|
|
أمة في خطر
صراع محموم بين القاعدة وحزب الله على كسب السنة
(5) |
| [بقلم: (د. أكرم حجازي)] |
|
| بسم الله الرحمن
الرحيم |
أمة في خطر
صراع محموم بين القاعدة وحزب الله على كسب السنة
(5)
د. أكرم حجازي
22/9/2008
لا ريب أن أية مقاربة في العلاقة بين الجماعتين ستبدو ضربا من
الخيال سواء على مستوى القيادة أو على مستوى القاعدة. فلا حزب الله
مستعد لتقبل وفاق مع القاعدة التي ينظر لها كجماعة تكفيرية، ولا
القاعدة على استعداد للتنازل قيد أنملة عما تعتبره راية عميّة. ومع
أن الجماعتين تقعان على طرفي نقيض عقديا إلا أنهما تتصارعان، في
منطقة حساسة، على كسب جمهور سني يبدو أقرب إلى حزب الله من قربه
للقاعدة. وهذا يؤشر على معادلة قائمة تفيد بأن تقدم أحدهما يعني
بالضرورة تراجع الآخر. وعليه فالسؤال المطروح هو: ما هي الآليات
التي تستعملها القاعدة لفك الارتباط بين السنة وحزب الله بحيث يمكن
لتيارات السلفية الجهادية أن تجد لها موطئ قدم راسخ في المنطقة؟
الجانب العقدي
يلزم القول بداية أن القاعدة، على المستوى السني، ليست هي الجهة
الوحيدة التي تعادي حزب الله. ويلزم القول أن التجربة أثبتت بالقطع
أن فروع القاعدة أظهرت قدرا من التشدد، كما في الجزائر والعراق،
أكثر مما أظهره التنظيم الأم. ففي العراق قدم أبو مصعب الزرقاوي
تأصيلا شرعيا للمسألة الشيعية تفوق ما قدمته أية قوة أخرى سواء
كانت شرعية أو جهادية أو وطنية عبر سلسلته الشهيرة: "هل أتاك حديث
الرافضة" وكذا: "وعاد أحفاد ابن العلقمي"، وأعلن حربا على الطائفة،
فكفر عوامها واستباح دماءهم. بل أن أبو عمر البغدادي أمير دولة
العراق الإسلامية ذهب أبعد من ذلك حين أعلن حربا على إيران الشيعية
لم يوقفها إلا مشروع الصحوات وحصارها للمشروع الجهادي. لكن هل كان
هذا هو موقف قادة القاعدة؟
الحقيقة أن حسابات التنظيم الأم بما في ذلك الموقف العقدي هي غير
حسابات الفروع ومواقفها. فلا مواقف بن لادن ولا الظواهري ولا أي
رمز من رموز القاعدة كفر عموم الشيعة. أما الزرقاوي فكان يحتج
باستحالة التمييز بين المحارب وغير المحارب في الحالة العراقية.
وبالتالي فتكفيره لعموم الطائفة ربما يكون بضغط الواقع وليس رغبة
منه بمخالفة علماء السنة، وهو ما احتج به على فتوى أبي محمد
المقدسي. هذا مع العلم أن بن لادن ترك للزرقاوي، بعد إلحاح في
مراسلاتهما، حرية تقدير الموقف الميداني بشرط أن يعمل على تحييد
الصراع مع الشيعة ما وسعه ذلك في هذه المرحلة على الأقل حيث
الأولوية لقتال قوات الغزو الأمريكية وحلفائها.
المهم أننا، وبخلاف موقف العامة من أنصار المجاهدين، لم نقع في
خطابات القاعدة، على مستوى القيادة، على أية استعمالات لمصطلحات
تطعن في حزب الله من نوع "حزب اللات" أو "نصر اللات". بل أن
القاعدة تصر على تجنب الدخول في معارك شرعية مع الطائفة الشيعية أو
حتى مع إيران وحزب الله رغم أنها أكثر من يدرك حقائق المسألة
الشيعية شرعيا وسياسيا وتاريخيا.
في الخامس من شهر آب/ أغسطس 2008 نشرت مؤسسة السحاب كتاب لأحد
منظري القاعدة الشيخ عطية الله كتابا بعنوان: "حزب الله اللبناني
والقضية الفلسطينية - رؤية كاشفة". وهو الكتاب الذي لاقى رواجا
واسعا في وسائل الإعلام بالرغم من أنه لم يتطرق إلى الموقف العقدي
من الشيعة الذي اعتبره من المسلمات التي لا تحاج إلى بيان. وفي
الكتاب عبارة طريفة تستحق التوقف عندها حيث يقول الكاتب فيها: "لست
بصدد البحث عن حقيقة هذا الحزب وملّته، فهي عندنا معلومة مستيقنة
لا تخفى، بل المقصود من الكتابة هو تجلية حقيقة هذا الحزب للناس
بالطرق المنطقية والدلائل العقلية، التي تقنع المسلمين بخطره
وفساده العظيم".
