوا حيصة حمر الوحش، بدءا من الوضعيين و هواة التفسير المادي للتاريخ و التفسير الجنسي للسلوك البشري و التفسير الجثماني للمشاعر .. الخ ، ينتفض هؤلاء فيضعون أصابعهم في آذانهم و يستغشون ثيابهم و يصروا و يستكبروا استكبارا ..
إن الإنسان هو الذي اخترع وصنع الآلة.. و ليس العكس .. فهي بالتالي مسخرة له مقهورة له.. لا تملك من أمرها شيئا . .
و الفساد يظهر في البر و البحر بما كسبت أيدي الناس .. و ليس بما كسبت أيدي الآلات .. فلئن كانت ثمة جريمة، فالمجرم هو " الإنسان " و ليس "الآلة"..
ما "الآلة" سوى تحقيق لرغبة فطرية ، يسعى الإنسان بواسطتها إلى تلبية حاجاته الفطرية و تحسينها و تجميلها .. و ذلك كله طبيعي .. و لكن "الغير" طبيعي هو أن تتجرد هذه الحاجات من إنسانيتها، و تتجرد المفاهيم الأخلاقية من أرديتها النبيلة.. الغير طبيعي أن تصبح الآلة سببا في الفوضى و الدمار.. دمار للفرد، و دمار للأسرة، و دمار للمجتمع، و دمار للبشرية..


إن البيئة المادية – عموما – ليست هي القوة الإيجابية الوحيدة التي تسيطر و تفرض سلطانها على المشاعر و الأفكار. بل هما قوتان : الإنسان من ناحية ، و القوى المادية الخارجية من ناحية أخرى . وهما قوتان متفاعلتان أبدا. و لكن سيطرة إحداهما على الأخرى أمر متروك للإنسان ، لأنه هو – من بين القوتين – صاحب الإرادة و القادر على التصرف . و المادة هي التي من شأنها أن تخضع لما يقع عليها من تأثير .
فحين يختار الإنسان أن يكون هو القوة الموجهة المنشئة المريدة ، فهو الذي يكيف حياته ، و هو الذي ينشئ الأوضاع المادية أو يكيفها كما يريد، أو على الأقل يكيف نفسه منها على الوضع الذي يريد .
و حين يتنازل الإنسان عن إرادته .. حين يتخلى عن طاقته الإيجابية الموجّهة .. حين يختار أن يترك نفسه على سجيتها تؤثر فيها القوى الخارجية و لا يؤثر هو فيها .. حينذاك يكون هو الذي ترك الوسط المادي يفرض عليه سلطانه ، و هو الذي اختار موقفه السلبي الخانع ، و ليست القوى المادية بطبيعتها هي ذات السلطان .
و في قصة الآلة مثال لما نقول ..


لقد اندلعت الثورة الصناعية في ظروف تاريخية سيئة للغاية ؛ ظروف مجافية لأي نهضة صناعية سليمة ذات أهداف نبيلة وراقية ؛ ظروف لا يفسرها إلا الدمار الذي تسببت فيه الثورة الصناعية المتهورة المندفعة .. تحت إغراء المذاهب الفكرية الإلحادية و المال الربوي اليهودي ..
و يمكن أن نجمل حقيقة الظروف التاريخية التي عاصرت اندلاع الثورة الصناعية في عاملين أساسيين ، و هما عامل " العلمانية المتطرفة " و عامل " القوى الشريرة " . [ نستخدم هنا كلمة العلمانية المتطرفة تجوزا .. و إلا فالعلمانية هي بحد ذاتها تطرف ]
فأما عامل " العلمانية المتطرفة " فهو ذلك " الفصام النكد الذي يفسر البعد بين العلم و الضمير و ما شاع في أوربا من فوضى ، كنهاية محتومة لما أصابها من انفصالات متتابعة ، حدث الانفصال الأول – كما يقول مالك بن نبي – في مجال أخلاقها ، باسم الإصلاح ، بيد أن انشقاقات كثيرة ، من مثل انشقاق الحركة الألبية ، قد أثبتت أن الضمير المسيحي عاجز عن مواجهة الفجوة التي كانت تفصله بين النزعة العقلية الناتجة عن التطور العلمي . و حدث الانفصال الثاني في مجال سياستها بحدوث الثورة الفرنسية، تلك التي حطمت التوازن الاجتماعي التقليدي، و أحلت محله وضعا قائما على المساواة بين الأفراد، بيد أن هذه المساواة النظرية لم تكن إلا توازنا لا قرار له ....


" هذه فترة من تاريخ أوربا و قد أصابها الانفصال في أوضاعها الأخلاقية و السياسية و الاجتماعية ، و هي الفترة المعاصرة لجبروت العصر الاستعماري ، و لبوادر النهضة الإسلامية الأولى ، و بهذه الدفعة المادية المزدوجة ، دفعة البورجوازية ، و دفعة البروليتاريا ، تجلت أوربا للوعي الإسلامي فأدرك نفوذها في تطوره الفكري و السياسي ، فهو لم يكتشف في أوربا هذه حضارة ؛ بل اكتشف فوضى كانت تتعاظم داخلها الإنفصالات طبقا لعاملين كان لهما في هذا الشأن وزن كبير، هما : سرعة النمو العلمي ، و التوسع الاستعماري .


" و لقد تحالف هذان العاملان اللذان نطلق عليهما : النزعة العلمية ، و النزعة الاستعمارية ليصبحا قدرا مكتوبا على أوربا ، كما صار علم الكلام قدرا على مجتمع ما بعد الموحدين . " (174)


و يؤكد هذه الحقيقة المفكر الدكتور عبد الوهاب المسيّري – رحمه الله - حيث يقول في مقال له على المشباك : " وقد تمت علمنة الفكرة التاريخية المسيحية المتفائلة في عصر النهضة ، وهيمنت المرجعية الواحدية المادية على رؤية الإنسان الغربي للكون ، فأصبح للتاريخ هدف ، يتحقق في الزمان من التأكيد على لا محدودية العقل الإنساني ، وعدم حاجته لوحي إلهي ، وعلى أن التقدم حتمي ، فهو كامن في القوانين الطبيعية ذاتها ، التي تدفع بالتاريخ الإنساني ، وظهرت فكرة التاريخ الإنساني العالمي ، فقانون الطبيعة قانون عام واحد ، يدفع بالتاريخ الإنساني كله حسب متتالية محددة ، وبدأت فكرة التقدم تتبلور على يد فلاسفة مثل فيكو وفولتير وتورجو وهردر وكانط ، وظهرت فكرة المراحل في فكر "أوغست كونت" ثم هيغل وماركس ، وأصبحت فكرة التقدم فكرة أساسية في فكر الاستنارة ، ثم وصلت إلى قمة ازدهارها وشيوعها في أواخر القرن التاسع عشر (عصر الإمبريالية والداروينية) .
" وقد تغلغلت الفكرة في جميع المجالات ، فظهرت نظرية التطور، التي حظيت بالقَبول العام لدى المتخصصين في العلوم الاجتماعية المختلفة ، ومن ثم ظهر العديد من النظريات الاجتماعية والسياسية ، التي تفترض مفهوم التقدم دون أي تساؤل ، وكأنه معطًى بدهي لا يقبل النقاش ، وظهرت النظرية العِرْقية والإمبريالية ، التي تستند اعتذارياتها إلى فكرة تقدم الإنسان الغربي ، وتفوقه على بقية شعوب الأرض ..
و يواصل الدكتور "المسيّري" قائلا : " ومفهوم التقدم - في المنظومة الغربية - يدور في إطار المرجعية المادية الكامنة (في عقل الإنسان والطبيعة) ، ويستند إلى عدة منطلقات ، يمكن تلخيصها على النحو التالي:
" 1 - عقل الإنسان غير محدود ؛ فهو مكثف بذاته ، لا يحتاج إلى أي عون خارجي ، وهو قادر على معرفة الطبيعة ، والسيطرة عليها ؛ إذ إن العقل يكتسب - من خلال التطور - مزيداً من المنطق والرشد والتفكير.
2- المعرفة الإنسانية ستظل تتراكم بشكل مطَّرد وبلا نهاية (أو سنصل إلى نقطة النهاية حين يتم السيطرة النهائية على الطبيعة).
3- يستند مفهوم التقدم - شأنه شأن كل المفاهيم الفلسفية والمعرفية الغربية الحديثة - إلى المطلق العلماني: الطبيعة المادة .
4- الموارد الطبيعية في الكون غير محدودة ، ولا يمكن أن يصيبها العطب أو الخلل (فالمادة لا تفنى!) .
5- التقدم عملية عالمية واحدية خطية ذات اتجاه واحد ، تتم حسب قانون طبيعي عام واحد ، يتبدَّى في كل زمان ومكان - وفي جميع المجتمعات - حسب متتالية واحدة تقريباً. يتم التقدم في جميع المجالات دون تفريق بين مجال مادي ومجال إنساني ؛ ولذا كان من المفروض أن يتم التقدم في عالم الفنون والآداب ، بل وفي الطبيعة البشرية ذاتها (فلا يمكن أن يكون هناك شيء ثابت في عالم الطبيعة). يفترض مفهوم التقدم وجود تاريخ إنساني واحد (لا إنسانية مشتركة تتبدى في تشكيلات حضارية وتاريخية مختلفة ومتنوعة) ؛ ولذا فإن ما يصلح لتشكيل حضاري وتاريخي معين يصلح لكل التشكيلات الأخرى (وهذا ما نسميه الوحدة التاريخية للوجود).
6- قد يتم التقدم عبر مراحل تطورية متتالية مختلفة في بعض التفاصيل والأسباب ، ولكن المراحل المختلفة تصل - في نهاية الأمر - إلى نفس الهدف ، وتحقق نفس الغايات. تعتبر المجتمعات الغربية - خصوصاً في غرب أوروبا - هي ذروة هذه العملية التطورية العالمية الطبيعية ، ومن ثم فهي النموذج الذي يُحتذَى. الدولة القومية المركزية هي من أهم آليات التقدم - إن لم تكن أهمها - فهي التي تقوم بترشيد كل من الواقع الإنساني والإنسان نفسه ، وتحوِّله إلى مادة بشرية منتجة نافعة. - ثمن التقدم (السلبي) أقل بكثير من عائده (الإيجابي) ؛ ولذا فإن ثمن التقدم معقول ، ويمكن قبوله.
7- التقدم - مثل قوانين الطبيعة / المادة - عملية حتمية ، تتم على الرغم من إرادة الأفراد وخارجها ، ولا يمكن لأحد إيقافها (فما يدفع التاريخ هو قوانين الطبيعة الكامنة فيه) .
8- عملية التقدم مثل (الطبيعة / المادة) ليس لها غائية إنسانية محددة أو مضمون أخلاقي محدد ، التقدم (مثل الطبيعة / المادة) مجرد حركة أو عملية ، وعملية التقدم لا علاقة لها بأي قيم دينية أو أخلاقية أو إنسانية ، ومن ثم قد تتساقط مثل هذه القيم نتيجة عملية التقدم المستمر والحتمي. عادة ما يتقدم المرء نحو شيء ما من مكان إلى آخر ، ولكن التقدم في المفهوم الغربي (المادي) عملية حركية تعني الانتقال (الترانسفير) دون تحديد الهدف من الحركة ، ومن ثم يتحول التقدم (بالإنكليزية: بروجرس progress) إلى مجرد عملية (بالإنكليزية: بروسيس process). التقدم - بذلك - يصبح بلا مرجعية ، أو يصبح مرجعية ذاته ، ومن ثم يصبح هو الوسيلة والغاية ، فنحن نتقدم كي نحرز مزيداً من التقدم (وهي عملية لا نهائية) ، أي أن التقدم ليس حتمياً وحسب ، وإنما نهائي أيضاً ، فهو تقدم وحسب .
9- ولكن الحركية ليست محايدة تماماً ، ولا بريئة إطلاقاً ، فثمة تحيُّز - للرؤية المادية - كامن في مفهوم التقدم الغربي ، فالتقدم هو ما يساعد على تحقيق قانون الحركة (المادي العام) ، وقد اكتشف الغرب أن التقدم هو زيادة المنفعة ، وتعظيم اللذة لأكبر عدد ممكن من البشر ، وبالتدريج ، أصبح التقدم هو تزايد القوة والسلطة.
10- الإنسان هنا هو الإنسان الطبيعي / المادي ذو الاحتياجات الطبيعية المادية العامة (ثم أصبح الإنسان الطبيعي / المادي الأبيض في المنظومة الإمبريالية). لكل ما تقدم - وعلى الرغم من الحديث عن التقدم كعملية لا نهائية - فإنه اكتسب مضموناً مادياً كمياً لا إنسانياً (بمعنى أنه مفهوم يسير اختزالي ، يلخص هدف الإنسان في الكون في بضعة أهداف نهائية ذات توجه مادي حاد) . وأصبح الإطار الكلي والنهائي لمفهوم التقدم ليس الإنسان كإنسان ، وإنما مقاييس ليست بالضرورة إنسانية مثل الإنتاجية ومعدلات الاستهلاك ؛ ولهذا ظهرت مؤشرات على التقدم ومقاييسه ذات طابع مادي كمي لا تكترث بإنسانية الإنسان ، مثل: عدد الهواتف - نسبة البروتين - عدد السيارات وسرعتها - طول الطرق - معدل تحرك البشر وانتقالهم وحركيتهم ، وهي مقاييس تركز على ما يقاس ، وأما ما لا يُقاس فقد استُبعد أو هُمِّش ، وتُركِّز على العام دون الخاص ؛ ولذا فهي تُسقط كل الخصوصيات الدينية والإنسانية ، وتركز على قياس الثمرة المباشرة العاجلة والمحسوسة ، دون الثمن الآجل غير المباشر وغير الملموس ؛ ولذا تمت إزالة المدن القديمة باسم التقدم ، وتم غزو العالم لنفس السبب ، وقد أُبيدت الشعوب والأقليات لتحقيق نفس الهدف ، وتصاعد إيقاع المجتمع ، وتقطعت الأواصر الإنسانية لنفس الحُجة ، وقُضي على كل الخصوصيات (حتى وصلنا إلى قمة التقدم والنظام العالمي الجديد ونهاية التاريخ والإنسان) ، دون أي حساب للنتائج السلبية لكل هذه العمليات التقدمية.
ويتضح تحيز مفهوم التقدم للتقدم المادي ، إن طالبنا استخدام مفهوم مثل الطمأنينة والسعادة كمعيار للتقدم ، فالرد على ذلك معروف ، وهو أن الطمأنينة والسعادة أمور نسبية ومتغيرة لا تقاس ، أما التقدم المادي فيمكن قياسه علمياً ، وهو ما يعني أن التقدم شيء ، والطمأنينة والسعادة شيء آخر ، وأن التقدم هو - في واقع الأمر - تمدُّد مادي ، وليس تحققاً إنسانياً ؛ ولذا فإنه بدلاً من مؤشرات من عالم الإنسان (السعادة والطمأنينة) يسقط الإنسان في عالم السلع والمؤشرات المأخوذة من عالم الأشياء (السرعة - الإنتاجية.. الخ) ، دون أي اكتراث بمدى تحقيقها السعادة أو البؤس للإنسان . " (175)


