القاعدة وخلاصات الانعطافة - 2
حقيقة الواقع في العراق
د. أكرم حجازي
20/3/2009
http://www.almoraqeb.net
ما من جماعة أو تنظيم أو حزب أو حركة في العراق تعرضت لهجمة شرسة
شاملة كما تعرضت لها دولة العراق الإسلامية. حتى أن الكثير من
المحللين والمراقبين للمشروع الجهادي قد جزموا أو خالجهم شعور بأن
الدولة قاب قوسين أو أدنى من الانهيار والزوال أو الضعف على أقل
تقدير. بل أن بعض المحللين تفاءل، في خضم الفتنة، ببضعة شهور وتكون
الدولة أو القاعدة في غياهب النسيان. حتى الأنصار والمتعاطفين معها
لم يفلتوا من الحيرة والارتباك في ضوء الكمون الذي لعبته "الدولة"
في الساحة مع الخصوم.
لا شك أن بريق المشروع الجهادي في العراق خفت كثيرا على المستوى
الشعبي الذي رقص طربا على رؤوس الأمريكيين وهي تتساقط كالفرائس
بفعل هجمات القناصين أو على أشلاء جثثهم المقطعة وهي تتطاير من
الهمرات وكاسحات الألغام والمصفحات تحت صعقات العبوات الناسفة.
هكذا تفاعل الناس مع المشروع الجهادي في العراق. لكن هل يعكس هذا
المؤشر الشعبي، منفردا، ظواهر المشروع الجهادي وبواطنه أو خصوصياته
خاصة وأنه تعرض لمحن بالغة القسوة على المستويات الإعلامية
والعسكرية والأمنية؟ هذا ما سنتوقف عنده لاحقا في ضوء خطابي بن
لادن والبغدادي.
أولا: منطق الخطابين
يعتقد بن لادن، كغيره حتى من المسلمين، أن تحرير فلسطين كاملة لا
بد وأن ينطلق من الساحة الأردنية: "فهذا هو السبيل الشرعي وهو
السبيل الواقعي العملي". ورغم أنها المرة الأولى التي تحدد فيها
القاعدة هدفا بعينه إلا أنها تظل قراءة تقليدية لا تختلف عن قراءة
أية جماعة أو حركة استهدفت تحرير فلسطين حتى لو كانت علمانية. لكن
حين يتجاوز بن لادن عن واقع فلسطين خاصة وأن: "المقومات المطلوبة
لكي يحقق الجهاد غاياته ما زالت بحاجة إلى أن تستكمل"، وحين يقطع
كل أمل مع الدول الحيطة بفلسطين، فـ: "لا بد من البحث عن دول خارج
دول الطوق"، وهذا هو الجديد بحد ذاته وليس عبور الأردن الذي يتطلب
قبل أي أمر آخر (1): " هزيمة الحليف الأكبر للصهاينة" و (2):
"تحرير أرض الرافدين" ثم (أخيرا): " من الأردن تكون الانطلاقة
الثانية إلى الضفة الغربية وما جاورها". ولأنه ما من قوة، غير
المجاهدين، تستطيع مواجهة الأمريكيين وهزيمتهم في المنطقة فهو يشدد
على: "دعم المجاهدين في العراق بكل ما يحتاجون إليه" كشرط لإنجاز
المهمة نظرا لغياب أي مشروع جهادي "حقيقي" في المنطقة قادر على
تجاوز العقبات مثلما هو الحال في العراق. فما الذي قصده بن لادن
إذن؟
ببساطة؛ هو ينسف، بشهادته هذه وتصريحاته، كل التكهنات التي اعتقدت
بضعف المشروع الجهادي في العراق أو حتى انحساره، فهو بالنسبة
للقاعدة ما زال يمثل: "الفرصة الثمينة النادرة للصادقين في رغبتهم
في تخليص الأقصى"، ولا ريب أن بن لادن لا يبدو أنه بصدد الحديث عن
تيارات جهادية أخرى، خارج دول الطوق، غير التيار السلفي الجهادي
وبالذات دولة العراق الإسلامية.
