المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
العـتـــاب
لمن تكلم بغير لغة الكتاب
[بقلم:  ( تركي بن مبارك بن عبد الله البنعلي  )]
بسم الله الرحمن الرحيم               حمّل الكتاب بصيغة وورد


 

 

العـتـــاب

لمن تكلم بغير لغة الكتاب

 

 

لغتي يا أجملَ بُستانِ *** لغتي يا فيضَ الوجدانِ

يا أولَ حـرفٍ أنطقهُ *** حُلـواً أهواهُ ويَهْواني

 

 

 

تقديم فضيلة الشيخ العلامة: زهير الشاويش حفظه الله

تأليف: تركي بن مبارك بن عبد الله البنعلي

1430هـ

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

 

مقدمة شيخنا العلامة زهير الشاويش حفظه الله:

 

اللغة العربية وحي رباني

عقيدةَ, وتلاوة, ورقماً, وتفسيراً, ووعظاً

                                               بقلم: زهير الشاويش

 

     لك الحمد يا ربي، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، وجميع صحبه، ومن تبعهم محافظاً على دين الله، ولغة القرآن الكريم؛                           وبــــعد:

     فقد رغب إليَّ الأخ الفاضل تركي البنعلي, أن أطلع على رسالته القيِّمة:

(( العتاب لمن تكلم بغير لغة الكتاب ))

     فجزاه الله الخير، على كريم فعله، وحسن ظنه. ووجدت فيها علماً واسعاً، ونصحاً نافعاً، ودعوة حميدة لكل الأمة؛ للرجوع إلى لغة القرآن، والحفاظ على هوية الأمة مما يعتبر - في أيامنا هذه - رجوع إلى العهود السلفية السابقة, أيام الخلافة الراشدة, ثم أيام الدولة الأموية:

     وفيها الرد على الشعوبية الضالة، بأسلوب عصري مقنع، وتلطف في الخطاب الأخوي، برسالته الصغيرة، والتي جمع فيها:

1ـ حسنات العربية كلها.

وبـيَّن عيوب التقليد الفاسد.

ونقل من كتاب الله من الآيات الكريمات، ومن صحيح الأحاديث النبوية الشريفة، ومواعظ من تقدم من كلام السلف الصالح، بما نقله عمن سبق من أهل الدعوة والعلم والفهم.

4ـ أقنع الذين مشواْ بهذا الأسلوب من أبناء أمته, بصواب ما هم عليه.

5ـ وفيما ناقش به المخالف - المفترض - فيما قاله، وفيما لم يقله.

     وقد اطلعت عليها ساعة وصولها إلي، ولم أتركها البتة, حتى انتهيت منها ليلة عيد الأضحى المبارك.

        فوجدت فيها الفائدة, التي سبق ومرت عليّ في الزمن الطويل، ولكنني نسيتها مفصلة، وكذلك ما لم أذكر أنني أطلعت عليه من قبل, ولكن وجدت فيه ما أفادني.

     ورأيت نقاشاً موسعاً - على صغر حجمها - ألـمَّ بجوانب من موضوعات متعددة تنبه إليها أخي الشيخ تركي وحصرها, وخرج بعد بحثها منتصراً على من ناقشه, بكل ما في هذه الكلمة من معنى، وبقي مؤدباً متواضعاً مع الخصم، فاتحاً له أبواب الرجوع للحق مشرعة, وحاملاً لراية الوفاق والتوافق, مبسوطة الجوانب.

     ومثل هذا ما عرفناه عند عالمين جليلين هما:

     حجة الإسلام محمد بن محمد الغزالي، مع خصومه بحيث يورد حجج خصمه كلها، بصورة يعجز عن الإتيان بها صاحبها, ثم يرد عليها، فيزيحها كلها جانباً, ولا يملك الخصم إلا الرجوع للحق الذي أراده الغزالي - رحمه الله -.

     وكذلك مثله شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية؛ وفي مؤلفاته يعرض أيضاً كلام الخصوم, الذين   عجزوا عن إيراده من مذاهبهم.

     وبعد ذلك يفند أقوالهم - التي قالوها - والتي لم يقولوها، ثم يقدم لهم الحق الأبلج، واضحاً جلياً مع الأدلة - رحمه الله -.

     وقد وجدت عند أخي الشيخ تركي في رسالته الصغيرة، أنه تمذهب بهذين العالِمَـيْن     - ومن مشى على هديهما - في محاولة إقناع الذين عاتبهم - بلطف - لتركهم التكلم بلغة الكتاب, المنزل من رب الأرباب.

*   *   *

     وقد رأيت في عمل أخي فضلاً عن رده على من تقدم من (الشعوبيين) - وأغلبهم من بقايا المجوس - في عصر الخلافة الراشدة, والخلافة الأموية, ومطلع الخلافة العباسية, تشابهاً ممتعاً، ورداً جامعاً, في الدفاع عن صحة لغة الإسلام، وكلام الصحابة الكرام، y أجمعين.

     وانظر حملاته على الشعوبية, والزنج, والقرامطة, في مقدمة كتابه: (( عيون الأخبار )) لمؤلفه ابن قتيبة الدينوري - رحمه الله -, الذين اتخذ الشعوبيون التشيع وسيلة لضرب السنة, وآل البيت, والإسلام, والعروبة في آن واحد.

     ثم وجدت منه تشابهاً أيضاً، فيما كتبه شيخي السيد محمد الخضر حسين - التونسي الأصل - ثم شيخ الأزهر في مصر 1291هـ=1874م, في كتابه الذي تشرفت بطبعه سنة 1380هـ=1960م بدمشق مع الإخوة مكتبة دار الفتح؛ وقدم له شيخنا العلامة محمد بهجة البيطار:

(( دراسات في العربية وتاريخها ))

     ثم وجدت عند أخي تركي لقطات من كلمات علماء دافعوا في عصرنا هذا عن لغة القرآن, أذكر أمثلة عنهم من غير حصر:

     مصطفى صادق الرافعي, والسيد محمد رشيد رضا, ومن بعدهم مشايخي: محمود محمد شاكر, محمد سعيد الأفغاني, خير الدين الزركلي, بهجة الأثري, وأمجد الزهاوي.

     والذين جاءوا من بعدهم أمثال: أحمد راتب النفاخ - رحمه الله - ، والداعية الشيخ عصام العطار، والدكتور عدنان محمد زرزور, والأستاذ منذر أبو شعر, والعشرات ممن دافعوا عن لغة الضاد.

     ومما قاله الشيخ محمد الخضر حسين:

     " حررت ما سنناجيكم به في هذا المقام, وأتيت في خلال تحريره على شبه أوحي بها إلى بعض المسامرين, فالتبس عليه حال اللغة من جهة  حياتها, ولئن أشهدناه كيف يجري في عروقها, وتلونا عليه من دلائل فصاحتها ما لا يمكن إنكاره, فإنا نعترف له بمزية البحث وأعمال الفكر, لأننا أمة بحث ونظر, لا أمة تقليد وضغط على الأفكار.

     ولا أظهر في هذا الموقف بدعوى المفاضلة بينها وبين لغات أخرى, ثم أقضي لها بالمزية والسباق, فإن شرف منزلتها, وقرار حياتها, لا يتوقف في بيانه على الموازنة بينها وبين ما عداها من اللغات.

     ولا ادعي فيما أسوقه من شواهد حسنها, أن جميعه خاصة لها, لا يشاركها فيها لسان, فإذا أوردنا في سلكها فضيلة يعهدها بعض الحاضرين من لغة أخرى, فلا يناج نفسه بانا خرجنا من سبيل الغرض والقصد من الإستشهاد, إذ يكفينا داعياً إلى الذود عن حياضها, وناهضاً بالهمم إلى الإحتفاظ بها, إن غيرها من الألسنة لا يفوقها بفن من فنون البيان. " انتهى كلامه رحمه الله.                                                                                                

*   *   *

     وفي رسالة أخي الشيخ تركي: كلام نقله عن علماء الأمة, الذين سماهم ونقل من كلامهم النافع المفيد, تغمدهم الله جميعاً برحمته, وأحسن الله إليهم, وجزاهم عنا خير الجزاء, بما قدموا من نفع وعلم لأمة الإسلام.

     ثم ينقل عن شيخ الإسلام أحمد ابن تيمية, من كتاب:

(( اقتضاء الصراط المستقيم, في مخالفة أصحاب الجحيم ))

     وسبق أن قلت عنه: إنه أحسن كتب ابن تيمية، في مقابلة لي مع إذاعة المملكة العربية السعودية سنة 1384هـ = 1963م.

     ثم وجدت أخي الشيخ تركي ينقل عن كتاب (( عيون الأخبار )) للعلامة عبد الله بن مسلم بن قتيبة الديتوري ( 213هـ, 276هـ) في الصفحة 19 وما بعدها نقول كثيرة، غير أنه نقل عن طبعة غير طبعة أخي الدكتور منذر أبو شعر الميداني؛ طبع المكتب الإسلامي, المحققة سنة 1429هـ = 2008م, بأربعة مجلدات, وهي الأحسن.

     والله أرجو أن يكتب التوفيق والسداد لأخي تركي البنعلي, وأن يلهم كل مخطئ العودة إلى الحق والصواب.

     وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

     حازمية بيروت, أواخر ذي الحجة من العام 1430 للهجرة. 2009م.

 

                                                زهير بن مصطفى الشاويش

                                                الحسيـنـي

 

 

 

مقدمة المؤلف:

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن كلاماً منظماً, ونزّله بحسب المصالح منجماً, وجعله بالتحميد مُفتتحاً وبالاستعاذة مختتماً, وأوحاه على قسمين متشابهاً ومحكماً؛ وحياً ناطقاً ببينات وحجج, قرآناً عربياً غير ذي عوج.. والصلاة والسلام على خليل الله أبي القاسم, محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم, وعلى آله الأطهار, وخلفائه من الأختان والأصهار, وعلى جميع المهاجرين والأنصار, ومن على طريقهم وهديهم سار, أما بعد:

فإن الناس قد رمونا عن قوس واحدة, وغزونا على كل الأصعدة؛ فغزو عسكري.. وآخر فكري.. وآخر إعلامي.. وغزو لغوي!

فصار الشبيبة الناشئة يتفاخرون برطانتهم الأعجمية, ويصفون لغتنا الغالية العالية بالتخلف والرجعية! وهذا جهل منهم صريح, وسوء أدب بلغة القرآن قبيح.. قال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله في جملة الآداب : 7- الأدب مع لسان العرب:

·       النهي عن تغيير لسان العرب وشعائرهم في لسانها.

·       النهي عن اللحن.

·       النهي عن التكلم بغير العربية.

