المركز | سجل الزوار | مواقع | اتصل بنا  
 القائمة الرئيسية
 
 الصفحة الرئيسية  
 مــقـــــــــــــــــالات  
 كــتـــــــــــــــــــــب  
 أخــبـــــــــــــــــــار  
 واحـة المنوعـــات  
 خُــطـــــــــــــــــــب  
 حـــــــــــــــــوارات  
 بــيـــانـــــــــــــــات  
 شــعــــــــــــــــــــر  
   
اللقاء مع أعضاء منتديات شبكة الحسبة
أجوبة المجموعة الرابعة/ من السؤال رقم (19) إلى السؤال رقم (21)
بسم الله الرحمن الرحيم
تنبيه هام من فضلك:
قبل الشروع في الإجابة على هذه المجموعة من الأسئلة أود أن ألفت انتباه الإخوة القراء أنه قد حدث خطأ غير مقصور في الإجابة على السؤال رقم (13 ) المجموعة الثالثة. والخطأ هو أنني كتبت (غزة والقطاع) وكررتها مرة أخرى والصواب (غزة والضفة الغربية). ورغم أن هذا خطأ غير مقصود لأنه معلوم لأهل فلسطين وللعالم الإسلامي وغيره أن غزة هي القطاع وأنني كنت أقصد غزة والضفة، وأن سياق الكلام يدل على أنني كنت أجيب على سؤال متعلق بدخول حماس الانتخابات التشريعية الأخيرة لكن فوجئت أن موقعاً لحركة حماس على الشبكة العنكبوتية شن حملة مفعمة بالتجريح والتجهيل والسباب وألفاظ غير لائقة نحتسبها عند الله تعالى. وقد حذرنا رسولنا الأعظم إذا قال كما في صحيح مسلم: « إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ يَنْزِلُ بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ».
لكن أود أن أتوجه ببعض النقاط التالية لكي تستبين الفكرة وتظهر الصورة جلية:
أولا: بخصوص الإجابة على هذه الأسئلة أقسمها إلى مجموعات كما ذكرت طريقتي قبل الإجابة على أسئلة المجوعة الأولى. ونظراً لكثرة المشاغل وبعض الظروف الأخرى فإنني أخصص يوماً أتفرغ فيه أجيب مباشرة على الأسئلة دفعة واحدة بدرون كتابة مسودة أي أكتب على الحاسوب مباشرة ثم أراجع بقدر الاستطاعة ما كتبته ثم أرسله للأخ المشرف على موقع المقريزي فيقوم بتنسيق الفقرات ثم يرسله إلى المنتدى.

ثانياً: فليعلم الأخوة أنني لا أكتب في أي منتدى على الشبكة العنكبوتية بأي اسم مستعار اللهم أحياناً اسم مراسل مركز المقريزي في حالة انشغال الأخ المشرف على الموقع ولمتابعة أخبار المنتديات ولا أعرف أخبار بعض المواقع إلا من خلال البريد الذي يصلني من بعض الشباب المحبين الذين يطالبونني بالرد على حملات التحريض ضد شخصنا الضعيف في بعض المواقع السلفية الممولة من حكومات الجزيرة والخليج وحالياً بعض المواقع الأخوانية!! لقد آذونا بدون حق وقد حذرنا الله من التخلق بهذه الأخلاق الذميمة (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) (الأحزاب:58)

ثالثاً: بالطبع لا أعير هؤلاء الشاتمين اهتماماً لأنهم مع الأسف الشديد لا يملكون حجة ولا برهاناً في الرد على الأدلة الشرعية والآراء الفقهية التي نطرحها! ليس لديهم إلا الشغب على أصل الموضوع بالتمسك بسفاسف الأمور وبأخطاء غير مقصودة مثل حكاية (غزة والقطاع)! علم الله أننا نكتب عن فلسطين منذ التزمنا هذا الطريق فالعبد الفقير إلى ربه له مقالات وخطب ودروس حول تاريخ فلسطين وتاريخ الحروب الصليبية ومحاضرات عن السلطان نور الدين زنكي وأسرته المجاهدة ومحاضرات مسموعة ومكتوبة عن الناصر صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس سيف الدين قطز والناصر قلاوون منذ سنوات! وكانت بعض هذه المقالات تنشر في مجلات ومطبوعات عدة في أماكن مختلفة! كل هذه المساهمات المتواضعة بغية المساهمة في وضع لبنة لنهضة الأمة من باب قول الرسول صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم: « لاَ تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ ». وكنت أردد قول شاعر الجزيرة من على أعواد المنابر قوله:

فعذراً فلسطينُ إنْ شط شعــــري وغاب القريضُ وبُحَ الوترْ
فأنتِ القصيدُ وأنتِ الحدا *** ءُ .. وأنت النفيسةُ بين الدررْ
وما كان صمتي عن غفلةٍ *** ولا عن تراخٍ ولا عن ضجرْ
ولكنّ شعري وزّعتُهُ *** لشتى القضايا وشتى الصورْ
فلستِ الوحيدةَ بين الأمو *** ر التي أشغلتنا طوالَ العمُرْ
قضايانا زادتْ بهذا الزما *** ن .. تداعتْ علينا بُغاةُ الأممْ
قضايانا يا هذي مطروحةٌ *** على مجلس الأمن قيد النظرْ
نبذنا الشريعةَ فانتابنا *** ضياعٌ .. لعمري .. ألا نعتبرْ
فأين البواسلُ من أمتي *** وأين الوليدُ .. وأين عمرْ


رابعاً: ألا يعلم هؤلاء المتعاطفون مع السلفيين أو الإخوان ومن سار على نهجهم أنهم مسؤولون أمام الله تعالى على تضييع وقتهم وافترائهم على إخوانهم من خلال التستر وراء الحاسوب بأسماء مستعارة يهاجمون إخوانهم الدعاة إلى الله تعالى من أمثال العبد الضعيف والفقير إلى ربه لأنني أكتب كتبي ومقالاتي وأبحاثي وردودي وبياناتي باسم الحقيقي فأين ذهبت حمرة الخجل؟! فليعلم هؤلاء وقادتهم أنهم حقاً جميعاً مسؤولون (وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ)(الصافات:24).

خامساً: ولماذا ينقم منا هؤلاء الإخوة؟! هل ينقمون منا إلا أن تمسكنا بقول الحق واتبعنا سبيل المؤمنين؟! (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (يوسف:108). هل ينقمون منا لأننا لسنا إمعة؟! كما جاء في الترمذي: قالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وسَلَّم: (لا تَكونوا إمَّعَةً تقُولونَ إنْ أحسَنَ النَّاسُ أحسناً وإنْ ظَلَموا ظَلَمنا ولكنْ وطِّنُوا أنفُسكُم إنْ أحسَنَ النَّاسُ أن تُحسنُوا وإنْ أسَاءوا فلا تَظلِموا).

سادساً: إن من أخلاق الإسلام إقالة ذوي العثرات واجتناب الظن السيئ والابتعاد عن التخوين والتكذيب وأساليب الجاهلية التي حرمها الإسلام أو كما جاء في صحيح البخاري: « إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ، وَلاَ تَحَسَّسُوا ، وَلاَ تَجَسَّسُوا ، وَلاَ تَنَاجَشُوا ، وَلاَ تَحَاسَدُوا ، وَلاَ تَبَاغَضُوا ، وَلاَ تَدَابَرُوا ، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا » وجاء في صحيح مسلم: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لاَ تَحَاسَدُوا وَلاَ تَنَاجَشُوا وَلاَ تَبَاغَضُوا وَلاَ تَدَابَرُوا وَلاَ يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا. الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لاَ يَظْلِمُهُ وَلاَ يَخْذُلُهُ وَلاَ يَحْقِرُهُ. التَّقْوَى هَا هُنَا ». وَيُشِيرُ إِلَى صَدْرِهِ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ « بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ ».

سابعاً: فهل حلال لهؤلاء الإخوة أن يلتمسوا كافة الأعذار لقادتهم الذين يصرحون بأقوال ويقومون بأفعال تخالف نصوص قرآنية صريحة وأحاديث نبوية صحيحة! ورغم ذلك يلتمسون لهم الأعذار تلو الأعذار بل صارت أفعالهم عين الحكمة والفهم الوسطي المعتدل لصحيح الإسلام!! أما أن تخالفهم في رأي بدليل شرعي معتبر، فالويل والثبور لك عبر المنتديات والفضائيات والإذاعات وكل ما يملكون ويسيطرون عليه من منابر إعلامية! فهل صارت الطاعة عمياء إلى هذه الدرجة؟! أو كما قال الشاعر العربي في الطاعة العمياء:

لا يسألون أخاهم حين يندبهم *** في النائبات على ما قال برهانا

وأين هذا من قوله صلى الله عليه وسلمكما في مسند أحمد والترمذي: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ أَوْ لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عِقَاباً مِنْ عِنْدِهِ ثُمَّ لَتَدْعُنَّهُ فَلاَ يَسْتَجِيبُ لَكُمْ ».

ثامناً: إن أسعد الناس بحملات التخوين والتفسيق والتبديع والعمالة انتهاء بالتكفير المنتشرة الآن عبر المنتديات؛ هم أعداء الإسلام الذين يتربصون بالمسلمين الدوائر! وللأسف الشديد فإن هناك نفراً ممن يكتبون في المنتديات الإسلامية يثيرون شبهات بدون دليل شرعي دامغ ويتهمون بعضهم البعض مما يثلج صدور الأعداء الذين يحصلون على تمزيق للأمة الإسلامية بدون مقابل! (فرق تسد)! وقديماً كان الشاعر الجاهلي يفتخر أنه وابن عمه على عدوهما فإذا انتهيا من عدوهما حارب ابن عمه لأنه لا يجد عدواً غيره!!

وأحياناً على بكر أخينا *** إذا لم نجد إلا أخانا

ولكن رغم تغير الأحوال من جاهلية إلى إسلام، ورغم أن أعداء الإسلام كأمواج البحر المتلاطمة! إلا أن البعض منا لم يزل يثير الفتن ويشيع التهم ويتحامل بضراوة لا نظير لها على بكر أخينا!

تاسعاً: نردد قول الله تعالى في محكم التنزيل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) (الأحزاب:70). نسأل الله أن يهدينا وإياكم سواء السبيل. اللهم آمين!