هذا المنطق للقاعدة عبر عنه البغدادي، في صيغة وقفات، بعيد ساعات
من خطاب بن لادن في سياق رده على خطط الرئيس الأمريكي أوباما
الانسحاب من العراق. لكن قوة الخطاب " حصاد الخير - 11/3/2009" لم
تكن في "الوقفات" بقدر ما كانت في أواخرها حيث:
1) يختص البغدادي جنوده برسالة حصرية تقول بأن: " قضية الشريعة
والحكم هي محور جهادنا وينبغي أن لا تغيب عن أذهان رجالنا، ونكرر
مرة أخرى أننا لا نقاتل لأجل الأرض إنما نقاتل لتكون كلمة الله هي
العليا في الأرض"، لكنها، مع ذلك، رسالة تخاطب "كل مسلم"، داخل
العراق وخارجه، ممن كان له يد في إعاقة المشروع الجهادي أو الإضرار
به، مبديا "الصفح" وبنفس الوقت "العون" للوقوف (1): " في وجه
التحالف الصليبي المجوسي" و (2): "حتى لا تباع بغداد بثمن بخس
لمجوس إيران وعملائهم" خاصة وأن بغداد تكاد تتحول إلى مدينة شيعية
بخلاف المروجين لمقولة أن مشروع الصحوات حمى بغداد من التشيع.
2) الإعلان عن انتهاء "خطة الكرامة" التي بشر بها في خطابه " فتح
من الله ونصر قريب - 2/3/2007" ردا على "خطة أمن بغداد" وانطلاق
مرحلة "حصاد الخير"، يعني إسدال الستار على مرحلة الفتنة الكبرى
التي تعرض لها المشروع الجهادي لا فقط "جدولة الأمريكيين لانسحابهم
والاعتراف الضمني بالهزيمة". وعليه فليس من المستبعد أن تكون
استجابة د. عبد الله الحافظ الناطق باسم "جامع" لخطاب البغدادي حول
"الصفح" و "العون" واقعة في سياق المرحلة الجديدة بالضبط.
3) أما خاتمة الخطاب فكانت بحق هي المنطق المعبر عنه حقيقة. فهو
يطمئن كل المسلمين ويبعث برسالة صريحة وحاسمة لكل المراقبين،
وأولئك الذين " زعموا " أو اعتقدوا أو داخلهم الشك والحيرة في واقع
ومستقبل المشروع الجهادي في العراق بأنْ: " لا تخافوا ولا تخشوا
على الجهاد في العراق وطيبوا نفسا فقد انكسرت حدة الموجة ". بل أنه
يصف المشروع الجهادي بعبارات قوية من الثقة بكونه: "أشد من الجبال
رسوخا وأعز من النجوم منالا".
هكذا إذن يبدو خطابي بن لادن والبغدادي محملين برسائل إخبارية
صريحة ومبشرين بسلامة المشروع الجهادي ودولة العراق الإسلامية. فما
هي حقيقة الموقف في العراق؟ وما هي المؤشرات التي يمكن أن نستدل
بها على الثبات؟
ثانيا: لعبة الخصوم
منذ بدأت ملامح الفتنة تلوح بالأفق، بعد إعدام الرئيس العراق صدام
حسين، كشف البغدادي في خطابه: "قل إني على بينة من ربي –
13/3/2007" عما أسماه بـ "حزب الله السعودي" وبـ "طائفة أدعياء
السلفية" والفئات المعادية للمشروع، وألمح في نفس الخطاب أن بعض
الجماعات الجهادية: "دعوا أصحابهم وعشائرهم إلى الدعة والراحة"
متسائلا: "كيف حال الجهاد في بلاد الرافدين لو لم يكن هناك مجلس
شورى المجاهدين ولا دولة الإسلام؟ وكيف تصير الأمور لو ترك كل
أبناء الدولة الإسلامية السلاح، وقعدوا عن الجهاد ؟" أو تصرفوا
بذات المنطق؟ يجيب: " الجواب معروف ... استباحة للعرض، وإبادة
للحرث والنسل"، لذا فهو يتحدى مثل هذه الجماعات بشكل صارخ: "إن
كنتم لا تصدقون فإني أطلب من أي جماعة مقاتلة تدعي عصمة المنهج
وصفاء الراية وقوة البأس على الأعداء أن تنشر ثلاث عمليات عسكرية
مصورة لاقتحام مقرات أمريكية، لا بل عملية مصورة واحدة لاقتحام أو
دخول ثكنة عسكرية أمريكية واحدة".
في ذلك الوقت اعتبرت تصريحات البغدادي هذه استفزازية لكثير من
الجماعات الجهادية، لكن بعضها لم يعقب عليها ربما لعلمه، على
الأقل، بوجود نوايا من هذا القبيل خاصة وأن هناك أموال صرفت على
فئات محسوبة على الجهاد دون أن تؤدي أي عمل جهادي كما لو أنها أعدت
لتكون خزينا بشريا عند الحاجة، بل أن هناك أموال صرفت على قضايا
مدنية لا علاقة لها بالجهاد لا من قريب ولا من بعيد. فما الذي كانت
تخطط له؟
لكن تصريحات البغدادي، في هذا السياق، توالت تباعا. فقد أصدرت
مؤسسة الفرقان التابعة لدولة العراق الإسلامية خطابا صوتيا له
بعنوان: "فأما الزبد فيذهب جفاء - 4/12/2007". وبينما شرعت قواته
بخوض حرب شرسة ضد رؤؤس الصحوات وأعوانهم في محاولة للقضاء على
الجهاد في العراق: " وقفت معظم الفصائل السلفية منها والوطنية وقفة
المتفرج بل والطاعن فينا وبكل وسيلة".