·       النهي عن شعائر الكفار اللفظية. اهـ [معجم المناهي اللفظية ص37-39]

وهذا كله ليس بغريب, فهؤلاء قد رضعوا من الإعلام الغربي من المهد حتى المشيب! لكن الغريب العجيب المريب: أن ينحو هذا المنحى طلاب العلم والدعاة, وأهل الصلاح الهداة! فتسمع أحدهم يرطن في دروسه ومواعظه برطانة الأعاجم, بحجة أن المصطلحات الجديدة قد شحت بها المعاجم! ولو نطقت لغتنا, لقالت مقرعة لنا:

وَسِعْتُ كتاب اللهِ لفظاً وغايةً *** وما ضِقْتُ عن آيٍ بهِ وعِظاتِ

فكيف أضيقُ اليومَ عن وصفِ آلةٍ *** وتنسيق أسماءٍ لمخترعاتِ

أنا البحرُ في أحشائه الدرُّ كامنٌ *** فهل سألوا الغوّاصَ عن صدفاتي[1]

وها أنا أغوص في أعماق تراثنا المتلاطم, لأجمع بعض الأصداف, هدية مني لأهل الصلاح والإنصاف.

وكتب: تركي بن مبارك البنعلي

1430هـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

توطئة وتمهيد:

 

من المعلوم أن اللغة العربية قوية في ذاتها قوة معنوية, وكانت في زمن الخلافة إضافة إلى قوتها المعنوية قوية قوة مادية.. فهذا الإمام ابن حزم الأندلسي رحمه الله يرى أن العربية استمدت قوتها من قوة الدولة الإسلامية, إذ اللغة يسقط أكثرها ويبطل بسقوط دولة أهلها ودخول غيرهم عليهم في أماكنهم , أو بنقلهم عن ديارهم واختلاطهم بغيرهم. فإنما يُقيد لغة الأمة وعلومها وأخبارها قوة دولتها ونشاط أهلها. وأما من تَلِفت دولتهم, وغلب عليهم عدوهم, واستقلوا بالخوف والحاجة والذل وخدمة أعدائهم فمضمون فيهم موت الخاطر. [الإحكام في أصول الأحكام 1/32]

فلما كان الحكم الإسلامي رائداً, والقضاء بما أنزل الله سائداً, انتشرت لغتنا في ربوع العالمين, وصدرناها إلى غيرنا من الأعجمين, حتى أصبح أهل أوروبا يتفاخرون بتعلم لغتنا, ويتباهون بالتكلم بها.. حتى ضاق الأمر على أربابهم, مما دعاهم إلى مناصحة شعوبهم؛ قال "ألفارو" (Alvaro) في القرن التاسع الميلادي: " إن إخواني المسيحيين يدرسون كتب فقهاء المسلمين وفلاسفتهم لا لتفنيدها, بل لتعلم أسلوب عربي بليغ. وأسفاه إنني لا أجد اليوم علمانياً يُقبل على قراءة الكتب الدينية أو حتى الإنجيل؛ بل إن الشباب المسيحي الذين يمتازون بمواهبهم الفائقة أصبحوا لا يعرفون علماً ولا أدباً ولا لغة إلا اللغة العربية, ذلك أنهم يقبلون على كتب العرب في نهم وشغف, ويجمعون منها مكتبات ضخمة تكلفهم الأموال الطائلة في الوقت الذي يحتقرون الكتب المسيحية وينبذونها... لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم, ولن تجد بين الألف منهم واحداً يستطيع كتابة خطاب باللغة اللاتينية..". [حضارة الإسلام لجرو ينباوم ص81-82, وأثر الحضارة العربية في أوروبا لزيغريد هونكه ص529]

ولقد دخل إلى اللغات الأوروبية أكثر من ألف كلمة عربية, كـ: الفندق = fondaco , ديوان = douane , دفتر = defetari , رحبه = rahba , حجام = cangemi , كابل ( سلك ) = kabel , صك = scheek , تعرفة = tariffa , الملح القلوي ( بوتاس ) = calslum , فلوكه ( قارب ) = feluke , قيثارة = gittare , راحة اليد ( مضرب الكرة ) = rakete , بازار = bazzariotu , سكر = sucre , حرارة = carara , ترصيع = tarsia , منزل الأمير = misilmeri , المقنطرات = almuquantarat , الكحول = al khohol , عسكري = askari , السيد = cid , مسكين = mesquino , طاسة = tasse , خزانة = gasena , خسارة = cassara , علقمة = alcamo , تربيع = trabia , فوارة = favara , السكة = zecca , الرطل = rotola , المعصرة = mazzara , القصر = cassaro , البطيخ = pastecca , الخليج = galiggi , المحتسب = almotacen ... إلخ[2]

وأما اليوم فقد تسلط على الأمة أراذلها, وساسها أعدائها, فلا تُستغرب عجمتها, ولا كثرة اللحن من أبنائها! حتى بلغ الحال فيها؛ أن حدثني بعض مشايخي أن شيخه العلامة نقيب أحمد جلس مستمعاً لخطبة أحد المشايخ العرب, فلما انتهى من خطبته, التفت الشيخ نقيب وقال لشيخي: هل هذا الخطيب أعجمي؟ قال شيخي: فظنناه قد اصطاد عليه لحناً في اللغة, وقلنا له: بل هو عربي. فقال الشيخ نقيب: عجيب! عربي ولم يلحن!! فكأن الأصل في العربي -هذه الأيام- هو اللحن وليس الإعراب!

دخل الشعبي على الحجاج فقال له: كم عطاءَك؟ قال: ألفين. قال: ويحكَ! كم عطاؤكَ؟ قال: ألفان. فقال: فلِمَ لحنتَ فيما لا يلحنُ فيه مِثلُكَ؟ قال: لحنَ الأميرُ فلحنتُ, وأعرب الأميرُ فأعربتُ, ولم أكن ليلحن الأمير فأعربَ أنا عليه, فأكونَ كالمقرّع له بلحنه, والمستطيل عليه بفضل القول قبله. فأعجبه ذلك منه, ووهبه مالاً. [العقد الفريد لابن عبد ربه 2/125]

وما هذا الواقع الذي نعيشه إلا مخطط مدروس من الأعداء, وقد بذلوا لتحقيقه الجهد والعناء.. قال نابليون لبعثته الوافدة إلى مصر: علموا الفرنسية, ففي ذلك خدمةٌ حقيقيةٌ للوطن.اهـ [اللغة العربية في التعليم العالي لالمبارك ص11]

وقد كانت أولى توصيات الحاكم الفرنسي لجيشه الزاحف إلى الجزائر: علّموا لغتنا وانشروها حتى تحكم الجزائر, فإذا حكمت لغتنا الجزائر فقد حكمناها حقيقة.اهـ[اللغة العربية في التعليم العالي لالمبارك ص11]

وقال اللورد ميكالي عن الهند:  يجب أن ننشىء جماعة تكون ترجماناً بيننا وبين ملايين من رعيتنا وستكون هذه الجماعة هندية في اللون والدم انجليزية في الذوق والرأي واللغة والتفكير. [نحو التربية الإسلامية الحرة، للندوى: ص 32]

وقال الصهيوني ليفي أشكول: إننا لن نسمح بوجود لغةٍ واحدةٍ وشعبٍ واحدٍ ودينٍ واحدٍ في الشرق الأوسط.اهـ [جريدة الأخبار المصرية, 15 يوليو, 1964م]

قال الأديب الألمعي الرافعي: ما ذلت لغة شعب إلا ذل، ولا انحطت إلا كان أمرها في ذهاب وإدبار، ومن هنا يفرض الأجنبي المستعمر لغته فرضا على الأمة التي يستعمرها، ويركبهم بها، ويشعرهم عظمته فيها. اهـ [ وحي القلم 2/33 ]

وقال أحمد بن محمد صديق الغماري في كتابه ( الاختراعات العصرية ..) : وعدم وجود الكاتب في الحي العظيم كاد يتحقق اليوم في المغرب وبعض الأقطار التي كانت تحت سيطرة الإستعمار؛ كالجزائر فإنه يوجد في كثير من الأحياء الكتاب باللغة الأجنبية ولا يوجد فيها الكتاب بالعربية لأن تعليمهم إنما كان في المدارس الإفرنجية التي لا تعلم إلا بلغتها وكتابتها بقصد القضاء على اللغة العربية التي هي أساس الإسلام. اهـ

فهذه جهود الأعداء اليوم قد آتت أكلها ضعفين, حتى كدنا أن نقول مثلما قاله "ألفارو" (Alvaro) : ... "لقد نسي المسلمون حتى لغتهم, ولن تجد بين الألف منهم واحداً يستطيع كتابة خطاب باللغة العربية..".

ولقد كنت في صغري أجلس إلى النحوي أبي عبد الله عبد الرحمن الشيخ رحمه الله وقد كان معمراً قد جاز المائة من عمره فأستفيد منه في اللغة والفقه[3] , ومما حدثني به وقد أثار عجبه وغرابته أنه قال لي: تركي .. هل تصدق أنه جلس إليّ بعض الشباب فسألتهم عن مرحلتهم في الدراسة؟ فقالوا: نحن في الجامعة. فقلت لهم: أعربوا لي "بسم الله الرحمن الرحيم"؟ فلم يستطيعوا وقالوا: لا نعرف. فقلت لهم: أنتم تدرسون في الجامعة ولا تعرفون إعراب "بسم الله الرحمن الرحيم"؟! فقالوا: نحن نهتم باللغة الانجليزية أكثر!!!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خصائص اللغة العربية, ومميزاتها الذهبية:

 

أولاً: اللغة العربية لغة أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم-:

 

روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يدخل أهل الجنة الجنة على طول آدم ستين ذراعاً بذراع الملك, على حسن يوسف, وعلى ميلاد عيسى ثلاث وثلاثون سنة, وعلى لسان محمد صلى الله عليه وسلم..). [حسنه الألباني في السلسلة الصحيحة 6/43]

وروى داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لسان أهل الجنة عربي".اهـ وقال عقيل قال الزهري: "لسان أهل الجنة عربي".اهـ

قال الإمام ابن القيم في نونيته "الكافية الشافية في الانتصار للفرقة الناجية":

ولقد أتى أثر بأن لسانهم *** بالمنطق العربي خير لسان[4]

وأخرج ابن عساكر في التاريخ عن ابن عباس: أن آدم عليه السلام كانت لغته في الجنة العربية, فلما عصى سلبه الله العربية, فتكلم بالسريانية, فلما تاب ردّ عليه العربية. إلا أن عبد الملك بن حبيب يقول: كان اللسان الأول الذي نزل به آدم من الجنة عربياً إلى أن بَعُد العهد وطال, حُرِّف وصار سِريانياً.اهـ [المزهر للسيطوي 1/3]

وقال سفيان الثوري: لم ينزل وحي إلا بالعربية ثم ترجم كل نبي لقومه, واللسان يوم القيامة بالسريانية, فمن دخل الجنة تكلم بالعربية.اهـ [رواه ابن أبي حاتم]