أما عامل القوى الشريرة


فمنذ بدء "النهضة" وجدت الثغرات التي تمناها اليهود و جلسوا في انتظارها عدة قرون . فقد قامت تلك النهضة منذ مبدئها على أسس إغريقية و رومانية غير مسيحية ، بل إنها في الواقع قامت على أسس مضادة للمسيحية معادية لها ، و إن كانت لم تستطع أن تخوض المعركة الحاسمة مع المسيحية إلا بعد ذلك بأجيال ، ظلت الكنيسة خلالها ذات نفوذ واسع على الجماهير على أقل تقدير .
و في الثورة الفرنسية وقع ذلك الانفجار الحاد ، الذي دوى في أرجاء أوروبا كلها فأودى بالإقطاع و زلزل كيان الدين .. و مع ذلك فقد كان من الممكن أن تسير الثورة في مسار آخر لو لم يتدخل ذلك العنصر الشرير في توجيه الأحداث وجهة معينة تخدم أهدافه الخاصة بصرف النظر عن أهداف الثائرين ..
كانت أهداف الثائرين هي القضاء على ذينك الحليفين الطاغيين المستبدين : رجال الإقطاع ( الأشراف ) ورجال الدين . و كان الإقطاع شرا خالصا فكان ينبغي أن يزول ، و كان الدين الذي تقدمه الكنيسة وتطغى به على الناس يحوي بعض الحقائق و كثيرا من الأباطيل ، فكان يمكن أن تصحح أباطيله ، و يستبدل به الدين الحق، الخالي أساسا من الأباطيل .. و لكن اليهود حين دخلوا في الأمر لم يدعوا الفرصة لتصحيح الدين .. و إنما اهتبلوها فرصة سانحة لتحطيم الدين ، وهذا هو الدور الحقيقي الذي لعبوه في الثورة الفرنسية ..


أما دخول اليهود في الثورة فقد كان لتحقيق هدفين كبيرين من أهدافهم الخاصة ..
فأما الهدف الأول فقد كان تحطيم الإقطاع و هذا كان يوافق هدفا مرحليا خاصا لليهود
و أما الهدف الثاني فقد كان تحطيم نفوذ الكنيسة و رجال الدين , و هذا الذي حوله اليهود – لحسابهم الخاص – إلى تحطيم لذات الدين ..
كان لليهود أكثر من مصلحة في تحطيم الإقطاع فلا عجب أن يدخلوا في الثورة التي رأوها متجهة – من تلقاء نفسها – إلى تحطيمه .
كانت الثورة الصناعية تدق الأبواب .. و كان اليهود يقدرون لأنفسهم فيها أرباحا طائلة عن طريق الإقراض بالربا .. فمنذ مولدها و احتياجها إلى المال لتمويل الصناعة الناشئة ، سقطت فريسة في يد اليهود .. و ما تزال حتى هذه اللحظة في أيديهم .
كان المال الوفير الذي يصلح لتمويل الثورة الصناعية في يد طائفتين اثنتين في ذلك الحين : طائفة أمراء الإقطاع و طائفة المرابين من اليهود .
فأما أمراء الإقطاع فقد رفضوا تمويل الصناعة الناشئة و أبوا أن ينقلوا أموالهم من دورتها الزراعية المألوفة لديهم ، و المضمونة الربح لهم ، و إلى عملية جديدة لا يعرفونها و لا يطمئنون إليها لعدم تمرسهم بها ، خاصة و أن كثيرا من العمليات الصناعية كان يفلس في مبدأ الأمر بسبب نقص الخبرة أو عدم توفر الأسواق أو عدم وجود المواصلات الميسرة ؛ أو عدم إقبال الناس على الأشياء المصنوعة بالآلة و تفضيل المصنوعات اليدوية عليها بحكم الألفة الطويلة ، و على أساس أن استخدام المصنوعات الآلية سيمحق البركة من حياتهم لأن فيه إصبعا من أصابع الشيطان .. عندئذ تقدم اليهود لتمويل تلك الصناعات مرحبين . لأنهم – على طريقتهم – لا يخسرون شيئا سواء ربحت الصناعة أو خسرت أو أفلست إفلاسا كاملا ، ذلك أنهم لا يشتركون اشتراكا مباشرا برؤوس أموالهم ، و إنما يقرضون أصحاب الصناعات بالربا الفاحش مقابل ضمانات تضمن لهم رجوع أموالهم إليهم مع الفوائد المضاعفة دون أن يتعرضوا للخسائر التي كانت تتعرض لها الصناعة الناشئة في ذلك الوقت في كثير من الأحيان ..


و هكذا أصبحت لليهود مصلحة أكيدة في قيام الثورة الصناعية لما تدره عليهم من أرباح لم يكونوا ليحصلوا على مثلها من قبل من أمراء الإقطاع ..
و لكن العقبة أمام الصناعة الناشئة لم تكن عقبة التمويل فحسب ، و هي بالنسبة لهم لم تكن عقبة بل كانت مصدر ربح وفير ، إنما كانت العقبة الكبرى هي توفير العمال اللازمين للصناعة .. فقد كان العمال في الريف يحتجزهم الإقطاع ، سواء كانوا عبيدا للسيد أو عبيدا للأرض ، أو من العمال الزراعيين الأحرار و هم قلة قليلة إلى جوار العبيد و الأقنان ، و كلهم لا يملكون الانتقال إلى حيث تقوم الصناعات – بالضرورة – في المدينة حيث توجد الأسواق المعقولة لتصريف المنتجات الصناعية . و من ثم كان لا بد من تحطيم الإقطاع لتحرير العبيد ، و تقرير حق الانتقال لكل من يريد ، و هو حق لم يكن قائما في ظل الإقطاع .
وهذا الهدف – و هو تحرير العبيد .. – كان هدفا واعيا للرأسمالية القائمة في أحضان اليهود منذ أول لحظة ، أي أنه كان هدفا واعيا في تخطيط اليهود ، و من أجله شاركوا في الثورة الفرنسية و قامت مؤسساتهم الماسونية لها بدور التحضير أو " التفجير" . (176)
في مثل هذه الظروف اندلعت الثورة الصناعية ، و للقارئ الكريم أن يتوقع النتائج المتوخاة ، والثمار الجنية ، و في المثل: " إنك لا تجني من الشوك العنب " . و إلا .. فأين الإنسان ؟


يقول الدكتور قباري محمد اسماعيل ( أستاذ علم الاجتماع ) :


" و ظهرت في المجتمع البورجوازي بعض الأنماط الإقتصادية التي لم تكن معروفة في القرون الوسطى . فلقد كان صنع " عربة الركاب " في القرون الوسطى ، يحتاج إلى عدد من المهن و الصناعات اليدوية ، حين تتظافر جهود "الحداد" و "الخراط" و صانع العجلات و "عامل الزجاج" و "النقاش" .. و لكن المجتمع البورجوازي في فرنسا ، قفز قفزة اقتصادية هائلة ، فانتقل من نطاق " الورشة الصغيرة " إلى نطاق " المصنع الكبير " حيث ظهرت نظم " تقسيم العمل " استنادا إلى مهنة أو " تخصص " كل عامل يساهم في عملية الانتاج .
" و تحول العامل في المجتمع البورجوازي من عامل يزاول مهنة متكاملة إلى عامل يؤدي عمليات جزئية ، تزيد من القوة الانتاجية ، و تستند علاقات الإنتاج في المجتمع الرأسمالي ، على الملكية الرأسمالية الخاصة لوسائل الإنتاج ، تلك التي تختلف عن سائر أشكال الملكية الخاصة ، وبخاصة عند أصحاب الملكيات الصغيرة أو المحدودة لدى صغار المنتجين . حيث أن الملكية الخاصة لدى صغار المنتجين إنما تستند إلى الجهد أو العمل الشخصي . بينما نجد أن الملكية الرأسمالية ، إنما تستند إلى استغلال و تسخير العمال ، بمعنى أن ملكية صاحب رأس المال ، إنما لا تصدر عن جهده الشخصي ، بل تصدر فقط عن وجود العمال و نتاج عملهم في المشروعات الرأسمالية ..