وخلال لقائه الصوتي المفتوح مع "الفرقان - 24/10/2008"، كان أبو
حمزة المهاجر (وزير حرب دولة العراق الإسلامية) أكثر صراحة في بيان
أهداف القوم، خاصة وأن الهجمة على المشروع الجهادي ضعفت وانكشفت
الأوراق بصورة جلية مع صدور "سفر الحقيقة - 14/7/2008" عن جماعة
أنصار الإسلام وتمايز جيش المجاهدين "يا عباد الله تمايزوا –
24/7/2008" وتفكك جبهة الجهاد والإصلاح. ومن اللافت في هذا السياق
تعقيبه على من وصفهم بـ: " أصحاب المناهج الفاسدة ودعاة الوطنية
(ممن) أرادوا أن يقطفوا ... ثمرة جهاد" مشيرا إلى أن: " هناك أطراف
تخزن السلاح وتجهز المجموعات الأمنية لليوم الذي يخرج فيه المحتل,
فتضرب صاروخاً وتدخِّر عشرة". فإذا ما حانت ساعة الانسحاب
الأمريكي: " تكون المعادلة هي: مجموعة من العلمانيين والوطنيين
والبعثيين لم تُجهد نفسها في قتال حقيقي تمتلك المال والسلاح
والرجال, ومجاهدون في سبيل الله خرجوا منهكين بالجراح أنفقوا ما في
جعبتهم من مال وسلاح". حينها فقط يمكن ضرب مشروع الدولة وإسقاطه
لصالح المشروع الوطني.
إذن لعبة الخصوم قضت بالاحتفاظ بقواتها وتنمية إمكانياتها مقابل
إنهاك القاعدة وفيما بعد "الدولة" منذ وقت مبكر بحيث يجري استنزاف
طاقاتها ومخازنها وكادرها وعناصرها ومصانعها ومختبراتها وإمكاناتها
العسكرية سواء في محاربة الأمريكيين أو في محاربة الصحوات، حتى إذا
ما انسحبت قوات الاحتلال فلن يكون بمقدورها تحقيق أي مكسب.
لا شك أن سلسلة التصريحات التي ذكرناها تعد مؤشرات حاسمة على تنبه
دولة العراق الإسلامية إلى مساعي خصومها منذ وقت مبكر. فهل يمكن
القول بأن المشروع الجهادي، بهذه التوصيفات، انكفأ؟ أم تغير أداؤه؟
وما الذي فعلته الدولة لتتجنب هذا الفخ؟
ثالثا: الوجه الآخر للصورة
يبدو أن عملية الاستنزاف اشتغلت على أكثر من صعيد، فمن جهة جرى
تصعيد مشروع الصحوات ليبلغ مديات اجتماعية وسياسية مخيفة ومن جهة
أخرى دشنت القوات الأمريكية والحكومية سلسلة من العمليات العسكرية
والأمنية الواسعة النطاق على ديالى وبغداد وصلاح الدين والموصل
وسامراء وكركوك وغيرها. وقد بدا حقا أن المشروع الجهادي تراجع فعلا
تحت كثافة الهجمات المنظمة. لكن الأقرب إلى الحقيقة أن
الاستراتيجيات وطرق المواجهة هي التي تغيرت بصورة شبه جذرية.
فالأمريكيون لم يعودوا يتحركون بين الأحياء والريف، كما كان الحال
سابقا، إلا بعد تأمين المنطقة من قبل الصحوات والقوى المتعاونة
معهم، وبالتالي فقد لعب هؤلاء دور العقبات الكبرى في النيل من
الأمريكيين، ليس بوجه "الدولة" فحسب بل وبوجه كافة الجماعات
الجهادية بما فيها تلك التي وقفت على الحياد تجاه الصحوات أو شاركت
فيها أو قدمت لها الغطاء السياسي والأمني. وكان من الطبيعي أن تقل
الخسائر بين الأمريكيين أو حتى تنعدم في كثير من الأشهر خاصة وأنهم
باتوا يدفعون ثمن أمنهم من دماء من يفترض أنهم خصوم الاحتلال. وكان
من الطبيعي أيضا أن يبدو المشروع الجهادي متراجعا في حين أنه ما من
مؤشر غير الخسائر الأمريكية على التراجع. والواقع يقول بأن مقتل
صحوي، في هذه المرحلة، كان يعادل مقتل جندي أمريكي مثلما أن مقتل
أحد الرؤوس لا يقل أثره عن مقتل ضابط أمريكي إن لم يكن أزيد بالنظر
إلى خطورة تفكك الجبهة الداخلية.