وقالت المستشرقة الألمانية الدكتورة آنا ماري شيمل: واللغة العربية لغةٌ موسيقية للغاية, ولا أستطيع أن أقول إلا أنها لا بدّ أن تكون لغة الجنة.اهـ [مجلة مجمع اللغة العربية, المجلد44, ج1, ص46]

ولسانُ الجنةِ منْ لُغتي *** للحُورِ بها والوِلدانِ

سـأظلُّ أُردد مفتخِراً *** ببيـانٍ عَذْبٍ فَتّانِ

لُغتي يا أجملَ أُغنيةٍ *** يَحميكِ إلهُ الأكوانِ[5]

 

ثانياً: اللغة العربية لغة القرآن والسنة:

 

قال الله تعالى: (إنا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون), وقال تعالى: (وكذلك أنزلناه حكما عربيا ولئن اتبعت أهواءهم بعد ما جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا واق), وقال تعالى: (ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر لسان الذي يلحدون إليه أعجمي وهذا لسان عربي مبين), وقال تعالى: (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا), وقال تعالى: (وإنه لتنزيل رب العالمين* نزل به الروح الأمين* على قلبك لتكون من المنذرين* بلسان عربي مبين), وقال تعالى: (قرآنا عربيا غير ذي عوج لعلهم يتقون), وقال تعالى: (كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون), وقال تعالى: (ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد), وقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير), وقال تعالى: (إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون), وقال تعالى: (ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين), وقال تعالى: ( فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى ورحمة ) قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: فقد جاءكم من الله على لسان محمد صلى الله عليه وسلم النبي العربي قرآن عظيم فيه بيان للحلال والحرام وهدى لما في القلوب ورحمة من الله لعباده الذين يتبعونه ويقتفون ما فيه.اهـ وقال تعالى:  (فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا) قال الإمام ابن كثير رحمه الله: وقوله: (فإنما يسرناه) يعني القرآن (بلسانك) أي يا محمد وهو اللسان العربي المبين الفصيح الكامل.اهـ وقال تعالى: (ولو نزلناه على بعض الأعجمين* فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين) قال الإمام ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: أنه لو نزل على رجل من الأعاجم ممن لا يدري من العربية كلمة وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته لا يؤمنون به.اهـ وقال الإمام ابن القيم رحمه الله: وإنّما يعرف فضل القرآن مَنْ عرف كلام العرب، فعرف علم اللغة وعلم العربية، وعلم البيان، ونظر في أشعار العرب وخطبها ومقاولاتها في مواطن افتخارها، ورسائلها..اهـ

وروى أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء عن الحسن البصري أنه سئل: ما تقول في قوم يتعلمون العربية؟ قال: "أحسنوا يتعلمون لغة نبيهم".

وقد بوب البخاري في صحيحه: "باب نزل القرآن بلسان قريش". وقال الثعالبي: إن من أحب الله أحب رسوله المصطفى صلى الله عليه وسلم, ومن أحب النبي أحب العرب, ومن أحبَّ العرب أحب اللغة العربية التي بها نزل أفضل الكتب على أفضل العجم والعرب, ومن أحب العربية عني بها وثابر عليها, وصرف همّته إليها.اهـ [فقه اللغة وسرّ العربية ص2]

وقد حدثنا شيخنا عبد الغني الكبيسي العراقي حفظه الله عن الشيخ أمجد الزهاوي رحمه الله: أنه كان إذا مر في الطريق ورأى قصاصة أو ورقة مكتوب عليها باللغة العربية فإنه يحملها معه ولا يدعها على الأرض ويقول : هذه لغة القرآن. اهـ

لغتي يا بحراً ممتداً *** قد ناغى كلَّ الشُطآنِ

يا خيرَ بيانٍ باركَهُ *** ربي في آي القرآنِ

قد كان رسولُ اللهِ بها *** مَثَلاً أعلى في التبيانِ[6]

 

ثالثاً: معرفة اللغة العربية؛ نحوها وصرفها ومعانيها وأساليبها: من شروط المفتي:

 

قال الإمام الشافعي رحمه الله: لا يحل لأحد أن يفتي في دين الله إلا رجلاً عارفا بكتاب الله بناسخه ومنسوخه، وبمحكمه ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيه ومدنيه وما أريد به وفيما أنزل، ثم يكون بعد ذلك بصيراً بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناسخ والمنسوخ، ويعرف من الحديث ما عرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة، بصيراً بالشعر وبما يحتاج إليه للعلم والقرآن.. اهـ [الفقيه والمتفقه 2/ 157]

وقال الإمام أبو محمد ابن حزم رحمه الله: وفرض على من قصد التفقّه في الدين كما ذكرنا أن يستعين على ذلك من سائر العلوم بما تقتضيه حاجته إليه في فهم كلام ربه تعالى، وكلام نبيه صلى الله عليه وسلم. قال تعالى: (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم) ففرض على الفقيه أن يكون عالما بلسان العرب ليفهم عن الله عز وجل، وعن النبي صلى الله عليه وسلم، ويكون عالما بالنحو الذي هو ترتيب العرب لكلامهم الذي به نزل القرآن، وبه يفهم معاني الكلام التي يُعبر عنها باختلاف الحركات وبناء الألفاظ، فمن جهل اللغة وهى الألفاظ الواقعة على المسميات، وجهل النحو الذي هو علم اختلاف الحركات الواقعة لاختلاف المعاني, فلم يعرف اللسان الذي به خاطبنا الله تعالى ونبينا عليه السلام، ومن لم يعرف ذلك اللسان لم يَحِلّ له الفتيا فيه، لأنه يفتي بما لا يدري، وقد نهاه الله تعالى عن ذلك بقوله تعالى: (ولا تقف ما ليس لك به علم). وبقوله تعالى: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم). وبقوله تعالى: (ها أنتــم هــؤلاء حاججتــم فيما لكم به عـــلم فلم تحاجُّـــــون فيما ليس لكم به عـــلم). وقال تعــالى: (وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ).. [الإحكام لابن حزم 5/ 124- 126]

وقال الإمام أبو عمرو ابن الصلاح رحمه الله: المفتي المستقل، وشرطه: أن يكون ... عارفاً من علم القرآن، وعلم الحديث، وعلم الناسخ والمنسوخ، وعلمي النحو، واللغة..اهـ [أدب المفتي ص 86-87]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: فإن الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي, وجعل رسوله مبلغاً عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي, وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به, لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان, وصارت معرفته من الدين, وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله, وأقرب إلى إقامة شعائر الدين, وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار, في جميع أمورهم, وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض ما قاله العلماء, من الأمر بالخطاب العربي, وكراهة مداومة غيره لغير الحاجة...اهـ [ الاقتضاء ص143 ]

وجاء في تفسير ابن كثير عند قوله تعالى: (هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين)..قال أيوب : سألت الحسن عن قوله (فمرت به) قال: لو كنت رجلا عربيا لعرفت ما هي, إنما هي فاستمرت به.اهـ

وقال شرف الدين يحيى العمريطي:

وكان مطلوباً أشدَّ الطلبِ *** من الورى حفظُ اللسانِ العربي

كي يفهمـوا معاني القرآنِ *** والسنةِ الـدقيقــةِ المعاني[7]

فكلما ازداد المفتي تبحراً في اللغة ازداد فهماً لنصوص الوحيين, وكلام السلف الصالحين.. قال الإمام الشافعي رحمه الله: وما ازداد - أي المتفقه- من العلم باللسان الذي جعله الله لسان من ختم به نبوته وأنزل به آخر كتبه كان خيراً له.اهـ

دخل أبو يوسف القاضي على الرشيد ومعه الكسائي, وهما في مُذاكرة وممازحة فقال: يا أمير المؤمنين, إن هذا الكوفي قد غلب عليك! فقال: يا أبا يوسف, إنه ليأتيني بأشياء يشتمل عليها قلبي وتأخذ بمجامعه. فقال الكسائي: يا أبا يوسف هل لك في مسألة؟! فقال: في نحوٍ أو فقه؟ قال: بل في فقه. فضحك الرشيد وقال: تُلقي على أبي يوسف الفقه! قال: نعم. قال: يا أبا يوسف, ما تقول في رجل قال لزوجه: أنتِ طالقٌ ان دخلتِ الدار؟ قال: إذا دخلت طلقت. قال: أخطأتَ يا أبا يوسف! فضحك الرشيد ثم قال: كيف الصواب؟ فقال: إذا قال "أنْ" وجب الفعل ووقع الطلاق, دخلت الدار بعد أو لم تدخل, وإن قال "إنْ" بالكسر لم يجب ولم يقع الطلاق حتى تدخل الدار. [ حدائق ابن عاصم ص374]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: واعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيراً قوياً بيناً, ويؤثر أيضاً في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين, ومشابهتهم تزيد العقل والدين والخلق.

وأيضاً فإن نفس اللغة العربية من الدين, ومعرفتها فرض واجب, فإن فهم الكتاب والسنة فرض, ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية, وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

ثم منها: ما هو واجب على الأعيان, ومنها ما هو واجب على الكفاية, وهذا معنى ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عيسى بن يونس عن ثور عن عمر بن يزيد قال: كتب عمر إلى أبي موسى رضي الله عنه: (أما بعد, فتفقهوا في السنة, وتفقهوا في العربية وأعربوا القرآن فإنه عربي). وفي حديث آخر عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (تعلموا العربية فإنها من دينكم, وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم), وهذا الذي أمر به عمر رضي الله عنه من فقه العربية وفقه الشريعة, يجمع ما يحتاج إليه, لأن الدين فيه أقوال وأعمال, ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله, وفقه السنة هو فقه أعماله. اهـ [الاقتضاء ص178-179]

 

رابعاً: بعض ما تميزت به اللغة العربية عن غيرها:

 

إن اللغة العربية أمتن تركيباً, وأوضح بياناً, وأعذب مذاقاً.. قال ابن خلدون: وكانت المَلَكة الحاصلة للعرب من ذلك أحقّ الملكات وأوضحها بياناً عن المقاصد.اهـ [مقدمة ابن خلدون ص546]

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد أن ذكر إجماع أهل السنة والجماعة على أن جنس العرب أفضل من جنس العجم , عبرانيهم وسريانيهم وروميهم وفرسيهم.. وساق الأدلة على ذلك ثم قال: وسبب هذا الفضل –والله أعلم– ما اختصوا به في عقولهم وألسنتهم وأخلاقهم وأعمالهم. وذلك أن الفضل: إما بالعلم النافع, وإما بالعمل الصالح, والعلم له مبدأ وهو: قوة العقل الذي هو الفهم والحفظ, وتمام, وهو: قوة المنطق, الذي هو البيان والعبارة. والعرب هم أفهم من غيرهم, وأحفظ وأقدر على البيان والعبارة. ولسانهم أتمّ الألسنة بياناً وتمييزاً للمعاني, جمعاً وفرقاً, يجمع المعاني الكثيرة في اللفظ القليل, إذا شاء المتكلم الجمع, ثم يميز بين كل شيئين مشتبهين بلفظ آخر مميز مختصر..إلخ [ الاقتضاء ص141 ]