" و لقد استغلت الرأسمالية ، ظهور العصر الآلي الميكانيكي استغلالا رهيبا ، فلقد خرجت " الأداة " التي كان يستخدمها العامل الماهر القديم ، و انتقلت من يد العامل كي تلتحم في جسم "الآلة" التي تعمل ذاتيا و تنتج إنتاجا هائلا في وقت قصير . و لذلك أصبحت الآلة أو " الماكينة " ضرورة تاريخية في الإنتاج الرأسمالي ، كما استخدمت الأعداد الهائلة من العمال في المصانع و المؤسسات ، كما كان للآلة آثارها المباشرة على سيكولوجية العامل و نتائجها السوسيولوجية على مختلف فئات العمال .
" فلقد اقتصدت الآلة جهود العامل ، و وفرت و اختصرت الكثير من حركاته ، و بذلك أدت "الآلة الميكانيكية" إلى إعفاء الكثير من العمال، فظهرت البطالة الشنيعة ، بين أصحاب المهن المتكاملة و الصناعات المهنية و بين أرباب الحرف اليدوية ، حيث قاوم العصر التكنولوجي تلك المهارات الذكائية و تحدت الآلة تلك الخبرات اليدوية التي كان يتميز بها العامل القديم .
" و في عصر التصنيع ، كثرت و رخصت الأيدي العاملة نظرا للزيادة الهائلة في أعداد العمال العاطلين ، فاضطر العامل إلى أن يبيع " قوة عمله " التي هي مجهوده و مهارته و خبراته و ذكائه ، بأبخس الأثمان ، نظرا لعدم قدرته على شراء وسائل الإنتاج الآلي ، مما كان له آثاره و نتائجه الاجتماعية في استغلال أصحاب رأس المال ، مختلف طبقات و فئات العمال من نساء و أطفال ، و شراء قواهم الإنتاجية بأقل الأجور نظرا لازدياد عرض العمال و قلة الطلب عليهم فانخفضت القيمة المادية لقوة العمل البشرية ..
" و بالتالي حدثت التغيرات الاجتماعية الهائلة ، في محيط الأسرة ، و تغيرت أنماط السلوك الاجتماعية و العائلية و انهارت القيم الخلقية ، و اضمحل مستوى الفكر و تفككت سمات الثقافة و اهتزت أنساق البناء الاجتماعي ، و في ضوء هذا الوسط التكنولوجي المتغير ضاعت " قيمة الإنسان " (177)
في مثل هذه الظروف ولد "أوغست كونت" ..
و يحسن – بنا – أن نبرز التناقضات التي وقع فيها كونت ..


أول ما نلاحظ في نظرية كونت هو : إلغاء فطرة التدين الثابتة الدائمة لدى الإنسان، فضلا عن اقتصارها على مرحلة معينة ، ناهيك عن وصفها بمرحلة الطفولة ..
يقول الأستاذ حاتم ( العضو في منتدى التوحيد. قسم المذاهب المعاصرة ):
" من الملاحظات التي استوقفت علماء الأنثربولوجيا وكذا دارسي تاريخ الأديان أن الاعتقاد الديني أمر لصيق بالكائن الإنساني. وهذا ما تجسده المقولة الشهيرة المنسوبة إلى المؤرخ الإغريقى بلوتارك: "لقد وجدت في التاريخ مدناً بلا حصون، ومدناً بلا قصور.. ومدناً بلا مدارس.. ولكن لم توجد أبداً مدن بلا معابد"، فأمام استقراء واقع الحضارات وأنساقها الثقافية لوحظ هذا الحضور الدائم للتدين بطقسه ومفاهيمه، الأمر الذي دفع البعض إلى التساؤل: لماذا تدين الإنسان؟ ما سبب هذا التلازم بين وجود الإنسان وتدينه ؟


أولا : إن تعليل ظاهرة الاعتقاد الديني عند كونت تعليل أراه قاصرا،لأنه جعل وجود هذا الاعتقاد مشروطا بمرحلة، بينما هو مسألة محورية في التفكير والوجدان الإنساني . فالكائن البشري كائن متسائل، يستفهم عن سبب وجوده وكينونته وسبب وجود هذا الكون من حوله. وهو استفهام فطري نجده لصيقاً بالإنسان كيفما كان مستواه المعرفي. فأسئلة أصل الوجود الكبرى مثلما يطرحها الفيلسوف يطرحها الطفل الصغير أيضا، الأمر الذي يؤكد أنها لصيقة بالطبيعة الإنسانية ولا يمكن تخطيها وتجاوزها. ولذا، فالخطأ الأكبر الذي وقع فيه أوغست كونت هو النظر إلى هذه الحالات الثلاث بوصفها لحظات تتابع تقطع كل لحظة تالية مع سابقتها، وهو بذلك لم يدرك أنها تدل على أبعاد أنطلوجية في كينونة الإنسان ونفسيته فضلا عن تجربته الثقافية. إنها ليست لحظات تطور للوعي البشري بل هي أبعاد تكون "ماهية" هذا الوعي وطبيعته. فالنزوع الديني ليس نقصا في فهم الطبيعة حتى يتم تخطيه بتحصيل الفهم العلمي الوضعي، بل إن السؤال الديني هو أكبر وأوسع وأعمق من أن يجاب من قبل الحقل المعرفي العلمي.


فالسؤال الديني من الناحية الابستملوجية لا يمكن نفيه من مدخل المعالجة العلمية التجريبية، وذلك لأن سؤال العلم هو سؤال كيفي جزئي، بينما السؤال الديني هو سؤال تعليلي غائي كلي.. فالعلم يكشف لنا عن انتظام العالم وتعالقات ظواهره، وأسبابها، لكنه بتحديده لأسباب الظواهر الكونية ليس بإمكانه أن ينفي وجود مسبب لهذه الأسباب. فالسؤال عن الخالق لا يمكن نفيه بواسطة العلم، بل إن التفكير العلمي يدفع نحو توكيد وجود الخالق بما يستكشفه كل يوم من مساحات هذا الكون. والانتقال من وجود الكون إلى الاستدلال عن خالقه هي نقلة مبررة عقلانيا، لأنها تقوم على عملية استنتاجية مبررة. والمزلق الكبير الذي وقع فيه أوغست كونت يتمثل في اعتقاده أن تفسير ظواهر الكون يلغي طلب تعليل الكون ذاته .في حين أن تفسير الكون بالكشف عن العلاقات الناظمة بين ظواهره يزيد من معقولية الإجابة الدينية، ويفضح زيف الإجابة الإلحادية.


ثم إن هذا الفارق الجوهري في طبيعة السؤال الذي يشتغل به العلم، أي سؤال الكيف يفضح كل مسلك لإلغاء الدين والاكتفاء بالإجابة العلمية، لأن الإجابة العلمية لا تسد حاجة الفهم الأنطلوجي، أي الحاجة إلى فهم "لم ؟" وجد الوجود ابتداء؛ بل إن منتهى ما تصل إليه الإجابة العلمية هو سد الحاجة إلى فهم كيفية تعالق مكونات الوجود وانتظامها،لا تعليل سبب وجود هذه المكونات ابتداء. ومن ثم فالقول بالاكتفاء بالإجابة العلمية واستبعاد الدين هو مسلك مغرض يزيف حقيقة السؤال الديني . " (178)
إن الاعتقاد حاجة فطرية ضرورية ملحة ..


يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - :


" إن الدين حاجة فطرية في النفس البشرية كحاجة الطعام و الشراب لحفظ الذات، و حاجة النسل لحفظ النوع سواء، هو حاجة فطرية أودعها الله كينونة الإنسان .. والكائن الحي الذي تتعطل في كينونته أجهزة الاتصال الفطرية بالكون و بارئه، بينما هو يعيش في هذا الكون، و يزاول نشاطه فيه، و بينما قدر بارئ الكون محيط به و بكل شيء و كل حي، هو مسيخ لا تكتب له الحياة طويلا، كما أنه لا يكتب له الامتداد .. ككل مولود مسيخ ..
" ومن ناحية أخرى فإن الذي يضرب عن تناول حاجيات الحياة الضرورية كالشراب و الطعام، يموت، و الذي يضرب عن وسائل الامتداد بالنسل ينقطع عقبه .. كذلك الذين يضربون عن الاعتقاد – بوصفه حاجة فطرية – غير أن آثار الإضراب عن الطعام و الشراب و النسل تظهر في حياة الفرد الذي يزاول هذا الإضراب .. أو هذا الانتحار.. أما آثار الإضراب عن الاعتقاد فتظهر في حياة الجماعة و في حياة الفكرة التي تتخذها بديلا من الاعتقاد.. و التفكير المادي بكل مناهجه هو إضراب عن حاجة فطرية في محيط الجماعة والفكرة .. هو انتحار و عاقبته محتومة، و محددة سلفا كمصير كل مضرب عن ضروريات الحياة .. الانتحار .. " اهـ (179)
فالدين من صميم الفطرة ..


" ففي صميم الفطرة أن تحس بالله على نحو من الأنحاء .. و قد لا تهتدي دائما إلى الصورة الصحيحة للعقيدة، و قد تمزج بها كثيرا من الخرافات و الأساطير .. و قد تتصور الحقيقة الإلهية تصورا منحرفا .. بل قد تلحد إلحادا .. و مع ذلك يظل في صميمها هذا الإدراك لوجود خالق لهذا الكون .. خالق قوي جبار .. " (180)
ففي فطرة الإنسان فراغ لا يملؤه علم، و لا ثقافة و لا فلسفة، إنما يملؤه الإيمان بالله جل و علا .. و ستظل الفطرة الإنسانية تحس بالتوتر و الجوع و الظمأ حتى تجد الله ، و تؤمن به ، و تتوجه إليه ..


يقول ابن القيم – رحمه الله - :


" في القلب شعث لا يلمه إلا الإقبال على الله ، و فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بالله ، و فيه حزن لا يذهبه إلا السرور بمعرفته ، و صدق معاملته ، و فيه قلق لا يسكنه إلا الاجتماع عليه ، و الفرار إليه ، و فيه نيران حسرات لا يطفئها إلا الرضا بأمره و نهيه و قضائه و معانقة الصبر على ذلك على وقت لقائه .. و فيه فاقة لا يسدها إلا محبته و الإنابة إليه ، و دوام ذكره و صدق الإخلاص له ، و لو أعطي الدنيا و ما فيها لم تسد تلك الفاقة أبدا. "اهـ
إن ثمة أسئلة لا تني تلح على الفطرة – بوعي أو بغير وعي – مبتغية إجابة شافية مريحة .. و سواء كان الجواب صحيحا أو خاطئا ..
" فهذه الأسئلة هي التي شغلت و لا تزال تشغل الفكر الإنساني، بل تحيره : من أين جئت ؟ و من أين جاء هذا الكون ؟ من الموجد ؟ ما صفاته ؟ ما أسماؤه ؟ لماذا أوجدنا و أوجد هذا الكون ؟ و ما دورنا في هذا الكون ؟ و ما علاقتنا بالخالق الذي خلقنا ؟ و هل هناك عوامل غير منظورة وراء هذا العلم المشهود ؟ و هل هناك مخلوقات عاقلة مفكرة غير هذا الإنسان ؟ و هل بعد هذه الحياة من حياة أخرى نصير إليها ؟ و كيف تكون تلك الحياة إن كان الجواب بالإيجاب ؟ .. " (181)
هذه الأسئلة – قبل التنظيم السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي – هي التي تحدد مسار الإنسان في الأرض و صورة وجوده عليها .. بعبارة أخرى: تكون للإنسان "عقيدة" حين يجيب على هذه الأسئلة أيا كان نوع الجواب صحيحا كان أم خاطئا .. و قد يهتدي الإنسان في هذه الإجابة و قد يضل .. قد يهتدي فيجيب إجابة صحيحة، فينتج عن ذلك عقيدة صحيحة تنبني على أساسها صورة وجوده في الأرض، سواء وجوده المادي أو المعنوي .. و قد يضل فيجيب إجابة خاطئة، فينتج عن ذلك عقيدة خاطئة تنبني على أساسها صورة وجوده في الأرض، سواء وجوده المادي أو المعنوي.
فالإنسان مفطور – مهتديا كان أو ضالا – على التوجه إلى الله و الالتجاء إليه .. كما قال تعالى : { و إذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم و أشهدهم على أنفسهم : ألست بربكم قالوا: بلى شهدنا }


" هذا التوجه إلى الله موجود في داخل النفس .. فإحساس الإنسان الفطري بضآلته إزاء القوة الخالقة ، و إحساسه بالروعة و الجلال ، و إحساسه بأنه مأخوذ بمظاهر القدرة المختلفة هو الذي يجعله يخر ساجدا يتعبد ..
" يحس الإنسان بالعجز إزاء الكيان الكوني من حوله .. العجز عن تحقيق كل ما يريد تحقيقه .. و العجز عن معرفة كل ما يريد معرفته .. و العجز عن السيطرة على كل ما يريد السيطرة عليه ..


" و قد أدى هذا العجز في تاريخ البشرية إلى كثير من ألوان العبادة .. المهتدية و الضالة .. أدى إلى عبادة الولد .. و عبادة قوى الطبيعة .. و عبادة الطوطم .. و عبادة الوثن .. و عبادة الله . و الذي يهمنا هنا – من الوجهة النفسية – أن النفس البشرية – ضالة أو مهتدية – تحس إحساسا فطريا بالعجز إزاء قوة اكبر منها .. و يكون هذا "العجز" لديها عنصرا من عناصر الدين .