السؤال رقم (19) أسد الثغور2
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
أولا : بارك الله فى شيخنا الكريم وحفظك الله من كل سوء وبارك الله فى شبكتنا الحبيبة شبكة الحسبة المباركة على هذا المجهود الباهر فجزاكم الله خيرا على كل حال
وبعد:
شيخنا الفاضل:
اننى احب ان اطلع الى اخبار المجاهدين فى كل مكان فأحزن لحزنهم وافرح لفرحهم وانتصر لنصرتهم فأجلس امام المنتديات الجهادية على الانترنت وخاصة منتدى شبكة الحسبة حفظه الله من كل سوء، فأحمل أفلام المجاهدين وأقرأ بياناتهم فأعرف الحقيقة وأنشرها بين الناس , وقد استفدت كثيرا من هذه الجلسات وعلمت من هو العدو الحقيقى الذى نحارب به انه من بنى جلدتنا وأبناء عمومتنا .
انهم هم الحكام المرتدون الخونة الذين تركوا الشرع المحكم المشتمل على كل خير الناهي عن كل شر وعدلوا إلى ما سواه من الآراء والأهواء والأحكام المصطنعة
علمت انهم هم الذين باعوا الدين بالدنيا , بل باعونا نحن وسلمونا إلى اليهود والأمريكان
علمت من هذه المنتديات ومن هذه القراءاّت معنى الولاء والبراء الحقيقى لا المعنى الزائف
إنني لا أستطيع آن أجاهد بالرشاش مع المجاهدين، فكم تمنيت أن أكون معهم فأصنع عزا بدمى لهذه الآمة بعد هذا الغياب الطويل
ان كلامي دائما عن المجاهدين وعن نصر المجاهدين وعزة المجاهدين مع الكبير والصغير
حتى قيل عنى إنني لا احسن أن أتكلم إلا في الجهاد فكل من يزورني في بيتي يرى أفعال المجاهدين.
وعندما اتحاور فى اى شئ احول الكلام عن الجهاد والمجاهدين
حتى استنكر على كثير من الاخوة فى هذا الامر
فيقولون لى : ما الذى يعود عليك بالنفع ان شاهدت فلما جهاديا او شريطا للشيخ ابى مصعب او غيره من المجاهدين حفظهم الله .
ويقولون لى انت تخاطر بنفسك كثيرا وهذا لا يجوز شرعا وتعرض زوجتك وامك وولدك لمفسدة عظيمة وهذا لا يجوز شرعا فأنت تعلم بطش حكومتنا فاتقى الله عز وجل فى نفسك واهلك
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا ضرر ولا ضرار ))
ويقول الله عز وجل (( ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة وأحسنوا ان الله يحب المحسنين ))
حتى وصل بى الامر الى اننى عرَضت عليهم فى بعض الاوقات اننى قد تركت الاطلاع على اخبار المجاهدين على الانترنت خوفا على نفسى

شيخنا الفاضل :
هناك امور كثيرة نحن متفقون عليها وهى اصلاح النفس بالعمل الصالح والدعوة الى هذا الدين وغير ذلك من الامور المعروفة لدى الكبير والصغير وأسأل الله جل وعلا ان يوفقنا للعمل الصالح.
والسؤال هو :
هل مطالعتى على أخبار المسلمين والمجاهدين خاصة ونشر أخبارهم يعد عملا لهذا الدين ؟ طبعا الى جانب الامور التى ذكرتها من تعلم العلم الشرعى والعمل الصالح والدعوة الى هذا الدين
وهل لو قبض على من اجل هذه المطالعات اكون قد اديت ما بوسعى ام اننى اكون قد وضعت نفسى فى التهلكة لأنه ينبغى ان انظر فى المصلحة والمفسدة التى من وراء هذا العمل ؟
هل اترك هذه المطالعات خوفا على نفسى وعلى اهلى وعلى ولدى
أم ماذا افعل ؟
وهب أنى تركت هذا الأمر وغيري تركه فلمن تكون هذه البيانات اذا ؟
ولماذا يخاطر أبو ميسرة العراقي بنفسه لإصدار هذه البيانات ؟

الإجابة على السؤال رقم (19):
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته
الأخ الفاضل!
اعلم أخي الكريم أن الله حافظ دينه ومبلغ رسالته للعالمين شاء من شاء وأبى من أبى!
(هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) (التوبة:33)
واعلم أخي الكريم أن الله عليم ومحيط بما يمكر الكافرون ومن والاهم (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (ابراهيم:46)
وماذا كانت العاقبة؟ (فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ) (النمل:51)
كما لا يخفى عليك أخي الفاضل أن أعداء الإسلام لم يتركوا الإسلام يعيش هانئاً منذ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى وقتنا الحاضر. فلديهم مراكز وأجهزة تعمل على قدم وساق مع عدوانهم العسكري على بلاد الإسلام وهذه الأجهزة عبار عن جيش جرار من العلماء والباحثين المتخصصين في علوم الدين (اللاهوت) وعلومن التاريخ والجغرافيا والعلوم الطبية والزراعية بالإضافة إلى تأسيسهم مراكز إعلامية لمتابعة وسائل الإعلام العربية والإسلامية (تلفاز/إذاعة/صحف/منتديات/رسائل الهاتف إلخ). وهذه المراكز والمنابر الإعلامية التي أنشأتها وزارة الدفاع الأمريكية عبارة عن مراكز تعمل بشكل علني وتابعة وبعضها سري! وهناك تنافس بين السي آي إيه والبنتاجون في تحقيق السبق الأمني من خلال متابعة القنوات الفضائية العربية والمنتديات الإسلامية وخاصة المتعاطفة مع المجاهدين أو التي تنشر بياناتهم وأشرطتهم! وعلى نفس هذا المنوال تسير معظم الدول الغربية وعملاؤهم الأقزام في مشارق الأرض ومغاربها!
وبالنسبة لمن يتابع المنتديات الجهادية فليأخذ حذره خاصة في بعض الدول (السعودية) و(سورية) وبعض المقاهي في الأردن ومصر واليمن وغيرها من بلاد العرب. لأن هناك بعض الدول تقوم باعتقال بعض الأشخاص بمجرد دخوله وتجواله عدة مرات لبعض المنتديات الجهادية خاصة إذا راقبه صاحب المقهى مباشرة فإنه سرعان ما يبلغ عنه كما حدث لبعض الأشخاص في سوريا وغيرها.
إذن ينبغي على المسلم أن يأخذ حذره (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ً) (النساء:71)
كما أننا في نفس الوقت لا يخوفنا متابعاتهم ومراقباتهم وإلا تعطلت الدعوة إلى الله تعالى وانتفش الباطل وظهر على الحق! وهذا ما لا يوافق عليه شرعنا الحنيف فنحن نأخذ بالأسباب بقدر استطاعتنا (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (التغابن:16)
وهذا التوازن نفهمه من قول الصحابة رضوان الله عليهم كما جاء في سنن أبي داود: ( عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِىِّ قَالَ أَتَيْتُ أُبَىَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْتُ لَهُ وَقَعَ فِى نَفْسِى شَىْءٌ مِنَ الْقَدَرِ فَحَدِّثْنِى بِشَىْءٍ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُذْهِبَهُ مِنْ قَلْبِى. فَقَالَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ عَذَّبَ أَهْلَ سَمَوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ عَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ وَأَنَّ مَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ وَلَوْ مُتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا لَدَخَلْتَ النَّارَ. قَالَ ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ - قَالَ - ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ - قَالَ - ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِى عَنِ النَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم- مِثْلَ ذَلِكَ.
وحديث ابن عباس رضي الله عنهما يجعلنا نستخف بأفاعيل الطغاة كما ورد في سنن الترمذي: (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كُنْتُ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَوْمًا فَقَالَ « يَا غُلاَمُ إِنِّى أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوِ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ وَلَوِ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَىْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلاَّ بِشَىْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ رُفِعَتِ الأَقْلاَمُ وَجَفَّتِ الصُّحُفُ ». قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).
وقد أفرد الإمام الحميدي في مسنده قول أهل السنة في هذه المسألة:
(حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ قَالَ قَالَ السُّنَّةُ عِنْدَنَا أَنْ يُؤْمِنَ الرَّجُلُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ ، وَأَنْ يَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ ، وَأَنَّ مَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ ، وَأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ قَضَاءٌ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَنَّ الإِيمَانَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَلاَ يَنْفَعُ قَوْلٌ إِلاَّ بِعَمَلٍ وَلاَ عَمَلٌ وَقَوْلٌ إِلاَّ بِنِيَّةٍ وَلاَ قَوْلٌ وَعَمَلٌ وَنِيَّةٌ إِلاَّ بِسُنَّةٍ وَالتَّرَحُّمُ عَلَى أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلِّهِمْ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : (وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ) فَلَنْ يُؤْمِنَ إِلاَّ بِالاِسْتِغْفَارِ لَهُمْ ، فَمَنْ سَبَّهُمْ أَوْ تَنَقَّصَهُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْهُمْ فَلَيْسَ عَلَى السُّنَّةِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِى الْفَىْءِ حَقٌّ).
أما استشهاد البعض بقول الله تعالى ( وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (البقرة:195) فقد أجاب على هذا الاستدلال الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري كما في جاء في سنن أبي داود:
(عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنْ أَسْلَمَ أَبِى عِمْرَانَ قَالَ : غَزَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ نُرِيدُ الْقُسْطَنْطِينِيَّةَ وَعَلَى الْجَمَاعَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَالرُّومُ مُلْصِقُو ظُهُورِهِمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَةِ فَحَمَلَ رَجُلٌ عَلَى الْعَدُوِّ فَقَالَ النَّاسُ : مَهْ مَهْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُلْقِى بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَةِ. فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ : إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ لَمَّا نَصَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ وَأَظْهَرَ الإِسْلاَمَ قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيمُ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَأَنْفِقُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) فَالإِلْقَاءُ بِالأَيْدِى إِلَى التَّهْلُكَةِ أَنْ نُقِيمَ فِى أَمْوَالِنَا وَنُصْلِحَهَا وَنَدَعَ الْجِهَادَ. قَالَ أَبُو عِمْرَانَ : فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوبَ يُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ).
نسأل الله أن يحفظنا وإياك بحفظه الجميل. اللهم آمين!


السؤال رقم (20) عمر البتار:
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
نرحب بك يا فضيلة الشيخ و نحييك تحية إجلال ،
أما أسئلتي فهي خمسة ، جزاكم الله خيرا:
الأول : هل يجوز الاستماع و الأخذ عن العلماء الذين يطعنون في المجاهدين و يصفونهم بالخوارج في أمور أخرى غير الجهاد ، أو حتى أولئك الذين يصمتون و لا يتحدثون و يدعون أن الأمور قد اختلطت و أن الإسلام واضح ، و لا يحرضون الشباب الإسلامي ؟ و ما رأيك فيهم يا دكتورنا العزيز؟ أيجوز للمرء أن ينفر إخوانه منهم ؟
الثاني: لقد سبق و أن طرح أخ سبقني سؤالا عن شاب يمنعه أهله من الجهاد ، سؤالي هو ، هل يجوز الخروج دون اخذ الإذن من الأبوين ، أو من أحدهما ؟ و هل يعتبر الجدال مع الوالدين في مسألة الجهاد ، و ردهم إلى طريق التوحيد الحقيقي عقوقا للوالدين ، كون أبي لا يوافق عما يحدث الآن من قتال ضد أعداء الإسلام ، كمسألة النحر، و قتل المرتدين و كل ما خلط على عامة الناس و هو في الأصل حق ؟ أمن الواجب علي إقناعه ؟ رغم أن كلامي في بعض الأحيان يعصبه ؟ وهل تظن يا شيخنا أن ما يحل بالمسلمين و أبنائهم هو من عمل أيديهم ، أي أن مصيبتنا صنعناها بأيدينا نحن المسلمين ، أم هو ابتلاء من الله عز و جل ؟
الثالث : هل يجوز للمسلم الصلاة و التجول بملابس تشبه ملابس النصارى ، لتجنب الشك في انتمائه لتنظيم ما، و لخلط الأمور على أعداء الإسلام ، سواء أكان المسلم مقيما في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفر ؟
الرابع: سبق و أن سمعت عالما صادقا، يحرض على الجهاد و يقف في وجه الطغاة ، يقول بجواز تهديد حكام و عمال الطواغيت بأطفالهم و نسائهم إن اقتضت الضرورة ، هل توافقه الرأي يا دكتور ، و ما هو رأيك الخاص جزاك الله خيرا ، و يمكن أخذ مثال الجزائر كمثال حي عما يقع ؟ وحفظك الله لنا و لجميع المسلمين يا شيخنا.

الإجابة على السؤال رقم (20):
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته!
الإجابة عن الأول:
الأول : هل يجوز الاستماع و الأخذ عن العلماء الذين يطعنون في المجاهدين و يصفونهم بالخوارج في أمور أخرى غير الجهاد ، أو حتى أولئك الذين يصمتون و لا يتحدثون و يدعون أن الأمور قد اختلطت و أن الإسلام واضح ، و لا يحرضون الشباب الإسلامي ؟ و ما رأيك فيهم يا دكتورنا العزيز؟ أيجوز للمرء أن ينفر إخوانه منهم ؟
الجواب:
أخي الكريم! غيرهم أولى بالأخذ منهم إذا وجدوا. لكن يجوز الأخذ منهم في مسائل لا تتعلق بفقه الجهاد ومسائل الولاء والبراء وتوابعها العلمية. ويجوز لك أن تنبه طلبة العلم على أخطائهم وتحذر مما وقعوا فيه انطللاقاً من قول الله تعالى (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ) (آل عمران:187) وقوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) (آل عمران:110).