لذا فلو نظرنا إلى المسألة من زوايا أخرى فمن المؤكد أن الصورة
ستختلف كلية. فالقاعدة، حين تدرك أنها مستهدفة عسكريا بالاستنزاف
وأمنيا بالصحوات وإعلاميا بالتشويه ستغير قطعا من وسائل قتالها.
وهذا ما حصل. فالجماعة باتت تعمل تحت الأرض تماما، وباتت حريصة على
عدم دخولها في مواجهات عسكرية شاملة من شأنها أن تؤدي إلى الانكشاف
والدخول في عمليات كسر عظم لا ينفع معها الوضع الجديد، وهو ما
لاحظناه على وجه الخصوص في فشل الحملة على الموصل حتى أن طارق
الهاشمي شكا من كون الاعتقالات في الحملة كان قليلا. وهكذا أخذت
المواجهات طابعا أمنيا أول ما استهدف قوى الصحوات باعتبارها الخطر
الأكبر الذي يهدد المشروع الجهادي فضلا عن كونها العائق أمام
الوصول إلى الأمريكيين.
إذن ما وقع فعلا هو تغير في الأداء والأهداف والأدوات والوسائل،
وبهذه الطريقة كأن القاعدة تريد أن تقول لخصومها: إذا أردتم
استنزافنا فلن نفرط في قوتنا وإذا أردتم إرهاقنا فلن ندخل في
مواجهات شاملة وإذا حاربتمونا بالصحوات والعملاء أمنيا فسنحاربكم
أمنيا وإذا تداعيتم علينا فلن تجدوا منا مقاتلا.
صحيح أنه لا توجد جماعة أو تنظيم أو حزب يعترف بعيوبه وخسائره،
لكننا لم نرصد في وسائل الإعلام أية معلومات تفيد بحل الدولة ولا
اعتقالات كبرى للقيادات أو اغتيالات لها ولم نسمع عن مخازن سلاح
اكتشفت ولا عن مختبرات أو مصانع دمرت، كما لم نرصد أية خسائر في
البنية المدنية للقاعدة في العراق. ولعل هذا ما يفسر إلى حد بعيد
إصرار التصريحات الأمريكية، العسكرية والأمنية والسياسية،على
استعمال تعابير حذرة في تقييم ما تحقق من إنجازات أمنية كتعبير
"هشاشة الوضع في العراق" أو تعبير "تحت السيطرة" مقابل الامتناع
التام عن استعمال تعبير "الانتصار"، بل إبداء التخوف الدائم من
احتمال تفجر الأوضاع مجددا. والحقيقة أن ملامح نهوض جديد يمكن
ملاحظته بيسر منذ خطاب البغدادي: "وَقَاتِـلوا المُشرِكِـينَ
كَآفّـَةً – 9/9/2008" حين قال: " إنا بعون الله على أعتاب فرج
قريب ونصر مبين". فالأنباء تتوالى تباعا عن عودة استهداف رجال
الشرطة والصحوات وحتى الأمريكيين ولو بحدود ضيقة، لكن أبرز ما لوحظ
خلال الأيام القليلة الماضية هو إعلان شبكة الفلوجة عن مشروع
إعلامي ضخم للتعريف بدولة العراق الإسلامية في العالم ترافق مع
ظهور خطاب الشيخ أسامة بن لادن. فما الذي تحمله المرحة القادمة؟ لا
ندري، فما تفعله القاعدة اليوم بالكاد نصل إلى تفسيرات له بعد
سنتين أو ثلاثة. لهذا لا مفر من الرصد المستمر.
القاعدة وخلاصات الانعطافة -1
د. أكرم حجازي
18/3/2009
http://www.almoraqeb.net
قليلة هي الأشرطة التي أصدرها مركز الفجر التابع للقاعدة وحظيت
بتغطية إعلامية مميزة، هذا ما حصل مع شريط الشيخ أسامة بن لادن:
"خطوات عملية لتحرير فلسطين 11/3/2009" الذي بدأت قناة الجزيرة
الفضائية ببث أبرز مقاطعه عبر "خبر عاجل" لتستمر التغطية حتى صبيحة
اليوم التالي. ويبدو أن المركز والقناة حققا تفاهما صريحا يسمح
للجزيرة بأن تنفرد بتلقي الشريط، حتى قبل أن ينشره أي منتدى جهادي،
إذا ما قدمت له تغطية إعلامية شاملة لأهم عناصره لا "تلبيس فيها"
كما حصل فيما سبق مع شريط مماثل للشيخ كان موجها لـ "أهل العراق".