" و يحس الإنسان – غير العجز – بالرهبة إزاء"روعة" الكون .. و تأخذه هذه الرهبة فيبحث عن الخالق ! و أيا كان مستوى الإنسان من العلم و الثقافة و المدنية و الرقي .. فالكون يوقع على حسه توقيعات شتى تناسب مداركه و معلوماته، و في كل حالة يروعه و يهزه من الأعماق .. يروعه فيبحث عن الخالق ! هكذا بالفطرة .. قد يهتدي في بحثه و قد يضل .. قد يهتدي إلى أن الله هو الصانع .. و قد يضل فيعبد الكون ذاته بدلا من أنه يعبد الله .. و لكنه في كلتا حالتيه "يؤخذ بروعة الكون" لأن في فطرته أن يؤخذ بالجمال و الروعة و الجلال . و في كلتا حالتيه تكون هذه الروعة عنصرا من عناصر الدين .
" و يروعه "الموت" .. فهو بالنسبة إليه حدث ضخم هائل مروع .. يفجؤه .. يراه يقع أمامه .. فيرتاع .. و تصيبه هزة عميقة تهزه من أعماقه .. و قد يهتدي الإنسان في هزته تلك إلى الله .. و قد يضل فيحسب أن الطبيعة أو الدهر أو ما شابهها هي التي تسلب الكائن الحياة .. أو يتصور "الموت" ذاته إلها في مقابل إله الحياة .. و لكنه في كلتا حالتيه يروعه الموت .. و يقوده إلى الدين .


" و تروعه "الأحداث" .. أي حدوث الأشياء .. كيف تحدث ؟ بأي قوة عجيبة قادرة منشئة مبدعة ؟ الميلاد و الموت .. الصحة و المرض .. القوة و الضعف .. الرزق و المكانة .. الذهاب و المجيء .. و شتى الأحداث التي تصيب الإنسان في حياته أو يراها تقع أمام ناظريه .. من الذي يحدثها ؟ و كيف يحدثها ؟ .. و قد يهتدي الإنسان إلى الخالق الحق .. أو يتصور آلهة شتى تدبر الكون و تحدث الأشياء و الأحداث .. و لكنه في كلتا حالتيه يؤخذ "بحدوث" الأشياء .. و يقوده ذلك إلى الدين " اهـ ( بتصرف شديد من "دراسات في النفس الإنسانية" لمحمد قطب )
هذه التوقيعات الكونية على الحس البشري توقظ الفطرة و توجهها إلى الخالق .. فالتوجه إلى "الله" يجده الإنسان في نفسه سواء كان مهتديا أو ضالا ..
ثم إن الإنسان تلح عليه فطرته –إلحاحا- لأن يجد تفسيرا لما يجده في نفسه من الحقيقة الإلهية التي ملأت عليه أقطار نفسه ؛ بعبارة أخرى : الحاجة إلى تفسير هذا الوجود و ارتباطاته حاجة فطرية ملحة .. و نلمس هذه الحقيقة فيما يقصه علينا الله – سبحانه – عن سيدنا إبراهيم – عليه السلام – فقال تعالى : { و إذ قال إبراهيم لأبيه آزر : أتتخذ أصناما آلهة ؟ إني أراك و قومك في ضلال مبين ، و كذلك نري إبراهيم ملكوت السموات و الأرض و ليكون من الموقنين ، فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لا أحب الآفلين ، فلما رأى القمر بازغا قال : هذا ربي ، فلما أفل قال : لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين ، فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي ، هذا أكبر فلما أفلت قال : يا قوم إني بريء مما تشركون ، أني وجهت وجهي للذي فطر السموات و الأرض حنيفا و ما أنا من المشركين . و حاجه قومه ، قال : أتحاجوني في الله و قد هدان ؟ و لا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ، وسع ربي كل شيء علما ، أفلا تتذكرون }الأنعام


يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - :


" إنها تجربة شعورية إيمانية كاملة تبدأ "بالتصادم" بين الحق الكامن في الفطرة و بين التصورات الباطلة ، و البحث عن هذا الحق في عدة مشاهدات و تلمسات ، و الإحساس كذلك بعدم التطابق بين النتائج و الحق الكامن .. ثم "الرؤية" الواضحة بعد ذلك و الانطلاق مع الحق النابض " (182)
فالإنسان يؤمن بما لا تدركه حواسه ، ثم يحاول تفسيره أو تصوره في صورة تدركها الحواس ..
بيد أن الإنسان يعجز عن تفسير ذلك ، طالما استغنى عن الوحي "بعقله" أو "بعلمه" و هذا الذي نلمسه في قول خليل الرحمن – عليه السلام – { لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين } الأنعام ..


و في هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله - : " الأنبياء جاءوا بما تعجز العقول عن معرفته ، و لم يجيئوا بما تعلم العقول بطلانه ، فهم يخبرون بمحارات العقول لا بمحالات العقول " اهـ


ثم إن هذا التدين الفطري ليس مقتصرا – أو وقفا – على مرحلة معينة – كما يتوهم "أوغست كونت"- ، فهو ثابت ثبات الفطرة الإنسانية، دائم ما دامت الحياة البشرية إلى أن يرث الله الأرض و من عليها ..


يقول سيد – رحمه الله – في "الخصائص" فصل "الثبات" :


" والقيمة الكبرى لهذه الخاصية – ألا و هي خاصية الثبات - هي تثبيت الأصل الذي يقوم عليه شعور المسلم وتصوره ، فتقوم عليه الحياة الإسلامية والمجتمع الإسلامي في استقرار وثبات . مع إطلاق الحرية للنمو الطبيعي في الأفكار والمشاعر ، وفى الأنظمة والأوضاع . فلا تتجمد في قالب حديدي ميت – كالذي أرادته الكنيسة في العصور الوسطى – ولا تنفلت كذلك من كل ضابط انفلات النجم الهالك من مداره وفلكه ‍وانفلات القطيع الشارد في المهلكة المقطوعة كما صنعت أوربا في تاريخها الحديث ، حتى انتهت إلى ذلك التفكير الماركسي الشائه .
" ولعل هذه الخاصية هي التي ضمنت للمجتمع الإسلامي تماسكه وقوته مدى ألف عام . على الرغم من جميع الهزات ، ومن جميع الضربات ، ومن جميع الهجمات الوحشية عليه من أعدائه المحيطين به في كل مكان .. ولم يبدأ تفككه وضعفه إلا منذ أن تخلى عن هذه الخاصية في تصوره ، وإلا منذ أن أفلح في تنحيه التوجيه الإسلامي ، وإحلال التوجيهات الغربية مكانه في العالم الإسلامي


" ومما لاشك فيه أن المجتمع الذي يجرى دائما وراء تصورات متقلبة أبدا ، لا تستند إلى أصل ثابت إطلاقا ، تنبع من الفكر البشرى المحدود المعرفة ، الظني المعرفة كذلك ، الذي يبنى عمله – مهما علم – على الظن والحدس و الخرص ، والفروض المتقلبة أبدا .. ثم يجعل من هذا العلم الظني "إلها" ، أو يجعل من الهوى المتقلب "إلها" ، يتلقى منه التصورات والقيم والموازين .ما لا شك فيه أن مجتمعا" كهذا معرض دائما" للهزات العنيفة ، والأرجحة المستمرة ، التي تنشئ في عقله الحيرة ، و في ضميره البلبلة ، وفى أعصابه التعب ، وفى حياته الشرود ، وفى كيانه الفساد .
" وهذا هو الذي حدث في المجتمعات الأوربية المنفلتة من كل أصل ثابت . وهذا الذي تشقى به البشرية كلها اليوم . وهى تخبط فى التيه ، وراء المجتمعات الأوربية الشاردة " اهـ كلام سيد .


من أجل ذلك كان الإسلام هو الدين الوحيد الذي يتوافق مع فطرة الإنسان ويلبي له دوافعه الفطرية ، و يحقق له السعادة في الدنيا و الآخرة ، فهو – أي الإسلام – لم يكبل الإنسان بأغلال تشل حركته بحجة " الثبات " ، كما لم يدعه ويطلق له العنان و يسلس له القياد بحجة التطور .. كلا .. يوضحه :
إذا كانت للإنسان فطرة ثابتة فما تفسير التغير الدائم في حياة البشرية الذي يصل من أقصى اليمين إلى أقصى الشمال ، و الذي لا تتماثل فيه حالتان من حالات الإنسان ، و إن تشابهتا تشابها شديدا في بعض الأحيان ؟


تفسير ذلك هو المرونة .. و تعدد الجوانب اللتين فطر الله سبحانه – فاطر السموات و الأرض – عليهما الإنسان ..
" المرونة التي مكنت الإنسان أن يواجه البيئة المادية في جميع ظروفها و حالاتها، فيسيطر عليها في النهاية على نحو من الأنحاء { وسخر لكم ما في السموات و ما في الأرض جميعا منه } الجاثية 13. و لا يفنى و لا يدول حين تواجهه الصعاب ..
" و تعدد الجوانب الذي تتمثل فيه عبقرية الإنسان ، و الذي أتاح له أن ينشئ الحضارات المختلفة ، و أن يجعل هذه الحضارات شاملة لنشاط الروح و نشاط الفكر و نشاط الجسد .. شاملة للجوانب الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية و المادية و الفكرية و الروحية ..
" هذه المزية و تلك – و كلتاهما موهوبتان للإنسان ليعطياه إيجابية و حيوية فاعلة – تردهما التفسيرات المنحرفة الزائغة إلى سلبية بغيضة تتأثر بالأحداث من الخارج ، و لا تؤثر هي من الداخل في الأحداث .. " (183)


ثم إن أوغست كونت يزعم زعما آخر حينما يدعي أن هذه المرحلة الأولى – و هي المرحلة اللاهوتية – قد خضعت هي الأخرى إلى تطورات ثلاث !
فهما حالتان تطوريتان اثنتان :
الحالة الأولى: هي تطور إنساني عام في خط حياة البشرية ، يحتل الدين فيها المنزلة الأولى لأنه هو الذي يسود ويظلل البشرية .. و هذه الحالة – في نظر كونت – تمثل مرحلة الطفولة ! ..


أما الحالة الثانية : فهي تطور خاص بالمرحلة اللاهوتية نفسها ؛ حيث تخضع لتدرجات ثلاث ، كل درجة تختلف عن الأخرى و تتميز عنها إلا في الدرجة الثالثة ، حيث تمثل هذه الأخيرة قمة المرحلة اللاهوتية إذ يشكل التوحيد "نهاية التاريخ" بالنسبة للمرحلة اللاهوتية .. فقد زعم "كُونْت" أن الحالة اللاهوتية قد بَلَغَتْ قِمَّتها في المسيحية الكاثوليكية ، التي تُعلِّلُ بها أو تُفَسَّرُ كلُّ الظواهر الطبيعية الفائقة ، إذ تَجْعَلُها آثاراً لشيءٍ واحد ، يتمثل بفكرة إلهٍ واحد ، يُدبّر كلَّ شيءٍ بإرادته ، ويتصرَّف فيه بقدرته .


و الحق أن هذا التخليط الذي يتخبط فيه "كونت" هو – عينه – ما يطلق عليه في علم الأديان المقارن – بـ "تطور العقيدة" أو العقائد ! .. و قد وقع في هذا المنزلق – للأسف الشديد – كثير من المفكرين و الكتاب المسلمين من أساطين الفكر و الأدب الكبار ! ..
يقول فضيلة الشيخ الدكتور عمر سليمان الأشقر – حفظه الله و رعاه – في كتابه القيم "العقيدة في الله" ص 244 :
" و مع الأسف فقد سرت هذه النظرية إلى كثير من الكتاب، و اعتنقها جملة من الدارسين، و الذي أوقع هؤلاء في هذا الخطأ أمور :
الأول : أنهم قدروا أن الإنسان الأول خلق خلقا ناقصا غير مؤهل لأن يتلقى الحقائق العظمى كاملة . بل إن تصوراتهم عن الإنسان الأول تجعله أقرب إلى الحيوان منه إلى الإنسان .