الإجابة عن الثاني:
الثاني: لقد سبق و أن طرح أخ سبقني سؤالا عن شاب يمنعه أهله من الجهاد ، سؤالي هو ، هل يجوز الخروج دون اخذ الإذن من الأبوين ، أو من أحدهما ؟ و هل يعتبر الجدال مع الوالدين في مسألة الجهاد ، و ردهم إلى طريق التوحيد الحقيقي عقوقا للوالدين ، كون أبي لا يوافق عما يحدث الآن من قتال ضد أعداء الإسلام ..إلخ؟
الجواب عن الشق الأول:
لقد سبق أن أجبت على هذا السؤال في المجموعة الثانية السؤال رقم (9). ولكن لا بأس بتكرار الإجابة هنا لتعميم الفائدة:
هناك حالتان ذكرهما العلماء عن حكم إذن الوالدين لمن أراد أن يجاهد: الحالة الأولى: أن لهم حقاً في منع ابنهم إذا كان الجهاد فرض كفاية. الحالة الثانية: ليس لهم حقاً في منعه إذا كان الجهاد فرض عين.
قال القاضي بدر الدين بن جماعة في كتابه تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام : "الجهاد قسمان: فرض كفاية، وفرض عين. القسم الأول: فرض كفاية: وهو الذي إذا قام به من فيه الكفاية سقط الوجوب عن الباقين، فإذا كان الكفار مستقرين في بلادهم لم يقصدوا بلاد الإسلام، ولم يتعرضوا لها، فجهادهم فرض كفاية: إذا قام به بعض المسلمين سقط الإثم عن الباقين. ثم إن كان المسلمون مستظهرين على عدوهم فأقل ما يجزئ في كل سنة غزوة، فلا يجوز خلو دين الإسلام عنها، إما بنفس الإمام أو نائبه في سرية أو جيش ونحوه، فإن عطل السلطان سنة من غير إثم، وإن دعت الحاجة إلى أكثر من غزو في السنة وجب بقدر الحاجة، وإن دعت الحاجة إلى تأخيره عن السنة لضعف المسلمين والعياذ بالله أو لقلة عددهم بالنسبة إلى عدوهم أو غير ذلك من الأعذار أو إلى هدنة الكفار، جاز تأخيره عن السنة بقدر الحاجة بذلك العذر لأن النبي صلى الله عليه وسلم هادن قريشاً عشر سنين" أهـ (تحرير الأحكام/طبعة دار الكتب العلمية/بيروت/ص60، ص61.).
لذلك قال بعض الفقهاء في هذا الجهاد (فرض الكفاية) يحرم على المسلم الجهاد إلا بإذن والديه؛ قال النووي في الروضة: "فرع؛ من أحد أبويه حي، يحرم عليه الجهاد إلا بإذنه أو بإذنهما إن كانا حيين مسلمين" أهـ (روضة الطالبين/طبعة دار ابن حزم/بيروت/ص1789).
وقال ابن حزم في المحلى: ولا يجوز الجهاد إلا بإذن الوالدين إلا أن ينزل العدو بقوم من المسلمين ففرض على كل من يمكنه إعانتهم أن يقصدهم مغيثا لهم؛ أذن الأبوان أم لم يأذنا إلا أن يضيعا أو أحدهما بعده فلا يحل له ترك من يضيع منهما" أهـ (المحلى/دار الكتب العلمية/بيروت/ تحقيق عبد الغفار البنداري/ج5 ص341).
أقول قد علق الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز (د.سيد إمام) في كتابه العمدة على رأي ابن حزم قائلاً: "وقد خالف ابن حزم الجمهور في مسألة إذن الوالدين في جهاد العين، فقال لا يعتبر إذنهما في جهاد العين إلا أن يهلكا بخروجه، كأن لا يكون لهما عائل غيره" أهـ (العمدة في إعداد العدة للجهاد في سبيل الله/الطبعة الثانية من مطبوعات جماعة الجهاد لسنة 1410هـ/ص23).
وقال الخرقي: (وإذا كان أبواه مسلمين لم يجاهد تطوعاً إلا بإذنهما) ويعلق ابن قدامة على ذلك بقوله: "لأن بر الوالدين فرض عين، والجهاد فرض كفاية وفرض العين يقدم" أهـ (المغني/طبعة دار الكتاب العربي/ بيروت/ مطبوع مع الشرح الكبير/ج10 ص381 ، ص382).
أقول: مسألة إذن الوالدين واردة في صحيح البخاري من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: (جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - فَاسْتَأْذَنَهُ فِى الْجِهَادِ فَقَالَ « أَحَىٌّ وَالِدَاكَ» . قَالَ نَعَمْ . قَالَ « فَفِيهِمَا فَجَاهِدْ »). لكن الفقهاء فسروا قول النبي صلى الله عليه وسلم بأن هذا في جهاد التطوع وأن الجهاد في تلك الفترة عندما سأله الصحابي كان فرض كفاية.
الشق الثاني من السؤال:
وهل تظن يا شيخنا أن ما يحل بالمسلمين و أبنائهم هو من عمل أيديهم، أي أن مصيبتنا صنعناها بأيدينا نحن المسلمين ، أم هو ابتلاء من الله عز و جل ؟
الجواب:
اعلم وفقني الله وإياك أما عن سبب ما حل بالمسلمين فهذا أمر شرحه يطول ولكن لا بأس أن نذكر بقول الله تعالى (أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَاراً وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) (الأنعام:6)
(أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ) (لأعراف:100)
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (لأنفال:52)
(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ) (لأنفال:54)
(أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) (غافر:21)
(فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) (الزخرف:55)
وقد جاء في الترمذي عن: (عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْوَازِعِ حَدَّثَنِى شَيْخٌ مِنْ بَنِى مُرَّةَ قَالَ قَدِمْتُ الْكُوفَةَ فَأُخْبِرْتُ عَنْ بِلاَلِ بْنِ أَبِى بُرْدَةَ فَقُلْتُ إِنَّ فِيهِ لَمُعْتَبَرًا فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ مَحْبُوسٌ فِى دَارِهِ الَّتِى قَدْ كَانَ بَنَى قَالَ وَإِذَا كُلُّ شَىْءٍ مِنْهُ قَدْ تَغَيَّرَ مِنَ الْعَذَابِ وَالضَّرْبِ وَإِذَا هُوَ فِى قُشَاشٍ فَقُلْتُ الْحَمْدُ لِلَّهِ يَا بِلاَلُ لَقَدْ رَأَيْتُكَ وَأَنْتَ تَمُرُّ بِنَا تُمْسِكُ بِأَنْفِكَ مِنْ غَيْرِ غُبَارٍ وَأَنْتَ فِى حَالِكَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَالَ مِمَّنْ أَنْتَ فَقُلْتُ مِنْ بَنِى مُرَّةَ بْنِ عَبَّادٍ. فَقَالَ أَلاَ أُحَدِّثُكَ حَدِيثًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَنْفَعَكَ بِهِ قُلْتُ هَاتِ. قَالَ حَدَّثَنِى أَبِى أَبُو بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَبِى مُوسَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « لاَ يُصِيبُ عَبْدًا نَكْبَةٌ فَمَا فَوْقَهَا أَوْ دُونَهَا إِلاَّ بِذَنْبٍ وَمَا يَعْفُو اللَّهُ عَنْهُ أَكْثَرُ ». قَالَ وَقَرَأَ ( وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ ). قَالَ أَبُو عِيسَى هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لاَ نَعْرِفُهُ إِلاَّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ).
وقال سبحانه وتعالى: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41) ويقول الله تعالى: (َوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:165)
نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة إبرام رشد يعز فيه أولياؤه، ويذل أعداؤه! اللهم آمين!

الإجابة عن الثالث:
الثالث : هل يجوز للمسلم الصلاة و التجول بملابس تشبه ملابس النصارى ، لتجنب الشك في انتمائه لتنظيم ما، و لخلط الأمور على أعداء الإسلام ، سواء أكان المسلم مقيما في بلاد المسلمين أو في بلاد الكفر ؟
الجواب:
بالنسبة للصلاة في الملابس التي تشبه ملابس الكفار كالبنطال وغيره فطالما كان ساتراً للعورة واسعاً لا يشف ما تحته فإن الصلاة به جائزة. أما ارتداء ملابس الكفار وتقليدهم في هديهم الظاهر للتمويه والتخفي فهذا متوقف على المصلحة التي تراها الجماعة التي ينتسب إليها الشخص لأن الأصل مخالفة الكفار في هديهم الظاهر والكلام مبسوط في كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية (اقتضاء الصراط المستقيم).

الإجابة عن الرابع:
الرابع: سبق و أن سمعت عالما صادقا، يحرض على الجهاد و يقف في وجه الطغاة ، يقول بجواز تهديد حكام و عمال الطواغيت بأطفالهم و نسائهم إن اقتضت الضرورة ، هل توافقه الرأي يا دكتور ، و ما هو رأيك الخاص جزاك الله خيرا ، و يمكن أخذ مثال الجزائر كمثال حي عما يقع ؟
الجواب:
لا يجوز تهديد الحكام الطواغيت وعمالهم بقتل أطفالهم ونسائهم وذراريهم. ولا يجوز قصد نساء وأطفال الحكام المرتدين والوزراء وأعوانهم بالقتل. والمسألة تحتاج إلى تفصيل طويل أكتفي بهذا المقدار من الإجابة.


السؤال رقم (21) أبو عبد الله المصري:
بعد التحية والسلام للشيخ والأخ الدكتور هاني السباعي وفقه الله وحفظه وجعله منبرا ومرجعا للمسلمين كافة.
1- هل يجوز تكفير الوزارء ؟ وما حكم الأشخاص الذين يعملون تحت إمرة الوزراء بأوامر مباشرة كالمستشارين ؟ وما حكم الاشخاص الذين يعملون تحت إمرة هؤلاء المستشارين من سكرتارية ؟ ! [وبرجاء توضيح الفرق بين وزير يعمل في المجال العسكري لدحر التيارات الإسلامية كوزير الداخلية مثلاً ووزير يعمل في مجال الزراعة مثل وزير الزراعة أو وزير الاتصالات ؟.
2- ما هو حكم الشخص (وهم كثرة) الذي يتمنى الذهاب إلى بلاد الكفر من أجل الدراسة والزواج والحصول على الجنسية أيضاً مع التأكيد على قوة إيمانه ووعيه الفقهي من عقيدة الولاء والبراء والحاكمية وتوحيد الألوهية والربوبية والإيمان بالله والكفر بالطاغوت.
3- ما هي وجهة نظر حضراتكم السياسية المستقبلية في حين امتلكت إيران سلاحاً نوويا فهل تؤيدون ذلك أم لا ولماذا ؟
4- هل يجوز القول بأن الأنبياء قد أخطأت ولم تذنب ؟ ! فسيدنا محمد قد حرم على نفسه العسل من قبل كذلك عندما عبس وتولى أن جاءه الأعمى فهل يجوز القول بذلك ؟ !