ولا شك أن هذا "التفاهم" أعاد للجزيرة بعضا من المصداقية التي
فقدتها عند التيار السلفي ومكنت مركز الفجر من الحصول على مبتغاه.
وكما حصل لشريط "أهل العراق" فمن المؤكد أن الجزيرة تسلمت الشريط
مبكرا بما يكفي لاستدعاء عبد الباري عطوان من لندن ليكون المعلق
الرئيسي على الشريط من داخل استديوهات القناة في قطر!
هكذا ما كان للجزيرة، إذن، أن تضيع هذه الفرصة لشريط فريد في
محتواه، وما كان لها أن تلتزم بقراءة محايدة وجدية له لولا أن
أوراق مركز الفجر قوية في إسالة لعاب أية وسيلة إعلامية. ففي
الشريط الذي حظي بتغطية إعلامية عالمية واسعة النطاق قدمت القاعدة،
هذه المرة، ما يشبه الخلاصات لطريقة العمل والتفكير سواء تجاه
فلسطين وأهلها أو تجاه الأمة. فما هي هذه الخلاصات؟ وما هو
محتواها؟
الخلاصة الأولى
فلسطين في المشهد الإعلامي القاعدي
ظل الفلسطينيون، قادة وأفرادا، في صلب المشروع الجهادي العالمي منذ
بداياته الأولى في أفغانستان. وفي مرحلته الثانية احتلت فلسطين قلب
النشأة فيه عبر الإعلان عن تشكيل "الجبهة الإسلامية العالمية لقتال
اليهود والصليبيين" سنة 1997 إثر خطاب الاندماج بين القاعدة وجماعة
الجهاد المصرية. وفي أعقاب هجمات 11 سبتمبر 2001 أطلق أسامة بن
لادن قسمه الشهير عن فلسطين، ثم عبارة أبو مصعب الزرقاوي الشهيرة
أيضا والتي وردت في خطابه المرئي الأول "هذا بلاغ للناس" حين قال:
"نقاتل في العراق وعيوننا على بيت المقدس". ويمكننا إحصاء عشرات
المناسبات الخطابية أو المذكرات والمنشورات والشرائط الخاصة التي
وردت فيها فلسطين على لسان قادة التيار الجهادي العالمي ابتداء من
أندونيسيا وانتهاء بموريتانيا. فما هو الجديد إعلاميا إذا كانت
فلسطين حاضرة على الدوام؟
فيما عدا شرائط مؤسسة الفرقان حيث خطابات القادة والرموز في دولة
العراق الإسلامية تصدر صوتيا فقط فإن الأشرطة المرئية للسحاب
وقاعدة المغرب الإسلامي بدأت بتغيير افتتاحياتها وخواتيمها على
الأقل منذ الحرب على غزة. فالأولى (السحاب) تضع صورة المسجد الأقصى
خلفية لبداية الشريط وعبارة ختامية له تتساءل: " أين أحفاد صلاح
الدين لتحرير فلسطين؟ ". هذا المونتاج للأشرطة لم يرد سابقا في
أشرطة السحاب، لكنه ورد في شريط الشيخ موضع التحليل وقبله في
شريطه: " دعوة إلى الجهاد لوقف العدوان على غزة - 14/1//2009"، كما
وردت العبارة الختامية في شريطي الظواهري: " من كابل إلى مقديشو
23/2/2009" و " تضحيات غزة والمؤامرات- 3/2/2009".
بالنسبة لقاعدة المغرب الإسلامي فقد لوحظ التغير في مناسبتين كانت
الأولى في كلمة أمير القاعدة هناك محمد دوردكال: "غزة بين مطرقة
اليهود والصليبيين وسندان المرتدين - 13/1/2009"، حيث ظهرت قبة
الصخرة في بداية الشريط كخلفية للكلمة مرفقة بنشيد "عذرا فلسطين"،
والثانية في شريط: "غزوة الشريعة - جانفي 2009" حيث ظهرت قبة
الصخرة في مطلعه يتخلله نشيد "صبرا يا أقصى".