الثاني : أنهم ظنوا أن الإنسان اهتدى إلى العقيدة بنفسه بدون معلم يعلمه و مرشد يوضح له . فما دام الأمر كذلك فلا بد أن يترقى في معرفته بالله كما ترقى في العلوم و الصناعات .
الثالث : أنهم عندما بحثوا في الأديان ليتبينوا تاريخها لم يجدوا أمامهم إلا تلك الأديان المحرفة أو الضالة فجعلوها ميدان بحثهم ، فأخضعوها للدراسة و التمحيص ، و أنى لهم أن يعرفوا الحقيقة من تلك الأديان التي تمثل انحراف الإنسان في فهم العقيدة . " اهـ كلام الأشقر
و للأستاذ سيد قطب – رحمه الله – كلام رائع حول هذه المسألة لا بأس أن نقتطف فقرات منه تزيد هذا الأمر تجلية و وضوحا.. قال في "الظلال" :
" وهذه الحقيقة . . حقيقة أن أول عقيدة عرفت في الأرض هي الإسلام القائم على توحيد الدينونة والربوبية والقوامة لله وحده . . تقودنا إلى رفض كل ما يخبط فيه من يسمونهم "علماء الأديان المقارنة " وغيرهم من التطوريين الذين يتحدثون عن التوحيد بوصفه طورا متأخرا من أطوار العقيدة . سبقته أطوار شتى من التعدد والتثنية للآلهة . ومن تأليه القوى الطبيعية وتأليه الأرواح ، وتأليه الشموس والكواكب . . إلى آخر ما تخبط فيه هذه "البحوث" التي تقوم ابتداء على منهج موجه بعوامل تاريخية ونفسية وسياسية معينة ؛ يهدف إلى تحطيم قاعدة الأديان السماوية والوحي الإلهي والرسالات من عند الله وإثبات أن الأديان من صنع البشر ؛ وأنها من ثم تطورت بتطور الفكر البشري على مدار الزمان !


وينزلق بعض من يكتبون عن الإسلام مدافعين ؛ فيتابعون تلك النظريات التي يقررها الباحثون في تاريخ الأديان - وفق ذلك المنهج الموجه ! - من حيث لا يشعرون ! وبينما هم يدافعون عن الإسلام متحمسين يحطمون أصل الاعتقاد الإسلامي الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم . حين يقرر أن آدم - عليه السلام - هبط إلى الأرض بعقيدة الإسلام . وأن نوحا - عليه السلام - واجه ذراري آدم الذين اجتالهم الشيطان عن الإسلام إلى الجاهلية الوثنية بذلك الإسلام نفسه . . القائم على التوحيد المطلق . . وأن الدورة تجددت بعد نوح فخرج الناس من الإسلام إلى الجاهلية ؛ وأن الرسل جميعا أرسلوا بعد ذلك بالإسلام . . القائم على التوحيد المطلق . . وأنه لم يكن قط تطور في العقيدة السماوية في أصل الاعتقاد - إنما كان الترقي والتركيب والتوسع في الشرائع المصاحبة للعقيدة الواحدة [ لشيخ الإسلام ابن تيمية رسالة جد قيمة حول هذه النقطة – بالذات - قمين بكل باحث إسلامي أن ينظر فيها و هي بعنوان "توحد الملة و تعدد الشرائع" تحقيق الأستاذ عبد الله حجاج ] - وأن ملاحظة ذلك التطور في العقائد الجاهلية لا يدل على أن الناس صاروا إلى التوحيد بناء على تطور في أصل العقيدة . إنما يدل على أن عقيدة التوحيد على يد كل رسول كانت تترك رواسب في الأجيال التالية - حتى بعد انحراف الأجيال عنها - ترقي عقائدهم الجاهلية ذاتها ؛ حتى تصير أقرب إلى أصل التوحيد الرباني . أما عقيدة التوحيد في أصلها فهي أقدم في تاريخ البشرية من العقائد الوثنية جميعا ! وقد وجدت هكذا كاملة منذ وجدت ، لأنها ليست نابعة من أفكار البشر ومعلوماتهم المترقية ؛ إنما هي آتية لهم من عند الله سبحانه . فهي حق منذ اللحظة الأولى ، وهي كاملة منذ اللحظة الأولى . .
هذا ما يقرره القرآن الكريم ؛ ويقوم عليه التصور الإسلامي . فلا مجال - إذن - لباحث مسلم - وبخاصة إذا كان يدافع عن الإسلام ! - أن يعدل عن هذا الذي يقرره القرآن الكريم في وضوح حاسم ، إلى شيء مما تخبط فيه نظريات علم الأديان المقارنة . تلك النظريات النابعة من منهج موجه كما أسلفنا ! " اهـ الظلال 1882 ج 4 .
ويقدم لنا الأستاذ سيد نموذجا واحدا من الذين وقعوا في هذا المنزلق الوعر ، و هو الأستاذ الكبير – بحق – عباس محمود العقاد – رحمه الله – في كتابه "الله" .. فبعد أن ينقل سيد كثيرا مما ذهب إليه العقاد يستطرد قائلا :


" وواضح سواء من رأي الكاتب نفسه أو مما نقله ملخصا من آراء علماء الدين المقارن أن البشر هم الذين ينشئون عقائدهم بأنفسهم ؛ ومن ثم تظهر فيها أطوارهم العقلية والعلمية والحضارية والسياسية . وأن التطور من التعدد إلى التثنية إلى التوحيد تطور زمني مطرد على الإجمال ..
وهذا واضح من الجملة الأولى في تقديم المؤلف لكتابه:"موضوع هذا الكتاب نشأة العقيدة الإلهية ، منذ أن اتخذ الإنسان ربا ، إلى أن عرف الله الأحد ، واهتدى إلى نزاهة التوحيد" ...


والذي لا شك فيه أن الله سبحانه يقرر في كتابه الكريم ، تقريرا واضحا جازما ، شيئا آخر غير ما يقرره صاحب كتاب:"الله" متأثرا فيه بمنهج علماء الأديان المقارنة . . وأن الذي يقرره الله - سبحانه - أن آدم و هو أول البشر عرف حقيقة التوحيد كاملة ** وهو أول البشر عرف حقيقة التوحيد كاملة ، وعرف نزاهة التوحيد غير مشوبة بشائبة من التعدد والتثنية ، وعرف الدينونة لله وحده بإتباع ما يتلقى منه وحده . وأنه عرف بنيه بهذه العقيدة ، فكانت هنالك أجيال في أقدم تاريخ البشرية لا تعرف إلا الإسلام دينا ، وإلا التوحيد عقيدة . . وأنه لما طال الأمد على الأجيال المتتابعة من ذرية آدم انحرفت عن التوحيد . . ربما إلى التثنية وربما إلى التعدد . . ودانت لشتى الأرباب الزائفة . . . حتى جاءها نوح عليه السلام بالتوحيد من جديد . وأن الذين بقوا على الجاهلية أغرقهم الطوفان جميعا ؛ ولم ينج إلا المسلمون الموحدون الذين يعرفون "نزاهة التوحيد" وينكرون التعدد والتثنية وسائر الأرباب والعبادات الجاهلية ! ولنا أن نجزم أن أجيالا من ذراري هؤلاء الناجين عاشت كذلك بالإسلام القائم على التوحيد المطلق . قبل أن يطول عليهم الأمد ، ويعودوا إلى الانحراف عن التوحيد من جديد . . وأنه هكذا كان شأن كل رسول: { وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } . .


والذي لاشك فيه أن هذا شيء ، والذي يقرره علماء الأديان المقارنة ويتابعهم فيه مؤلف كتاب:"الله" شيء آخر . وبينهما تقابل تام في منهج النظر وفي النتائج التي ينتهي إليها . . وآراء الباحثين في تاريخ الأديان ليست سوى نظريات يعارض بعضها بعضا ، فهي ليست الكلمة النهاية حتى في مباحث البشر الفانين !
وما من شك أنه حين يقرر الله - سبحانه - أمرا يبينه في كتابه الكريم هذا البيان القاطع ، ويقرر غيره أمرا آخر مغايرا له تمام المغايرة ، فإن قول الله يكون أولى بالاتباع . وبخاصة ممن يدافعون عن الإسلام ؛ ويكتبون ما يكتبون بقصد دفع الشبهات عنه وعن أصل الدين جملة . . وأن هذا الدين لا يخدم بنقض قاعدته الاعتقادية في أن الدين جاء وحيا من عند الله ، ولم يبتدعه البشر من عند أنفسهم ؛ وإنه جاء بالتوحيد منذ أقدم العصور ولم يجيء بغير التوحيد في أية فترة من فترات التاريخ ، ولا في أيه رسالة . كما أنه لا يخدم بترك تقريراته إلى تقريرات علماء الأديان المقارنة وبخاصة حين يعلم أن هؤلاء إنما يعملون وفق منهج موجه لتدمير القاعدة الأساسية لدين الله كله ؛ وهي أنه وحي من الله ، وليس من وحي الفكر البشري المترقي المتطور ! وليس وقفا على ترقي العقل البشري في العلم المادي والخبرة التجريبية !


ولعل هذه اللمحة المختصرة - التي لا نملك الاستطراد فيها في كتاب الظلال - تكشف لنا عن مدى الخطورة في تلقي مفهوماتنا الإسلامية - في أي جانب من جوانبها - عن مصدر غير إسلامي . كما تكشف لنا عن مدى تغلغل مناهج الفكر الغربية ومقرراتها في أذهان الذين يعيشون على هذه المناهج والمقررات ويستقون منها . حتى وهم يتصدون لرد الافتراءات عن الإسلام من أعدائه . . إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم .. " اهـ المرجع السابق
لقد أعلمنا الله سبحانه أنه خلق آدم خلقا مستقلا سويا متكاملا ، ثم نفخ فيه من روحه ، و أسكنه جنته ، و أباح له أن يأكل هو و زوجه منها كيف يشاء إلا شجرة واحدة ، فأغراه عدو الله بالأكل منها و دلاهما بغرور ، فعصى آدم ربه و غوى .. استجاب للإغراء الشيطاني الشديد .. إغراء بالخلود .. و إغراء باستشفاف الغيب .. فأكل من الشجرة التي نهاه ربه عن الأكل منها .. ثم تاب و آب إلى مولاه ، فتاب عليه الله و غفر له و هداه صراطه المستقيم ..و أهبطه إلى الأرض بعد أن وعده – سبحانه – بأن ينزل عليه و على ذريته هداه كي يُعَرِّف الإنسان بربه و منهجه و تشريعه ، و وعده إن هو استجاب بالهداية في الدنيا و السعادة في الأخرى ، و توعد العتاولة المتكبرين في الأرض الذين يفسدون و لا يصلحون .. يفسدون في الأرض بعد إصلاحها .. كما قال تعالى : { قلنا اهبطوا منها جميعا ، فإما يأتينكم مني هدى ، فمن تبع هداي فلا خوف عليهم و لا هم يحزنون ، و الذين كفروا و كذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون } البقرة 39.