ويرى ابن فارس أن اللغة العربية أفضل اللغات وأوسعها, إذ يكفي ذلك دليلاً أن رب العالمين اختاراها لأشرف رسله وخاتم رسالاته, فأنزل بها كتابه المبين. ولذلك لا يقدر أحدٌ من التراجم أن ينقل القرآن الكريم إلى اللغات الأخرى, كما نُقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية, وتُرجمت التوراة والزبور وسائر كتب الله بالعربية. والسبب في ذلك يعود إلى أن العجم لم تتسع في المجاز اتّساع العرب. [الصاحبي لابن فارس ص13]

وتتميز اللغة العربية بثراء عظيم في أبنيتها, فقد قام الإمام الخليل بن أحمد رحمه الله بعد أبنية العربية المستعمل منه والمهمل, على مراتبها الأربع من الثنائي والثلاثي والرباعي والخماسي من غير تكرار فبلغ "12.305.412" كلمة. [انظر كتاب العين] في حين يرى بعض الباحثين أن المستعمل منها لا يزيد عن ثمانين ألف كلمة. [عجيب اللغة لحمادة ص44]

وذكر الإمام السيوطي في معرض تفضيله للغة العربية على سائر اللغات مزايا وخصائص اللغة العربية, ومما ذكره:

1-             كثرة المفردات والاتساع في الاستعارة والتمثيل.

2-             التعويض: وهو إقامة الكلمة مقام الكلمة.

3-             فكّ الإدغام, وتخفيف الكلمة بالحذف, نحو: لم يكُ.

4-             تركهم الجمع بين الساكنين, وقد يجتمع في لغة العجم ثلاثة سواكن.

5-     وللعرب ما ليس لغيرهم, فهم يفرقون بالحركات وغيرها بين المعاني. [انظر المزهر للسيوطي 1/321 وما بعدها].

ومن خصائص اللغة العربية دلالة بعض الحروف على المعاني,  قال الإمام ابن جنّي: وذلك أنهم قد يُضيفون إلى اختيار الحروف وتشبيه أصواتها بالأحداث المعبّر عنها بها ترتيبها, وتقديم ما يضاهي آخره, وتوسيط ما يضاهي أوسطه, سَوْقاً للحرف على سَمْت المعنى المقصود والغرض المطلوب. فحرف (التاء) إذا جاء ثاني الكلمة دلّ على القطع: بتّ الحبل. بتر العضو.. وحرف (الغين) في أول الكلمة يدلّ على الاستتار والظلمة والخفاء: غابت الشمس, غاص الماء, غطس السبّاح...إلخ. وحرف (النون) في أول الكلمة يدل على الظهور والبروز: نفث, نفخ, نبت...إلخ [الخصائص لابن جنّي 2/163]

ومن خصائص اللغة العربية سهولة تعلمها, قال العالم الفرنسي مارسي: "من السهل جداً تعلُّم أصول اللغة العربية, فقواعدها التي تظهر معقدة لأول نظرةٍ هي قياسية ومضبوطة بشكل عجيب لا يكاد يُصدق, فذو الذهن المتوسط يستطيع تحصيلها بأشهرٍ قليلةٍ وبجهدٍ معتدل".اهـ [مجلة مجمع اللغة العربية, المجلد44, ج1, ص46]

قال العلامة محمد بهجة الأثري [8] في اللغة العربية :

مُخلَّدَة الشباب على الليالي *** فلا يدنو مشيبٌ من حماها

يَشيخُ الدهر حالاً بعد حال *** وما تنفكُّ تزهو في صباها

عجبت لها , ومنبَتُها الصحارى *** تُغَذِّي إِرْبةَ الدنيا لغاها

حباها بارئُ الأصوات أحلى *** وأعذبَ ما يَرِفُّ به صداها

مُنَغَّمةٌ كأنّ لها رباطاً *** مع الإيقاع توقِعُه خطاها

هي الفصحى لنا وزْرٌ وحقٌ *** علينا برها ومنى رضاها [9]

نغذيها بأنفسنا ونحمي *** قداستها , ونرمي من رماها

 

 

 

 

 

 

المحفزات؛ للتكلم بخير اللغات:

 

أولاً: أهمية اللغة العربية لطالب العلم:

 

يزهد كثير من طلاب العلم في تعلم اللغة العربية, في حين تراهم يعكفون على تعلم اللغات الأجنبية, ولم يكن هذا من هدي السلف الأولين, ولا من فعل الأئمة المهديين.

روى أبو عبيد في فضائل القرآن عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال : "لأن أعرب آية أحب إليّ من أن أحفظ آية".اهـ

وروى الخطيب عن شعبة قال: من طلب الحديث ولم يبصر العربية كمثل رجل عليه برنس وليس له رأس! [الجامع 2/26]

وروى أيضاً [2/27] عن حماد بن سلمة قال: مثل الذي يطلب الحديث ولا يعرف النحو مثل الحمار عليه مخلاة ولا شعير فيها!

وقال الأصمعي رحمه الله: إن أخوف ما أخافُ على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخلَ في جملة قوله عليه السلام: (من كذبَ عليَّ فلْيتبوأْ مقعدَهُ من النارِ ).اهـ [سير أعلام النبلاء 10/178]

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ما أردتُ بها –يعني: العربية والأخبار- إلا للاستعانة على الفقه.اهـ [سير أعلام النبلاء 10/75]

وقال أيضاً: من تبَحَرَّ في النحو اهتدى إلى كل العلوم.اهـ [شذرات الذهب,لابن العماد الحنبلي 231]

وقال الإمام ابن الجوزي رحمه الله : ومن العلوم التي تلزم صاحب الحديث معرفته للإعراب لئلا يلحن وليورد الحديث على الصحة.اهـ [الآداب الشرعية والمنح المرعية ص129]

وقال الإمام ابن الصلاح رحمه الله: وحق على طالب الحديث أن يتعلم من النحو واللغة ما يتخلص به من شين اللحن والتحريف ومعرتهما.اهـ [المقدمة ص400]

وقال الإمام النووي رحمه الله: وعلى طالب الحديث أن يتعلم من النحو ما يسلم به من اللحن والتصحيف.اهـ

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: وعلى الناظر في الشريعة والمتكلم فيها أصولاً وفروعاً أمران: أحدهما: ألا يتكلم في شيء من ذلك حتى يكون عربياً أو كالعربي في كونه عارفاً باللسان العربي، بالغاً فيه مبلغ العرب. قال الشافعي رحمه الله: "فمن جهل هذا من لسانها -وبلسانها نزل الكتاب وجاءت السنة- فتكلف القول في علمها، تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل وما لم تثبت معرفته كانت موافقته للصواب -إن وافقه- غير محمودة والله أعلم، وكان بخطئه غير معذور إذ نطق فيما لا يحيط علمه بالفرق بين الخطأ والصواب فيها". ثم قال الشاطبي: وما قاله حق، فإن القول في القرآن والسنة بغير علم تكلف، وقد نهينا عن التكلف... ثانيهما: إذا أشكل عليه شيء فإنه يسأل أهل العربية..اهـ

وقال أيضاً: وإذا فرضنا مبتدئاً في فهم العربية فهو مبتدئ في فهم الشريعة، أو متوسطاً فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإذا انتهى إلى الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة، كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوه فقد نقصه من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يكن حجة، ولا كان قوله مقبولاً.اهـ

وقال الحافظ أبو الحجّاج يوسف ابن الزكي المِزِّي في مقدمة كتابه "تهذيب الكمال في أسماء الرجال": ينبغي للناظر في كتابنا هذا أن يكون قد حصل طرفاً صالحاً من علم العربية، نحوها ولغتها وتصريفها، ومن علم الأصول والفروع، ومن علم الحديث والتواريخ وأيام الناس..اهـ

وقال الإمام الشوكاني رحمه الله: ومن جعل المقدار المحتاج إليه في هذه الفنون هو معرفة مختصر من مختصراتها أو كتاب متوسط من المؤلفات الموضوعة فيها فقد أبعد، بل الاستكثار من الممارسة لها، والتوسع في الاطلاع على مطولاتها مما يزيد المجتهد قوة في البحث، وبصراً في الاستخراج، وبصيرة في حصول مطلوبه. والحاصل أنه لا بد أن تثبت له الملكة القوية في هذه العلوم، وإنما تثبت هذه الملكة بطول الممارسة، وكثرة الملازمة لشيوخ هذه الفنون..اهـ

وكان يقال: "اللغة العربية مفتاح العلوم", فالله الله في إحراز المفتاح وعدم تضيعه..

النحو زين للفتى *** يُكرمه حيث أتى

من لم يكن يعرفه *** فحقه أن يسكتا!

 

ثانياً: الحث على تعلم اللغة العربية والتحدث بها:

 

لابد لصاحب المنهج الصحيح, من لسان فصيح؛ كي يدعو الناس بأفضل العبارات, وأبلغ الكلمات.