لا شك أنها فقرة حاسمة وذات دلالة لمن أمعن في البحث والتقصي عن
الأسباب التي تجعل من القاعدة تصر على تحييد الموقف الشرعي من
خطاباتها تجاه الحزب ومن ورائه الطائفة برمتها. للوهلة الأولى يبدو
اندفاع الزرقاوي في تكفير الشيعة قد أفسد على القاعدة خططها في
التعامل مع الطائفة. لكنه من جهة أخرى دفع بالكثير من علماء السنة
في البلدان الإسلامية إلى إصدار فتاوى شديدة ضد ما اعتبروه مشروعا
صفويا يهدد الإسلام والمسلمين حتى أنهم أجازوا لأهل السنة في
العراق الدفاع عن أنفسهم ورد اعتداءات الشيعة عليهم. ولا شك أن مثل
هذه المواقف الصادرة عن أهل العلم تروق للقاعدة وتكفيها مؤونة الرد
على خصومها الشرعيين.
هكذا يبدو موقف القاعدة من الشيعة بالغ الحذر من جهة أنه لا يجوز،
شرعيا، تكفير عوامهم، لذا فقد بدت حريصة على استعمال الوسائل
العقلية ( سياسة، منطق، تاريخ، وقائع وأحداث ... ) لإسقاط المراهنة
السنية على حزب الله والطائفة الشيعية، إذ تمكنها هذه الطريقة من:
• إحالة المسألة الشيعية إلى العلماء للاضطلاع بمهمة التصدي الشرعي
للشيعة، مستفيدة من تأثيرهم على العامة أكثر مما تفعله القاعدة.
• والإفلات من رميها بتهمة التكفير
• وبالتالي الخروج من الفخاخ بأقل الأضرار.
الجانب السياسي
من المعلوم أن حزب الله يستأثر وحده بورقة المقاومة في لبنان على
الرغم من وجود عشرات القوى السياسية والتنظيمات المسلحة سواء كانت
لبنانية أو فلسطينية. وفيما خلا بضعة عمليات مسلحة ضد إسرائيل أو
قوات اليونيفيل الدولية أفلتت من مراقبة الحزب لم تستطع أية قوة
اختراق الحظر الأمني الذي يفرضه الحزب على القوى الأخرى في مقاتلة
إسرائيل. وفي المقابل استطاع الحزب أن يعوض هذا الخلل الذي يطعن
بمصداقيته بالدخول في معارك طاحنة ضد إسرائيل في مناسبات عديدة
انتهت بانسحاب إسرائيل من لبنان وإهانتها عسكريا في حرب تموز سنة
2006 بصورة لم يسبق لها مثيل في كافة الحروب العربية السابقة.
وهكذا فعلى امتداد سنوات الصراع مع إسرائيل استوطن الحزب في عقول
العامة بوصفه حزب مقاوم شديد البأس ومدافع عن القضايا العربية
والإسلامية ونصير كبير للفلسطينيين وخصم عنيد في مواجهة اليهود
ومثال في العدة والإعداد والانضباط والمصداقية، بل أنه أعاد للعرب
جزء من كرامتهم المفقودة ورفع رأسهم عاليا ونجح في إعادة الثقة
والأمل وأثبت أنه بالإمكان هزيمة إسرائيل. لكن من الأهمية بمكان
ملاحظة أن هذا التصور، على أهميته، لا يمكن إسقاطه على إجمالي أهل
السنة. إذ أن موقف السنة ينقسم بين من يؤيد الحزب بشدة كما هو
الحال في مصر وبلاد الشام والمغرب العربي وبين من يعارضه بشدة كما
هو الحال في الجزيرة العربية. وبصيغة أخرى يمكن القول أن تأييد
الحزب يتراجع في البلدان ذات الحضور الشيعي فيما يتزايد بصورة
مثيرة في البلدان ذات الكثافة السنية، وهنا بالضبط تقع المشكلة
التي تواجه القاعدة.