قد لا يعير البعض أهمية لمثل هذه التغيرات التي تبدو شكلية خاصة
وأن محتواها أصلا خصص لنصرة فلسطين، لكن بماذا نفسر مثل هذه
التغيرات في شريط "غزوة الشريعة" الذي استهدف مقرا للحرس البلدي في
قرية الشريعة في الجزائر حيث لم تكن فلسطين حاضرة فيه إلا في صورة
قبة الصخرة ونشيد "صبرا يا أقصى"؟ وبماذا نفسر حضور فلسطين في
أشرطة حركة الشباب المجاهدين في الصومال؟ ومحاكاة أحد قادتها
لعبارة الزرقاوي؟
الظاهر حتى الآن أن هناك تغير يجعل من فلسطين حاضرة " شكليا
بانتظام" في قلب الإعلام الجهادي العالمي حتى لو لم يكن الشريط
مخصصا لفلسطين حصرا. أما موضوعيا فالأشرطة في هذا السياق لا يحتاج
البحث عنها إلى أي عناء. والمناسبات القادمة هي وحدها من يؤكد أو
ينفي هذه المعاينة.
الخلاصة الثانية
واقع الأمة
لا ريب أن أنصار القاعدة ومؤيدو الجهاد العالمي يترقبون بلهفة دخول
القاعدة إلى فلسطين، ولا شك أن تأخر هذا الدخول له أسبابه، لكنه
عند الخصوم يمثل مثلبا ثمينا يمكِّن من الطعن في القاعدة التي
استطاعت أن تضرب في أمريكا وأوروبا بينما فشلت في ضرب إسرائيل وهي
على مقربة منها. وفي هذا السياق، حيث الاتهامات للقاعدة تأتي غالبا
من بعض الجماعات الإسلامية، يصف بن لادن ما يعتقده بـ: " الحق المر
الذي ينبغي الصدع به ". إذ يرى أن السبب الذي منع أهل الضفة
الغربية من نصرة إخوانهم في غزة (وهم الأولى) هو ذات السبب الذي
منع القاعدة من نصرتهم. إنه الاحتلال وأكثر منه: "فالحقيقة المرة
أن بلادنا محتلة من داخلها ... لصالح الحكام وموكليهم ". وعليه فإن
أية مفاصلة ينبغي أن تقبل بحقائق الواقع، ودون مراء، وإلا "سنبقى
ندور في دائرة مغلقة". هذه الحقائق منها:
1) أن الأمة تعاني منذ عقود "قعودا وإهدارا في الوقت وتهربا من
المسؤولية".
2) "أن دول العالم الإسلامي من أندونيسيا إلى موريتانيا بلا
استثناء، تنقسم إلى قسمين اثنين: دول معوجة ودول أكثر اعوجاجاً
والإسلام بريء من حكامها جميعاً".
3) أن "بعض حكام العرب، تواطؤوا مع التحالف الصليبي الصهيوني على
أهلنا (غزة)، وهم من تسميهم أمريكا بحكام دول الاعتدال"، ورغم أنه
لم يحدد حاكما بعينه إلا أنه أشار إلى مصر والسعودية حصرا عبر بيت
شعر ورد في الخطاب: " قلوب ولاتنا مثل الأعادي بنجد أو بمصر لا
ترق".
4) أن الأمة محتلة من الداخل بمساندة: " جيوش عسكرية، وأخرى مدنية
هي الأهم والأخطر". وأن: "جميع الجيوش الرسمية ... تحت قيادة
المنافقين ...، كما أن معظم الجيوش غير الرسمية تحت قادة الجماعات
الإسلامية".
5) والمشكلة، بحسب الخطاب أن: " كثير منهم يرون هؤلاء ... ولاة أمر
شرعيين، يحرم الخروج عليهم ... وقد بدا ذلك واضحاً في خذلان هذه
الجماعات لغزة وأهلها، وهم ينتظرون إذناً من المنافقين حتى يجاهدوا
... !".
6) أن الأمة تعاني أيضا من "التعصب المذموم للأوطان والرجال،
حكاماً أو علماءً أو قيادات للجماعات الإسلامية". كما تعاني بذات
القدر من "معارضة النصيحة وإقامة الحق".
7) أن الأمة "تعاني إفلاسا ًهائلاً في قياداتها ... قيادات حقيقية
صادقة مستقلة قوية أمينة، تكون على مستوى ... الأحداث الجسام، ملمة
بفقه الواقع وفقه الشريعة "، فإذا تجاوزت القاعدة الموقف من الحكام
فإن قيادات الصف الثاني والثالث و "مَنْ قَرُبَ منهم" ليسوا أمناء
على القضية الفلسطينية، بل هم "مكمن رئيسي للخلل .. ما لم يغيِّروا
أو يغيَّروا".