الإجابة على السؤال رقم (21):
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته!
الإجابة عن السؤال الأول:
1- هل يجوز تكفير الوزارء ؟ وما حكم الأشخاص الذين يعملون تحت إمرة الوزراء بأوامر مباشرة كالمستشارين ؟ وما حكم الاشخاص الذين يعملون تحت إمرة هؤلاء المستشارين من سكرتارية ؟ ! [وبرجاء توضيح الفرق بين وزير يعمل في المجال العسكري لدحر التيارات الإسلامية كوزير الداخلية مثلاً ووزير يعمل في مجال الزراعة مثل وزير الزراعة أو وزير الاتصالات ؟.
حكم أنصار الطواغيت (وزراء وأعوانهم)
أخي الكريم سبق أن أجبت على هذا السؤال في المجموعة الأولى السؤال رقم (6) ولا بأس بتكرار الإجابة مرة أخرى للفائدة:
لقد أفاض وأحسن الجواب على هذه القضية فضيلة الشيخ العلامة عبد القادر بن عبد العزيز (د.سيد إمام) فك الله أسره في كتابه الجامع في طلب العلم الشريف الجزء الثاني ص597 تحت عنوان حكم أنصار الطواغيت: "والمقصـود بهم: أنصــار الحكــام المرتــدين الذين يحكمــون بغيــر ما أنـزل الله في شتى بلدان المسلمين اليوم، وأنصارهم هم الذين يحمونهم ويمنعونهم وينصرونهم على من يريد خلعهم من المسلمين المجاهدين، وأنصارهم هم الذين يذبون عنهم بالقول ويقاتلون دونهم بالسلاح، وهم سبب دوام أحكام الكفر بهذه البلاد (..) وحكم أنصار هؤلاء الطواغيت هو فرع عن الحكم على الطواغيت، وحكم هؤلاء الحكام بغير ما أنزل الله أنهم مرتدون (..) أما حكـم أنصـارهم من علمـاء السوء والإعلاميين والجنود وغيرهم فهم كُفَّار على التعيين في الحكم الظاهر" أهـ. ثم ساق الأدلة على ذلك نختار منها خشية الإطالة ما ذكره جامعه ج2 ص 601 حول الدليل الثاني:
"قوله عز وجل (الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفا) النساء 76.
أما الطاغوت فقد سبق بيان معناه في المقدمات وأنه يدخل فيه بالنص كل من تُحوكم إليه من دون الله من حاكم ٍ بغير ما أنزل الله أو دستور أو قانون كفري، قال تعالى (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمِروا أن يكفروا به) النساء 60، فكل ما تحوكم إليه من دون الله فهو طاغوت وعَرَّف الطبري (سبيل الطاغوت) بأنه (طاعة الشيطان وطريقه ومنهاجه الذي شرعه لأوليائه من أهل الكفر بالله) (تفسير الطبري) 5/ 169.
فكل من قاتل دفاعا عن حاكـم كافـر أو دستـور أو قانـون كافر، ــ كما يفعله أنصار الحكام المرتدين ــ فقد قاتل في سبيل الطاغوت، وكل من قاتل في سبيل الطاغوت فهو كافر، قال تعالى (والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)، ويدخل في هذا: القتال بالقول أو الفعل كما نقلناه عن ابن تيمية في المقدمات.
وتأمل قوله تعالى (فقاتلوا أولياء الشيطان) فإنه مما يبين لك أن الطاغوت على الحقيقة هو الشيطان الداعي إلى كل كفر، وأن من يقاتل في سبيل الطاغوت فهو إنما يقاتل في سبيل الشيطان على الحقيقة، وهذا أيضا من باب توكيد كفرهم فإن أولياء الشيطان هم الكافرون كما قال تعالى (والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت) البقرة 257، وقال تعالى (إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون) الأعراف 27
فهذا من أظهــر الأدلــة على كفر أنصار الحكام المرتدين بالقول كبعض علماء السوء والإعلاميين وبالفعل كالجنود على اختلاف أصنافهم، أنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، ومن قاتل في سبيله فهو كافر، ولا يلزم للحكم بكفر كل منهم أن يباشر القتال فعلا، أو أن يقع قتال، بل كل من كان مُعَداً بواسطة هؤلاء الحكام للقتال دفاعا عنهم وعن أنظمة حكمهم الكفرية ــ التي هى سبيل الطاغوت ــ فهو كافر. وإذا كان الله قد حكم بكفر من يتحاكم إلى الطاغوت فكيف بمن يقاتل من دونه وفي سبيله؟" أهـ.
ثم خلص الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز بعد عرض مستفيض من الأدلة على حكم أنصار الطواغيت في كتابه الموسوعي القيم (الجامع في طلب العلم الشريف) ج2 ص625 :
"وخلاصــة القــول في هذه المسألـة (حكـم أنصار الطـواغيت) وهم هنا أنصار الحكام المرتدون: أن كل من نَصَر الحكام المرتدين وأعانهم على محاربة الإسلام والمسلمين بالقول أو بالفعل فهو كافر في الحكم الظاهر، والردء والمباشر في هذا الحكم سواء ولو لم يكن كذلك لقلنا بكفر من يباشر قتال المسلمين فقط من جنود الحاكم المرتد ولكن قد دلت القواعد الشرعية على أن كل فرد في الممتنعين له حكم الطائفة، وأن الردء له حكم المباشر في القتال، وقد يكون فيهم مسلمون في الباطن إذا قامت في حقهم موانع معتبرة من التكفير، ولا يلزمنا البحث عن هذه الموانع لكونهم ممتنعين عن القدرة، وإنما يبحث عنها من كانت له معاملة خاصة مع بعضهم بسبب مخالطتهم للمسلمين في نفس الدار،فمن علم من أحدهم مانعا معتبراً عامله كمسلم وهو عندنا كافر في الحكم الظاهر مادام في صف الحكام المرتدين" أهـ.
ثم يطلب الشيخ عبد القادر بن عبد العزيز نشر هذه المسألة قائلاً في جامعه ج2 ص625:
"هذا، ويجب نشر علم هذه المسألة (حكم أنصار الحكام المرتدين) بين عموم المسلمين، ففي نشرها خير عظيم بإذن الله تعالى وفي نشرها تعجيل بزوال دولة الحكام المرتدين وضعف شوكتهم وذهاب ريحهم، فإن كثيراً من جنود المرتدين لا يعلمون حكمهم ولا حكم حكامهم في الشريعة وأنهم كفار، ولو علموا ذلك فلربما انقلب كثير من الجنود على حكامهم أو ساعدوا على ذلك، (ولله جنود السماوات والأرض وكان الله عزيزاً حكيما) الفتح 7، (وما يعلم جنود ربك إلا هو) المدثر 31، ويقع عبء نشر علم هذه المسألة على كل مسلم عَلِمَها وبصفة خاصة الدعاة وأهل العلم منهم" أهـ. أرجو أن تكون إجابتي قد ظهرت جلية. نسأل الله تعالى التوفيق والسداد!

الإجابة عن الثاني:
2- ما هو حكم الشخص (وهم كثرة) الذي يتمنى الذهاب إلى بلاد الكفر من أجل الدراسة والزواج والحصول على الجنسية أيضاً مع التأكيد على قوة إيمانه ووعيه الفقهي من عقيدة الولاء والبراء والحاكمية وتوحيد الألوهية والربوبية والإيمان بالله والكفر بالطاغوت.
الجواب:
(السفر إلى بلاد الكفر بهدف الدراسة أو الزواج أو الجنسية)
لا يجوز الذهاب إلى بلاد الكفر بغية الدراسة أو الزواج أو الحصول على الجنسية وإن كان الشخص متفقهاً في دينه عالماً بعقيدة الولاء والبراء حسب الوصف المذكور في السؤال. فأما الدراسة والزواج فلا يمكن إنزالهما منزلة الضرورة للذهاب إلى بلاد الكفر لأنه في وسع المسلم أن يدرس في بلده أو في بلاد متقدمة علمياً أغلبية شعوبها مسلمة مثل ماليزيا وباكستان وأندونسيا وغيرها إلا أن يكون تحصيل هذا العلم فرض عين في حقه ولا يوجد أحد في الأمة يسد مقامه. وأما الذهاب للحصول على جنسية الدولة الكافرة فهو كتقحم الفراش للنار. قال صلى الله عليه وسلم: (أنا برئ من كل مسلم، يقيم بين أظهر المشركين، لا تراءى نارهما)(صحيح الجامع الصغير الحديث رقم 1461).

الإجابة عن ثالثاً:
3- ما هي وجهة نظر حضراتكم السياسية المستقبلية في حين امتلكت إيران سلاحاً نوويا فهل تؤيدون ذلك أم لا ولماذا ؟
الجواب:
إيران والسلاح النووي
من حق إيران أو أية دولة أن تطور أسلحتها وتمتلك سلاحاً نووياً قد يكون سؤالك عن إيران لأنها دولة شيعية تاريخها مخز قبل أهل السنة في أفغانستان والعراق وفي إيران نفسها وتآمرهم لا يخفى على من يتابع تاريخ هذه الدولة الشيعية. وقد يكون الخوف في محله إذا امتلكت إيران سلاحاً نووياً قد تجبر أهل السنة بتغيير مذهبهم أو قتلهم كما فعلوا قديماً وحديثاً! وهذه الصورة على افتراض تحققها وامتلاك إيران أسلحة نووية فإنها لا تستطيع أن تجتث أهل السنة من على وجه البسيطة وإلا لكانت أمريكا والغرب أسرع في تحقيق هذا الغرض لامتلاكهم أسلحة نووية أكثر فتكاً وتخريباً!! أما عن أهل السنة فإنه للأسف الشديد ويا للحسرة! لا توجد دولة في العالم تمثلهم وهل يرجى من هؤلاء الحكام المرتدين من أندونسيا وماليزيا وباكستان وأفغانستان وكل حكام العرب هل يرجى منهم خير لأمة الإسلام! وهل هؤلاء المرتدون سيدافعون أو يفكرون بالدفاع عن الإسلام؟! وهل يفكون في نهضة الأمة فعلاً؟! وهكذا فإن امتلاك أسلحة متطور سواء أسلحة تقليدية أو نووية حق طبيعي لأمتنا للردع وحماية دولة الإسلام ولنشر كلمة التوحيد بدون عوائق! وهذا الأمر من سنن الله تعالى التي خلقها الله للمؤمن والكافر فمن أخذ بهذه السنن فقد يحقق النصر على خصومه وإن كانوا أتقياء بررة كما حدث في غزوة أحد. وقد استفاد المسلمون من فكرة حفر الخندق عند الفرس كما في غزوة الأحزاب واخذ المسلمون أيضاً بسلاح المنجانيق المعمول به حربياً في الروم. واستطاع السلطان العثماني محمد الفاتح فتح القسطنطينية باختراع المدفع العملاق الذي اجتاح به تركيا وأوروبا الشرقية وهكذا لما تخلف المسلمون عن الأخذ بأسباب القوة تداعت عليهم الأمم ومزقتهم شر ممزق. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في سنن أبي داود ( عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « يُوشِكُ الأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا ». فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ « بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزِعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمُ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِى قُلُوبِكُمُ الْوَهَنَ ». فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهَنُ قَالَ « حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ ». وقد ذكرنا الله في كتابه العزيز: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) (لأنفال:60)
ولننتبه إلى قوله تعالى في محكم التزيل: (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) (النساء:102) أسأل الله أن أكون قد وفقت في الإجابة. نسأل الله تعالى أن يكشف الغمة عن أمتنا وأن يأذن لشريعته أن تحكم الأرض وأن تسود!