فلو قمنا بعملية استكشاف دقيقة سنلاحظ أن القاعدة نجحت في الحضور
الفعال في المغرب العربي والجزيرة والعراق لكنها حتى اللحظة لم
تنجح في استيطان بلاد الشام ومصر. ولعل السبب الرئيس في ذلك يكمن
في وجهة الرأي العام الشعبي في هذه المنطقة والذي يميل إلى تأييد
حزب الله بشكل ظاهر ومؤثر. وهذا يفسر إلى حد كبير غياب الموقف
الشرعي من خطابات القاعدة تجاه الحزب والاكتفاء بما أسماه عطية
الله بـ "الطرق المنطقية والدلائل العقلية" لـ: " تجلية حقيقة هذا
الحزب للناس" كون الدلائل الشرعية قلما تشكل فارقا عند العامة من
سكان هذه المناطق. فالناس تقيس الموقف من أية جماعة ليس بموجب
عقيدتها بل بمقدار ما توقعه من أذى في الدولة اليهودية. وإذا ما
تعلق الأمر بحزب الله فهذا موقف طبيعي بما أن الفكر الماركسي خاصة
والعلماني عامة أعمل أثره عميقا في عقل أمة لم تر على مدى عقود
نصرا واحدا. فلا الجماعات الإسلامية ولا فصائل منظمة التحرير شكلت
نضالاتها على امتداد عقود أي فارق يذكر في الصراع العربي
الإسرائيلي، فلماذا لا يؤيدون حزب شكل هذا الفارق؟
إذن يمكن القول أن القاعدة معنية بالدرجة الأساس بالتعامل مع أمزجة
الناس وليس مع عقائدهم. ولما يكون الحال هكذا فمن الصعب توقع ظهور
فعال للقاعدة قبل تغير معايير القياس أو المزاج العام. لهذا تبدو
خطابات رموز القاعدة وهي تتوجه، بكثافة، نحو حركة حماس بالذات وحزب
الله كمن يحاول إشاعة ثقافة جهادية بمواصفات قاعدية ما من هدف لها
في هذه المرحلة إلا خلخلة ما تجذر من تصورات لا تتمتع بأية مشروعية
عقدية. لكن كيف؟
يصر رموز القاعدة على التأكيد أن الخلاف الإيراني مع الولايات
المتحدة هو خلاف حقيقي، وكذا الأمر فيما يتعلق بحزب الله حيث تعتقد
القاعدة أن حربه ضد إسرائيل هي حرب حقيقية. لكنهم، ومعهم الكثير من
علماء السنة، يؤمنون أن العداء الشيعي لأمريكا هو عداء طائفي وليس
عداء إسلامي. فالأمركيون واليهود والغرب عموما لهم مشروعهم ضد
الأمة، والإيرانيون وأدواتهم الضاربة لهم مشروعهم الصفوي ضد السنة.
وأنه ما من علامات تدل على أن مشروع إيران هو مشروع مقاومة ينتصر
لإجمالي الأمة وليس لطائفة كما هو الحال. وكي تدعم القاعدة
أطروحتها سياسيا نراها تؤكد على أربعة مسائل بالغة الأهمية في
تفكيك تصورات العامة تجاه مصداقية المشروع الإيراني أو حزب الله:
الأولى: أن الإيرانيين، وباعترافاتهم، هم من سهّل على الأمريكيين
احتلال أفغانستان والعراق.
الثانية: أن الإيرانيين نشطوا في إثارة الفتن الطائفية حيثما تواجد
الشيعة وأنفقوا المليارات على برامج التشيع كما يقول د. يوسف
القرضاوي الذي سبق وحذرهم من أن تصرفهم هذا سيؤدي إلى كره الناس
لهم.
الثالثة: إن شيعة العراق نشطوا في تصفية أهل السنة ومحاربتهم عبر
ميليشياتهم المسلحة كجيش المهدي وقوات بدر دون أن تصدر أية إدانة
لا من الإيرانيين ولا من حزب الله الضالع في تدريبهم ولا من
المراجع الشيعية التي رفضت حتى اللحظة إدانة الغزو الأمريكي للبلاد
أو إصدار فتوى تقضي بمقاتلته.
الرابعة: أن حزب الله هو من يتحكم بحجم ونوعية وتوجهات المقاومة في
لبنان.
هذه المسائل الأربعة تطرح تساؤلات كبيرة ليس لدى القاعدة بل وعلى
مستوى العامة من السنة. لذا يرى صاحب الرؤية الكاشفة أن حزب الله
هو: "حزب رافضيّ فيه حظ وافر من «الباطنية»، فهناك إذن ظاهرٌ
وباطن، وهناك قدر كبير من الغموض والخداع والتمويه والكذب والدجل"،
وهو توصيف أولى بأن ينطبق على الإيرانيين. فإذا كان المشروع
الإيراني يقع في مستوى الأمة بحيث تكون التكنولوجيا العسكرية
والتسلح النووي في خدمة الأمة فلم يطلب أحد من إيران التضحية
بمصالحها وجهودها في البناء والتنمية والتسلح، لكن بأي منطق يبرر
الإيرانيون مساعدتهم للأمريكيين في العراق وأفغانستان؟ وبلسان
القاعدة: كيف يكون قتال الأمريكيين واليهود في لبنان مقاومة وفي
غيرها إرهابا؟ ومتى تكون أمريكا شيطانا أكبر؟ ومتى تكون وإسرائيل
أصدقاء تاريخيون للشعب الإيراني؟ وعلى أية أسس؟ وبأية مشروعية؟
هذه إحدى الآليات التي تسعى القاعدة في ضوئها إلى سحب البساط من
تحت الآلة الإعلامية الضخمة للإيرانيين وعبرها رفع الغطاء الشعبي
عن حزب الله. لكن ما هو أخطر من ذلك هو سعي القاعدة إلى توريط
الحزب بحروب مدمرة مع إسرائيل في محاولة منها لضرب عصفورين بحجر
واحد.