روى أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء أن عمر كتب إلى أبي  موسى الأشعري رضي الله عنهما أن "مر من قبلك بتعلم العربية فإنها تدل على صواب الكلام".اهـ

وروي عنه أيضاً أنه قال: "تعلموا النحو كما تعلمون السنن والفرائض". اهـ [البيان للجاحظ 2/161]

وقال سليمان بن عبد الملك: العاقل أحرص على إقامة لسانه منه على طلب معاشه.اهـ [المجالسة لابن قتيبة 4/477]

وعن ابن سيرين قال: ما رأيتُ على رجل أحسن من فصاحة, ولا على امرأة أحسن من شحم. اهـ [عيون الأخبار 2/172]

وقال ابن شبرمة: زين الرجال النحو, وزين النساء الشحم.اهـ [رواه أبو نعيم في رياضة المتعلمين]

وقال أيضاً: إذا سرك أن تعظمَ في عين من كنت في عينه صغيراً, ويصغر في عينك من كان في عينك عظيماً فتعلَّمِ العربية, فإنها تُجريك على المنطق وتُدنيك من السلطان.اهـ [عيون الأخبار 2/172]

وقال ابن قتيبة الدينوري: ويقال: النحو في العلم بمنزلة الملح في القدر والرامك [10] في الطيب. ويقال: الإعراب حِلية الكلام. اهـ [عيون الأخبار 2/172]

وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كانوا يؤمرون أو كنا نؤمر أن نتعلم القرآن، ثم السنة، ثم الفرائض، ثم العربية.اهـ [رواه أبو نعيم]

وذكر الذهبي في السير [9/351] عن أبي العيناء قال : أتيت عبد الله بن داود فقال: ما جاء بك ؟ قلت: الحديث. قال: اذهب فتحفظ القرآن. قلت : قد حفظت القرآن. قال: اقرأ: (واتل عليهم نبأ نوح..) ـ الآية يونس:71 ـ فقرأت العشر حتى أنفذته. فقال لي: اذهب الآن فتعلم الفرائض . قلت: قد تعلمت الصلب والجد والكََََُبَر. قال: فأيما أقرب إليك ابن أخيك أو عمك؟ قلت: ابن أخي. قال: ولم ؟ قلت: لأن أخي من أبي وعمي من جدي. قال: اذهب الآن، فتعلم العربية . قلت : قد علمتها قبل هذين، قال: فلم قال عمر ـ يعني حين طعن ـ يا لَلَّه يا لِلمسلمين ، لم فتح تلك وكسر هذه؟ قلت: فتح تلك اللام على الدعاء، وكسر هذه على الاستغاثة والاستنصار، فقال: لو حدثت أحدا لحدثتك..اهـ

وقال ابن قتيبة الدينوري [ عيون الأخبار 2/184-185 ]: وكان يقال: عقل الرجل مدفونٌ تحت لسانه .. وقال الشاعر:

كفى بالمرءِ عيباً أن تراهُ *** له وجهٌ وليس له لسانُ

وما حُسنُ الرجالِ لهم بزينٍ *** إذا لم يُسعدِ الحُسنَ البيانُ


ثالثاً: الحرص على العربية وتعلمها ومخافة اللحن فيها:

 

كان سلف الأمة الأخيار, يرون أن اللحن في اللغة يحتم الاستغفار والإنكار! فلا يقرونه فيهم, بل يضربون عليه أبنائهم.

ذكر الإمام السيوطي رحمه الله: أن رجلاً لحنَ بحضرته صلى الله عليه وسلم فقال: (أرشدوا أخاكم فقد ضلّ). وروي من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أنا من قريش ونشأت في بني سعدٍ فأنَّى لي اللحن!). وهذا أبو بكر الصديق يشدد النكير على نفسه إن أخطأ, وذلك حين يقول: "لأن أقرأ فأُسقط أحب إليّ من أن أقرأ فألحن".اهـ [انظر المزهر للسيوطي 2/199]

وروي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: والله لخطؤكم في لسانكم أشد عليَّ من خطئكم في رميكم. سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (رحم الله امرءاً أصلح من لسانه). [الأضداد لابن الأنباري ص242]

وروى الخطيب البغدادي أن علياً وابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم- كانوا يضربون أبناءهم على اللحن.[11]

وروى أبو بكر الأنباري في إيضاح الوقف والابتداء عن أبي العالية قال: "كان ابن عباس يعلمنا اللحن". قيل يعلمنا الصواب وقيل يعلمنا الخطأ لنجتنبه.

وعن الإمام الأوزاعي قال: أعربوا الحديث, فإن القوم كانوا عُرْباً. اهـ [الجامع لابن عبد البر 1/292]

وقال عبد الملك بن مروان: "شيبني ارتقاء المنابر وتوقع اللحن".اهـ [البيان للجاحظ 2/161]

وقال مسلمة بن عبد الملك: اللحنُ في الكلام أقبحُ من الجُدري في الوجه. وقال عبد الملك: اللحن في الكلام أقبحُ من التفتيق في الثوب النفيس. اهـ[عيون الأخبار 2/173]

وعن سعيد قال: لحن أيوب السختياني عند قتادة, فقال: أستغفر الله.اهـ [حلية الأولياء 3/11]

وروى الخليلي في الإرشاد 1/ 302 عن العباس بن المغيرة بن عبد الرحمن عن أبيه قال: جاء عبد العزيز الدراوردي في جماعة إلى أبي ليعرضوا عليه كتاباً فقرأ لهم الدراوردي وكان رديء اللسان يلحن فقال أبي: ويحك يا دراوردي أنت كنت إلى إصلاح لسانك قبل النظر في هذا الشأن أحوج منك إلى غير ذلك.اهـ

وقال محمد بن الحسن: ترك أبي ثلاثين ألف درهم, فأنفقت خمسة عشر ألفاً على النحو والشعر, وخمسة عشر ألف على الحديث والفقه.اهـ [نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة 5/185]

وعن الإمام الشافعي قال: أَقمتُ في بُطونِ العَربِ عشرينَ سنةً آخذ أَشْعارهَا، ولغاتها.اهـ [مناقب الشافعي للبيهقي 2/42]

وعن مُصْعبِ بنِ عَبداللهِ الزُّبَيْريّ قالَ: كانَ الشّافِعيُّ في ابْتَداءِ أمرهِ يَطلب الشّعر، وأيّام النّاسِ، والأدبَ، ثُمّ أخذَ في الفقهِ بَعْد.اهـ[ أخرجه البيهقي في مناقب الشافعي (ج1 ص96 و97)]

وقال ثعلب: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس نحوٍ أو لغةٍ خمسين سنة. اهـ [معالم في طريق طلب العلم ص56]

وقال أبو هلال العسكري: حكي لي عن بعض المشايخ أنه قال: رأيت في بعض قرى النَّبط فتى فصيح اللهجة حسن البيان, فسألته عن سبب فصاحته مع لُكنَةِ أهل جِلدته, فقال: كنت أَعمد في كل يوم إلى خمسين ورقة من كتب الجاحظ. فأرفع بها صوتي في قراءتها, فما مرَّ بي إلا زمان قصير حتى صرتُ إلى ما ترى.اهـ [الحث على طلب العلم ص72]

وقال الحر بن عبد الرحمن: طلبت إعراب القرآن خمساً وأربعين سنة, أو أربعين سنة.اهـ [التاريخ الكبير 3/82]

وقال خلف بن هشام: أشكل عليَّ باب من النحو, فأنفقت فيه ثمانية آلاف درهم حتى حذَقته.اهـ [معرفة القراء الكبار 1/172, وفي سير أعلام النبلاء 1/578: ثمانية ألف درهم.]

وعن الرحبي قال: سمعتُ بعض أصحابنا يقول: إذا كتب لحانٌ, فكتب عن اللحانِ لحانٌ آخر, صار الحديثُ بالفارسية! [الجامع للخطيب 2/28]

وأنشد المُبَرِّد:

النحوُ يَبْسُطُ من لسانِ الأَلْكنِ *** والمرءُ تُكْرِمُهُ إذا لَمْ يَلْحَنِ
فإذا أردتَ من العلومِ أجَلَّها *** فأجلُّها منها مُقيمُ الألسُنِ[12]

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

تنفير المسلمين, من التكلم بلغة الأعجمين:

 

أولاً: النهي عن الرطانة بلسان الأعاجم[13]:

 

عندما ننهى بعض طلاب العلم عن رطانة الأعاجم, يظنونا قد أتينا بدعة نكراء, أو ركبنا محدثة خرقاء! ولكن الأمر على خلاف ما يظنون, ويحسبونه ويتوهمون.

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق) قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: رواه السلفي بإسناد معروف .. وهذا يشبه كلام عمر بن الخطاب, وأما رفعه فموضع تبين. اهـ [الاقتضاء ص177]

وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "لا تعلموا رطانة الأعاجم". اهـ [ أخرجه البيهقي, وقال شيخ الإسلام: بإسناد صحيح. انظر الاقتضاء ص172]

وعن عطاء بن يسار قال: "قال عمر: إياكم ورطانة الأعاجم". اهـ [انظر الاقتضاء ص172]

وعن عطاء أيضاً قال : "لا تعلموا رطانة الأعاجم".اهـ [ أخرجه ابن أبي شيبة ]

وعن داود بن أبي هند أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سمع قوماً يتكلمون بالفارسية فقال: "ما بال المجوسية بعد الحنفية".اهـ [ أخرجه ابن أبي شيبة ]

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في ثنايا إنكاره على بعض أهل زمانه: "الوجه الثالث" : أن هذا الكلام الموزون كلام فاسد مفرداً أو مركباً ؛ لأنهم غيروا فيه كلام العرب, وبدلوه؛ بقولهم: ما عوا وبدوا وعدوا. وأمثال ذلك مما تمجه القلوب والأسماع, وتنفر عنه العقول والطباع.

وأما "مركباته" فإنه ليس من أوزان العرب؛ ولا هو من جنس الشعر ولا من أبحره الستة عشر, ولا من جنس الأسجاع والرسائل والخطب.

ومعلوم أن "تعلم العربية , وتعليم العربية" فرض على الكفاية؛ وكان السلف يؤدبون أولادهم على اللحن. فنحن مأمورون أمر إيجاب أو أمر استحباب أن نحفظ القانون العربي, ونصلح الألسن المائلة عنه, فيحفظ لنا طريقة فهم الكتاب والسنة, والاقتداء بالعرب في خطابها. فلو ترك الناس على لحنهم كان نقصاً وعيباً , فكيف إذا جاء قوم إلى الألسنة العربية المستقيمة, والأوزان القويمة: فأفسدوها بمثل هذه المفردات والأوزان المفسدة للسان, الناقلة عن العربية العرباء إلى أنواع الهذيان, الذي لا يهذي به إلا قوم من الأعاجم الطماطم الصميان؟!!