هبط آدم – عليه السلام – إلى الأرض ، و أنشأ الله من ذريته أمة كانت على التوحيد الخالص كما قال تعالى : { كان الناس أمة واحدة } أي على التوحيد و الدين الحق ، فاختلفوا { فبعث الله النبيين مبشرين و منذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } البقرة 213. و في حديث أبي أمامة أن رجلا سأل الرسول صلى الله عليه و سلم قال : يا رسول الله : أنبي كان آدم ؟ قال : نعم ، مكلم . قال : فكم بينه و بين نوح ؟ قال : عشرة قرون " رواه أبو حاتم بن حبان في صحيحه . و قال ابن كثير في البداية و النهاية : " هذا على شرط مسلم و لم يخرجه " و في البخاري عن ابن عباس قال : " و كان بين آدم و نوح عشرة قرون كلهم على الإسلام" .. ثم حصل الزيغ و الانحراف ، و كان أول انحراف حدث هو الغلو في تعظيم الصالحين ، و رفعهم إلى مرتبة الآلهة المعبودة .. فأرسل الله الرسل و أنزل الكتب ، فكان أول رسول يرسله الله لهداية البشرية الضالة هو نوح – عليه السلام – ففي حديث الشفاعة الثابت في الصحيحين : " أن الناس يأتون بعد آدم نوحا فيقولون له فيما يقولون : يا نوح ، أنت أول الرسل إلى أهل الأرض ، و سماك الله عبدا شكورا " . فدعا نوح قومه إلى التوحيد الخالص كما قال تعالى : { أعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم } الأعراف 59. و الآيات حول دعوة نوح إلى التوحيد كثيرة .. و استجاب لدعوته – عليه السلام – ضعفاء الناس و تنكر لها السادة و الزعماء و الكبراء أو بتعبير القرآن "الملأ" الذين يظنون في أنفسهم العقل و الذكاء كما قال تعالى : { و ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي } هود 27. اتبعوك بدون تأمل عميق ، و تفكير و نظر و هذا الذي رموهم به هو ما يجب أن يمدحوا به فإن الحق إذا ظهر لا يحتاج إلى نظر ، بل يجب إتباعه .. و طلبوا من نوح – عليه السلام – أن يطرد الضعفاء و المساكين الذي اتبعوه فرفض طلبهم، كما قال تعالى : { و ما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم و لكني أراكم قوما تجهلون } هود 29. و هذه المطالب هي نفس المطالب التي وجهها عتاولة قريش للرسول صلى الله عليه و سلم بخصوص ضعفاء الصحابة كبلال و سلمان و أبا هريرة و أبا ذر و غيرهم رضي الله عنهم .. ثم تطاول الزمن و كثرت المجادلة بينه و بينهم ، فدعا – عليه السلام – عليهم لما تبين له نفورهم منه و إحجامهم عن الإيمان بدعوته كما قال تعالى : { و قال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا إنك إن تذرهم يضلوا عبادك و لا يلدوا إلا فاجرا كفارا }نوح 27. فأهلكهم الله بالطوفان ، و أنجى الله المؤمنين الموحدين ، و خلت الأرض من الظالمين و لم يبق فيها إلا أهل التوحيد الخالص .. و يطول الزمن و يمتد فينحرف الناس مرة أخرى عن التوحيد ، و يرسل الله رسولا آخر كما قال تعالى : { ثم أنشأنا من بعدهم قرنا آخرين فأرسلنا فيهم رسولا منهم } المؤمنون 31. و هكذا استمرت رحمة الله و عنايته ببني آدم كلما ضلوا و زاغوا أنزل الله إليهم هداه يضيء لهم الظلمات كما قال تعالى : { ثم أرسلنا رسلنا تترا كلما جاء أمة رسولها كذبوه فاتبعنا بعضهم بعضا و جعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون } المؤمنون 44. و عند هذه الآية يقول العلامة عبد الرحمن السعدي – رحمه الله - : " وأرسلنا إليهم رسلا متتابعة، لعلهم يؤمنون وينيبون، فلم يزل الكفر والتكذيب دأب الأمم العصاة، والكفرة البغاة، كلما جاء أمة رسولها كذبوه، مع أن كل رسول يأتي من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، بل مجرد دعوة الرسل وشرعهم، يدل على حقيه ما جاءوا به، { فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا } بالهلاك، فلم يبق منهم باقية، وتعطلت مساكنهم من بعدهم { وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ } يتحدث بهم من بعدهم، ويكونون عبرة للمتقين، ونكالا للمكذبين، وخزيا عليهم مقرونا بعذابهم. { فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ } ما أشقاهم" وتعسا لهم، ما أخسر صفقتهم ". اهـ من "تفسير السعدي" .


فما هذا التتابع في إرسال الرسل على مدار التاريخ إلا رحمة من الله بعباده و وفاء بوعده الذي وعد به آدم أبي البشرية، و إعذار منه لخلقه { لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } النساء 165. { و ما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } الإسراء 15. و لقد كان رسل الله من الكثرة الكاثرة حيث لم يبق لأحد أن يدعي أنه لم يجئه رسول يبلغه و ينذره عذاب يوم عظيم كما قال تعالى : { و إن من أمة إلا خلا فيها نذير } فاطر 24. و لهذا يكون يوم القيامة ذلك الاعتراف المدوي كما قال تعالى : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير؟ قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذبنا و قلنا ما نزل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } الملك 9. و هذا ليس سؤال استفهام ، بل هو سؤال توبيخ كما قال ابن الجوزي – رحمه الله - في "زاد المسير" ..


هذا .. و دعوة الرسل جميعا دعوة واحدة من لدن آدم و نوح إلى محمد صلى الله عليهم و سلم .. دعوة إلى التوحيد : تعريف الناس بربهم و معبودهم و بيان طريقة العبادة التي يعبدون بها ربهم كما قال تعالى : { و ما أرسلنا قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون } الأنبياء . و هي دعوة الإسلام و لا دين سواه كما قال تعالى : { و من يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه و هو في الآخرة من الخاسرين } آل عمران 85. فنوح يقول : { و أمرت أن أكون من المسلمين } يونس 72. و قال موسى – عليه السلام - : { إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين } يونس 84. و يقول الخليل – عليه السلام - : { أسلمت لرب العالمين } البقرة 131. و وصى بها بنيه كما قال تعالى : { و وصى بها إبراهيم بنيه و يعقوب : يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا و أنتم مسلمون } البقرة 132. و بلقيس ملكة سبأ تقول : { رب إني ظلمت نفسي و أسلمت مع سليمان لله رب العالمين } النمل 44. ( بتصرف و اختصار شديدين من "العقيدة في الله" للأشقر .
و يلخص لنا الأستاذ سيد قطب هذه الحقيقة بأسلوبه الندي الجذاب ..


يقول – رحمه الله - : ( سورة إبراهيم )


" إننا نقف من هذه القصة ( قصة الرسل مع الجاهلية ) على حقيقة أولية بارزة يقصها علينا الحكيم الخبير .. إن موكب الإيمان منذ فجر التاريخ الإنساني موكب واحد موصول ، يقوده رسل الله الكرام ، داعين بحقيقة واحدة ، جاهرين بدعوة واحدة ، سائرين على منهج واحد .. كلهم يدعو إلى ألوهية واحدة ، وربوبية واحدة ؛ وكلهم لا يدعون مع الله أحدا ، ولا يتوكل على أحد غيره ، ولا يلجأ إلى ملجأ سواه ، ولا يعرف له سندا إلا إياه .
وأمر الاعتقاد في الله الواحد - إذن - ليس كما يزعم "علماء الدين المقارن" أنه تطور وترقي من التعديد إلى التثنية إلى التوحيد ؛ ومن عبادة الطواطم والأرواح والنجوم والكواكب إلى عبادة الله الواحد ؛ وأنه تطور وترقى كذلك بتطور وترقي التجربة البشرية والعلم البشري ، وبتطور وترقي الأنظمة السياسية وانتهائها إلى الأوضاع الموحدة تحت سلطان واحد ...
" إن الاعتقاد في الله الواحد جاءت به الرسالات منذ فجر التاريخ ؛ ولم تتغير هذه الحقيقة ولم تتبدل في رسالة واحدة من الرسالات ؛ ولا في دين واحد من الأديان السماوية . كما يقص علينا الحكيم الخبير .
" ولو قال أولئك "العلماء":إن قابلية البشرية لعقيدة التوحيد التي جاء بها الرسل كانت تترقى من عهد رسول إلى عهد رسول ؛ وإن الوثنيات الجاهلية كانت تتأثر بعقائد التوحيد المتوالية التي كان موكب الرسل الكرام يواجه بها هذه الوثنيات حينا بعد حين . حتى جاء زمان كانت عقيدة التوحيد أكثر قبولا لدى جماهير الناس مما كانت ، بفعل توالي رسالات التوحيد ؛ وبفعل العوامل الأخرى التي يفردونها بالتأثير . . . لو قال أولئك "العلماء" قولا كهذا لساغ . . ولكنهم إنما يتأثرون بمنهج في البحث يقوم ابتداء على قاعدة من العداء الدفين القديم للكنيسة في أوربا - حتى ولو لم يلحظه العلماء المعاصرون ! - ومن الرغبة الخفية - الواعية أو غير الواعية - في تحطيم المنهج الديني في التفكير ؛ وإثبات أن الدين لم يكن قط وحيا من عند الله ؛ إنما كان اجتهادا من البشر ، ينطبق عليه ما ينطبق على تطورهم في التفكير والتجربة والمعرفة العلمية سواء بسواء . . ومن ذلك العداء القديم ومن هذه الرغبة الخفية ينبثق منهج علم الأديان المقارن ؛ ويسمى مع ذلك "علما" ينخدع به الكثيرون !
" وإذا جاز أن يخدع أحد بمثل هذا "العلم" فإنه لا ينبغي لمسلم يؤمن بدينه ، ويحترم منهج هذا الدين في تقرير مثل هذه الحقيقة أن يخدع لحظة واحدة ؛ وأن يدلي بقول يصطدم اصطداما مباشرا مع مقررات دينه ، ومع منهجه الواضح في هذا الشأن الخطير . .
هذا الموكب الكريم من الرسل واجه البشرية الضالة - إذن - بدعوة واحدة ، وعقيدة واحدة . وكذلك واجهت الجاهلية ذلك الموكب الكريم ، وهذه الدعوة الواحدة بالعقيدة الواحدة ، مواجهة واحدة - كما يعرضها السياق القرآني مغضيا عن الزمان والمكان ، مبرزا للحقيقة الواحدة الموصولة من وراء الزمان والمكان - وكما أن دعوة الرسل لم تتبدل ، فكذلك مواجهة الجاهلية لم تتبدل !
" إنها حقيقة تستوقف النظر حقا ! . . إن الجاهلية هي الجاهلية على مدار الزمان . . إن الجاهلية ليست فترة تاريخية ؛ ولكنها وضع اعتقاد وتصور وتجمع عضوي على أساس هذه المقومات .. " اهـ من "الظلال" 2100.


هل هذا الرجل يقتل ؟ !


اللهم ارحم سيد قطب و أكرم نزله و وسع مدخله و أبدله دارا خيرا من داره و زوجا خيرا من زوجه .. اللهم آمين
و يقول في موضع آخر : ( سورة الأعراف )
" و في ضوء هذا التقرير ( تقرير أن دعوة الرسل واحدة ) يتبين مدى مفارقة منهج "الأديان المقارنة" مع المنهج القرآني .. يتبين أنه لم يكن هناك تدرج و لا "تطور" في مفهوم العقيدة الأساسي ، الذي جاءت به الرسل كلها من عند الله ، و أن الذين يتحدثون عن "تطور" المعتقدات و تدرجها ؛ و يدمجون العقيدة الربانية في هذا التدرج و "التطور" يقولون غير ما يقوله الله سبحانه ! فهذه العقيدة – كما نرى في القرآن الكريم – جاءت دائما بحقيقة واحدة . و حكيت العبارة عنها في ألفاظ بعينها : { يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } و هذا الإله الذي دعا الرسل كلهم إليه هو رب العالمين .. الذي يحاسب الناس في يوم عظيم .. فلم يكن هنالك رسول من عند الله دعا إلى رب قبيلة ، أو رب أمة ، أو رب جنس .. كما أنه لم يكن هناك رسول من عند الله دعا إلى عبادة طوطمية ، أو نجمية ، أو "أرواحية" ، أو صنمية ! و لم يكن هناك دين من عند الله ليس فيه عالم آخر .. كما يزعم من يسمونهم "علماء الأديان" و هم يستعرضون الجاهليات المختلفة ، ثم يزعمون أن معتقداتها كانت هي الديانات التي عرفتها البشرية في هذه الأزمان ، دون غيرها !


" لقد جاءت الرسل – رسولا بعد رسول – بالتوحيد الخالص ، و بربوبية رب العالمين ! و بالحساب في يوم الدين .. و لكن الانحرافات في خط الاعتقاد ، مع الجاهليات الطارئة بعد كل رسالة ، بفعل العوامل المعقدة المتشابكة في تكوين الإنسان ذاته و في العوالم التي يتعامل معها .. هذه الانحرافات تمثلت في صور شتى من المعتقدات الجاهلية .. هي هذه التي يدرسها "علماء الأديان" ! ثم يزعمون أنها الخط الصاعد في تدرج الديانات و تطورها ! " اهـ من "الظلال" ص 1304. ج3 دار الشروق
و لهذا – أخي القارئ - فالعقيدة لا تتطور و لا تتدرج ؛ إنما الذي يتطور أو يتدرج – بغض النظر عن التطور أكان من السيئ إلى الحسن أو العكس – هو الشرك بالله ..
أي و الله .. الشرك هو الذي يتخذ صورا شتى .. و أشكالا شتى .. فيتبدى لبعض الناس أن ثمة تطور أو تدرج .. !