الإجابة عن رابعاً:
4- هل يجوز القول بأن الأنبياء قد أخطأت ولم تذنب ؟ ! فسيدنا محمد قد حرم على نفسه العسل من قبل كذلك عندما عبس وتولى أن جاءه الأعمى فهل يجوز القول بذلك ؟ !
الجواب:
بالنسبة لمسألة هل الأنبياء معصومون من الخطأ؟
لقد أجمع العلماء على تنزيه الأنبياء عن اقتراف الكبائر لكنهم اختلفوا في اقتراف الأنبياء صغائر المعاصي قبل النبوة أو اقترافهم خطأ قبل أن ينزل الوحي ليصحح له الخطأ؟ فجمهور العلماء ينزهون الأنبياء من كل عيب سواء الصغائر قبل النبوية أو بعد النبوة وقد أجاب وأحسن الجواب العلامة القاضي عياض المتوفي سنة 541هـ بمدينة مراكش بالمغرب في كتابه الماتع (الشفا بتعريف حقوق المصطفى) في عرضه لهذه المسألة ورد على شبهات المجيزين المعاصي للأنبياء؛ أختار منها هذه الفقرات لزيادة الفائدة وخاصة لمن ليس لديه كتاب الشفا: يقول القاضي عياض (في عصمة الأنبياء قبل النبوة):
" وقد اختلف في عصمتهم من المعاصي قبل النبوة ، فمنعها قوم ، و جوزها آخرون . و الصحيح إن شاء الله تنزيههم من كل عيب، وعصمتهم من كل ما يوجب الريب ، فكيف و المسألة تصورها كالممتنع ، فإن المعاصي و النواهي إنما تكون بعد تقرر الشرع .
و قد اختلف الناس في حال نبينا صلى الله عليه و سلم قبل أن يوحى إليه ، قل كان متبعاً لشرع [207 ] قبله أم لا ؟ فقال جماعة : لم يكن متبعاً لشيء ، و هذا قول الجمهور ، فالمعاصي على هذا القول غير موجودة و لا معتبرة في حقه حينئذ ، إذ الأحكام الشرعية إنما تتعلق بالأوامر و النواهي و تقرر الشريعة .
ثم اختلف حجج القائلين بهذه المقالة عليها ، فذهب سيف السنة ، و مقتدى فرق الأمة القاضي أبو بكر إلى أن طريق العلم بذلك النقل و موارد الخبر من طريق السمع ، و حجته أنه لو كان ذلك لنقل ، و لما أمكن كتمه و ستره في العادة ، إذ كان من مهم أمره ، و أولى ما اهتبل به سيرته ، و لفخر به أهل تلك الشريعة ، و لاحتجوا به عليه ، و لم يؤثر شيء من ذلك جملة .
و ذهبت طائفة إلى امتناع ذلك عقلاً ، قالوا : لأنه يبعد أن يكون متبوعاً من عرف تابعاً ، و بنوا هذا على التحسين و التقبيح ، و هي طريقة غير سديدة ، و استناد ذلك إلى النقل كما تقدم للقاضي أبي بكر أولى و أظهر .
و قالت فرقة أخرى بالوقف في أمره صلى الله عليه و سلم و ترك قطع الحكم عليه بشيء في ذلك، إذ لم يحل أحد الوجهين منها العقل ، و لا استبان في أحدهما طريق النقل ، و هو مذهب أبي المعالي .
و قالت فرقة ثالثة : إنه كان عاملاً بشرع من قبله ، ثم اختلفوا : هل يتعين ذلك الشرع أم لا ؟ فوقف بعضهم عن تعيينه ، و أحجم. و جسر بعضهم على التعيين و صمم . ثم اختلفت هذه المعينة فيمن كان يتبع ، فقيل نوح ، و قيل إبراهيم ، و قيل موسى ، و قيل عيسى صلوات الله عليهم . فهذه جملة المذاهب في هذه المسألة .
و الأظهر فيها ما ذهب إليه القاضي أبو بكر، و أبعدها مذاهب المعينين ، إذ لو كان شيء من ذلك لنقل كما قدمنا ، و لم يخف جملة ، و لا حجة لهم في أن عيسى آخر الأنبياء ، فلزمت شريعته من جاء بعدها ، إذ لم يثبت عموم دعوة عيسى ، بل الصحيح أنه لم يكن لنبي دعوة عامة إلا لنبينا صلى الله عليه و سلم ، و لا حجة أيضاً للآخرة في قوله : أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا ، و لا للآخرين في قوله تعالى : شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا ، فتحمل هذه الآية على اتباع في التوحيد ، كقوله تعالى : أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده [ سورة الأنعام / 6 ، الآية : 90 ] .
و قد سمى الله تعالى فيهم من لم يبعث ، و لم تكن له شريعة تخصه ، كيوسف بن يعقوب على قول من يقول : إنه ليس برسول . و قد سمى الله تعالى جماعة منهم في هذه الآية شرائعهم مختلفة لا يمكن الجمع بينها ، فدل أن المراد ما اجتمعوا عليه من التوحيد و عبادة الله تعالى .
و بعد هذا فهل يلزم من قال بمنع الاتباع هذا القول في سائر الأنبياء غير نبينا صلى الله عليه وسلم ، أو يخالفون نبيهم ؟.
أما من منع الاتباع عقلاً فيطرد أصله في كل رسول بلا مرية . و أما من مال إلى النقل فأينما تصور له و تقرر اتبعه . ومن قال بالوقف فعلى أصله . و من قال بوجوب الاتباع لمن قبله فيلتزمه بمساق حجته في كل نبي . (راجع: القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى/دار الفكر/بيروت/1415هـ/ج2 ص129،ص130).
شبهات المجيزين الصغائر على الأنبياء والرد عليها:
لقد عقد القاضي عياض فصلاً (في الرد على من أجاز عليهم الصغائر والكلام على من احتجوا به في ذلك) حيث قال: "اعلم أن المجوزين للصغائر على الأنبياء من الفقهاء و المحدثين و من شايعهم على ذلك من المتكلمين احتجوا على ذلك بظواهر كثيرة من القرآن و الحديث إن التزموا ظواهرها أفضت بهم إلى تجويز الكبائر و خرق الإجماع ، و هو ما لا يقول به مسلم ، فكيف وكل ما احتجوا به مما اختلف المفسرون في معناه ، و تقابلت الاحتمالات في مقتضاه ، و جاءت أقاويل فيها للسلف بخلاف ما التزموه من ذلك ، فإذا لم يكن مذهبهم إجماعاً ، و كان الخلاف فيما احتجوا به قديماً ، و قامت الدلالة على خطأ قولهم ، و صحة غيره ، وجب تركه ، و المصير إلى ما صح. وها نحن نأخذ في النظر فيها إن شاء الله .
فمن ذلك قوله تعالى لنبينا محمد صلى الله عليه و سلم :
(ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر) [ سورة الفتح / 48 ، الآية : 2 ] .
و قوله : (واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات) [ سورة محمد / 47 ، الآية : 19 ] .
و قوله : (ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك) [ سورة الشرح / 94 ، الآية : 2 ، 3 ] .
و قوله : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 43 ] .
و قوله : (لولا كتاب من ا لله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) [ سورة الأنفال / 8 ، الآية : 68 ] . و قوله : (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى) الآية.
و ما قص من قصص غيره من الأنبياء ، كقوله : (وعصى آدم ربه فغوى) [ سورة طه / 20 ، الآية : 121 ] . و قوله : (فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون) [ سورة الأعراف / 7 الآية : 190 ] . وقوله : (ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين) [ سورة الأعراف / 7 ، الآية : 23 ] . و قوله ـ عن يونس : (سبحانك إني كنت من الظالمين) [ سورة الأنبياء / 21 ، الآية : 87 ] .
وما ذكر من قصته و قصة داود ، و قوله:(وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ سورة ص / 38 ، الآية : 24 ، 25 ] .
و قوله : (ولقد همت به وهم بها) ، و ما قص من قصته مع إخوته .
و قوله ـ عن موسى : (فوكزه موسى فقضى عليه قال هذا من عمل الشيطان) [ سورة القصص / 28 ، الآية : 15 ] . و قول النبي صلى الله عليه و سلم في دعائه : اغفر لي ما قدمت و ما أخرت، وما أسررت وما أعلنت و نحوه م ن أدعيته صلى الله عليه و سلم .
و ذكر الأنبياء في الموقف ذنوبهم في حديث الشفاعة .
و قوله : إنه ليغان على قلبي فأستغفر الله .
و في حديث أبي هريرة : إني لأستغفر الله و أتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة .
و قوله تعالى عن نوح : (وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين).
و قد كان [ 212 ] قال الله له : (ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون) [ سورة هود / 11 ، الآية : 37 ]. و قال عن إبراهيم: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين) [ سورة الشعراء/ 26، الآية: 82 ]. و قوله ـ عن موسى : (تبت إليك) [ سورة الأعراف / 7 ، الآية : 143 ] .
و قوله : (ولقد فتنا سليمان) ... إلى ما أشبه هذه الظواهر. (راجع: القاضي عياض: الشفا/المرجع السابق/ج2 ص136، ص137).
الرد على أدلة المجيزين صدور المعاصي من الأنبياء:
"قال القاضي رحمه الله : فأما احتجاجهم بقوله : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر : فهذا قد اختلف فيه المفسرون ، فقيل : المراد ما كان قبل النبوة و بعدها.
و قيل : المراد ما وقع لك من ذنب وما لم يقع ـ أعلمه أنه مغفور له.
و قيل : المتقدم ما كان قبل النبوة ، و المتأخر عصمتك بعدها ، حكاه أحمد بن نصر.
و قيل : المراد بذلك أمته. و قيل : المراد ما كان عن سهو و غفلة ، و تأويل ، حكاه الطبري ، واختاره القشيري . و قيل : ما تقدم لأبيك آدم ، و ما تأخر من ذنوب أمتك ، حكاه السمرقندي و السلمي عن ابن عطاء.

وبمثله والذي قبله يتأول قوله : واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات ،
قال مكي : مخاطبة النبي صلى الله عليه و سلم ها هنا هي مخاطبة لأمته .
و قيل : إن النبي صلى الله عليه و سلم لما أمر أن يقول : وما أدري ما يفعل بي ولا بكم ـ سر بذلك الكفار ، فأنزل الله تعالى : ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الآية ، و بمآل المؤمنين في الآية الأخرى بعدها ، قاله ابن عباس ، فمقصد الآية : إنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب إن لو كان . قال بعضهم : المغفرة ها هنا تبرئة من العيوب .
و أما قوله : ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك ، فقيل : ما سلف من ذنبك قبل النبوة ، و هو قول ابن زيد و الحسن ، و معنى قول قتادة .
و قيل : معناه أنه حفظ قبل نبوته منها ، و عصم ، و لولا ذلك لأثقلت ظهره ، حكى معناه السمرقندي . و قيل : المراد بذلك ما أثقل ظهره من أعباء الرسالة حتى بلغها ، حكاه الماوردي ، و السلمي. و قيل : حططنا عنك ثقل أيام الجاهلية ، حكاه مكي .
و قيل : ثقل شغل سرك و حيرتك و طلب شريعتك حتى شرعنا ذلك لك ، حكى معناه القشيري .
و قيل المعنى : خففنا عليك ما حملت بحفظنا لما استحفظت ، و حفظ عليك .
و معنى أنقض ظهرك ، أي كاد ينقضه ، فيكون المعنى على من جعل ذلك لما قبل النبوة ـ اهتمام النبي صلى الله عليه و سلم بأمور فعلها قبل نبوته ، و حرمت عليه بعد النبوة ، فعدها أوزار ، و ثقلت عليه ، و أشفق منها .
أو يكون الوضع عصمة الله له و كفايته من ذنوب لو كانت لأنقضت ظهره .
أو يكون من ثقل الرسالة ، أو ما ثقل عليه و شغل قلبه من أمور الجاهلية ، و إعلام الله تعالى له بحفظ ما استحفظه من وحيه.

و أما قوله : (عفا الله عنك لم أذنت لهم) فأمر لم يتقدم للنبي صلى الله عليه وسلم من الله تعالى نهي فيعد معصية، ولا عده الله تعالى عليه معصية ، بل لم يعده أهل العلم معاتبة. وغلطوا من ذهب إلى ذلك ، قال نفطويه [ 213 ] : و قد حاشاه الله تعالى من ذلك ، بل كان مخيراً في أمرين، قالوا : و قد كان له أن يفعل ما شاء فيما لم ينزل عليه فيه وحي ، فكيف وقد قال الله تعالى : (فأذن لمن شئت منهم) . فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من سرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا، وأنه لا حرج عليه فيما فعل، و ليس عفا هنا بمعنى غفر، بل كما قال النبي صلى الله عليه و سلم: عفا الله لكم عن صدقة الخيل و الرقيق. و لم تجب عليهم قط ، أي لم يلزمكم ذلك .
و نحوه للقشيري ، قال : و إنما يقول العفو : لا يكون إلا عن ذنب ـ من لم يعرف كلام العرب ، ومعنى عفا الله عنك أي لم يلزمك ذنباً.
قال الداودي : روي أنها تكرمة. وقال مكي : هو استفتاح كلام ، مثل أصلحك الله و أعزك .
و حكى السمرقندي أن معناه عفاك الله.

و أما قوله في أسارى بدر : (ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم * لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) . فليس فيه إلزام ذنب للنبي صلى الله عليه و سلم ، بل فيه بيان ما خص به وفضل من بين سائر الأنبياء ، فكأنه قال : ما كان هذا لنبي غيرك ، كما قال صلى الله عليه و سلم: أحلت لي الغنائم ، و لم تحل لنبي قبلي .