وقال أيضاً: وهؤلاء قوم تركوا المقامرة بالأيدي, وعجزوا عنها: ففتحوا القمار بالألسنة, والقمار بالألسنة أفسد للعقل والدين من القمار بالأيدي. والواجب على المسلمين المبالغة في عقوبة هؤلاء, وهجرهم .. وما زال السلف يكرهون تغيير شعائر العرب حتى في المعاملات, وهو "التكلم بغير العربية" إلا لحاجة, كما نص على ذلك مالك والشافعي وأحمد, بل قال مالك: من تكلم في مسجدنا بغير العربية أُخرِجَ منه, مع أن سائر الألسن يجوز النطق بها لأصحابها, ولكن سوغوها للحاجة, وكرهوها لغير الحاجة, ولحفظ شعائر الإسلام؛ فإن الله أنزل كتابه باللسان العربي, وبعث به نبيه العربي, وجعل الأمة العربية خير الأمم, فصار حفظ شعارهم من تمام حفظ الإسلام. فكيف بمن تقدم على الكلام العربي –مفرده ومنظومه– فيغيره ويبدله, ويخرجه عن قانونه ويكلف الانتقال عنه؟!! إنما هذا نظير ما يفعله بعض أهل الضلال من الشيوخ الجهال حيث يصمدون إلى الرجل العاقل فيولهونه ويخنثونه, فإنهم ضادوا الرسول إذ بعث بإصلاح العقول والأديان, وتكميل نوع الإنسان, وحرم ما يغير العقل من جميع الألوان. فإذا جاء هؤلاء إلى صحيح العقل فأفسدوا عقله وفهمه, فقد ضادوا الله وراغموا حكمه, والذين يبدلون اللسان العربي ويفسدونه, لهم من هذا الذم والعقاب بقدر ما يفتحونه, فإن صلاح العقل واللسان, مما يؤمر به الإنسان, ويعين ذلك على تمام الإيمان, وضد ذلك يوجب الشقاق والضلال والخسران. والله أعلم . أهـ [ مجموع الفتاوى 32/252-255 ]

وقال أيضاً: وهذا عمر نهى عن تعلم لسانهم .. [ الاقتضاء ص172 ] إلى أن قال: وأما الرطانة, وتسمية شهورهم بالأسماء العجمية, فقال أبو محمد الكرماني –المسمى بحرب-: "باب تسمية الشهور بالفارسية" قلت لأحمد: فإن للفرس أياماً وشهوراً, يسمونها بأسماء لا تُعرف, فكره ذلك أشد الكراهة. وروى فيه عن مجاهد حديثاً أنه كره أن يقال: آذرماه, وذي ماه. قلت: فإن كان اسم الرجل أسمّيه به؟ فكرهه. [الاقتضاء ص174] ثم قال عن الإمام أحمد: كراهته أن يتعود الرجل النطق بغير العربية, فإن اللسان العربي شعار الإسلام وأهله, واللغات من أعظم شعائر الأمم التي بها يتميزون, ولهذا كان كثير من الفقهاء أو أكثرهم يكرهون في الأدعية, التي في الصلاة والذكر, أن يُدعى الله أو يذكر بغير العربية.

وقد اختلف الفقهاء في أذكار الصلوات: هل تقال بغير العربية؟ وهي ثلاث درجات أعلاها القرآن. ثم الذكر الواجب غير القرآن, كالتحريمة بالإجماع, وكالتحليل, والتشهد عند من أوجبهما, ثم الذكر غير الواجب, من دعاء أو تسبيح أو تكبير أو غير ذلك.

فأما القرآن: فلا يقرؤه بغير العربية, سواء قدر عليها أو لم يقدر عند الجمهور , وهو الصواب الذي لا ريب فيه. بل قد قال غير واحد, إنه يمتنع أن يترجم سورة, أو ما يقوم به الإعجاز. واختلف أبو حنيفة وأصحابه في القادر على العربية.

وأما الأذكار الواجبة: فاختلف في منع ترجمة القرآن, هل يترجمها العاجز عن العربية, وعن تعلمها؟ وفيه لأصحاب أحمد وجهان: أشبهها بكلام أحمد: أنه لا يترجم, وهو قول مالك وإسحاق, والثاني: يترجم وهو قول أبي يوسف ومحمد والشافعي.

وأما سائر الأذكار فالمنصوص من الوجهين, أنه لا يترجم. ومتى فعل بطلت صلاته, وهو قول مالك وإسحاق وبعض أصحاب الشافعي.

والمنصوص عن الشافعي: أنه يكره ذلك بغير العربية ولا تبطل. ومن أصحابنا من قال: له ذلك, إذا لم يحسن العربية.

وحكم النطق بالعجمية في العبادات: من الصلاة والقراءة والذكر –كالتلبية والتسمية على الذبيحة– وفي العقود والفسوخ –كالنكاح واللّعان– وغير ذلك, معروف في كتب الفقه.

وأما الخطاب بها من غير حاجة في أسماء الناس والشهور –كالتواريخ ونحو ذلك– فهو منهي عنه, مع الجهل بالمعنى بلا ريب. وأما مع العلم به فكلام أحمد بين في كراهته أيضاً, فإنه كره: آذرماه, ونحوه ومعناه ليس محرماً.

وأظنه سُئل عن الدعاء في الصلاة بالفارسية فكرهه, وقال: لسان سوء! وهو أيضاً قد أخذ بحديث عمر رضي الله عنه الذي فيه النهي عن رطانتهم, وعن شهود أعيادهم, وهذا قول مالك أيضاً؛ فإنه قال: لا يُحرِم بالعجمية ولا يدعو بها ولا يحلف بها. وقال: نهى عمر عن رطانة الأعاجم, وقال : "إنها خبّ", فقد استدل بنهي عمر عن الرطانة مطلقاً. وقال الشافعي فيما رواه السلفي بإسناد معروف إلى محمد بن عبد الله بن عبد الحكم قال: سمعت محمد بن إدريس الشافعي يقول: سمّى الله الطالبين من فضله في الشراء والبيع تجاراً, ولم تزل العرب تسميهم التجار, ثم سماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بما سمّى الله به من التجارة بلسان العرب, والسماسرة اسم من أسماء العجم, فلا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً, ولا ينطق بالعربية فيسمي شيئاً بأعجمية, وذلك أن اللسان الذي اختاره الله عز وجل لسان العرب, فأنزل به كتابه العزيز وجعله لسان خاتم أنبيائه محمد صلى الله عليه وسلم, ولهذا نقول: ينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها, لأنه اللسان الأَوْلى بأن يكون مرغوباً فيه من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بأعجمية.

فقد كره الشافعي لمن يعرف العربية أن يسمّي بغيرها, وأن يتكلم بها خالطاً لها بالعجمية, وهذا الذي قاله الأئمة مأثور عن الصحابة والتابعين. وقد قدمنا عن عمر وعلي رضي الله عنهما ما ذكره. [ الاقتضاء ص175-176 ]

 

 

 

 

ثانياً: الكلام بالعربية من المروءة, ومخالطتها بغيرها من خوارم المروءة:

 

المتأمل في حال طلاب العلم اليوم, يجدهم –إلا من رحم الله- لا يجتهدون في تحصيل المروءة وتوقي خوارمها؛ فهذا يلبس لباس الكافرين, وهذا يركب دواب المتسكعين, وهذا يتكلم بكلام الأعجمين! قال يوسف بن أسباط: رأيتُ فُساقاً كانوا على مروءاتهم أشدَّ إبقاءً من قراءِ هذا الزمانِ على أديانهم. اهـ [حلية الأولياء 8/238, المروءة لأبي بكر المرزبان ص49] وقال الإمام ابن الصلاح رحمه الله في شروط المفتي: أن يكون مكلفاً مُسلماً، ثقة مأموناً، متنزها من أسباب الفسق ومُسقطات المروءة، لأن من لم يكن كذلك فقوله غير صالح للاعتماد وإن كان من أهل الاجتهاد... [أدب المفتي ص 85 - 86].

روي عن أنس مرفوعاً: (من تكلم بالفارسية زادت في خبثه ونقصت من مروءته) [أخرجه الحاكم في المستدرك 4/88]

وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ما تعلم أحدٌ بالفارسية إلا خبَّ أو خبث, ولا خبُث أو خبَّ إلا ذهبت مروءته. اهـ [رواه ابن أبي شيبة في المصنف 9/11, المروءة لأبي بكر المرزبان ص68]

وعنه أيضاً: تعلموا العربيةَ فإنها تزيدُ في المروءة. اهـ [عيون الأخبار 3/296, المروءة لأبي بكر المرزبان ص78]

وعنه أيضاً: تعلموا العربية فإنها تزيد العقلَ وتزيدُ في المروءة. اهـ [شعب الإيمان 257, المروءة لأبي بكر المرزبان ص81]

وقيل لعمرو بن العاص رضي الله عنه: ما المروءة؟ قال: أدبٌ بارع, ولسان قاطع. اهـ [أخرجه ابن عساكر في تاريخ دمشق 24/337]

وقال الإمام الزهري رحمه الله: ما أحدث الناس مروءةً أعجب إليَّ من الفصاحة. اهـ [الحلية 3/364, المروءة لأبي بكر المرزبان ص43]

وعنه أيضاً قال: الفصاحة من المروءة. اهـ [بهجة المجالس 2/1/643]

وعن ابن المبارك قال: إقامة اللسانِ والسدادُ المروءةُ العظمى. اهـ [المروءة لأبي بكر المرزبان ص70]

وعن هشام بن عروة قال: خرج علينا أبي ومعلِّمنا يُعلِّمنا النحو, فقال له أبي: ما أحدثَ الناسُ مروءةً أفضلُ, أو أعجبَ إليَّ من النحو. اهـ [المروءة لأبي بكر المرزبان ص72 ]

وقال العتبي: ثلاثة تحكم لهم بالمروءة حتى يُعرفوا: رجلٌ رأيته راكباً, أو سمعته يُعرِبُ في كلامه, أو شممتَ منه رائحة طيبة. وثلاثةٌ تحكم عليهم بالمهانة حتى يُعرفوا: رجلٌ شممت من رائحة نبيذٍ في محفل, أو سمعته يتكلم في مصرٍ من أمصارِ العرب بالفارسية, أو رأيته على ظهر طريقٍ ينازع القَدَر. اهـ [عيون الأخبار 3/296, المروءة لأبي بكر المرزبان ص62]

وقال الأصمعي: قال بعض الحكماء: ثلاثة يُحكم لهم بالمروءة حتى يتكلموا: رجلٌ رأيته راكباً, أو شممت منه رائحة طيبة, أو سمعته يُعْرب, وثلاثة يُحكم لهم بالدناءة حتى يُعرفوا: رجل يتكلم بالفارسية في مصرٍ عربي, ورجل رأيته على طريق ينازع في القدر, ورجل شممت منه رائحة نبيذ.اهـ [المجالسة لابن قتيبة 3/188]

 

ثالثاً: الرطانة بلغة الأعاجم نوع من التشبه بهم:

 

في خضم ما نعيشه من انفتاح, يصعب على المرء تمييز أهل الصلاح, فقد ذاب كثير منهم في مجتمعات غيرهم؛ فسكنوا مساكنهم, وركبوا مراكبهم, ولبسوا لباسهم, وتكلموا بلسانهم..

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وأما اعتياد الخطاب بغير اللغة العربية, التي هي شعار الإسلام ولغة القرآن حتى يصير ذلك عادة للمصر وأهله, أو لأهل الدار, أو للرجل مع صاحبه, أو لأهل السوق, أو للأمراء, أو لأهل الديوان, أو لأهل الفقه, فلا ريب أن هذا مكروه فإنه من التشبه بالأعاجم, وهو مكروه كما تقدم. ولهذا كان المسلمون المتقدمون لما سكنوا أرض الشام ومصر, ولغة أهلهما رومية, وأرض العراق وخرسان ولغة أهلهما فارسية. وأهل المغرب ولغة أهلها بربرية عوَّدوا أهل هذه البلاد العربية, حتى غلبت على أهل هذه الأمصار: مسلمهم وكافرهم, وهكذا كانت خرسان قديماً.