جاء في كتاب "الشرك و مظاهره" للشيخ مبارك بن محمد الميلي – رحمه الله – ص 65 :


" و أقسام الشرك ، قد استوفتها آية سبأ . قال تعالى : { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات و لا في الأرض و ما لهم فيها من شرك ، و ما له منهم من ظهير ، و لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } سبأ . فجعلت الآية أقسام الشرك أربعة و نفتها كلها . و لنضع لكل قسم اسما يمتاز به .
الأول : شرك الاحتياز ، فنفى سبحانه أن يكون غيره مالكا لشيء يستقل به ، و لو كان في الحقارة مثقال ذرة في العالم العلوي ، أو العالم السفلي .
الثاني : شرك الشياع ، فنفى سبحانه أن يكون لغيره نصيب يشاركه فيه كيفما كان هذا النصيب في المكان و المكانة .
الثالث : شرك الإعانة ، فنفى جل شأنه أن يكون له ظهير و معين من غير أن يملك معه ، كما يعين أحدنا مالك متاع ، على حمله مثلا ،
الرابع : شرك الشفاعة ، فنفى تعالى أن يوجد من يتقدم بين يديه يدل بجاهه ليخلص أحدا بشفاعته . فهو تعالى لم يقبل من أقسام الشركة حتى أضعفها و أخفاها ، و هي الشركة بالجاه في تحصيل السلامة و النجاة ، إلا بعد الإذن للشفيع ، و تعيين المشفوع له. و حينئذ لا تكون في الشفاعة رائحة الشركة ، بل الشفاعة كغيرها من وجوه النفع ، هي : لله وحده . و لم يخرج عن الآية شيء من أقسام الشركة ، لأن الشريك إما في الملك ، و إما في التصرف . و الأول : إما أن يختار قسطه ، و إما إن يكون على الشياع . و الثاني : إما أن يعين المالك ، و إما أن يعين أحدا عند المالك ، فتلك الأقسام الأربعة مرتبة ترتيبها في الآية . و تلك الأقسام على ظهورها من الآية ، لم أر من أعرب عنها هذا الإعراب .


" و قسم أبو البقاء الحنفي في كلياته الشرك إلى ستة أقسام ، فقال : " و الشرك أنواع : شرك الاستقلال ، و هو إثبات شريكين مستقلين ، كشرك المجوس . و شرك التبعيض ، و هو تركيب الإله من آلهة كشرك النصارى. و شرك التقريب ، و هو عبادة غير الله ليقرب إلى الله زلفى ، كشرك متقدمي الجاهلية . و شرك التقليد ، و هو عبادة غير الله تبعا للغير ، كشرك متأخري الجاهلية . و شرك الأسباب ، و هو إسناد التأثير للأسباب العادية ، كشرك الفلاسفة و الطبائعيين ، و من تبعهم على ذلك . و شرك الأغراض ، و هو العمل لغير الله .
" فحكم الأربعة الأول الكفر بإجماع . و حكم السادس المعصية من غير كفر بإجماع . و حكم الخامس ، التفصيل فمن قال في الأسباب العادية أنها تؤثر بطبعها فقد حكى الإجماع على كفره ، و من قال إنها تؤثر بقوة أودعها الله فيها فهو فاسق " .. ( ص 216 ) .
" و هذه الأقسام متفاوتة قوة و ضعفا ، و لكنها متحدة في الحكم عليها بالكفر إذا استثنينا أحد وجهي النوع الخامس . أما السادس فقد أخرجه أيضا أبو البقاء و حقه التفصيل كالذي قبله ، فإن العمل لغير الله ، إما نفاقا أو رياء . و الأول ( أي : النفاق ) كفر اتفاقا [ جزى الله الشيخ الميلي على هذا التنبيه ] ، و الثاني ( أي : الرياء ) معصية من غير كفر إجماعا . و لكن ما خرج من هذه الوجوه عن حكم الكفر ، فإنه ذريعة إليه ، و لهذا تناوله لفظ الشرك كبقية الأقسام . " أهـ كلام الشيخ الميلي
فالشرك يتخذ له صور شتى و مظاهر شتى ، و يتدسس في دروب النفس البشرية ، و يتسلل عبر الثغرات التي تخلفها الغفلة و النسيان ، و لذلك كان من الدعاء " اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك شيئا أعلمه ، و أستغفرك لما لا أعلمه " ..


بيد أن ثمة مسألة أخرى في أمر الشرك إن لم تكن مسألة المسائل ..!


إنها "عبادة الأصنام" هي التي يتخذها علماء الأديان المقارنة ميدانا للفروسية .. عفوا .. ميدانا للمناقشة و الأخذ و الرد ..
و لنطرح السؤال مباشرة بلا لف و لا دوران ..
هل تتطور أو تتدرج أشكال الأصنام ؟ .. هل الأصنام في عهد نوح – عليه السلام – هي الأصنام في عهد إبراهيم أو موسى أو عيسى عليهم صلوات الله و سلامه ؟
ماذا دس "جرجي زيدان" و "فيليب حتي" في المناهج التعليمية التي ربيت عليها الأجيال المعاصرة ؟ .. من أين خرجت كل هذه الحشود العلمانية من صبيان زويمر و فروخ ماسنيون ؟ !


يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله - :


" إن عبادة الأصنام التي دعا إبراهيم - عليه السلام - ربه أن يجنبه هو وبنيه إياها ، لا تتمثل فقط في تلك الصورة الساذجة التي كان يزاولها العرب في جاهليتهم ، أو التي كانت تزاولها شتى الوثنيات في صور شتى ، مجسمة في أحجار أو أشجار ، أو حيوان أو طير ، أو نجم أو نار ، أو أرواح أو أشباح .
إن هذه الصور الساذجة كلها لا تستغرق كل صور الشرك بالله ، ولا تستغرق كل صور العبادة للأصنام من دون الله . والوقوف بمدلول الشرك عند هذه الصور الساذجة يمنعنا من رؤية صور الشرك الأخرى التي لا نهاية لها ؛ ويمنعنا من الرؤية الصحيحة لحقيقة ما يعتور البشرية من صور الشرك والجاهلية الجديدة !
ولا بد من التعمق في إدراك طبيعة الشرك وعلاقة الأصنام بها ؛ كما أنه لا بد من التعمق في معنى الأصنام ، وتمثل صورها المتجددة مع الجاهليات المستحدثة !
إن الشرك بالله - المخالف لشهادة أن لا إله إلا الله - يتمثل في كل وضع وفي كل حالة لا تكون فيها الدينونة في كل شأن من شؤون الحياة خالصة لله وحده . ويكفي أن يدين العبد لله في جوانب من حياته ، بينما هو يدين في جوانب أخرى لغير الله ، حتى تتحقق صورة الشرك وحقيقته . . وتقديم الشعائر ليس إلا صورة واحدة من صور الدينونة الكثيرة . . والأمثلة الحاضرة في حياة البشر اليوم تعطينا المثال الواقعي للشرك في أعماق طبيعته . . إن العبد الذي يتوجه لله بالاعتقاد في ألوهيته وحده ؛ ثم يدين لله في الوضوء والطهارة والصلاة والصوم والحج وسائر الشعائر . بينما هو في الوقت ذاته يدين في حياته الاقتصادية و السياسية والاجتماعية
لشرائع من عند غير الله . ويدين في قيمه وموازينه الاجتماعية لتصورات واصطلاحات من صنع غير الله . ويدين في أخلاقه وتقاليده وعاداته وأزيائه لأرباب من البشر تفرض عليه هذه الأخلاق والتقاليد والعادات والأزياء - مخالفة لشرع الله وأمره - إن هذا العبد يزاول الشرك في أخص حقيقته ؛ ويخالف عن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله في أخص حقيقتها .. وهذا ما يغفل عنه الناس اليوم فيزاولونه في ترخص وتميع ، وهم لايحسبونه الشرك الذي كان يزاوله المشركون في كل زمان ومكان !
والأصنام . . ليس من الضروري أن تتمثل في تلك الصور الأولية الساذجة .. فالأصنام ليست سوى شعارات للطاغوت ، يتخفى وراءها لتعبيد الناس باسمها ، وضمان دينونتهم له من خلالها ..
إن الصنم لم يكن ينطق أو يسمع أو يبصر .. إنما كان السادن أو الكاهن أو الحاكم يقوم من ورائها ؛ يتمتم حولها بالتعاويذ والرقي .. ثم ينطق باسمها بما يريد هو أن ينطق لتعبيد الجماهير وتذليلها !
فإذا رفعت في أي أرض وفي أي وقت شعارات ينطق باسمها الحكام والكهان ، ويقررون باسمها ما لم يأذن به الله من الشرائع والقوانين والقيم والموازين والتصرفات والأعمال . . . فهذه هي الأصنام في طبيعتها وحقيقتها ووظيفتها !


إذا رفعت "القومية " شعارا ، أو رفع "الوطن" شعارا ، أو رفع "الشعب" شعارا ، أو رفعت "الطبقة " شعارا . . . ثم أريد الناس على عبادة هذه الشعارات من دون الله ؛ وعلى التضحية لها بالنفوس والأموال والأخلاق والأعراض . بحيث كلما تعارضت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعليماته مع مطالب تلك الشعارات ومقتضياتها ، نحيت شريعة الله وقوانينه وتوجيهاته وتعاليمه ، ونفذت إرادة تلك الشعارات - أو بالتعبير الصحيح الدقيق:إرادة الطواغيت الواقفة وراء هذه الشعارات - كانت هذه هي عبادة الأصنام من دون الله . . فالصنم ليس من الضروري أن يتمثل في حجر أو خشبة ؛ ولقد يكون الصنم مذهبا أو شعارا !
إن الإسلام لم يجيء لمجرد تحطيم الأصنام الحجرية والخشبية ! ولم تبذل فيه تلك الجهود الموصولة ، من موكب الرسل الموصول ؛ ولم تقدم من أجله تلك التضحيات الجسام وتلك العذابات والآلام ، لمجرد تحطيم الأصنام من الأحجار والأخشاب !
إنما جاء الإسلام ليقيم مفرق الطريق بين الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن ؛ وبين الدينونة لغيره في كل هيئة وفي كل صورة . . ولا بد من تتبع الهيئات والصور في كل وضع وفي كل وقت لإدراك طبيعة الأنظمة والمناهج القائمة ، وتقرير ما إذا كانت توحيدا أم شركا ؟ دينونة لله وحده أم دينونة لشتى الطواغيت والأرباب والأصنام ! " أهـ ظ / 2114.


ثم إن "أوغست كونت" رغم كل هذا التخليط الذي يتخبط فيه راح يلغي دور العقل و دور العلم في هذه المرحلة ! .. المرحلة اللاهوتية التي يصفها بمرحلة الطفولة .. و هذا الزعم يتقاسمه كثير من المتهوكين المتعالمين ، خاصة في عصرنا هذا ، و هو الزعم الذي يدّعي صاحبوه أن " الوحي يلغي العقل و يطمس نوره ، و يورثه البلادة و الخمول ، و هذا زعم كاذب ، ليس له من الصحة نصيب ، فالوحي الإلهي وجه العقول إلى النظر في الكون و التدبر فيه ، و حث الإنسان على استعمار هذه الأرض ، و استثمارها ، و في مجال العلوم المنزلة من الله وظيفة العقل أن ينظر فيها ليستوثق من صحة نسبتها إلى الله تعالى ، فإن تبين له صحة ذلك فعليه أن يستوعب وحي الله إليه ، و يستخدم العقل الذي وهبه الله إياه في فهم و تدبر الوحي ، ثم يجتهد في التطبيق و التنفيذ . و الوحي مع العقل كنور الشمس أو الضوء مع العين، فإذا حجب الوحي عن العقل لم ينتفع الإنسان بعقله ، كما أن المبصر لا ينتفع بعينيه إذا عاش في ظلمة ، فإذا أشرقت الشمس و انتشر ضوءها انتفع بناظريه ، و كذلك أصحاب العقول إذا أشرق الوحي على عقولهم و قلوبهم أبصرت و اهتدت { فإنها لا تعمى الأبصار و لكن تعمى القلوب التي في الصدور " . (184)
يقول الأستاذ عباس محمود العقاد – رحمه الله - :
" إن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير و يدرك الحقائق و يميز بين الأمور و يوازن بين الأضداد و يتبصر و يتدبر و يحسن الادكار و الرواية ، و إنه هو العقل الذي يقابله الجمود و العنت و الضلال و ليس العقل الذي قصاراه من الإدراك أنه يقابل الجنون ، فإن الجنون يسقط التكليف في جميع الأديان و الشرائع و في كل عرف و سنّة ، و لكن الجمود و العنت و الضلال غير مسقطة للتكليف في الإسلام و ليس لأحد أن يعتذر كما يعتذر للمجنون بجنونه فإنها لا تدفع الملامة و لا تمنع المؤاخذة بالتقصير ..... " (185)
و لذلك قال تعالى : { قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون ؟ إنما يتذكر أولو الألباب } الزمر 9.
يقول سيد – رحمه الله - : " فصاحب "اللب" هو الذي يتذكر فلا ينسى ، و يتنبه فلا يغفل ، و يعتبر فلا يلج في الضلال ، و هذه وظيفة العقل .. وظيفته أن يذكر موحيات الهدى و دلائله ، و أن ينتفع بها فلا يعيش لاهيا غافلا .. " من "الظلال" ص 312 ج1
و يقول أيضا : " و كأنه ليس بين أولي الألباب و إدراك الحق إلا أن يتذكروا .. فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله ، ينبض و يبرز و يتقرر في الألباب .. " المرجع السابق ص 370 ج1 .