8) أن الأمة تتعرض إلى حرب: " لتغيير وإماتة الأسماء والمصطلحات
الشرعية (والنفور) من استعمالها" واستبدالها بلفظ "الآخر" عبر
الدخول في مغالطات شرعية كـ: "حوار الأديان وحرية الرأي وحرية
التعبير والتعايش السلمي، والدول الصديقة وعقود تقديم التسهيلات
لدعم السفن الحربية الصليبية".
الخلاصة الثالثة
ضرورة المفاصلة بين المسلمين والمنافقين
في أعقاب هجمات 11 سبتمبر رأى بن لادن أن العالم انقسم إلى
فسطاطين: فسطاط إيمان وفسطاط كفر. وفي خطابه هذا يقرر معادلة
مشابهة فيما يتعلق بواقع الأمة الإسلامية. فالأمة الإسلامية أحوج
إلى التمايز و"المفاصلة بين المسلمين والمنافقين" بعد محرقة غزة
باعتبارها " حدث تاريخي مهم، وفاجعة مفصلية". إذ "لا يصح أن يكون
حالنا بعد غزة كحالنا قبلها". لكن من هم أطراف المفاصلة؟ وما هو
مضمونها ؟ وما هي أدواتها؟
لا شك أن هذه الدعوة الفريدة إلى المفاصلة جعلت من فلسطين موضوعها
الوحيد ومنطلقها، وإذا كان هناك أحد من المسلمين يجادل في مشروعية
الجهاد في أفغانستان أو العراق أو الشيشان أو الصومال وغيرها من
الجبهات الساخنة فمن المفترض أنه لن يستطيع الطعن في مشروعية
الجهاد في فلسطين وواجب الأمة تجاهها. لكن لأن "الحق أكبر من
الجميع، وسلامة الحق مقدمة على سلامة الأوطان والرجال والأحزاب
والجماعات"؛ وكي يكون للمفاصلة جدوى يشترط بن لادن في خطابه: (1)
"المعرفة بخطورة ... الواقع الذي نعيشه " و (2) "إنزال فقه الشريعة
على هذا الواقع". فهل اختلفت قراءة بن لادن لـ "الواقع" عن
القراءات السابقة له أو للتيار السلفي الجهادي عموما؟
الحقيقة أنها لم تختلف ولا بكلمة واحدة، والتأصيلات في هذا الباب
وغيره تشهد فائضا يستعصي على المتابعة. بل أن ما جاء به الخطاب سبق
لأبي مصعب السوري، وغيره، أن فصَّل فيه وأفاض في كتابه الموسوعي
"دعوة المقاومة الإسلامية العالمية"، لكن الجديد هو توضيع المفاصلة
في إطار القضية الفلسطينية وانطلاقا منها بحيث يمكن بسهولة أكبر،
وعبر صرامة الموقف الشرعي، تحديد جبهة الأعداء وجبهة الأصدقاء دون
الحاجة للدخول في مساجلات عقيمة. بمعنى أن تنزيل الحكم الشرعي على
القضية الفلسطينية سيعني بالضرورة انطباقه على الواقع العربي
والإسلامي، ودون ذلك سيكون: "قعودا" أو "نفاقا" أو "إهدارا للوقت"
أو "تهربا من المسؤولية" أو "استغفالا للشباب المسلم" و "توالي
للمصائب". فإن كانت القراءة الواقعية والشرعية تثبت خطورة هذا
الواقع في فلسطين، كما ترى القاعدة وأقرانها على السواء، فكيف يكون
الواقع في أفغانستان والعراق والصومال وغيرها آمنا أو مغايرا؟
لا ريب أن مفاصلة شرعية حول قضية محددة كفلسطين من شأنها أن تضع
الكثير من الاعتقادات والأطروحات الأيديولوجية والتحالفات موضع
مساءلة في جوهرها بحيث يستبين للأمة، أفرادا وجماعات وحركات وأحزاب
وتنظيمات وعلماء وكتاب ودعاة ومجاهدين وقاعدين، حقيقة أمر "حسن" و
"حسني" والتخلص من الأوهام التي تتأمل خيرا من هكذا واقع.