ثم إنهم تساهلوا في أمر اللغة, واعتادوا الخطاب بالفارسية حتى غلبت عليهم, وصارت العربية مهجورة عند كثير منهم, ولا ريب أن هذا مكروه. وإنما الطريق الحسن اعتياد الخطاب بالعربية. حتى يتلقنها الصغار في المكاتب وفي الدور فيظهر شعار الإسلام وأهله, ويكون ذلك أسهل على أهل الإسلام في فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف. بخلاف من اعتاد لغة ثم أراد أن ينتقل إلى أخرى, فإنه يصعب.. [الاقتضاء ص178-179]

وقال الشيخ العلامة صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله: لغتنا العربية كاملة فلا تحتاج إلى تكميل ولا تطعيم... فتعلم اللغات الأجنبية من غير ضرورة وحاجة ماسة لا يجوز. لعموم ما روي عنه صلى الله عليه وسلم (من تشبه بقوم فهو منهم) وعموم قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس منا من تشبه بغيرنا). وقال عمر رضي الله عنه: لا تعلموا رطانة الأعاجم.اهـ [السلسبيل في معرفة الدليل 3/883]

وقال الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد رحمه الله: وفي الأدب مع الكفار: النهي عن التشبه بهم في ألفاظهم.. إلى أن قال: وفي مجال التشبه: النهي عن التشبه بالمشركين في الألفاظ.اهـ [ معجم المناهي اللفظية ص39 ]

وقال الشيخ العلامة عبد الكريم بن صالح الحميد حفظه الله: كذلك فإن تعلك لغة الكفار تشبهاً بهم باللسان, وقد نهانا صلى الله عليه وسلم عن التشبه بهم وقال: (من تشبه بقوم فهو منهم).اهـ [الوعيد على أهل الغلو والتشديد ص21]

 

رابعاً: الضعف في اللغة العربية من أسباب الزيغ والضلال:

 

مر معنا أن اللغة العربية هي لغة النصوص والآثار, فيُخشى على من فرط فيها من الزيغ عن المسار.

قال أبو عبيد :سمعت الأصمعي يقول :سمعت الخليل بن أحمد يقول: سمعت أيوب السختياني يقول: عامة من تزندق من أهل العراق لجهلهم بالعربية.اهـ[14]

وقال الإمام الشافعي رحمه الله: ما جهل الناسُ ولا اختلفوا إلا لتركِهم لسانَ العرب, وميلِهم إلى لسان أرسطاطاليس. اهـ [سير أعلام النبلاء 10/74]

وقال ابن جني: إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمه ضعفُه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها.اهـ

وقال الإمام الشاطبي رحمه الله: وقد قال صلى الله عليه وسلم: (حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)، لأنهم إذا لم يكن لهم لسان عربي يرجعون إليه في كتاب الله وسنة نبيه  صلى الله عليه وسلم رجع إلى فهمه الأعجمي وعقله المجرد عن التمسك بدليل يضل عن الجادة، قال الحسن البصري رحمه الله: "أهلكتهم العجمة يتأولونه على غير تأويله".اهـ

وقال عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد لما ناظره في مسألة خلود أهل الكبائر في النار، واحتج ابن عبيد أن هذا وعد الله والله لا يخلف وعده -يشير إلى ما في القرآن من الوعيد على بعض الكبائر بالنار والخلود فيها- فقال ابن العلاء: من العجمة أُتيتَ، هذا وعيد لا وعد، قال الشاعر:

وإني وإن أوعدته أو وعدته *** لمخلف إيعادي ومنجز موعدي

ومن أمثلة التفاسير الخاطئة المبنية على الجهل بالعربية قول من زعم أنه يجوز للرجل نكاح تسع حرائر مستدلاً بقوله تعالى (فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فالمجموع تسع نسوة، قال الشاطبي: ولم يشعر بمعنى فُعال ومفعل وأن معنى الآية: فانكحوا إن شئتم اثنتين اثنتين أو ثلاثاً ثلاثاً أو أربعاً أربعاً.

ومن ذلك قول من قال: إن المحرم من الخنزير إنما هو اللحم، وأما الشحم فحلال لأن القرآن إنما حرم اللحم دون الشحم. ولو عرف أن اللحم يطلق على الشحم بخلاف الشحم فلا يطلق على اللحم لما قال ما قال..

ومن ذلك قول من قال في حديث: (لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر، يقلب الليل والنهار), بأن فيه مذهب الدهرية. وهذا جهل، فإن المعنى لا تسبوا الدهر إذا أصابتكم مصائب ولا تنسبوها إليه فإن الله هو الذي أصابكم فإنكم إذا سببتم الدهر وقع السب على الفاعل لا على الدهر.

قال الإمام الشاطبي رحمه الله: فقد ظهر بهذه الأمثلة كيف يقع الخطأ في العربية في كلام الله سبحانه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن ذلك يؤدي إلى تحريف الكلم عن مواضعه، والصحابة رضوان الله عليهم براء من ذلك لأنهم عرب لم يحتاجوا في فهم كلام الله تعالى إلى أدوات ولا تعلم، ثم من جاء بعدهم ممن هو ليس بعربي اللسان تكلف ذلك حتى علمه..اهـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

بعض الشبهات المزدانة, حول مسألة الرطانة:

 

أولاً: حديث: (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم):

 

لقد اشتهر عند كثير من الناس وعوامهم حديث: "من تعلم لغة قوم أمن مكرهم", وعند التحقيق والتنقيح, نجده حديث موضوع ليس بصحيح.

قال الشيخ العلامة صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله: أما ما يتشدق به البعض رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم) فهو حديث باطل لا أصل له.اهـ [السلسبيل في معرفة الدليل 3/883]

وقال الشيخ المحدث مقبل بن هادي الوادعي في "المقترح": ومن الأمثلة على هذا: (من تعلّم لغة قوم أمن مكرهم) هذا الحديث بحث عنه الباحثون فلم يجدوا له أصلاً..اهـ

وقال الشيخ العلامة عبد الكريم بن صالح الحميد فك الله أسره في جواب له عن هذه الشبهة: وأعظم حجة عندهم قولهم: "من تعلم لغة قوم أمن شرهم". بعضهم يجعل هذا حديثاً للنبي صلى الله عليه وسلم, وبعضهم يحتج بذلك ليقنع منازعه, ولا يدري هل هو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم أم من كلام غيره, وهل هو صواب أم خطأ, فالمهم عنده دفع منازعه ولا هم عنده غير ذلك...

أولاً: ليس هذا من كلام النبي صلى الله عليه وسلم, وقد قال صلى الله عليه وسلم: (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار).

بل قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (من يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالعجمية فإنه يورث النفاق) ذكره شيخ الإسلام في " اقتضاء الصراط المستقيم", وذكر أيضاً حديث عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كان يحسن أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية فإنه يورث النفاق). وحسبك بأمر يورث النفاق شراً.

كذلك فقد نهى عمر رضي الله عنه عن رطانة الأعاجم, وقال أيضاً: ما تعلم الرجل الفارسية إلا خب, ولا خب رجل إلا نقصت مروءته.

وقد سمع محمد بن سعد بن أبي وقاص قوماً يتكلمون بالفارسية فقال: ما بال المجوسية بعد الحنيفية...

ثانياً: هؤلاء الذين تعلموا لغة الأعاجم هم الذين وقعوا في مكرهم, قال تعالى: (ألا في الفتنة سقطوا) فقد تعلموا علومهم, وتشربتها قلوبهم, وفيها من فساد الاعتقاد, ومِنْ جعل الدنيا هي الغاية, ومِنْ مدح الكفار ومودتهم, ومن الصور المحرمة, وغير ذلك من الباطل مما لا يخفى, فأين الأمان من مكرهم؟!

ثالثاً: هذا الكلام غير صحيح ولا يستقيم, فإن الأمان من مكر الناس ليس سببه معرفة لغتهم, فالناس يمكر بعضهم ببعض ولغتهم واحدة! كذلك فإن الأمان من المخاوف إنما هو بطاعة الله, والتوكل عليه, فهو سبحانه يحمي عبده المؤمن ويحفظه ممن كاده ومكر به, قال تعالى: (وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) فمحمد صلى الله عليه وسلم مكر به قومه ولم يمنع ذلك عند معرفته للغتهم, ولكن نفعه دفع الله عنه وحمايته له.اهـ [الوعيد على أهل الغلو والتشديد ص21-22]

وقال شيخنا الحافظ سليمان بن ناصر العلوان فك الله أسره في جواب له عن هذا الحديث: لا أعلم هذا حديثاً ولا أظن له أصلاً, وقد كره أهل العلم تعلم رطانة الأعاجم والمخاطبة بها بدون حاجة وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال ( لا تعلموا رطانة الأعاجم ) رواه عبد الرزاق في المصنف ( 1609 ) والبيهقي في السنن ( 9 / 234).اهـ

 

ثانياً: تعلم زيد بن ثابت رضي الله عنه للغة الأعاجم:

 

يدندن بعض الدعاة: بأن الصحابة تعلموا اللغات, مما يجعله يجتهد في ذلك أعواماً, ورأس ماله هو تعلم زيد لبعض اللغات أياماًً! [كما في الحديث الذي رواه الإمام أحمد (5/186) وغيره بإسناد حسن].

وجواب هذه الشبهة من وجوه:

1-             أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر زيداً فقط بتعلم ذلك, ولم يأمر جميع الصحابة.

2-     أن زيد بن ثابت رضي الله عنه تعلم ذلك في وقت قصير (في خمس عشرة ليلة), ولم يقض عمره كله –أو أغلبه- في تعلم لغة الأعاجم.

3-     أن ذلك كان للضرورة والحاجة, وهي تقدر بقدرها؛ فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يأمن من يهود على الكتب.

4-     ليس كلامنا في "عتابنا" لمن يتعلم لغة الأعاجم لحاجة, بل هذا أمر لا بأس به, ولكن عتابنا لمن يقضِ عمره في المفضول عن الفاضل, أو يخاطب العرب بلغة الأعاجم؛ فزيد رضي الله عنه تعلم لغة الأعاجم في أيام معدودة, ولم يتخذها وسيلة لمخاطبة العرب الأقحاح.