فإن قيل : فما معنى قوله تعالى : (تريدون عرض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم) [سورة الأنفال / 8 ، الآية : 67].

قيل : المعنى بالخطاب لمن أراد ذلك منهم ، و تجرد غرضه لعرض الدنيا وحده ، و الاستكثار منها ، و ليس المراد بهذا النبي صلى الله عليه و سلم ، و لا عليه أصحابه ، بل قد روى عن الضحاك أنها نزلت حين انهزم المشركون يوم بدر، واشتغل الناس بالسلب و جمع الغنائم عن القتال ، حتى خشي عمر أن يعطف عليهم العدو .
ثم قال تعالى : (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم) ، فاختلف المفسرون في معنى الآية ، فقيل : معناها لولا أنه سبق مني أن لا أعذب أحداً إلا بعد النهي لعذبتكم .
فهذا ينفي أن يكون أمر الأسرى معصية .
و قيل : المعنى لو لا إيمانكم بالقرآن ، و هو الكتاب السابق فاستوجبتم به الصفح ـ
لعوقبتم على الغنائم. ويزاد هذا القول تفسيراً و بياناً بأن يقال : لو لا ما كنتم مؤمنين بالقرآن ، وكنتم ممن أحلت لهم الغنائم لعوقبتم ، كما عوقب من تعدى.

وقيل : لولا أنه سبق في اللوح المحفوظ أنها حلال لكم لعوقبتم .
فهذا كله ينفي الذنب و المعصية ، لأن من فعل ما أحل له لم يعص ، قال الله تعالى : فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا [ سورة الأنفال / 8 ، الآية : 69 ].
و قيل : بل كان صلى الله عليه و سلم قد خير في ذلك ، و قد روي عن علي رضي الله عنه، قال: جاء جبريل عليه السلام إلى النبي صلى الله عليه و سلم يوم بدر ، فقال : خير أصحابك في الأساري، إن شاءوا القتل، و إن شاءوا الفداء ، على أن يقتل منهم في العام المقبل مثلهم. فقالوا : الفداء و يقتل منا. وهذا دليل على صحة ما قلناه ، و أنهم لم يفعلوا إلا ما أذن لهم فيه ، و لكن بعضهم مال إلى أضعف الوجهين مما كان الأصلح غيره من الإثخان و القتل ، فعوتبوا على ذلك، و بين لهم ضعف اختيارهم و تصويب اختيار غيرهم ، و كلهم غير عصاة ولا مذنبين ، و إلى نحو هذا أشار الطبري .

وقوله صلى الله عليه و سلم في هذه القضية: لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر. [ 412 ] ـ إشارة إلى هذا من تصويب رأيه و رأي من أخذ بمأخذه ، في إعزاز الدين و إظهار كلمته ، و إبادة عدوه ، و أن هذه القضية لو استوجبت عذاباً نجا منه عمر و مثله، وعين عمر لأنه أول من أشار بقتلهم ، و لكن الله لم يقدر عليهم في ذلك عذاباً لحله لهم فيما سبق .
و قال الداودي : و الخبر بهذا لا يثبت ، و لو ثبت لما جاز أن يظن أن النبي صلى الله عليه و سلم حكم لما لا نص فيه و لا دليل من نص ، و لا جعل الأمر فيه إليه ، و قد نزهه الله تعالى عن ذلك.
و قال القاضي بكر بن العلاء : أخبر الله تعالى نبيه في هذه الآية أن تأويله وافق ما كتبه له من إحلال الغنائم و الفداء ، و قد كان قبل هذا فادوا في سرية عبد الله بن جحش التي قتل فيها ابن الحضرمي بالحكم بن كيسان و صاحبه ، فما عتب الله ذلك عليهم ، و ذلك قبل بدر بأزيد من عام.
فهذا كله يدل على أن فعل النبي صلى الله عليه و سلم في شأن الأسرى كان على تأويل و بصيرة، و على ما تقدم قبل مثله ، فلم ينكره الله تعالى عليهم ، لكن الله تعالى أراد ـ لعظم أمر بدر و كثرة أسراها ، و الله أعلم ـ إظهار نعمته ، و تأكيد منته ، بتعريفهم ما كتبه في اللوح المحفوظ من حل ذلك لهم، لا على وجه عتاب و إنكار وتذبيب. هذا معنى كلامه" أهـ راجع: القاضي عياض: الشفا/المرجع السابق/ج2 ص136: ص141).

أقول: قال القرطبي المتوفى سنة 671هـ في تفسيره الجامع لأحكام القرآن: " هذه الآية نزلت يوم بدر، عتابا من الله عز وجل لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم. والمعنى: ما كان ينبغي لكم أن تفعلوا هذا الفعل الذي أوجب أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم أسرى قبل الإثخان. ولهم هذا الإخبار بقوله "تريدون عرض الدنيا". والنبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر باستبقاء الرجال وقت الحرب، ولا أراد قط عرض الدنيا، وإنما فعله جمهور مباشري الحرب، فالتوبيخ والعتاب إنما كان متوجها بسبب من أشار على النبي صلى الله عليه وسلم بأخذ الفدية. هذا قول أكثر المفسرين، وهو الذي لا يصح غيره. وجاء ذكر النبي صلى الله عليه وسلم في الآية حين لم ينه عنه حين رآه من العريش وإذ كره سعد بن معاذ وعمر بن الخطاب وعبد الله بن رواحة، ولكنه عليه السلام شغله بغت الأمر ونزول النصر فترك النهي عن الاستبقاء، ولذلك بكى هو وأبو بكر حين نزلت الآيات. والله أعلم" أهـ (القرطبي: الجامع لأحكام القرآن/ تحقيق د.محمد إبراهيم الحفناوي ود.محمود حامد عثمان/دار الحديث القاهرة/ط2/1416هـ/ج8 ص48).

عود إلى القاضي عياض في الشفا:

"و أما قوله : (عبس وتولى * أن جاءه الأعمى) [ سورة عبس / 80 ، الآية : 1 ] .
فليس له إثبات ذنب له صلى الله عليه و سلم ، بل إعلام الله أن ذلك المتصدي له ممن لا يتزكى ، و إن الصواب و الأولى ـ لو كشف لك حال الرجلين ـ الإقبال على الأعمى .
و فعل النبي صلى الله عليه و سلم لما فعل ، وتصديه لذلك الكافر، كان طاعة لله و تبليغاً عنه و استئلافاً له، كما شرعه الله له، لا معصية ، و لا مخالفة له.

و ما قصه الله عليه من ذلك إعلام بحال الرجلين و توهين أمر الكافر عنده و الإشارة إلى الإعراض عنه ، بقوله : (وما عليك ألا يزكى) [ سورة عبس / 80 ، الآية : 3 ] .
و قيل : أراد بـ [ عبس ] ، و [ تولى ] ـ الكافر الذي كان مع النبي صلى الله عليه و سلم ، قاله أبو تمام" أهـ (القاضي عياض: المرجع السابق/ج2 ص141:ص142).

أقول: قال القرطبي في جامعه: "الرابعة: قال علماؤنا: ما فعله ابن أم مكتوم كان من سوء الأدب لو كان عالما بأن النبي صلى الله عليه وسلم مشغول بغيره، وأنه يرجو إسلامهم، ولكن الله تبارك وتعالى عاتبه حتى لا تنكسر قلوب أهل الصفة؛ أو ليعلم أن المؤمن الفقير خير من الغني، وكان النظر إلى المؤمن أولى وإن كان فقيرا أصلح وأولى من الأمر الآخر، وهو الإقبال على الأغنياء طمعا في إيمانهم، وإن كان ذلك أيضا نوعا من المصلحة، وعلى هذا يخرج قوله تعالى: "ما كان لنبي أن يكون له أسرى" [الأنفال: 67] الآية على ما تقدم. وقيل: إنما قصد النبي صلى الله عليه وسلم تأليف الرجل، ثقة بما كان في قلب ابن مكتوم من الإيمان؛ كما قال: (إني لأصل الرجل وغيره أحب إلي منه، مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه).
الخامسة: قال ابن زيد: إنما عبس النبي صلى الله عليه وسلم لابن أم مكتوم وأعرض عنه؛ لأنه أشار إلى الذي كان يقوده أن يكفه، فدفعه ابن أم مكتوم، وأبي إلا أن يكلم النبي صلى الله عليه وسلم حتى يعلمه، فكان في هذا نوع جفاء منه. ومع هذا أنزل الله في حقه على نبيه صلى الله عليه وسلم: "عبس وتولى" بلفظ الإخبار عن الغائب، تعظيما له ولم يقل: عبست وتوليت. ثم أقبل عليه بمواجهة الخطاب تأنيسا له فقال: "وما يدريك" أي يعلمك "لعله" يعني ابن أم مكتوم "يزكى" بما استدعى منك تعليمه إياه من القرآن والدين، بأن يزداد طهارة في دينه، وزوال ظلمة الجهل عنه." أهـ (القرطبي: الجامع لأحكام القرآن/ج19 ص203 204).

عود إلى ردود القاضي عياض:
"وأما قصة آدم عليه السلام ، و قوله تعالى : (فأكلا منها) بعد قوله: (ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين. و قوله ألم أنهكما عن تلكما الشجرة، و تصريحه تعالى عليه بالمعصية بقوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى)، أي جهل.
و قيل أخطأ ، فإن الله تعالى قد أخبر بعذره بقوله : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما ، قال ابن زيد : نسي عداوة إبليس له ، و ما عهد الله إليه من ذلك بقوله : إن هذا عدو لك ولزوجك الآية. و قيل : نسي ذلك بما أظهر لهما .
و قال ابن عباس : إنما سمي الإنسان إنسانا لأنه عهد إليه فنسي .
و قيل : لم يقصد المخالفة استحلالاً لها ، و لكنهما اغتراً بحلف إبليس لهما : (إني لكما لمن الناصحين) ، و توهما أن أحداً لا يحلف بالله حانثاً .
و قد روي عذر آدم بمثل هذا في بعض الآثار. وقال ابن جبير : حلف بالله لهما حتى غرهما ، و المؤمن يخدع. و قد قيل : نسي ، و لو ينو المخالفة ، فلذلك قال : ولم نجد له عزما ، و أي قصداً [ 215 ] للمخالفة. وأكثر المفسرين على أن العزم هنا الجزم و الصبر.
و قيل : كان عند أكله سكران ، و هذا فيه ضعف ، لأن الله تعالى وصف خمر الجنة أنها لا تسكر، فإذا كان ناسياً لم تكن معصية ، و كذلك إن كان ملبساً عليه غالطاً ، إذ الاتفاق على خروج الناسي و الساهي عن حكم التكليف.
قال الشيخ أبو بكر بن فورك و غيره : إنه يمكن أن يكون ذلك قبل النبوة ، و دليل ذلك قوله تعالى: (وعصى آدم ربه فغوى * ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى) ، فذكر أن الاجتباء و الهداية كانا بعد العصيان. وقيل : بل أكلها متأولاً ، و هو يعلم أنها الشجرة التي نهي عنها ، لأنه تأول نهي الله عن شجرة مخصوصة لا على الجنس ، و لهذا قيل : إنما كانت التوبة من ترك التحفظ ، لا من المخالفة. وقيل : تأول أن الله لم ينهه عنه ا نهي تحريم .
فإن قيل : فعلى كل حال فقد قال الله تعالى : وعصى آدم ربه ، و قال : فتاب عليه وهدى . و قوله في حديث الشفاعة : و يذكر ذنبه ، و قال : إني نهيت عن أكل الشجرة فعصيت ، فسيأتي الجواب عنه و عن أشباهه مجملاً آخر الفصل إن شاء الله.