و من هنا جاء كل دين من عند الله – و ليس الإسلام فقط – منوها بالعقل و معولا عليه في فهم أمر العقيدة و أمر التبعة و التكليف ..
ففي كتب الأديان الكبرى إشارات صريحة أو مضمونة إلى العقل أو إلى التمييز ، و لكنها تأتي عرضا غير مقصودة ، و قد يلمح فيها القارئ – بعض الأحايين – شيئا من الزراية بالعقل أو التحذير منه لأنه مزلة العقائد و باب من أبواب الدعوة و الإنكار .. !! و هذه الزراية بالعقل و التحذير منه إنما هي من "وضع" المحرفين و المبدلين الذين حرّفوا و بدّلوا دين الله كاليهود و النصارى كما هو منصوص عليه في القرآن الكريم ..
يقول العلامة محمد رشيد رضا :
" تقرأ قاموس الكتاب المقدس ، فلا تجد فيه كلمة "العقل" و لا ما في معناها من أسماء هذه الغريزة البشرية التي فضل بها الإنسان جميع أنواع هذا الجنس الحي كاللب و النهى ، لا لأن هذه المادة لم تذكر في كتب العهدين مطلقا ، بل لأنها لم ترد فيها أساسا لفهم الدين و دلائله و الاعتبار به ، و لا أن الخطاب بالدين موجه إليه ، و قائم به و عليه و كذلك أسماء التفكر و التدبر و النظر في العالم التي هي أعظم وظائف العقل. " اهـ (186)
أما الإسلام فقد حاز فيه العقل مقام التعظيم و التنبيه إلى وجوب العمل به و الرجوع إليه ، بأن جعل إهمال استعماله سبب عذاب الآخرة كما قال تعالى : { قالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } الملك 10.


و الناظر في القرآن الكريم يرى أنه قد تحدث عن العقل و مرادفاته و مشتقاته على الوجه الآتي :
1) العقل و مشتقاته ورد في 49آية قرآنية
2) الفؤاد و مشتقاته ورد في 16آية قرآنية
3) الفكر و مشتقاته ورد في 18آية قرآنية
4) التدبر و مشتقاته ورد في 8آيات قرآنية
5) الفقه و مشتقاته ورد في 20آية قرآنية
6) الفطر بمعنى التدبر و مشتقاته ورد في 45آية قرآنية
7) الألباب و مشتقاته ورد في 30آية قرآنية
8) الحُكم و حِكمه و مشتقاته ورد في 30آية قرآنية
9) النهى ( العقول ) و مشتقاته ورد في 1آية قرآنية


فيكون المجموع ثلاثا و مائتي آية قرآنية تتحدث عن العقل ، و لذا عاب القرآن الكريم "التقليد" في كثير من آياته البيِّنات كما قال تعالى : { و إذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آبائهم لا يعقلون شيئا و لا يهتدون } البقرة 170.
ذلك أن للتقليد و المحاكاة دور جد خطير في تشكيل العقائد و التصورات و سائر الأفكار .. و الذي نلاحظه – كدارسين – أن النقلة بين اللاوعي و بين التقليد لا تبدو بعيدة ، فكلاهما يعمل على إلغاء "العقل" و إخماد جذوته ..


و من هنا تبرز لنا بشكل جلي خطورة التقليد و المحاكاة في أمر العقيدة ، و قديما قال علماءنا أنه : " لا إيمان لمقلد " ، و لذلك فقد أجمع المسلمون على أنه لا يجوز التقليد في مبادئ العقيدة ، و أن من قال إنني أؤمن بالله لأني أرى أهلي جميعا يؤمنون به ، أو لأن البيئة تفرض علي ذلك ، فإن إيمانه ليس بالإيمان الصحيح الذي أراده الله تعالى .. ذلك أن تمسك الإنسان بمبدأ أو سلوك معين بدافع من التقليد المجرد للآخرين يتنافى مع الكرامة الإنسانية التي أعزه الله بها ، كما يتنافى مع حركة "العقل" الطبيعية ، و الله عز و جل إنما تعبد عباده بهذا الدين إعزازا لهم و تكريما لا إهانة و إذلالاً .. و لهذا نجد في القرآن الكريم آيات عديدة تنعي على الذين اتخذوا تقليد الآخرين منهجا لهم في الحياة ، و تنهي المسلمين عن إتباع هذا السبيل .. سبيل تقليد الآخرين دون معرفة أو تقويم لميزان الحق و الباطل في ذلك ..
يقول الله تعالى : { و إذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله و إلى الرسول قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا ، أولو كان آباؤهم لا يعلمون شيئا و لا يهتدون } المائدة 104. و يقول الله تعالى شأنه : { بل قالوا إنا وجدنا آباءنا على امة و إنا على آثارهم مهتدون ، و كذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ، و إنا على آثارهم مقتدون } الزخرف 23.


يقول الشيخ سيد قطب – رحمه الله - :


" و هي قولة تدعو إلى السخرية ، فوق أنها متهافتة لا تستند إلى قوة ، إنما مجرد المحاكاة و محض التقليد بلا تدبر و لا تفكر و لا حجة و لا دليل ، و هي صورة مزرية تشبه صورة القطيع يمشي حيث هو منساق ، و لا يسأل إلى أين يمضي ؟ و لا يعرف معالم الطريق .. و الإسلام رسالة التحرر الفكري و الانطلاق الشعوري لا تقر هذا التقليد المزري و لا تقر محاكاة الآباء و الأجداد اعتزازا بالإثم و الهوى ، فلا بد من سند و لا بد من حجة ، و لا بد من تدبر و تفكير ثم اختيار مبني على "الإدراك" و "اليقين" .. " أهـ سيد . الظلال ص 3182 ج5.
و يقول الأستاذ العقاد – رحمه الله - :
" و إن الإسلام ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه و أجداده كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب و الخطايا من أولئك الآباء و الأجداد ، و إنه لينعي على الذين يستمعون الخطاب أن يعفوا أنفسهم مؤنة "العقل" لأنهم ورثوا من آبائهم و أجدادهم عقيدة لا عقل فيها .. " اهـ (187)
لذلك لم يكن بد أن يعلن الإسلام الحرب على التقليد و المحاكاة بدون هوادة ، و أن يعطي العقل حقه في مقاومة سلطان و سطوة "الآبائية" ، و لا يكتفي بأن يفرض عليه واجب المقاومة ، و إنما يمده بالحجة التي تعينه عليها حيث لا حجة له ( الهاء ضمير يعود على العقل ) بين يديها ..
يقول العلامة محمد رشيد رضا – رحمه الله - :
" ذمهم ( أي المقلدين ) في القرآن من ناحيتين: إحداهما : الجمود على ما كان عليه آباؤهم و الاكتفاء به عن الترقي في العلم و العمل ، و ليس هذا من شأن الإنسان الحي العاقل ، فإن الحياة تقتضي النمو و التوليد و العقل يطلب المزيد و التجديد .. الثانية : أنهم بإتباعهم لآبائهم قد فقدوا مزية البشر في التمييز بين الحق و الباطل و الخير و الشر و الحسن و القبيح بطريق العقل و العلم و طريق الاهتداء في العمل .. " اهـ (188)
و لقد كان التقليد و المحاكاة بلا تدبر و لا تفكر من أسهل المطايا التي يستخدمها أصحاب السلطان لاستعباد الشعوب و استذلالها بحجة المحافظة على المألوف و الموروث ، كما قال تعالى : { قال موسى : أتقولون للحق لمّا جاءكم أسحر هذا و لا يفلح الساحرون ، قالوا أجئتنا لتلفتنا عمّا وجدنا عليه آباءنا و تكون لكما الكبرياء في الأرض و ما نحن لكما بمؤمنين } يونس 78.


يقول الأستاذ سيد قطب – رحمه الله – عند هذه الآية :


" وإذن فهو الخوف من تحطيم معتقداتهم الموروثة ، التي يقوم عليها نظامهم السياسي والاقتصادي . وهو الخوف على السلطان في الأرض ، هذا السلطان الذي يستمدونه من خرافات عقائدهم الموروثة .
إنها العلة القديمة الجديدة ، التي تدفع بالطغاة إلى مقاومة الدعوات ، وانتحال شتى المعاذير ، ورمي الدعاة بأشنع التهم ، والفجور في مقاومة الدعوات والدعاة . . إنها هي "الكبرياء في الأرض" وما تقوم عليه من معتقدات باطلة يحرص المتجبرون على بقائها متحجرة في قلوب الجماهير ، بكل ما فيها من زيف ، وبكل ما فيها من فساد ، وبكل ما فيها من أوهام وخرافات . لأن تفتح القلوب للعقيدة الصحيحة ، واستنارة العقول بالنور الجديد ، خطر على القيم الموروثة ، وخطر على مكانة الطغاة ورهبتهم في قلوب الجماهير ، وخطر على القواعد التي تقوم عليها هذه الرهبة وتستند . إنها الخوف على السلطان القائم على الأوهام والأصنام ! وعلى تعبيد الناس لأرباب من دون اللّه .. ودعوة الإسلام - على أيدي الرسل جميعاً - إنما تستهدف تقرير ربوبية اللّه وحده للعالمين ؛ وتنحية الأرباب الزائفة التي تغتصب حقوق الألوهية وخصائصها ، وتزاولها في حياة الناس . وما كانت هذه الأرباب المستخفة للجماهير لتدع كلمة الحق والهدى تصل إلى هذه الجماهير . ما كانت لتدع الإعلان العام الذي يحمله الإسلام بربوبية اللّه وحده للعالمين وتحرير رقاب البشر من العبودية للعباد ..
ما كانت لتدع هذا الإعلان العام يصل إلى الجماهير ؛ وهي تعلم أنه إعلان بالثورة على ربوبيتهم ، والانقلاب على سلطانهم ، والانقضاض على ملكهم ، والانطلاق إلى فضاء الحرية الكريمة اللائقة بالإنسان ! (189)


بناءا على ذلك نجد – غالبا – أن أصحاب السلطان في المجتمع الذين يشكلون – في العادة – أنماط التفكير و السلوك في مجتمعاتهم يحرصون أشد الحرص على تثبيت عروشهم "الجملوكية" بإعلاء و تعظيم شأن "الثقافة التقليدية" بحجة المحافظة على القديم ، و ذلك بكل وسيلة تقع تحت أيديهم .. من ذلك – مثلا – تلك المؤسسات الثقافية التي تمثلها السلطات السياسية في الدولة حيث يوصف ما هو رسمي – عادة – بأنه كل ما يصدر عن السلطة الدينية أو المدنية ، و بصفة خاصة ، كل ما يعلَّم في المدرسة و في البرامج الدينية .. و لذلك تعد الثقافة الرسمية بأنها أحد الأقسام الرئيسية الثلاثة التي تتكون منها الثقافة المتحركة ، تلك الث