قال الشيخ العلامة صالح بن إبراهيم البليهي رحمه الله: أما تعلم اللغة الأجنبية للحاجة الماسة. فيجوز لأن زيد بن ثابت رضي الله عنه تعلم اللغة السريانية بأمر الرسول صلى الله عليه وسلم ليقرأ الكتب التي تصل إليه صلى الله عليه وسلم من ملوك زمانه وغيرهم. ويكتب زيد بن ثابت رضي الله عنه جوابها بلغتهم..اهـ [السلسبيل في معرفة الدليل 3/883]

وقال الشيخ العلامة عبد الكريم بن صالح الحميد فك الله أسره في جواب له عن هذه الشبهة: نعم, أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ويكتب له ذلك, حيث لم يأمن من اليهود عليه, فهذه كما ترى ضرورة عظيمة في الدين, ثم إنه أمر واحداً فقط, فهل يُجعل ذلك دليلاً لما أجمعت عليه الأمة اليوم إلا أقل الناس؟! [الوعيد على أهل الغلو والتشديد ص22]

قال شيخنا الحافظ سليمان بن ناصر العلوان –فك الله أسره-: وقد بُلي المسلمون في هذا العصر بالرطانة الأعجمية وأصبح تعلمُ بعض اللغات الأجنبية ضرورة ملحة في كثير من المهن والأعمال وهذا جائز لأهل الحاجات والمصالح ولا سيما مصالح المسلمين العامة .
وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم اللغة السُّرْيانية (رواه أحمد (5/182)) من طريق الأعمش عن ثابت بن عبيد عن زيد بن ثابت ورواه الترمذي (2715) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه زيد قال:  أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أتعلَّم له كلمات من كتاب يهود قال:  (إني والله ما آمن يهود على كتاب) قال : فما مرّ بي نصف شهر حتى تعلمته له قال: فلما تعلمته كان إذا كتب إلى يهود كتبت إليهم وإذا كتبوا إليه قرأت له كتابهم ). ورواه أحمد و أبو داود والحاكم وغيرهم وقال الترمذي هذا حديث حسن صحيح, وخالفه غيره فتكلم في ابن أبي الزناد فقد ضعفه يحي بن معين وأحمد وجماعة ووثقه مالك وغيره ولا بأس به إذا لم يتفرد بالحديث وقد اعتبر بحديثه غير واحد والخبر محفوظ وقد علقه البخاري في صحيحه (95/7) جازماً بصحته. وهو دليل على جواز تعلم اللغة الأجنبية للمصلحة والحاجة وهذا لا ينازع فيه أهل العلم. وأما تعلم هذه اللغة لغير حاجة وجعلها فرضاً في مناهج التعليم في أكثر المستويات فهذا دليل على الإعجاب بالغرب والتأثر بهم وهو مذموم شرعاً وأقبح منه إقرار مزاحمة اللغات الأجنبية للغة القرآن ولغة الإسلام.

ومثل هذا لابدّ أن وراءَه أيد أثيمة ومؤامرات مدروسة لعزل المسلمين عن فهم القرآن وفقه السنة فإن فهم القرآن والسنة واجب ولا يمكن ذلك إلا بفهم اللغة العربية .فإذا اعتاد الناس في بيوتهم وبلادهم التخاطب باللغة الأجنبية صارت اللغة العربية مهجورة لدى الكثير وعزّ عليهم فهم القرآن والإسلام وحينها ترقَّب الفساد والميل إلى علوم الغربيين واعتناق سبيل المجرمين وهذا ما صنعته بلاد الاستعمار في الدول العربية فالله المستعان.اهـ

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الخاتمة –نسأل الله حسن الخاتمة-:

 

أعلم أن بعض من سيقلب ورقاتي سيستهجن بعض ما فيها من شدة وحدة, ولكن:

لا تلمني في هواها *** أنا لا أهوى سواها

لغة الأجـداد هذه *** رفـع الله لـواها

إنني أعرف ما يخرج من رأسي, فلم أأتِ بحرفٍ من كيسي, بل أنا في كل ما سبق: ناقل لا قائل.. مقتدي لا مبتدي.. متبع لا مبتدع.. "وما مثلي إلا كمثل إنسان رأى جواهر ولآلئ ودرراً  ثمينة مبعثرة هنا وهناك فجمعها ونظمها في عقدٍ واحدٍ، أو: كمثل شخص دخل حديقة غناء فيها من أحاسن الأثمار والورود والأزهار ما يدهش الأبصار، فامتدت يده برفق إليها فجعلها في باقة واحدة، ووضعها في كأس، فكانت بهجة للقلب وفتنة للعين..".[15]

وما جمعت هذه الآثار, إلا مناصحة للأخيار, ليوطنوا أنفسهم على العربية, وينزهوا ألسنتهم عن العبارات الأجنبية.

ولم أجمع ما جمعت لينكب طلاب العلم على علوم الآلة وينشغلوا بها عن غيرها, بل الواجب أن يعطوا كل علم حقه, وينزلوه مستحقه, قال ابن الجوزي رحمه الله في تلبيس إبليس (ص159): "ذكر تلبيسه على أهل اللغة والأدب: قد لبس على جمهورهم فشغلهم بعلوم النحو واللغة من المهمات اللازمة التي هي فرض عين، عن معرفة ما يلزمهم عرفانه من العبادات، وما هو أولى بهم من آداب النفوس وصلاح القلوب, وبما هو أفضل من علوم التفسير, والحديث, والفقه, فأذهبوا الزمان في علوم لا تراد لنفسها، بل لغيرها، فإن الإنسان إذا فهم الكلمة، فينبغي أن يترقى إلى العمل بها، إذ هي مرادة لغيرها.

فترى الإنسان منهم لا يكاد يعرف من آداب الشريعة إلا القليل، ولا من الفقه، ولا يلتفت إلى تزكية نفسه وصلاح قلبه، ومع هذا ففيهم كبر عظيم وقد خيل لهم إبليس: أنكم من علماء الإسلام، لأن النحو واللغة من علوم الإسلام، وبها يعرف معنى القرآن العزيز، ولعمري إن هذا لا ينكر، ولكن معرفة ما يلزم من النحو لإصلاح اللسان، وما يحتاج إليه من اللغة في تفسير القرآن والحديث أمر قريب، وهو أمر لازم وما عدا ذلك فضل لا يحتاج إليه، وإنفاق الزمان في تحصيل هذا الفاضل وليس بمهم مع ترك المهم غلط، وإيثاره على ما هو أنفع وأعلى رتبة كالفقه والحديث غبن، ولو اتسع العمر لمعرفة الكل كان حسناً، ولكن العمر قصير، فينبغي إيثار الأهم والأفضل". اهـ

(فسددوا وقاربوا وابشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة)[16], واعلموا أن من أدام طرق الباب كاد أن يلجه, وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين.

 

وكتب: تركي بن مبارك بن عبد الله البنعلي

فجر يوم عرفة لسنة ثلاثين وأربعمائة وألف من هجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

الله أكبر, الله أكبر, لا إله إلا الله, الله أكبر, الله أكبر, ولله الحمد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

فهرس الموضوعات:

العنوان                                                                         رقم الصفحة

 

مقدمة شيخنا العلامة زهير الشاويش حفظه الله ............................... 2

مقدمة المؤلف .............................................................. 6

توطئة وتمهيد ............................................................... 8

خصائص اللغة العربية, ومميزاتها الذهبية ...................................... 12

أولاً: اللغة العربية لغة أهل الجنة -جعلنا الله وإياكم منهم- ................... 12

ثانياً: اللغة العربية لغة القرآن والسنة ........................................ 13

ثالثاً: معرفة اللغة العربية؛ نحوها وصرفها ومعانيها وأساليبها: من شروط المفتي.. 14

رابعاً: بعض ما تميزت به اللغة العربية عن غيرها.............................. 17

المحفزات؛ للتكلم بخير اللغات............................................... 20

أولاً: أهمية اللغة العربية لطالب العلم........................................ 20

ثانياً: الحث على تعلم اللغة العربية والتحدث بها.............................. 22

ثالثاً: الحرص على العربية وتعلمها ومخافة اللحن فيها.......................... 23

تنفير المسلمين, من التكلم بلغة الأعجمين.................................... 27

أولاً: النهي عن الرطانة بلسان الأعاجم...................................... 27

ثانياً: الكلام بالعربية من المروءة, ومخالطتها بغيرها من خوارم المروءة........... 31

ثالثاً: الرطانة بلغة الأعاجم نوع من التشبه بهم............................... 32

رابعاً: الضعف في اللغة العربية من أسباب الزيغ والضلال..................... 33

بعض الشبهات المزدانة, حول مسألة الرطانة................................. 36

أولاً: حديث: (من تعلم لغة قوم أمن مكرهم)............................... 36

ثانياً: تعلم زيد بن ثابت رضي الله عنه للغة الأعاجم......................... 37

الخاتمة –نسأل الله حسن الخاتمة-........................................... 40

فهرس الموضوعات........................................................ 42

 


 

[1] ديوان حافظ إبراهيم 1/253.

[2] انظر [ العلاقات بين الشرق والغرب للدكتور سعيد عمران ص255 ].

 

[3]  قيل عن الإمام الزهري أنه: كان يأتي إلى العجائز والأشياخ والصبيان وذوات الخدور, والصغير والكبير, فيسألهم ويباحثهم, حتى حوى علماً عظيماً. [بستان العارفين للنووي ص114]

[4]  شرح القصيدة النونية للدكتور محمد خليل هراس "فصل في لسان أهل الجنة" 2/350.

[5]  أبيات للشاعر محمد عصام علوش.

[6]  أبيات للشاعر محمد عصام علوش.

[7] نظم الآجرومية ص6.

 

[8]  من علماء اللغة في القرن العشرين – عضو مجمع اللغة العربية.

[9]  وزر : ملجأ .

[10]  الرامك : شيء أسود يخلط بالمسك .

[11]  ورد عن جماعة من السلف أنهم كانوا يضربون أولادهم على اللحن. [انظر "الجامع" للخطيب 2/28]

 

[12] قال الشيخ بكر أبو زيد رحمه الله: لبعض العلماء تعقيب على ما أنشده المبرد من أن أجلَّ العلوم علم التوحيد, لكن الجلالة هنا نسبة إلى علوم الآلة, والله أعلم.اهـ [شرح كتاب حلية طالب العلم ص216]

[13] قد أحسن الشيخ العلامة بكر أبو زيد حين قال في كتابه " معجم المناهي اللفظية " (ص17) في أقسام ما جاء النهي عنه في الكتاب : 11- مصطلحات إفرنجية, وعبارات وافدة أعجمية, وأساليب مولدة لغة, مرفوضة شرعاً, وحمَّالة الحطب في هذا: صاحبة الجلالة: " الصحافة " فَلِجُلِّ الكاتبين من الصحفيين وَلَعٌ شديد بها, وعن طريقهم استشرت بين المسلمين. اهـ

[14] ذكره أبو شامة في "خطبة الكتاب المؤمل في الرد إلى الأمر الأول".

 

[15] انظر: مقدمة الصابوني لكتابه "روائع البيان" (ص:12) ورسالة بعنوان "اللباب في فرضية النقاب" (ص:37)..

[16]  أخرجه البخاري في صحيحه عن أبي هريرة مرفوعاً.