الخلاصة الرابعة
مشروع عمل
فيما عدا موضوع العراق وفلسطين الذي سنخصص له مقالة مستفلة يمكن
القول أن خطة القاعدة لاستنهاض الأمة تقع حكما فيما اقترحه بن لادن
من مشروع إنشاء هيئة مناصحة متعددة الفروع. فالقاعدة غسلت يدها من
الهيئات الرسمية وحتى من اجتهادات الجماعات الإسلامية في أن تشكل
أي منها، منفردة أو مجتمعة، مرجعية للأمة يمكن الركون إليها. وفي
السياق لا بد من الإشارة إلى مقالة سابقة في سلسلة "خريف غزة
العاصف" وهي تتحدث عن "انتفاضة العلماء" حيث رصدنا فيها الحراك
الجاري منذ فترة بين طائفة من العلماء وكذا النشاط الإعلامي الذي
عبرت عنه القاعدة خاصة في شريط الظواهري "الأزهر عرين الأسود"
ورسالة أبي عبد الله الشافعي أمير أنصار الإسلام "إلى السادات
علماء الأمة الأفاضل".
لكن خلال الحرب على غزة برزت نخبة من العلماء أصدرت فتاوى بالغة
الجرأة فيما يتعلق بالحكام ومظاهرتهم للعدو وهي تلك الفتاوى التي
أشار إليها بن لادن. والأهم أن الحرب على غزة كشفت عن وجود فئة من
العلماء مستعدة لإنزال الحكم الشرعي على الواقع. وهو ما تريده
القاعدة خاصة وأن الأمة تفتقد إلى مرجعية شرعية تحظى بإجماع الأمة
وتكون قادرة على التعامل مع النوازل الكبرى أو تقرير شرعية القضايا
الخلافية الكبرى مثار الجدل. ففي الأمة خلافات وتيه وضلال وتمييع
وتلبيس في قضايا الجهاد والقوانين الوضعية وأنظمة الاقتصاد
والاجتماع والثقافة والحرب والسياسة والعلاقات الدولية والمعاهدات
وغيرها.
لذا فإن كل ما تدعوا إليه القاعدة هو مأسسة هذه الفئة من العلماء
في هيئة مناصحة تقدم المشورة والنصح للأمة ولقادتها ومجاهديها
بعيدا عن الهيئات الرسمية والمتنطعة أو تلك التي تدور في فلك
السلطة. ونحسب أن هذه الهيئة مطلبا للأمة وليس للقاعدة فقط حتى
وإنْ كانت البنود التي يقترحها بن لادن لهذه الهيئة تعبر في
الحقيقة عن احتياجات الساحات الجهادية. فإذا كان الهدف من الهيئة
هو كشف ما يسميه بـ "المنافقين في الأمة"؛ فلأن في الأمة منافقين
فعلا "على جميع الأصعدة". لكن الهدف الرئيس لبن لادن من الهيئة هو
بلورة قيادة أمينة للأمة مهمتها إحداث التغيير بصورة سلمية عبر:
· تحديد فسطاط الصادقين والناصحين للأمة سواء كانوا علماء أو دعاة
أو كتابا أو مفكرين بقطع النظر عن بعض الزلل الذي يمكن التنبيه
إليه والنصح فيه بدل المقاطعة. وهذه خطوة حاسمة في تحييد الخصوم من
جهة وفي وجوب الحد من التشدد المنفر تجاه البعض ممن يقع الاختلاف
معهم من جهة أخرى "وإلا فلن يبقى لنا عالم فضلاً عمن دونه".
· تصحيح المفاهيم الشرعية في فكر وحياة الأمة عبر التأكيد على بضعة
كتب تعتبرها القاعدة منطلقا سليما للعامة أكثر من الخاصة، وتركز
على قضايا التوحيد والهوية والمواقف الشرعية من الجهاد والاستعانة
بالعدو.
· التصدي لمحاولات اختراق الأمة في عقيدتها أو ما يسميه أحد الكتاب
الإسلاميين بـ "أسلمة الكفر".
· إعداد قوائم بهوية الأعداء والمنافقين ووسائل عملهم ابتداء من
الصحف وانتهاء بالقنوات التلفزيونية.
· إعداد قوائم أخرى وكذلك في " الذين تصب جهودهم في صالح أعدائنا
دون أن يشعروا، كالمرجفين والمخذلين والمثبطين من المسلمين" بموجب
"ضوابط شرعية".
أما قيمة المقترح القاعدي فيكمن في أن الكثير من الدعاة ألمحوا في
أكثر من مناسبة إلى حاجة الأمة لمثل هذه الهيئات أو المرجعيات مما
يعني أن بن لادن لا يوجه خطابه في الفراغ. والواقع أن توجها من هذا
النوع قد يشي بولادة ما يمكن تسميته بـ: "بن لادن المدني" بحيث
يكون للقاعدة، مع الوقت، تيارات مدنية وليس فقط تيارات مسلحة.
وللحديث بقية ...
|