فالقاعدة تستفيد من قوة حزب الله في التصدي لإسرائيل. لأن هذا
يساعدها على إظهار إسرائيل ضعيفة، ومن الممكن هزيمتها بشروط هي
تحسب نفسها قادرة على الوفاء بها. وحتى اللحظة فشلت الفصائل
الفلسطينية العلمانية والإسلامية والدول العربية في تحقيق أي
انكشاف حقيقي لإسرائيل مثلما نجح حزب الله في ذلك خلال حرب تموز
2006. وهذا مؤشر على أن دخول القاعدة للمنطقة ربما يكون مرهونا
بتحقيق المزيد من الانكشاف العسكري والأمني لإسرائيل. لكن ثمة شرط
آخر وهو ضرورة انكشاف حزب الله وإزاحته عن الواجهة عبر إظهار تغوله
على الدولة والمجتمع في لبنان كما حصل في فخ سيطرته على بيروت حيث
كان واضحا امتناع القاعدة عن التعقيب على الأحداث وكذا امتناع
التيارات السلفية الجهادية عن الدخول في المعركة ضد الحزب. إذ أن
تصاعد التوتر والانقسام الاجتماعي والسياسي واحتقان أهل السنة
"غيظا" على شيعة لبنان؛ كلها مسائل من شأنها أن توفر الأرضية
المناسبة لضرب الحزب وإضعافه كي تتسع الساحة لغيره وكي يتغير مزاج
الناس، وفي هذا السياق يستحضرنا تصريح زعيم الحزب الشيخ حسن نصر
الله حينما هزئ من خصومه خلال معركة نهر البارد مع فتح الإسلام وهو
يقول: "هل تريدون أن تأتوا لنا بالقاعدة؟".
هذه الآلية بدت واضحة منذ الأيام الأولى لحرب تموز والخطاب الملغوم
للظواهري تعليقا على الحرب، فقد تجنب الظواهري إدانة الحزب حتى لا
يقال بأن موقف القاعدة يصب في المحصلة في صالح الموقف الأمريكي أو
الإسرائيلي بشكل مباشر بينما ظهرت ردود الفعل لدى المشايخ
والأنصار، حينذاك، على النقيض من الخطاب. بل أن خطابات القاعدة
تجاه حزب الله تنصلت من الطعن في حقيقة الحروب التي يخوضها
والخسائر الفادحة التي كبدها لإسرائيل مكتفية بتوصيفها بالحروب
الدفاعية كما ورد على لسان بن لادن! وليس مسرحيات كما يحلو للأنصار
أن يصنفوها. ومن الواضح أن القاعدة مصرة على استفزاز حزب الله لخوض
حروب طاحنة ضد إسرائيل علّ وعسى أن "يضرب الله الظالمين
بالظالمين".
يبقى القول أن معالجة استراتيجيات الطرفين تنطوي على مفارقات عجيبة
تمس حال الأمة ماضيا مثلما تمس حاضرها في ضوء تحالفاتها الهجينة،
ونقصد بهذه الأخيرة غياب التوصيف الدقيق (الشرعي أو السياسي) للعدو
والصديق في هذا المكان أو ذاك. أما السبب الجوهري لمثل هذه
المفارقات حيث تختلط الأمور على العامة فيكمن في غياب المرجعية
الشرعية أو السياسية للأمة. هذه المرجعيات الغائبة هي من يتحمل وزر
هذا التخبط. وحتى اللحظة لا شك أن القاعدة لم تنجح، بعد، في
التواجد العسكري الحاسم في المنطقة، لكنها بالتأكيد حققت مكاسب
باتت فيها تيارات السلفية الجهادية ظاهرة مرئية وحديث العامة خاصة
في فلسطين ولبنان. وهكذا لا مفر من إعادة النظر فيما سبق واعتبرناه
عجلة القاعدة.
|
|
|
|
|