وأما قصة يونس فقد مضى الكلام على بعضها آنفاً ، و ليس في قصة يونس نص على ذنب، وإنما فيها : أبق و ذهب مغاضباً و قد تكلمنا عليه .
و قيل : إنما نقم الله عليه خروجه عن قومه فاراً من نزول العذاب .
و قيل : بل لما وعدهم العذاب ثم عفا الله عنهم قال : و الله لا ألقاهم بوجه كذاب أبداً .
و قيل : بل كانوا يقتلون من كذب فخاف ذلك .
و قيل : ضعف عن حمل أعباء الرسالة . و قد يقدم الكلام أنه لم يكذبهم .
و هذا كله ليس فيه نص على معصية إلا على قول مرغوب عنه .
و قوله : (إذ أبق إلى الفلك المشحون) قال المفسرون تباعد .
و أما قوله : إني كنت من الظالمين ، فالظلم وضع الشيء في غير موضعه ، فهذا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه، فإما أن يكون لخروجه عن قومه بغير إذن ربه ، أو لضعفه عما حمله ، أو لدعائه بالعذاب على قومه. و قد دعا نوح بهلاك قومه فلم يؤاخذ.
و قال الواسطي في معناه : نزه ربه عن الظلم ، و أضاف الظلم إلى نفسه اعترافاً و استحقاقاً . ومثل هذا قول آدم و حواء : (ربنا ظلمنا أنفسنا) ، إذ كانا السبب في وضعهما غير الموضع الذي أنزلا فيه ، و اخراجهما من الجنة، و إنزالهما إلى الأرض.

وأما قصة داود عليه السلام فلا يجب أن يلتفت إلى ما سطره فيه الأخباريون من أهل الكتاب الذين بدلوا وغيروا، و نقله بعض المفسرين. ولم ينص الله على شيء من ذلك ، و لا ورد في حديث صحيح . و الذي نص عليه قوله : (وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب * فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ سورة ص / 38 ، الآية : 24 ، 25 ] .
و قوله فيه : أواب. فمعنى فتناه : اختبرناه. و أواب : قال قتادة : مطيع. وهذا التفسير أولى .
و قال ابن عباس ، و ابن مسعود : ما زاد داود على أن قال للرجل : انزل لي عن امرأتك وأكفلنيها ، فعاتبه الله على ذلك ، و نبهه عليه ، و أنكر عليه [ 216 ] شغله بالدنيا ، و هذا الذي ينبغي أن يعول عليه من أمره.
و قيل : خطبها على خطبته. و قيل : بل أحب بقلبه أن تستشهد .
و حكى السمرقندي أن ذنبه الذي استغفر منه قوله لأحد الخصمين : لقد ظلمك ، فظلمه بقول خصمه . و قيل : بل لما خشي على نفسه ، و ظن من الفتنة بما بسط له من الملك و الدنيا .
و إلى نفي ما أضيف في الأخبار إلى داود من ذلك ذهب أحمد بن نصر، و أبو تمام ، و غيرهما من المحققين. وقال الداودي : ليس في قصة داود وأوريا خبر يثبت ، و لا يظن بنبي محبة قتل مسلم. [ وقيل : إن الخصمين اللذين اختصما إليه رجلان في نعاج غنم ، على ظاهر الآية ].

وأما قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف فيها تعقب ، وأما إخوته فلم تثبت نبوتهم فليزم الكلام على أفعالهم . و ذكر الأسباط و عدهم في القرآن عند ذكر الأنبياء ليس صريحاً في كونهم من أهل الأنبياء. قال المفسرون : يريد من نبئ من أنباء الأسباط .
و قد قيل : إنهم كانوا حين فعلوا بيوسف ما فعلوه صغار الأسنان ، و لهذا لم يميزوا يوسف حين اجتمعوا به ، و لهذا قالوا : أرسله معنا غداً نرتع و نلعب ، و إن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا ، و الله أعلم.

وأما قول الله تعالى فيه : (ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) فعلى طريق كثير من الفقهاء المحدثين أن هم النفس لا يؤاخذ به ، و ليس سيئة ، لقوله صلى الله عليه و سلم ـ عن ربه : [ إذا هم عبدي بسيئة فلم يعلمها كتبت له حسنة ] ، فلا معصية في همه إذاً .
و أما على مذهب المحققين من الفقهاء و المتكلمين فإن الهم إذا وطنت عليه النفس سيئة . و أما ما لم توطن عليه النفس من همومها و خواطرها فهو المعفو عنه.
هذا هو الحق ، فيكون ـ إن شاء الله ـ هم يوسف من هذا ، ويكون قوله :( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي إن ربي غفور رحيم) [ سورة يوسف / 1 ، الآية : 53 ] .
(أي) ما أبرئها من هذا الهم، أو يكون ذلك منه على طريق التواضع والاعتراف بمخالفة النفس لما زكي قبل و برىء ، فكيف وقد حكى أبو حاتم عن أبي عبيدة ـ أن يوسف لم يهم، و أن الكلام فيه تقديم و تأخير، أي : ولقد همت به ، و لولا أن رأى برهان ربه لهم بها ، و قد قال الله تعالى ـ عن المرأة: (لقد راودته عن نفسه فاستعصم). و قال تعالى : (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء) . قال تعالى : (وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي) الآية. قيل في ربي الله تعالى . و قيل : الملك. وقيل : هم بها ، أي بزجرها و وعظها
و قيل هم بها ، أي غمها امتناعه عنها. و قيل هم بها : نظر إليها .
و قيل هم بضربها و دفعها. وقيل هذا كله كان قبل نبوته.
و قد ذكر بعضهم : ما زال النساء يملن إلى يوسف ميل شهوة حتى نبأه الله ، فألقى عليه هيبة النبوة ، فشغلت هيبته كل من رآه عن حسنه.

وأما خبر موسى صلى الله عليه و سلم مع قتيله الذي و كزه فقد نص الله تعالى أنه من عدوه، قال : كان من القبط الذين على دين فرعون .
و دليل السورة في هذا كله أنه قبل نبوة موسى .
و قال قتادة : وكزه بالعصا ، و لم يتعمد قتله ، فعلى هذا لا معصية في ذلك .
و قوله : (هذا من عمل الشيطان). و قوله : [ 217 ] (ظلمت نفسي فاغفر لي) قال ابن جريح : قال ذلك من أجل أنه لا ينبغي لنبي أن يقتل حتى يؤمر .
و قال النقاش : لم يقتله عن عمد مريداً للقتل ، و إنما وكزه و كزة يريد بها دفع ظلمة ، قال : و قد قيل : إن هذا كان قبل النبوة ، و هو مقتضى التلاوة .
و قوله تعالى ـ في قصته : : وفتناك فتونا ، أي ابتليناك ابتلاء بعد ابتلاء . قبل في هذه القصة و ما جرى له مع فرعون . و قيل : إلقاؤه في التابوت و اليم ، و غير ذلك.
و قيل : معناه أخلصناك إخلاصاً ، قاله ابن جبير و مجاهد ، من قولهم : فتنت الفضة في النار إذا خلصتها . و أصل الفتنة معنى الاختبار ، و إظهار ما بطن ، إلا أنه استعمل في عرف الشرع في اختبار أدى إلى ما يكره.

وكذلك ما روي في الخبر الصحيح ، من ان ملك الموت جاءه فلطم عينه ففقأها . . .
الحديث .. ليس فيه ما يحكم به على موسى بالتعدي و فعل ما لا يجب له، إذ هو ظاهر الأمر، بين الوجه ، جائز الفعل ، لأن موسى دافع عن نفسه من أتاه لإتلافها ، و قد تصور به في صورة آدمي ، و لا يمكن أنه علم حينئذ أنه ملك الموت ، فدافعه عن نفسه مدافعة أدت إلى ذهاب عين تلك الصور التي تصور له فيها الملك امتحاناً من الله ، فلما جاءه بعد ، و أعلمه الله تعالى أنه رسوله إليه استسلم. وللمتقدمين و المتأخرين على هذا الحديث أجوبة هذا أسدها عندي، وهو تأويل شيخنا الإمام أبي عبد الله المازري. وقد تأوله قديماً ابن عائشة و غيره على صكه و لطمه بالحجة ، و فقء عين حجته ، وهو كلام مستعمل في هذا الباب في اللغة معروف.

وأما قصة سليمان وما حكى فيها أهل التفاسير من ذنبه وقوله : (ولقد فتنا سليمان) ، فمعناه ابتلينا، و ابتلاؤه: ما حكي عن النبي صلى الله عليه و سلم انه قال : لأطوفن الليلة على مائة امراة أو تسع وتسعين كلهن يأتين بفارس يجاهد في سبيل الله. فقال له صاحبه : قل إن شاء الله ، فلم يقل . فلم تحمل منهم إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل . قال النبي صلى الله عليه و سلم : والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله .
قال أصحاب المعاني : والشق هو الجسد الذي ألقى على كرسيه حين عرض عليه ، وهي عقوبته و محنته. و قيل بل مات فألقي على كرسيه ميتاً. وقيل : ذنبه حرصه على ذلك و تمنيه.
و قيل : لأنه لم يستثن لما استغرقه من الحرص ، و غلب عليه من التمني.
و قيل : عقوبته أن سلب ملكه، و ذنبه أن احب بقلبه أن يكون الحق لأختانه على خصمهم .
و قيل : أوخذ بذنب قارفه بعض نسائه. و لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به ، وتسلطه على ملكه تعالى و تصرفه في في أمته بالجور في حكمه، لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، و قد عصم الأنبياء من مثله [218 ].

و إن سئل : لم لم يقل سليمان في القصة المذكورة : إن شاء الله فعنه أجوبة:
أحدها : ما روي في الحديث الصحيح أنه نسى أن يقولها ، و ذلك لينفذ مراد الله تعالى .
و الثاني : أنه لم يسمع صاحبه و شغل عنه .
و قوله : (وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي) . لم يفعل هذا سليمان غيره على الدنيا و لا نفاسة بها ، و لكن مقصده في ذلك ـ على ما ذكره المفسرون ـ ألا يسلط عليه أحد كما سلط عليه الشيطان الذي سلبه إياه مدة امتحانه على قول من قال ذلك .
و قيل : بل أراد أن يكون له من الله فضيلة و خاصة يختص بها كاختصاص غيره من أنبياء الله و رسله بخواص منه. وقيل : ليكون ذلك دليلاً و حجة على نبوته ، كإلانة الحديد لأبيه، و إحياء الموتى لعيسى، و اختصاص محمد صلى الله عليه و سلم بالشفاعة ، و نحو هذا.

وأما قصة نوح عليه السلام فظاهرة العذر ، وإنه أخذ فيها بالتأويل و ظاهر اللفظ ، لقوله تعالى : (و أهلك )، فطلب مقتضى هذا اللفظ، و أراد علم ما طوي عليه من ذلك ، لا أنه شك في وعد الله تعالى، فتبين الله عليه أنه ليس من أهله الذين وعده بنجاتهم لكفره وعمله الذي هو غير صالح، وقد أعلمه أنه مغرق الذين ظلموا، و نهاه عن مخاطبته فيهم ، فووخذ بهذا التأويل ، وعتب عليه، و أشفق هو من إقدامه على ربه لسؤاله ما لم يؤذن له في السؤال فيه، و كان نوح ـ فيما حكاه النقاش لا يعلم بكفر ابنه. و قيل في الآية غير هذا ، و كل هذا لا يقضي على نوح بمعصية سوى ما ذكرنا من تأويله و إقدامه بالسؤال فيما لم يؤذن له فيه ، و لا نهى عنه.

وما روي في الصحيح من أن نبياً قرصته نملة فحرق قرية النمل ، فأوحى الله إليه : أن قرصتك نملة أحرقت أمة من الأمم تسبح ... فليس في هذا الحديث أن هذا الذي أتى معصية، بل فعل ما رآه مصلحة و صواباً بقتل من يؤذي جنسه ، و يمنع المنفعة مما أباح الله .
ألا ترى أن هذا النبي كان نازلاً تحت الشجرة، فلما آذته النملة تحول برجله عنها مخافة تكرار الأذى عليه و ليس فيما أوحى الله إليه ما يوجب معصية ، بل ندبه إلى احتمال الصبر وترك التشفي ، كما قال تعالى : (ولئن صبرتم لهو خير للصابرين)، إذا ظاهر فعله إنما كان لأجل أنها آذته هو في خاصته ، فكان انتقاماً لنفسه، و قطع مضرة يتوقعها من بقية النمل هناك، و لم يأت في كل هذا أمراً نهي عنه ، فيعصى به، و لا نص فيما أوحى الله إليه بذلك ، و لا بالتوبة والاستغفار منه. و الله أعلم" أهـ (راجع: القاضي عياض: الشفا/ج2 ص142:ص149)

الرد على شبهة أن القرآن صرح بمعصية آدم:
أجاب على ذلك أيضاً القاضي عياض في الشفا قائلاً: "فإن قلت : فإذا نفيت عنهم صلوات الله عليهم الذنوب و المعاصي بما ذكزته من اختلاف المفسرين و تأويل المحققين فما معنى قوله تعالى : (وعصى آدم ربه فغوى) ، و ما تكرر في القرآن والحديث الصحيح من اعتراف الأنبياء بذنوبهم و توبتهم و استغفارهم [219 ] ، و بكائهم على ما سلف منهم ، وإشفاقهم. و هل يشفق ويتاب و يستغفر من لا شيء ؟.

فاعلم ـ و فقنا الله و إياك ـ أن درجة الأنبياء في الرفعة و العلو و المعرفة بالله ، و سنته في عباده و عظم سلطانه ، و قوة بطشه ، مما يحملهم على الخوف منه جل جلاله ، و الإشفاق من المؤاخذة بما لا يؤاخذ به غيرهم ، و أنهم في تصرفهم بأمور لم ينهوا عنها، ولا أمروا بها، ثم أخذوا عليها، وعوتبوا بسببها، أو حذروا من المؤاخذة بها ، و أتوها على وجه التأويل أو السهو ، أو تزيد من أمور الدنيا المباحة خائفون و جلون، و هي ذنوب بالإضافة إلى علي منصبهم ، و معاص بالنسبة إلى كمال طاعتهم ، لا أنها كذنوب غيرهم و معاصيهم ، فإن الذنب مأخوذ من الشيء الدني الرذل، و منه ذنب كل شيء أي آخره . و أذناب الناس رذالهم ، فكأن هذه أدنى أفعالهم ، و أسوأ ما يجر ي من أحوالهم لتطهيرهم و تنزيههم ، و عمارة بواطنهم و ظواهرهم بالعمل الصالح، والكلم الطيب ، و الذكر الظاهر و الخفي ، و الخشية الله ، و إعظامه في السر و العلانية ، وغيرهم يتلوث من الكبائر و القبائح و الفواحش ما تكون بالإضافة إليه هذه الهنات في حقه كالحسنات ، كما قيل : حسنات الأبرار سيئات المقربين ، أي يرونها بالإضافة إلى علي أحوالهم كالسيئات. وكذلك العصيان الترك و المخالفة ، فعلى مقتضى اللفظة كيفما كانت من سهو أو تأويل فهي مخالفة و ترك. قوله تعالى : غوى ، أي جهل أن تلك الشجرة هي التي نهي عنها ،و الغي : الجهل. و قيل : أخطأ ما طلب من الخلود ، إذ أكلها و خابت أمنيته.
و هذا يوسف عليه السلام قد أوخذ بقوله لأحد صاحبي السجن : (اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين) [ سورة بوسف /12 الآية : 42 ] .
قيل : أنسي يوسف ذكره الله . و قيل : أنسي صاحبه أن يذكره لسيده الملك ، قال النبي صلى الله عليه و سلم : لولا كلمة يوسف مالبث في السجن ما لبث .
قال ابن دينار : لما قال ذلك يوسف قيل له : اتخذت من دوني وكيلا ، لأطيلن حبسك . فقال : يارب، أنسى قلبي كثر ة البلوى. وقال بعضهم : يؤاخذ الأنبياء بمثاقيل الذر ، لمكانتهم عنده ، ويجاوز عن سائر الخلق لقلة مبالاته بهم في أضعاف ما أتوا به من سوء الأدب .
و قد قال المحتج للفرقة الأولى على سياق ما قلناه : إذا كان الأنبياء يؤاخذون بهذا مما لا يؤاخذ به غيرهم من السهو و النسيان ، و ما ذكرته ، و حالهم أرفع فحالهم إذًا في هذا أسوأ حالاً من غيرهم.

فاعلم ـ أكرمك الله ـ أنا لا نثبت لك المؤاخذة في هذا على حد مؤاخذة غيرهم ، بل نقول: إنهم يؤاخذون بذلك في الدنيا، ليكون ذلك زيادة في درجاتهم ، ويبتلون بذلك، ليكون استشعارهم له سبباً لمنماة رتبهم، كما قال: ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى [ سورة طه /20 ، الآية :122] .
قال [ 220 ] لداود: فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب [ سورة ص/23، الآية: 25 ] .
قال بعد قول موسى : (تبت إليك) : (إني اصطفيتك على الناس) .
و قال بعد ذكر فتنة سليمان و إنابته : (فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب * والشياطين كل بناء وغواص * وآخرين مقرنين في الأصفاد * هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب * وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب) [ سورة ص/38 ، الآية : 36 ، 40 ] .
و قال بعض المتكلمين : زلات الأنبياء في الظاهر زلات ، و في الحقيقة كرامات وزلف ، وأشار إلى نحو مما قدمناه. وأيضاً فلينبه غيرهم من البشر منهم ، أو ممن ليس في درجتهم بمؤاخذتهم بذلك ، فيستشعروا الحذر ، ويعتقدوا المحاسبة ليلتزموا الشكر على النعم ، ويعدوا الصبر على المحن بملاحظة ما وقع بأهل هذا النصاب الرفيع المعصوم ، فكيف بمن سواهم ، ولهذا قال صالح المري : ذكر داود بسطة للتوابين.
قال ابن عطاء : لم يكن ما نص الله تعالى عليه من قضية صاحب الحوت نقصا له ، و لكن استزادة من نبينا صلى الله عليه و سلم .
و أيضاً فيقال لهم : فإنكم و من وافقكم تقولون بغفران الصغائر باجتناب الكبائر .
و لا خلاف في عصمة الأنبياء من الكبائر ، فما جوزتم من وقوع الصغائر عليهم هي مغفورة على هذا ، فما معنى المؤاخذة بها إذاً عندكم و خوف الأنبياء و توبتهم منها ، و هي مغفورة لو كانت ؟ فما أجابوا به فهو جوابنا عن المؤاخذة بأعمال السهو و التأويل .
و قد قيل : إن كثرة استغفار النبي صلى الله عليه و سلم و توبته ، و غيره من الأنبياء على و جه ملازمة الخضوع و العبودية ، و الاعتراف بالتقصير ، شكراً الله على نعمه، كما قال صلى الله عليه و سلم و قد أمن من المؤاخذة مما تقدم و تأخر: أفلا أكون عبداً شكوراً .
و قال : إني أخشاكم الله ، و أعلمكم بما أتقي .
قال الحارث بن أسد : خوف الملائكة و الأنبياء خوف إعظام و تعبد الله ، لأنهم آمنون .
و قيل : فعلوا ذلك ليقتدي بهم ، و تستن بهم أممهم ، كما قال صلى الله عليه و سلم : لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً و لبكيتم كثيراً. و أيضاً فإن في التوبة و الاستغفار معنى آخر لطيفاً أشار إليه بعض العلماء، وهو استدعاء محبة الله ، قال الله تعالى: (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين) [ سورة البقرة / 2، الآية : 222 ] .

فإحداث الرسل والأنبياء الاستغفار والتوبة والإنابة والأوبة في كل حين ـ استدعاء لمحبة الله ! والاستغفار فيه معنى التوبة ، وقد قال الله لنبيه بعد أن غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر : لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار [ سورة التوبة / 9 ، الآية : 117 ] .
و قال تعالى : فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا [ سورة النصر / 110 ، الآية : 3 ]. أهـ (راجع: القاضي عياض: الشفا/ج2 ص149:ص152).

صفوة القول
يقول القاضي عياض رحمه الله تعالى: "قد استبان لك أيها أبها الناظر بما قررناه ، ما هو الحق من عصمته صلى الله عليه و سلم عن الجهل بالله و صفاته، وكونه على حاله تنافي العلم بشيء من ذلك كله بعد النبوة عقلاً و إجماعا ، و قبلها سمعاً و نقلاً ، ولا بشيء مما قرره من أمور الشرع ، و أداه عن ربه من الوحي قطعاً عقلاً و شرعاً ، وعصمته عن الكذب و خلف القول منذ نبأه الله و أرسله قصداً أو غير قصد، واستحالة ذلك عليه شرعاً و إجماعاً، و نظراً وبرهاناً، وتنزيهه عنه قبل النبوة قطعاً، وتنزيهه [ 221 ] عن الكبائر إجماعاً وعن الصغائر تحقيقاً، وعن استدامة السهو والغفلة، واستمرار الغلط والنسيان عليه فيما شرعه للأمة، وعصمته في كل حالاته، من رضاً و غضب، وجد ومزح، فيجب عليك أن تتلقاه باليمين، وتشد عليه يد الضنين وتقدر هذه الفصول حق قدرها، تعلم عظيم فائدتها و خطرها، فإن من يجهل ما يجب للنبي صلى الله عليه و سلم، أو يجوز له، أو يستحيل عليه، ولا يعرف صور أحكامه، لا يأمن أن يعتقد في بعضها خلاف ما هي عليه ، ولا ينزهه عما لا يجب أن يضاف إليه ، فيهلك من حيث لا يدري ، و يسقط في هوة الدرك الأسفل من النار حدثنا إذ ظن الباطل به، واعتقاده ما لا يجوز عليه يحل بصاحبه دار البوار. ولهذا ما احتاط عليه السلام على الرجلين اللذين رأياه ليلاً، وهو معتكف في المسجد مع صفية ، فقال لهما: إنها صفية. ثم قال لهما: إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، و إني خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئاً فتهلكا.

هذه ـ أكرمك الله ـ إحدى فوائد ما تكلمنا عليه في هذه الفصول، ولعل جاهلاً لا يعلم بجهله إذا سمع شيئاً منها برى أن الكلام فيها جملة من فصول العلم ، وأن السكوت أولى. وقد استبان لك أنه متعين للفائدة التي ذكرناها.

و فائدة ثانية يضطر إليها في أصول الفقه، و تبني عليها مسائل لا تنعد من الفقه، يتخلص بها من تشغيب مختلفي الفقهاء في عدة منها، وهي الحكم في أقوال النبي صلى الله عليه و سلم وأفعاله، وهو باب عظيم ، وأصل كبير من أصول الفقه، ولا بد من بنائه على صدق النبي صلى الله عليه و سلم في إخباره وبلاغه، وأنه لا يجوز عليه السهو فيه تعالى وعصمته من المخالفة في أفعاله عمداً، وبحسب اختلافهم في وقوع الصغائر وقع خلاف في امتثال الفعل ، بسط بيانه في كتب ذلك العلم حدثنا فلا نطول به.

وفائدة ثالثة يحتاج إليها الحاكم والمفتى فيمن أضاف إلى النبي صلى الله عليه و سلم شيئاً من هذه الأمور، و وصفه بها ، فمن لم يعرف ما يجوز وما يمتنع عليه، و ما وقع الإجماع فيه والخلاف، كيف يصمم في الفتيا في ذلك، و من أين يدري ؟ هل ما قاله فيه نقص أو مدح ، فإما أن يجترىء على سفك دم مسلم حرام، أو يسقط حقاً، أو يضيّع حرمةً للنبي صلى الله عليه وسلم." أهـ (القاضي عياض: الشفا بتعريف حقوق المصطفى/دار الفكر بيروت/ج2ص152:ص154).

وأخيراً: هذا ما حضرني للإجابة على هذا السؤال أسأل الله أن أكون وفقت في توضيح الإجابة من خلال نقل بعض الفقرات من كلام القاضي عياض والحافظ القرطبي رحمهما الله تعالى.

 

انتهت أجوبة المجموعة الرابعة وسيليها بعون الله المجموعة الخامسة إن شاء الله.

 
<<< المجموعة السابقة الفهرس